Indexed OCR Text
Pages 481-500
الموطأ
.
عز وجل: ﴿وَسَثَلِ الْقَرْيَةَ الَتِىِ كُنَّا فِهَا﴾ [ يوسف: ٨٢]. ثُرِيدُ: (" واسألْ(١) التمهيد
أهلَ القريةُ). وهذا معروفٌ فى لسان العربِ، وقد تكونُ الإرادةُ للجبلِ
مَجازًا أيضًا، فيكونُ القولُ فى محبّ الجبلِ كالقول فى إرادةِ الجِدارِ أن
يَنْقَضَّ سواءٌ، ومَن حمَل ذلك على المجازِ جعَله كقولِ الشاعرِ:
يُريدُ الرمحُ صدرَ أبى بَراءٍ وَيَرْغَبُ عن دماءِ بنِى عَقِيلٍ
وزَعَم أن العربَ خُوطِبَت مِن ذلك بما تَعْرِفُه بينَها مِن مُخاطَباتِها
ومفهوم كلامِها. فهذا كلَّه مذهبُ مَن حمَل هذه الألفاظَ وما كان مثلَها
فى الكتاب والسنةٍ على المجازِ المعروفِ مِن لسانِ العربِ . والمذهبُ
الآخَرُ، أن ذلك حقيقةٌ، ومَن حمَل هذا على الحقيقةِ جعَل للجدارِ إرادةً
يَفْهَمُها مَن شاء اللهُ، وجعَل لكلِّ شىءٍ تَشْبِيحًا حقيقةً لا يَفقَهُها الناسُ،
بقوله عزَّ وجلّ: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَهُ وَالطَّيْرٌ﴾ [سبأ: ١٠]. وقوله: ﴿وَإِن
مِن شَىْءٍ إِلَّ يُسَبِّحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وجعَل للسماواتِ والأرضِ بُكاءً(٦)
وقولًا فى مثلِ هذا المعنى صحيحًا . والقولُ فى كلا المذهبَيْن يَتَّسِعُ، وقد
أْثَرَ الناسُ فى هذا. وبالله التوفيقُ.
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) بعده فى ص ١٦: ((ومثله والعير التى كنا فيها)).
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض﴾ [الكهف: ٧٧]
(٤) تقدم تخريجه فى ٣٢٣/٢.
(٥) فى ص ١٦، ص ١٧: ((يفهمها)).
(٦) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾. [الدخان: ٢٩].
٤٨١
(موسوعة شروح الموطأ ٣١/٢١)
الموطأ
التمهید
وأما قولُه: ((إِنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكةَ، وإِنِّى أَحرِّمُ مَا بينَ لابتَيها)). فقد
روَى هذا المعنى أبو هريرةَ ورافعُ بنُ خَدِيجٍ، عن النبيِّ بَه .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهیرٍ ، حدَّثنا
قتيبةُ بُّ سعیدٍ ، حدثنا بکرُ بنُ مُضَرَ، عن ابنِ الهادِی، عن أبی بکرِ بنِ
محمد ، عن عبد الله بن عمرو بن عثمانَ ، عن رافع بنٍ خَدِیجٍ ، قال : قال
رسولُ اللهِ وَ لِّ: ((إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكةَ))(١).
وقال أحمدُ بنُّ زهيرٍ: حدَّثْنا مصعبُ بنُ عبدِ اللهِ ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ
أبى حازمٍ، عن كثيرٍ بنِ زيدٍ، عن الوليدِ بنِ رباحٍ، عن أبى هريرةَ ، أن
رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((إِنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكةً))(١).
ورواه جابرٌ وسعدُ بنُ أبى وقاصٍ أيضًا كذلك .
٣حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، حدَّثنا محمدُ
ابنُّ عمران بنِ أبی لیلی، قال : حدّثنی ابی ، قال : حدثنا ابنُ أبی لیلی ، عن أبى
الزبيرِ، عن جابرٍ، أَن النبيَّ بَّه قال: ((إن إبراهيمَ حَرَّم مكةَ)) ().
القبس
(١) تاريخ ابن أبى خيثمة (٢٩٠). وأخرجه أحمد ٥٠٩/٢٨ (١٧٢٧٣)، ومسلم (٤٥٦/١٣٦١)
من طريق قتيبة به، وأخرجه الطبرانى (٤٣٢٦) من طريق بكر به، وأخرجه الطحاوى فى شرح
المعانى ١٩٣/٤، والطبرانى (٤٣٢٥، ٤٣٢٧، ٤٣٢٨) من طريق ابن الهادى به .
(٢) تاريخ ابن أبى خيثمة (٢٩٢). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٩٣/٤ من طريق عبد
العزيز به .
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ص ١٧.
٤٨٢
الموطأ
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُّ التمهيد
إسحاقَ ، حدَّثنا محمدُ بنُ أبى بكرٍ ، حدَّثنا الفُضَيلُ(١) بنُ سليمانَ، حدّثنا
محمدُ بنُّ أبى يحيى ، عن أبى إسحاقَ ، عن عامٍ بن سعدِ بنِ أبی وقّاصٍ،
عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله : (( ما بينَ لابَتَي المدينةِ حرامٌ، كما
حرَّم إبراهيمُ مكةَ ، اللهمَّ اجعَلِ البركةَ فيها بركَتَينٍ، وبارِكْ لهم فى صَاعِهم
ومُدِّهم، وإنِّى أُحرِّمُ ما بينَ لابتَيها)) . يعنى المدينةَ(٢).
وأمّا ابنُ عباس وأبو شریح الگعبئُّ ، فرویًا أنَّ الله عز وجل حرَّمها ولم
يُحرِّمها الناس" .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، حدَّثنا قاسم، حدَّثنا أحمدُ بنُّ زُهيرٍ، حدَّثنا أبى ،
حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ قال : قال رسولُ اللهِ
وَّهُ يومَ فتح مكةَ: ((إنَّ هذا البلدَ حرَّمَه اللهُ يومَ خلَق السَّماواتِ
والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرمَةِ اللهِ إلى يوم القيامةِ، لا يُعضَدُ شَوْكُه، ولا ينفّرُ
صيدُه، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَه إِلَّ مَن عرَّفَهَا)). وذكّر تَمامَ الحديثِ(٤).
