Indexed OCR Text

Pages 281-300

الموطأ
الاستذكار
حدَّثنی ابو بكرٍ ، قال: حدّثنی أبو معاويةً، عن الأعمش، عن یزید بن ١
حَيَّانَ(١)، عن زيد بن أرقم، قال: سخّر النبيَّ * رجلٌ مِن اليهود،
فاشتكى النبى و﴿ لذلك أيامًا، فأتاه جبريلُ، فقال: إن رجلًا مِن اليهود
عقَد لك ◌ُقّدًا. فأرسل إليها رسولُ اللهِ وَه عليًّا فاستخرجها وجاء بها ،
فجعل كلما عَلَّ عُقْدةً ومجد لذلك خِفَّةً. قال: فقام النبيُ وَال ** كأنما
نَشِط(٢) مِن عِقالٍ، فما ذكّر ذلك النبيُ ﴿ لليهودىِّ، ولا رآه(٣) فى
- ﴾ (٤)
وجهِه قطّ(٤).
قال أبو عمرَ : اليهودىُّ لَبيدُ بنُّ الأعصم، وحديثُه فيه طولٌ مِن روايةٍ
هشامِ بنِ عروةً، عن أبيه، عن عائشةً، رَضِى اللهُ عنها (٥).
وأما حديثُ حفصةَ فى قتلِ الساحرِ ، فهو مذهبُ عمر بنِ الخطابِ،
وابنه عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وقيسٍ بنِ سعدٍ، وُجُنْدُبٍ؛ رجلٌ مِن الصحابةِ(٦).
القبس
(١) فى الأصل، ح، ط ١، م: ((حبان)). وينظر تهذيب الكمال ١١٢/٣٢.
(٢) أى محل. قال ابن الأثير: وكثيرا ما يجىء فى الرواية: كأنما نشط من عقال. وليس
بصحيح، يقال: نشطت العقدة إذا عقدتها، وأنشطتها وانتشطتها، إذا حللتها. النهاية ٥٧/٥.
(٣) فى الأصل، ح، هـ، م: ((أراه)).
(٤) ابن أبى شيبة ٣٨٧/٧، ٣٨٨ - ومن طريقه الطبرانى (٥٠١٦) - وأخرجه أحمد ١٤/٣٢
(١٩٢٦٧)، والنسائى (٤٠٩١) من طريق أبى معاوية به .
(٥) أخرجه أحمد ٣٤٣/٤٠ (٢٤٣٠٠)، والبخارى (٥٧٦٣،٣٢٦٨)، ومسلم (٤٣/٢١٨٩)،
وابن ماجه (٣٥٤٥) من طريق هشام بن عروة به .
(٦) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨٧٤٥، ١٨٧٥٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٣٥/١٠، ١٣٦.
٢٨١

الموطأ
الاستذ کار
روَى ابنُّ عُيينةَ، عن (١عمرو بنِ دينارٍ، عن سالم بن أبى الجعد١ِ) ، أن
قيسَ بنَ سعدِ بنِ عُبادةَ كان أميرًا على مصرَ ، فكان سِرُّه يفشو ، فشقَّ ذلك
عليه، وقال: ما هذا؟ فقيل له : إن هلهنا رجلًا ساحرًا. فبعث إليه فسأله،
فقال : إِنا لا نعلم ما فى الكتابِ حتى يُفْتحَ، فإذا فُتح علِمنا ما فيه . فأُمَر به
قيشٌ فقُتِل(٢) .
وسفيانُ، عن أبى سعيدِ الأعورِ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ، قال :
عِلمُ السحرِ فى قريةٍ مِن قرى مصرَ، يقالُ لها : الفَرَما(٣).
وسفيانُ، عن عمارِ الدُّهْنِىٌّ، أن ساحرًا كان عندَ الوليدِ بنِ عقبةً
يمشِى " على الحبل) ويدخُلُ فى اسْتِ الحمارِ، ويخرجُ مِن فِيه، فاشتمل
له مجندُب على السیفِ فقتله .
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ح، هـ، م: ((سالم بن الجعد عن ابن دينار)). وينظر تهذيب الكمال
١٠ / ١٣٠، ١٨١/١١.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٥١)، وابن أبى شيبة ١٣٥/١٠ عن ابن عيينة به مختصرا.
(٣) فى ح: ((العدماء))، وفى م: ((الغرماء)). والفرما: مدينة على الساحل من ناحية مصر.
مراصد الاطلاع ٣/ ١٠٣٠. وقد اندثرت هذه المدينة وتعرف اليوم آثارها بتل الفرما على بعد
ثلاثة كيلو مترات عن ساحل البحر المتوسط ، وعلى بعد ٢٣ كيلو متر شرقى محطة الطينة
الواقعة على السكة الحديدية التى بين بورسعيد والإسماعيلية . القاموس الجغرافى للبلاد المصرية
٩٢/١.
(٤ - ٤) فى ح، هـ: ((فى الجبل))، وفى م: ((على الجبل)).
٢٨٢
٠.