القبس
(١) فى م: ((الفضل)). وسيأتى على الصواب ص ٤٩٦، وينظر تهذيب الكمال ٣٧١/٢٣.
(٢) أخرجه أحمد ٦٢/٣ (١٤٥٧) من طريق الفضيل بن سليمان به.
(٣ - ٣) سقط من: ص ١٧.
(٤) تاريخ ابن أبى خيثمة (٣٠٤).
٤٨٣
الموطأ
وحدّثنا عبدُ الوارث، حدِّثْنا قاسمُ، حدَّثُنا أحمدُ بنُ زهيرِ، حدّثنا
التمهيد
أبى، حدثنا وهبُ بنُّ جريرٍ، حدَّثْنا أبى، قال: سمِعتُ يونس بنّ يزيدَ
يحدِّثُ ، عن الزهرىّ، عن مسلم بن يزيدَ "أُحدٍ بنى() سعدٍ(٢) مِن بكرٍ (٣)،
أنه سمِع أبا شُريح الُزَاعِيِّ ثم الكعبىَّ يقولُ: ثم قام رسولُ اللهِ وَلِهِفَأَثْنَى
على الله بما هو أهله، ثم قال: ((أمَّا بعدُ، فإِنَّ اللهَ خَرَّم مكةً لم يُحرِّمُها
الناش، وإنما أحلُّها لى ساعَةٌ مِن النهارِ أمسٍ(٢)، وإنَّها اليومَ خرام كما
حرّمِها أوَّلَ مَرَّةٍ ، وإِنِّى أُحٌّمُ ما بين لابتيها)) . يعنى المدينةً(٥) ..
ففى هذا كلّه تَصريحٌ بتحريم المدينةِ ، وأنها لا يجوزُ الاصْطِيادُ فيها ،
وفى ذلك ما يُطِلُ قولَ الكوفيين، ويَشْهَدُ لصحةٍ قولِ أهلِ المدينةِ . قال
عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ(١) الماجِشُونِ: التحريمُ للصيدِ بالمدينةِ حقٌّ؛
لقول رسولِ اللهِ وَله: ((اللهمّ إنَّ إِبراهيم حرَّمَّ مكةَ، وإِنِّى أَحْرٌّمُ مَا بِينَ
القبس
(١ - ١) فى ص ٢٧: ((حدثشى)).
(٢) فى ص ١٦: ((سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٥١.
(٣) فى ص ٢٧: ((بكرة)).
(٤) سقط من: ص ١٧، وفى م: ((آمن)).
(٥) تاريخ ابن أبى خيثمة (٣٠٩). وأخرجه أحمد ٢٩٨/٢٦ (١٦٣٧٦) من طريق وهب بن
جرير به، وأخرجه البخارى فى تاريخه ٢٧٧/٧، والفسوى فى المعرفة ٣٩٧/١، ٣٩٨،
والطبرانى ٢٢/ ١٩١، ١٩٢ (٥٠٠)، والحاكم ٣٤٩/٤، والبيهقى ٨/ ٧١، ١٢٢/٩، ١٢٣
من طريق يونس به، وعند البخارى والحاكم مختصر.
(٦) سقط من: ص ٢٧.
٤٨٤
المواً
لابتّيها ». قال عبدُ الملكِ: وحَدُّ ذلك ما لو التقتِ الحَرّتانِ عليه كانت التمهيد
البيوتُ شاغلةٌ يَشْنةً(١)، وما فوقَ ذلك وأسفَلَ فمباغ. قال: وقال مالك:
أكرَهُ ما قرُّب جدًّا مِن فوقٍ وأسفلّ. قال: وبلَغَنا أن سعدًا أَخَذ ثوبٌ مّن
فعل ذلك وفأسّه، فَكُلِّم فيه، فقال: لا أدَعُ ما أعْطَانِيه رسولُ اللهِ وَلِ﴾(٢)
قال: وبلَغَنا أن عمرَ بنّ الخطابِ قال لمولّى لقُدامةَ بن مظعونٍ يُدْعَى
بسالم : إذا رأيتَ مَن يقطعُ مِن الشجرِ - يعنى شجرَ المدينةِ - شيئًا فخُذْ
فأسَه. قال: وثوبَه يا أميرَ المؤمنين؟ قال: لا، ولكن فأسه(٣).
قال أبو عمرَ: لم يَخْتَلِفِ العلماءُ أنه لا يجوزُ أَخْذُ فأسِ مَن اصْطاد
بالمدينةِ اليومَ ولا ثوبَه ، وقد احتَجَّ بذلك مّن زعَم أن تحريمَ صيدِها مَنْسوعٌ
بذلك ، وهذا ليس بشىءٍ؛ لأن الحديثَ فى ذلك عن سعدٍ وعمرَ رضِى
اللهُ عنهما ضعيفُ الإسنادٍ، ولا يُحتجُّ به، وقد ثبت تحريمُها مِن الطرقِ
الصِّحاحِ، وليس فى شُقوطٍ وجوبِ الجَزاءٍ على مَن اصطاد فيها ما يُشْقِطُ
تحريمها؛ لما قدَّمْناه من الحجةِ فى ذلك فى بابِ ابنِ شهاب ، عن سعيد
القبس
(١) فى ص ١٦، ص ٢٧: ((منه))، وفى ص ١٧، م: (عنه).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٠١٧١٥١ ١٧١٥٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ١٩١،
والبيهقى ١٩٩/٥.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧١٥٠)، والجندى فى فضائل المدينة (٦٧، ٧٧).
(٤) فى ص ١٧: ((تحريمه)).
٤٨٥
الموطأ
التمهيد ابنِ المسيبٍ (١)، وثَمَّ أَشبَعنا القولَ فى هذه المسألةِ ، ولم يكنْ فى شريعةٍ
إبراهيمَ جَزاءُ صيدٍ فيما قال أهلُ العلم، والنبيُّ وَلّ إنما حرَّم المدينةَ كما
حرَّم إبراهيمُ مكةَ، ووجوبُ الجَزاءِ فى صيدِ الحرمِ شىءٌ ابتَلَى اللهُ به هذه
الأمةَ، أَلا تَرَى إلى قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَىْءٍ
مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤]؟ ولم يكنْ قبلَ ذلك، واللهُ أعلمُ، والصحابةُ
فهِموا المرادَ فى تحريم صيدِ المدينةِ ، فتلَقَّوْه بالوُجوبِ دونَ جَزاءٍ ، كذلك
قال أبو هريرةً(٢)، وزيدُ بنُ ثابتٍ(٣)، وأبو سعيدٍ (٤).
ذكَّر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبى أُوئِيسٍ،
قال : حدَّثنی أخى، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن سعد ) بنِ إسحاقَ بنِ
كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن زينبَ بنتٍ كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن أبى سعيدٍ
الخدرىِّ، أن النبىَّ وَِّ حرَّم ما بينَ لابَي المدينةِ، وأنه حرَّم شجرَها أن
يُعْضَدَ ، قالت زينبُ : فكان أبو سعيدٍ يَضْرِبُ بنيه إذا اصطادوا فيها ،
القبس
(١) سيأتى ص ٤٩٤ - ٤٩٦.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٧٠٩).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٧١١).
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٩٩/١٤، ٢٠٠، ومسند أحمد ٤٥٤/٣٥ (٢١٥٧٦)،
ومعجم الطبرانى (٤٩١٠ - ٤٩١٢).
(٥) فى ص ٢٧، والنسائى فى الكبرى: ((سعيد)). وينظر ما تقدم فى ٥١٠/١٥ - ٥١٦،
وتهذيب الكمال ٢٤٨/١٠.
٤٨٦
الموطأ
التمهيد
.(١)
ويُؤْسِلُ الصيدَ(١).
قال: وحدَّثنا مسددٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ ، قال: حدَّثنا
عاصم الأحولُ، قال: قلتُ لأُنسِ بنِ مالكٍ: حرَّم رسولُ اللهِ وَله
المدينةَ؟ قال : نعم(٢).
وقد قالت فرقةٌ : فى صيدِ المدينةِ جَزاءٌ. واحْتَبُوا بأنه حَرَمُ نبىٌّ ، كما
مكةُ حَرَمُ نبىٌّ، واعتُلُّوا بقولِه: ((إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكةً، وإنِّى أُحرِّمُ ما بينَ
لابتَيها)). والوجهُ المختارُ(٣) ما قدَّمْنا ذِكْرَه(٣)، وهو قولُ مالكٍ،
والشافعيِّ، وأبى حنيفةَ، وأكثرِ أهلِ العلم، والأُصلُ أن الذِّمةَ بَرِيئَةٌ، فلا
يجبُ فيها شىء إلا بيقينٍ.
وأما حرَّمُ المدينةِ ، وكم يبلُغُ مِن المسافةِ، ومعنى لابتَيْها، وهما
الحّتان . فقد مضی فی کتابنا هذا فی بابٍ ابن شهاب ، عن سعیدِ بنِ
المسيب(٤) . والحمدُ للهِ .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٧٠/١٧ (١١١٧٧)، والنسائى فى الكبرى (٤٢٨٣)، وأبو يعلى
(٩٩٨)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٩٢/٤ من طريق سعد - وعند النسائى: سعيد - بن
إسحاق به .
(٢) أخرجه أبو نعيم فى مستخرجه (٣١٧٠) من طريق مسدد به، وأخرجه البخارى (٧٣٠٦)
من طريق عبد الواحد به .
(٣) ليس فى: الأصل، ص ١٦، ص ٢٧.
(٤) سيأتى ص ٤٩٣، ٤٩٤.
٤٨٧
الموطأ
١٧٠٩ - مالك، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، عن
أبى هريرةَ، أنه كان يقولُ: لو رأيتُ الظّاءَ بالمدينةِ تَرتَعُ ما ذعَرتُها ؛
قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((ما بينَ لابَتَيْها حرامٌ)).
مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أنَّ أبا هريرةَ قال:
· التمهيد
القبس
(١) قال أبو عمر: ((ابن شهاب عن سعيد بن المسيب القرشى المخزومى المدنى سبعة عشر حديثا
منها سبعة متصلة وسعة مرسلة ومنها ما شركه فيها أبو سلمة بن عبدالرحمن أربعة أحاديث
حديثان متصلان مسندان وحديثان مرسلان، وهو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبى وهب بن
عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم يكنى أبا محمد ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن
الخطاب وذلك سنة أربع عشرة، هذا أشهر شىء فى مولده وأصحه، وقد قیل ولد لسنتين بقیتا
من خلافة عمر، وعلى الأول أهل الأثر وأما الحسن البصرى فولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر
وذكر ابن البرقى، عن ابن عبدالحكم، عن ابن وهب، عن مالك أن سعيد بن المسيب ولد
لثلاث سنین بقیت من خلافة عمر قال وحدثنا ابن عبدالحكم قال سمعت مالکا یقول كان يقال
لسعيد بن المسيب راوية عمر قال وتوفى سعيد بن المسيب سنة أربع وتسعين هكذا قال ابن البرقى
وخالفه غيره، وسنذ کر ذلك فی آخر باب أخباره منهنا إن شاء الله. حدثنا عبدالوارث بن
سفیان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا عبدالرحمن بن إبراهيم
دخیم قال حدثنا عبدالأعلى أبو مسهر قال حدثنا سعيد بن عبدالعزیز قال لما مات ابن عمر وابن
عباس کان عالم المدينة سعيد بن المسيب . قال وحدثنا دحیم قال حدثنا سهل بن هاشم قال حدثنا
الأوزاعى قال سئل الزهرى ومكحول من أفقه من أدر كتما فقالا سعيد بن المسيب . وحدثنا خلف
ابن القاسم قال حدثنا أبو الميمون قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنى عبدالرحمن بن إبراهيم دحيم
فذكر الخبرین جمیعا هذا والذی قبله . أخبرنا عبدالله بن محمد بن يوسف قال أخبرنا أحمد بن
محمد بن إسماعيل قال أخبرنا محمد بن الحسن قال أخبرنا الزییر ین بکار قال حدثنی عبدالله بن
عبيد الله بن عبدالله بن عنبسة عن عبدالرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال رمقت سعيد بن المسيب
بعد جلد هشام بن إسماعيل إياه فما رأيته يفوته معه سجود ولا ركوع ولا زال یصلى معه
بصلاته . قال الزبير وحدثنى ذؤيب بن عمامة عن معن بن عيسى عن محمد بن هلال عن =
٤٨٨
الموطأ
لو رأيتُ الظُباءَ تَرتَعُ بالمدينةِ ما ذَعَرْتُها، قال رسولُ اللهِ وَله: (( ما بينَ التمهيد
القبس
= سعيد بن المسيب أنه قال ما لقيت قط المنصرفين من الصلاة منذ أربعين سنة. وروى الليث بن
سعد عن يحيى بن سعيد أن سعيد بن المسيب كان يسمى راوية عمر بن الخطاب؛ لأنه كان
احفظ الناس لأحكامه وأقضیته . قال یحیی بن سعید و کان عبد الله بن عمر إذا سئل عن شىء
يشكل عليه قال سلوا سعيد بن المسيب . حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ
قال قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد
قال سمعت سعید بن المسیب یقول ولدتلسنتين مضتا من خلافةعمر. وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا
قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزامى قال حدثنا معن بن عيسى
عن مالك بن أنس أن سعيد بن المسيب ولد فى زمن عمر بن الخطاب وكان احتلامه أيام مقتل
عثمان. وروى شعبة عن إياس بن معاوية قال قال لى سعيد بن المسيب ممن أنت قلت من مزينة
قال إنى لأذکر یوم نعى عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن على المنبر . وسنذکر رواية سعيد عن
عمر فى باب يحيى بن سعيد إن شاء الله. وذكر الحسن بن على الحلوانى فى كتاب ((المعرفة))
قال حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن على بن زيد قال كان الحسن لا يرجع عن
فتيا يفتى بها إلا أن يبلغه أن سعيد بن المسيب أفتى بخلافها فإنه يترك قوله ويرجع إلى قول سعيد
ويقول إن ذلك رجل طلب العلم فى مظانه قال الحسن وسمعت يزيد بن هارون وعبد الرزاق
يقولان كان سعيد بن المسيب سيد التابعين . قال وحدثنا عفان حدثنا سليم بن أخضر عن ابن
عون عن محمد بن سيرين قال كان فى سعيد بن المسيب كزازة - الانقباض - قال محمد ولو
رفقوا به لاستخرجوا منه علما كبيرا . حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن
زهير قال حدثنا أحمد بن حبل قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال سمعت الزهرى يقول
أدركت أربعة بحور سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن
عبد الله. قال وحدثنا عبد الرحمن بن مبارك قال حدثنا قريش بن حيان العجلى قال حدثنا عمرو
ابن دينار قال سمعت قتادة يقول ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد من العلماء إلا وجدت له
فضلا عليه غير أنه كان إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب يسأله . قال وحدثنا
عبد الله بن جعفر الرقى قال حدثنا أبو المليح عن ميمون بن مهران قال قدمت المدينة فسألت =
٤٨٩
الموطأ
التمهيد لابتَيْها حرامٌ))(١).
القبس
= عن أفقه أهلها فدفعت إلى سعيد بن المسيب . قال وحدثنا يحيى بن معين قال حدثنا
الأصمعى عن مالك بن أنس عن الزهرى قال قال لى عبد الله بن ثعلبة بن صعير تريد هذا الأمر،
عليك بسعيد بن المسيب . قال وحدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعى وأبو سلمة موسى بن
إسماعيل المنقرى قالا حدثنا إبراهيم بن سعد قال حدثنى أبى عن سعيد بن المسيب قال سمعته يقول
ما بقى أحد أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله وسل﴿ وكل قضاء قضاه أبو بكر وكل قضاء قضاه
عمر - قال وأحسبه قال وعثمان - منی . قال أبو بكر أحمد بن زهير سمعت يحيى بن معين يقول
مات سعيد بن المسيب سنة خمس ومائة وكذلك قال على بن محمد المدائنی أبو الحسن . وحدثنا
أحمد بن حنبل قال سمعت يحيى بن سعيد قال وسعيد بن المسيب سنة إحدى أو اثنتين وتسعين .
يعنى مات. قال أبو نعيم مات سعيد بن المسيب سنة ثلاث وتسعين . وكذلك ذكر البخارى عن
على بن المدینی وزاد وهو ابن بضع وثمانين . قال الواقدى مات سعيد بن المسيب سنة أربع وتسعين
وهو ابن بضع وثمانين . قال وفيها مات عروة وعلى بن حسين وكان يقال سنة الفقهاء . وروى ابن
وهب والأصمعى وابن أبى الوزير عن مالك عن ابن شهاب قال كنت أجالس عبدالله بن ثعلبة بن
صعير أتعلم منه النسب فسألته يوما عن شيء من الفقه فقال إن كنت تريد هذا ولك به حاجة
فعليك بذلك الشيخ . وأشار إلى سعيد بن المسيب ، فتحولت إليه فجالسته تسع سنين لا أحسب أن
عالما غیره. زاد الأصمعی ثم تحولت إلى عروة ففجرت منه بحرا. وروی عبدالرحمن بن مهدى
هذا الخبر عن مالك فجعل موضع عبدالله بن ثعلبة بن صعير ثعلبة بن أبى مالك فوهم فيه وغلط ،
والقول عندهم قول الأصمعى وابن وهب وابن أبى الوزير، واسم ابن أبى الوزير محمد بن عمر
هاشمى ، وأخبار سعيد بن المسيب وفضائله فى علمه ودينه وزهده وفهمه وورعه كثيرة جدا
وسنذكرها إن شاء الله فى كتاب ((أخبار أئمة الأمصار)) أعان الله على ذلك بفضله ونعمته)).