الموطأ
قال أبو عمرَ: قد ذكّرنا خبرَ جُنْدُبٍ هذا فى قتلِه للساحرِ بينَ يَدَى الاستذكار
الوليدِ مِن طُرُقٍ فيها بيانٌ فى بابِهِ مِن كتابٍ ((الصحابةِ))(١). والحمدُ للهِ
كثيرًا .
وقد رُوِى عن النبيِّ وَلَه أنه قال: ((حدُّ الساحرِ ضَرْبُهُ(١) بالسيف)).
إلا أنه حديثٌ ليس بالقوىِّ ؛ انفرد به إسماعيلُ بنُ مسلم ، عن الحسنِ، عن
النبيِّ نَّهِ. هكذا رواه ابنُ عُيينةً، عن إسماعيلَ بنِ مسلم، عن الحسنِ
مُرسَلَاً(١). ومنهم مَن يجعَلُه عن الحسنِ، عن مُجُندُبٍ(٤) .
( وأما حديثُ عمرَ فى قتل السحرةِ فحدَّثُنا) محمدُ بنُ عبدِ الملكِ،
" قراءةً مِنِّى عليه فى شعبانَ سنةً تسعين وثلاثمائةٍ ، قال : حدَّثنی أبو سعيدٍ
أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ؟ بنِ(٢) الأعرابيّ فى منزله بمكةَ سنةً أربعين
وثلاثمائةٍ ، قال: حدَّثنى الحسنُ بنُ محمدِ بنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفرانىُّ ، قال :
حدَّثنى سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرو بن دينارٍ ، أنه سمِع بَجَالةً قال: كنتُ
القبس
(١) الاستيعاب ٢٥٨/١ - ٢٦٠.
(٢) فى م: ((ضربة)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٥٢) عن ابن عيينة به .
(٤) أخرجه الترمذى (١٤٦٠)، وابن أبى عاصم فى الديات (٢٣٦)، والطبرانى (١٦٦٥)،
والحاكم ٤/ ٣٦٠، والبيهقى ١٣٦/٨ من طريق إسماعيل به .
(٥ - ٥) فى الأصل: ((حدثنا أبو عبد الله)).
(٦ - ٦) سقط من: ح، هـ ..
(٧) ليس فى: الأصل، هـ، م.
٢٨٣