تهذيب الكمال ٦٦/١١، وسير أعلام النبلاء ٢١٧/١٤.
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٥٥).
وأخرجه أحمد ١٥٢/١٢ (٧٢١٨)، والبخارى (١٨٧٣)، ومسلم (١٣٧٢)، والترمذى
(٣٩٢١)، والنسائى فى الكبرى (٤٢٨٦) من طريق مالك به .
٤٩٠
الموطأ
التمهيد
لم يختَلِفْ رُواةُ ((الموطّاً)) فى إسنادِه ولا مَتِنِه .
وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ تحريمُ المدينةِ، وإذا كانت حرامًا لم يَجُزْ
فيها الاصْطِيادُ، ولا قَطعُ الشَّجَرِ، كحَرَم (١) مكةَ، إِلَّ أنَّه لا جَزاءَ فيه عندَ
العلماءِ. كذلك قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُهما . وقال أبو حنيفةً:
صَيدُ المدينةِ غيرُ مُحرَّم ، وكذلك قَطعُ شجَرِها . وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليه
مع سائرِ ما فى تحريم ١١ المدينةِ من الآثارِ . واحتَجّ لأبى حنيفةَ بعضُ مَن
ذهَب مذهَبَه بحديثٍ سعدٍ بنِ أبى وقَّاصٍ، عن النبيِّ وَلِّ، أَنَّه قال: ((مَن
وجَدْتُموه يَصِيدُ فى حُدودِ المدينةِ، أو يَقْطَعُ مِن شَرِها، فخُذُوا
سَلَبَه))(٢) . وأخَذ سعدٌ سَلَبَ مَن فَعَلَ ذلك. قال: وقد اتَّفَق الفقهاءُ على
أَنَّه لا يُؤْخَذُ سَلَبُ مَن صاد فى المدينةِ ، فدلَّ على أنَّه منشُوخٌ. قال : وقد
يحتَمِلُ أن يكونَ معنَى النهي عن صَيْدِ المدينةِ، وقَطْع شجَرِها؛ لأُنَّ
الهِجِرَةَ كانت إليها ، فكان بقاءُ الصيدِ والشجرِ ممَّا يَزِيدُ فى زينتِها ، ويَدْعُو
إلى أُلْفَتِها، كما رُوِى عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ نَّهُ نَهَى
عن (٢)هَذْمٍ آطَامٍ)) المدينةِ؛ فإنَّها مِن زِينَةِ المدينةِ(٥).
القبس
(١) فى م: ((كهيئة)).
(٢) سقط من: ص ٤.
(٣) أخرجه الدورقى فى مسند سعد (١٢٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ١٩١.
(٤ - ٤) فى ص ٤: ((بيع هدم أطمار)). وآطام المدينة: أبنيتها المرتفعة كالحصون . ينظر النهاية
٥٤/١.
(٥) أخرجه العقيلى ٢/ ٣١١، ٣١٢ من طريق نافع به بلفظ المصنف .
٤٩١
للرطا
التمهيد
قال أبو عمرَ: ليس فى هذا كلِّه حُيّةٌ؛ لأنَّ حديثَ سَغدٍ ليس
بالقوىِّ، ولو صَخْ لم يكن فى نسخ أخْذِ الشَّلَبِ ما يُشْقِطُ ما صَحَ
مِن تحريم المدينةِ، وما تأْوَّلَه فى زِينةِ المدينةِ فليس بشىءٍ؛ لأنَّ
الصَّحابةَ تَلَّقُّوا تَحْرِيمَ المدينةِ(١) بغيرِ هذا التَّأويلِ، وسَعْدٌ قد عَمِلَ
بما رَوَى، فأُّ نَشْخِ ههُنا؟ وفى قول أبى هريرةَ: ما ذعَرتُها.
دليلٌ على أنَّه لا يجوزُ تَروِيعُ الصَّيدِ فِى حَرَمِ المدينةِ، كما لا
يجوزُ تَروِيعُه فى الحَرَمِ. واللهُ أعلمُ. وكذلك نَزْمُ زيدِ بنِ ثابتٍ
مِن يَدِ الرجلِ النُّهَسَُ - وهو طائِرٌ كان صَادَه بالمدينةِ - دليلٌ
على أنَّ الصحابةَ فَهِموا مُرادَ رسولِ اللهِ وَّ فى تَحرِيمِه صَيدَ
المدينة، فلم يُجِيزوا فيها الاصطيادَ، ولا تَمَلَّكَ ما يُصْطَادُ، ولذلك
نزّعَ زِيدٌ النُّهَسَ وسرَّحَه مِن يدِ صائدِهِ. يُقالُ: إِنَّ ذلك الوَمجلَ
شُرَخْبِلُ بنُ سعدٍ ().
القبس
(١) سقط من: ص ٤.
(٢) النُّهَسُ: طائر من الفصيلة الضردية ورتبة العصفوريات، وهو أكبر من العصفور؛ ضخم
الرأس والمنقار، يديم تحريك ذنبه، بيصيد العصافير وصغار الحيوان، يستوطن أوربة ويهاجر إلى
مصر فى الخريف والربيع. ينظر الوسيط (ن هـ س).
والحديث سيأتى فى الموطأ (١٧١١).
(٢) فى م: ((سعيد)).
٤٩٢
الموطأ
وقال ابنُّ مَهْدِىِّ، عن مالِكِ: حَرَمُ المدينةِ تَرِيدٌ(١) فى بَرِيدٍ. التمهيد
يعنى "مِنَ الشَّجَرِ). قال: والابتَانِ هما الحَرَّتَانِ. وقال ابنُ حبيبٍ(٢):
اللابةُ الحريةُ، وهى الأرضُ التى أُلبستِ الحجارةَ الشُودَ الجُوْدَ، وجَمْعُ
اللابَةِ لاباتٌ، فإذا كَثُرَتْ جِدًّا فهى لُوَبٌ. قال: وَتَحْرِيمُ النبىِّ وَ لِّ مَا بِينَ
لابنی المدینةِ إِنَّما یعنی فی الصّیدِ، فأمَّا فی قطع الشجر ، فبریدٌ فی بریدٍ ،
ودُورُ(٤) المدينةِ كلِّها محرمٌ، كذلك أخبرنى مُطرفٌ عن مالكِ وعمرَ بنِ
عبدِ العزيزِ. فقولُ رسولِ اللهِ وَ له: ((ما بين لابتيها)). يعنى حرَّتَيها؛
الشرقية والغربيةَ، وهى حِرارٌ أربعً، لكنَّ القِبليةَ والجوفيةَ متصلَتان بها ،
وقد ردَّها حسانُ بنُ ثابتٍ إلى حَرَّةٍ واحدةٍ لاتِّصالِها ، فقال (٥):
لنا خّةٌ مأْطُورَةٌ بجِبالِها بَنَى العِزُّ فيها بيتَه فتأْثَّلَا(٦)
قال: وقولُه: مأطُورَةٌ بچِبَالِها. يعنى معطوفةً بجبالها؛ لاستدارَةِ
الجبالِ بها، وإنَّما جِبالُها تلك الحجارةُ السودُ التى تُسَمَّى الحِزَارَ.
القبس
(١) البريد: فرسخان، وقيل: أربعة، والفرصخ ثلاثة أميال هاشمية. التاج (ب رد، فرسخ).
(٢ - ٢) سقط من: ص ٤.
(٣) تفسير غريب الموطأ ١٠١/٢.
(٤) الثور؛ جمع دارة: وهى ما أحاط بالشىء كالدائرة. اللسان ( د و ر ).
(٥) ديوانه ص ٣٧٥.
(٦) فى الديوان: ((شأملا)). وتأثل: تأصل. التاج (أ ث ل).
٤٩٣
الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: وكذا فَسَّرَ ابنُ وهبٍ ((ما بينَ لابَيْها)). قال: ما بينَ
حرَّتَيْها. قال: وهو قولُ مالكِ. قال ابنُ وَهْبٍ: وهذا(٢) الذى حَرَّمَه
رسولُ اللهِ وَّهِ فيها، إنَّما هو فى قتلِ الصَّيدِ. قيل لابنٍ وهبٍ: فما حرَّمَه
فيها فى قطع الشجرِ ؟ قال : حَدُّ ذلك ترِيدٌ فی بَرِيدٍ ، بلَغَنی ذلك عن عمرَ
ابنِ عبدِ العزيزِ. وقال ابنُّ نافعٍ : اللَّابتان هما الحرتَانِ؛ إحداهما التى يَنْزِلُ
بها الحاجُ إذا رجعوا مِن مكةً، وهى بغريبىٌّ المدينةِ ، والأُخْرَى ممَّا يَلِيها مِن
شَرْقِيٌّ المدينةِ. قال: فما بينَ هاتَينِ الحَرَّيتنِ حَرامٌ أن يُصادَ فيها طيرٌ أو
صَيدٌ . قال ابنُ نافع: وحَرَةٌ أُخْرَى مِمَّا يلى قبلةَ المدينةِ ، وحَرَّةٌ رابعٌ مِن
جِهَةِ الجوفِ، فما بينَ هذِهِ الحِرَارِ كُلِّها فى الدُّورِ محرمٌ أن يُصادَ فيها ،
ومَن فَعَل ذلك أثِم، ولم يكنْ عليه جَزاءُ ما صادَه كما يكونُ عليه فى حَرَمِ
مکةً إذا صاد فيه .
ومجملةُ مذهَبٍ مالكٍ، والشافعىِّ ، فى صَيدِ المدينةِ وقطعٍ شجرِها ،
أن ذلك مكروة و(٢) لا جَزاءَ فيه. وقال مالكٌ: لا يُقتلُ الجرادُ فى حَرَمِ
المدينة. وكان يَكْرَهُ أْلَ ما قتَلَ الحلالُ مِن الصيدِ فى حرمِ المدينةِ . وقال
أبو حنيفةً وأصحابُه: صيدُ المدينةِ غيرُ محرم، وكذلك قطعُ شجرِها .
القبس
(١) فى ص ٤: ((هو)).
(٢) سقط من: م.
٤٩٤
الموطأ
واحتجّ الطحاوىُّ لهم بحديثِ أنسٍ: ((يا أبا عميرٍ، ما فعَلَ النُّغَيْرُ(١)؟)). التمهيد
قال : فلم يُنکِرْ صيده وإمساكه .
قال أبو عمرَ : هذا(٢) قد يجوزُ أن يكونَ صِيدَ فى غيرِ حَرَمِ المدينةِ ، فلا
حجّةً فیه . واختُّ أيضًا بحديثٍ يونس بنِ أبى إسحاق ، عن مجاهدٍ ، عن
عائشةً: كان لرسولِ اللهِ وَ لّهِ وَحْشٌ، فإذا خرَجَ لَعِب واشتدَّ، وأقبَلَ
وأدبرَ، فإذا أَحَسَّ برسولِ اللهِ وَّهِ رَبَضَ، فلم يَتَرمرمْ(١)، كراهِيةَ أن
يُؤْذِيَه(٤) . والقولُ عندى فى هذا الحديثِ كالقولِ فى حديثِ النُّغيرِ. واللهُ
أعلمُ . قال إسماعيلُ بنُّ إسحاقَ بعدَ أن ذكّرَ الآثارَ فی تَحْرِیم ما بينَ لابَي
المدينَةِ: إِنِّى لأعجبُ ممَّن رَدَّ هذه الأحاديثَ بحديثٍ أنس: ((يا أبا
عُمَيْرِ، ما فَعَلَ النُّغَيِّرُ؟)).