الموطأ
الاستذكار كاتبًا لجَزْءٍ بنِ معاويةً عمّ(١ الأحنفِ بنِ قيس، فأتانا كتابُ عمرَ قبلَ
موتِه بسنةٍ : اقتُلوا كلٌّ ساحرٍ وساحرةٍ، وفرّقوا بينَ كلِّ ذى مَحْرَمٍ مِن
المجوسِ، وانْهُوهم عن الزَّمْزَمةِ(١) . فقتَلْنا ثلاثَ سواحرَ، وجعَلْنا نفرّقُ
بِينَ الرجلِ وبينَ حريمتِه فى كتابِ اللهِ عزَّ وجلّ، وصنَع طعامًا كثيرًا،
فدعَى المجوسَ وعرَض السيفَ على فخِذِهِ، فَأَلْقَوا وِقِرَ(٣) بغلٍ أو بغلَيْن
مِن فضةٍ، وأكّلوا بغيرٍ زَمْزَمةٍ ، ولم يكنْ عمرُ أخَذ الجزيةَ مِن المجوسِ،
حتى شهِد عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ أن رسولَ اللهِ الر أخذها مِن مجوسٍ
(٤)
هَجْرَ(*).
وروى معمر ، وابنُ ◌ُیینةً ، وابنُ جريج، عن عمرو بنِ دینارٍ ، قال
سمِعتُ بَجَالةَ يُحدِّثُ أبا الشَّعْتَاءِ وعمرو بنَ أوس، عندَ صُفَّةٍ زمزمَ فى
إمارةٍ مصعبٍ بن الزبيرِ ، قال : كنتُ كاتبًا لجُزْءٍ بن معاويةً عمّ الأحنفِ بنِ
قيسٍ، فأتَى كتابُ عمرَ قبلَ موتِه بسنةٍ ، أن اقتُلوا كلّ ساحرٍ وساحرةٍ ،
القبس
(١) فى الأصل، هـ، م: ((عمر).
(٢) الزمزمة: كلام يقوله المجوس عند أكلهم بصوت خفى. النهاية ٣١٣/٢.
(٣) الوقر: الحمل، وأكثر ما يستعمل فى حمل البغل والحمار. النهاية ٢١٣/٥.
(٤) أخرجه أحمد ١٩٦/٣، ١٩٧ (١٦٥٧)، وأبو داود (٣٠٤٣) من طريق ابن عيينة به .
(٥) الصفة : المكان المظلل، وصفة زمزم ، مكان مظلل كان هناك . ينظر القاموس المحيط (ص ف ف)،
ومقدمة فتح البارى ص ١٤٥ .
٢٨٤

الموطأ
وفرّقوا بينَ كلِّ ذى مَخْرمٍ مِن المجوسِ، وانْهَوهم عن الزَّمْزَمةِ. وذكر تمامَ الاستذكار
(١)
الخبرِ(١).
قال أبو عمرَ: قد قال جماعةٌ مِن فقهاءِ الأمصارِ: يُقتلُ الساحرُ
اتّباعًا (٢) ، واللهُ أعلمُ، لمَن ذكَرنا مِن الصحابةِ، ولنحوِ ما نزَع به مالكٌ،
رحمه اللهُ . وأبَتْ ذلك طائفةٌ؛ منهم الشافعىُّ وداودُ، فقالا: لا يُقتلُ
الساحر إلا أن يُقِرَّ أن مِن عملِه مات المسحورُ، فإن قال ذلك قُتِل به قَوَدًا .
قال الشافعي : وإن قال : عملی هذا قد أُخطئُّ به القتلَ وأُصيب ، وقد مات
مِن عملی قومٌ. كانت عليه الديةُ فى مالِه ، فإن قال: مَرِضُ مِن سِحرِى
ولم يمُتْ. أقسَم أولياؤُه لَمات مِن ذلك العملِ ، وكانت فيه الديةُ . وقال
داودُ: لو قال الساحرُ: أنا أتكلَّمُ بكلام أقتُلُ به. لم يجِبْ قتلُه؛ لأن الكلام
لا يقتُلُ به أحدٌ أحدًا، كما لا يُخيى به أحدٌ أحدًا ، وقد جاء بمُحالٍ خارج
عن العادات. وقد قيل: إن السحرَ لا (4 حقيقةً فى شىءٍ " منه، وإنما هو
تخييلٌ، يتخيَّلُ الإنسانُ(٥) الشىءَ على غيرِ ما هو به. واحتجَّ قائلُ هذه
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٤٦) عن معمر وابن عيينة به، وأخرجه عبد الرزاق أيضًا
(١٨٧٤٨، ١٩٣٩٠) عن ابن جريج به .
(٢) فى: الأصل: ((إجماعًا)).
(٣) بعده فى الأصل: ((من قوم))، وبعده فى م: ((قوم)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((شىء فى حقيقة))، وفى م: ((شىء فى حقيقته).
(٥) فى ح، و: ((للإنسان)).
٢٨٥