قال أبو عمرَ: قد زِدْنا هذا البابَ بيانًا عندَ ذِ کرٍ قوله پَّێ فی حدیثِ
القبس
(١) النغير: تصغير النغر، وهو طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار، ويجمع على نغر. النهاية
٨٦/٥ .
والحديث أخرجه البخارى (٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٥٠)، وأبو داود (٤٩٦٩)، وابن ماجه
(٣٧٢٠)، والترمذى (٣٣٣، ١٩٨٩).
(٢) سقط من: ص ٤.
(٣) فى ص ٤: ((يرمرم)). ولم يترمرم: أى سكن ولم يتحرك. وأكثر ما يستعمل فى النفى.
النهاية ٢٦٣/٢.
(٤) أخرجه أحمد ٣٢٠/٤١٠ (٢٤٨١٨)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٩٥/٤، وأبو يعلى
( ٤٤٤١، ٤٦٦٠) من طريق يونس به.
٤٩٥
الموطأ
١٧١٠ - مالك ، عن يونس بن یوسف ، عن عطاء بن يسار ، عن
التمهيد مالكٍ، عن عمرو بن أبى عمرٍو، عن أنسٍ: ((اللَّهُمَّ إِنَّ إِبراهيمَ حرَّمَ مكةً،
وإِنِّى أَحرَّمُ ما بينَ لابتَيْها))(١). وليس فى سُقُوطِ الجزاءِ عمَّن اصْطادَ
بالمدينةِ دليلٌ على سُقُوطٍ تَخْرِيم صَيّدِها، ألا ترَى إلى قولِ رسولِ اللهِ
وَه: ((إِنِّى حوَّمتُ المدينةَ كما حَرَّمَ إبراهيمُ مكةَ))؟ قال إسماعيلُ
وغيرُه: لم يَتْلُّغْنا أنَّه كان فى شريعةِ إبراهيمَ جزاءُ صَيدٍ، وظاهِرُ الآيةِ يدُلُّ
على أنَّه أمرٌ شرعه اللهُ لهذه الأمّةِ بقولِه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ
◌ِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيْكُمْ وَرِمَامُكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الْقَّيْدَ
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٤، ٩٥].
قال إسماعيلُ: حدَّثنا محمدُ بنُّ أبى بكرٍ، قال: حدَّثنا الفضيلُ بنُّ
سليمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ أبى يحيى، عن أبى إسحاقَ ، عن عامرِ بنِ
سعدِ بنِ أبى وقاصٍ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((مَا بِينَ لابَتَّي
المدينةِ حرامٌ كما حرَّمَ إبراهيمُ مكةَ ، اللَّهُمَّ اجعَلِ البرَكةَ فيها بركَتَين،
وبارك لهم فى صاعِهِم ومُدِّهم»(١).
مالكٌ، عن يونسَ بنِ يوسفَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبى أيوبَ
القبس
(١) تقدم ص ٤٨٤ - ٤٨٧ .
(٢) تقللم تخريجه ص ٤٨٣ .
٤٩٦
أبى أيوب الأنصارىِّ، أنه وجَد غِلمانًا قد ألجَئُوا ثعلبًا إلى زاويةٍ، الموطأ
فطرَدهم عنه .
قال مالك: لا أعلمُ إلا أنه قال: أفى حَرَمِ رسولِ اللهِ وَلّه يُصنَعُ
هذا؟
الأنصارىِّ، أنه وجَد غِلمانًا قد ألجَثُّوا ثعلبًا إلى زاويةٍ، فطرَدهم عنه. قال التمهيد
مالك: لا أعلَمُ إلا أنه قال: أفى حَرَمِ رسولِ اللهِ وَ هِ يُصنَعُ هذا (١)؟
قال التَّنِّيسيُّ فى هذا الحديثِ عن مالكِ فيه: أفى حَرَمِ اللهِ؟ وقال مَعْنٌ
وغيرُه عن مالكِ فيه: أفى حَرَمِ رسولِ اللَّهِ وَله؟ كما قال يحيى.
وقد تقدَّم القول فى تحريم المدينة وحدودٍ خَرَمِها فى الصيدِ وغيرِه فى
باب ابن شهاب ، عن سعيد بن المسئّب من هذا الكتاب ، وفی بابٍ
عمرو بن أبى عمرٍو(٢) أيضًا.
ولم يختلفِ الرواةُ فيما علِمتُ عن مالك فى اسم شيخِه فى هذا
الحديثِ، وكلَّهم قال فيه : يونسُ بنُّ يوسفَ. وقد قيل: إنه غيرُ ابنِ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٥٦).
وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٩٢/٤، والطبرانى (٣٩١٨، ٤٨٣٠)، والجوهرى فى
مسند الموطأ (٨٢٦)، والبيهقى ١٩٨/٥ من طريق مالك به.
(٢) تقدم ص ٤٩١ - ٤٩٦.
(٣) تقدم من ٤٨٤ - ٤٨٧ .
٤٩٧
(موسوعة شروح الموطأ ٣٢/٢١)
١٧١١ - مالكٌ، عن رجلٍ، قال: دخَل علىَّ زيدُ بنُ ثابتٍ وأنا
الموطأ
بالأسوافِ قد اصطَدْتُ نُهَسًا، فأخَذه من يدِى فأرسَله .
التمهيد حِماسٍ. وليس بشىءٍ، وهو ابنُ حِماسٍ، وهذا يقضى لروايةٍ مَعنٍ وأبى
المصعبِ بالصوابِ . واللَّهُ أعلمُ .
الاستذکار
مالكٌ، عن رجلٍ(١) ، قال: دخَل علىَّ زيدُ بنُ ثابتٍ وأنا (" بالأَشْواف٢)
قد اصطدتُ نُهَسًا ، فأخذه مِن يدى فأرسَله(٣) .
قال أبو عمرَ : الأسوافُ موضع بناحية البقيع من المدينة ، وهو موضعُ
صدقةٍ زيد بن ثابت وماله .
والنُّهَشُ طائرٌ يُقالُ: إنه الصُّرَدُ(٤) . وقيل: إنه يُشْبِهُ الصُّرَّدَ وليس
بالصُّرَدِ، وهو أصغرُ مِن الصُّرَدِ مثلَ القُطَامِىِّ(٥) والباشَقِ(٢). وقيل: إنه
الْيَمَامُ . واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((من الأنصار )).
(٢ - ٢) فى الأصل، ح، هـ: ((بالأسواق)).
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٧ظ، ٣و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٥٧).
وأخرجه البيهقى ٥/ ١٩٨، ١٩٩ من طريق مالِك به .
(٤) الصُّرد: طائر فوق العصفور. اللسان (ص رد).
(٥) القُطامِئُ : الصقر. اللسان (ق ط م).
(٦) فى ح: ((الباسق))، وفى و، ط١: ((الواشق)). والباشَق، بفتح الشين وكسرها: نوع من
جنس البازى، من فصيلة العقاب النسرية، وهو من الجوارح، يشبه الصقر، ويتميز بجسم
طويل، ومنقار قصير بادى التقوس. الوسيط (ب ش ق).
٤٩٨
الموطأ
ذكَر إسماعيلُ بنُّ إسحاقَ، قال: حدَّثنى إسماعيلُ بنُ أبى(١) أُوَيْسٍ، الاستذكار
قال: حدَّثنى أبى، عن شُرَخْبيلٍ بنِ سعدٍ، أنه خرَج هو وعبدُ الرحمنِ بنُ
حسَّانَ بنِ ثابتٍ بحِبَالتَيْن(١) لهما إلى الأسوافِ؛ صدقةِ زيدِ بنِ ثابتٍ .
قال: ونحنُ غلمانٌ، فصاد عبدُ الرحمنِ طائرًا يقالُ له: النُّهَشُ.
فشكَلَه(٣) . قال: فدقَّ زِيدُ بنُ ثابتٍ بابَ الحائطِ ، فناوَلنى عبدُ الرحمنِ
النُّهَسَ، فدخَل زيدُ بنُ ثابتٍ ، فرأى معى النُّهَسَ، فقال : أَصِدْتُم هذا؟
فقلتُ : نعم. فقال: ناوِلْنِیه. فناوَلْتُه إِيَّه، فحلَّ شِگاله وسؤی ریشَه ثم
أرسَله، ثم تناوَل يدِى فصَكُ قَفَاىَ، ثم قال: يا خبيثُ، أَمَا علِمتَ أن
رسولَ اللهِ وَ لِّ نهَى أن يُصطادَ بينَ لابَتَيِ المدينةِ؟
قال أبو عمر : والرجلُ الذی لم ◌ُسَمِّهِ مالكٌ فی حدیثِ زیدِ بنِ ثابتٍ ،
يقولون : هو شُرَخبيلُ بنُ سعدٍ، كان مالكٌ لا يَرْضاه فلم يُسَمِّه . والحديثُ
محفوظٌ لشُرَخبيلٍ بنِ سعدٍ مِن وُجوهٍ .
ذکر إسماعيلُ بنُ إسحاق ، قال : حدّثنی نصر بن على ، قال : أخبرنا
الأصمعىُ، قال: أخبرنا مالك، عن رجلٍ، قال: أصبتُ نُهَسًا
القبس
(١) سقط من: ح، هـ.
(٢) الحبالة: التى يصاد بها. اللسان (ح ب ل).
(٣) شكّله: شده بالشِّكال: وهو العقال. اللسان (ش ك ل).
٤٩٩
المونا
الاستذكار بالأسوافٍ، فأخذه زيدُ بنُّ ثابتٍ فَأَرْسَله.
قال الأصمعىُّ : فحدَّثتُ به نافعَ بنَ عبد الرحمن بن أبى نُعيم ، فقال:
ذلك شُرَحْبِيلُ بنُ سعدٍ ، أنا سمِعتُه منه .
قال إسماعيلُ: وحدَّثْنَى مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنى حمادُ بنُ زيدٍ، عن
عبيدٍ (١) اللهِ بنِ عمرَ، عن شُرَخبيلٍ بن سعدٍ ، قال : أصبتُ طيرًا بالمدينةِ ،
فرآنى زيدُ بنُ ثابتٍ ، فانتزَعه منِّی فأرسَله.
قال: وحدّثنی علُ بنُ المدینی، قال: حدّثنی سفيانُ بنُ عیینةً، عن
زيادِ بنِ سعدِ الخراسانيٌ ، قال: سمِعتُ شُرَحْبِيلَ بنَ سعدٍ ، يقولُ : أتانا
زیدُ بنُ ثابتٍ ونحنُ غلمانٌ نلعبُ فی حائط له ومعنا فِخَاتٌ تنصِبُ بها ،
فصاحَ بنا وطَرَدنا، وقال: ألم تعلَموا أن رسولَ اللهِ وَلِ حرَّم صيدَها؟ يعنى
المدينة
قال: وحدَّثنی إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ الھَرَویُّ، قال: حدَّثنی ابنُ أبى
الزّنادِ ()، عن شُرَخبيل بن سعدٍ، أن زيد بن ثابت وجده قد اصطاد طائرًا
يُقالُ له: نُهَس. فى الأسواق. قال: فأخَذَه مِنِّى فأرسَله وضرَبنى، وقال:
القبس
(١) فى هـ، م: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ١٢٤/١٩.
(٢) أخرجه أحمد ٥١٧/٣٥، ٥١٨ (٢١٦٦٣) عن على به، وأخرجه الحسيدى (٤٠٠)،
والطحاوى فى شرح العانى ١٩٣/٤، والطيرانى (٤٩١٣) من طريق سفيان به.
(٣) سقط من: يو، وفى ح: ((الزياد)). بوينظر تهذيب الكمال ٩٥/١٧.