الموطأ
الاستذكار المقالةِ بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يُخَيَّلُ إِلَّهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].
وبحديثٍ هشامِ بنِ عروةً، عن أبيه، عن عائشةَ، عن النبيّ
وَه : كان يُخيَّلُ إليه أنه يأتى النساءَ حينَ سحَره لبيدُ بنُ
الأعصم(٢). وفى تركِ رسولِ اللهِ وَلّ قتلَ لبيدِ بنِ الأعصمِ اليهودىِّ
الذى سحَره ، دليلٌ واضحٌ على أن قتلَ الساحرِ ليس بواجبٍ. وفى
حديثٍ زيدِ بنِ أرقمَ على ما ذكرناه بيانُ ذلك أيضًا .
قال أبو عمرُ : القولُ الأولُ أعلى مِن جهةِ الاتِّباع، وأنه لا مُخالفَ له
مِن الصحابةِ إلا عائشةً؛ فإنها لم تَرَ قتلَ الساحرِ . ومَن زعَم أن الساحرَ
يقلبُ الحيوانَ مِن صورة إلى صورةٍ، فيجعلُ الإنسانَ حمارًا أو نحوَه،
ويقدِرُ على نقل الأجسامِ وإهلاكِها وتبديلها - فإنه(٢) يرى قتلَ الساحرِ؛
لأنه كافرٌ بالأنبياءِ عليهم السلامُ، يَدَّعِى مثلَ آياتِهم ومعجزاتِهم، ولا يَتَهَيَأ
مع هذا علمُ صحةِ النبوةِ ، إذ قد يَحصُلُ مثلُها بالحيلةِ. وأما مَن زعَم أن
السحرَ خُدَعْ ومَخاريقُ (٤) وتَمْويهاتٌ وتَخْبيلاتٌ ، فلا يجِبُ على أصلِه
قتلُ الساحرِ إلا أن يَقتُلَ بفعلِه أحدًا فيُقتَلَ به. وقد ذكّرنا حدیثَ ابنٍ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٨١.
(٣) فى ح، هـ، ط١، و: ((فهذا)).
(٤) فى الأصل، م: ((مخارق)).
٢٨٦

الموطأ
ما يجبُ فیه العمدُ
١٦٨٨ - مالكٌ، عن عمرَ بنِ حسينٍ مولَى عائشةَ بنتٍ قدامةً ،
أن عبدَ الملكِ بنَ مروانَ أُقاد وَلىَّ رجلٍ مِن رجلٍ قتَله بعصًا ، فقتله ولُّه
بعضًا .
عباسٍ، عن النبيِّ بَّهِ، أنه قال: ((مَن اقتبَس بابًا مِن علم النجوم، فقد الاستذكار
اقتبَس شعبةً مِن السِّحْرِ، ما زادَ زادَ، وما زادَ زادَ)) . فى غيرٍ موضعٍ مِن
کتابنا . والحمدُ للهِ کثیرًا .
وفى ((المبسوطِ)) روَى (٢ ابنُ نافعٍ، عن مالك٢ٍ)، فى المرأةِ تُقِرُّ أنها
عقَدت زوجَها عن نفسِها أو غيرِها مِن النساءِ ، أنها تُنكّلُ ولا تُقتَلُ . قال:
ولو سخَر نفسَه لم يُقتَلْ لذلك. وأما مِن جهةِ النظرِ ، فدماءُ المؤمنين
محظورةٌ ، فلا تُستبائحُ إلا بيقينٍ. وبالله التوفيقُ.
بابُ ما یچبُّ فیه العمدُ
مالكٌ، عن عمرَ بنِ حسينٍ مولى عائشةً بنتِ قُدامةَ ، أن عبدَ الملكِ بنّ
مروانَ أقاد ولىَّ رجلٍ مِن رجلٍ قتَله بعضًا ، فقتله وَلِيُّه بعضًا(٣)
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤١/٥ (٢٨٤٠)، وأبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((مالك عن نافع)).
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/١٥ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٣٢١).
وأخرجه البيهقى ٦٢/٨ من طريق مالك به .
٢٨٧
٠٠
t . 4
٠

قال مالك: الأمر المجتمعُ علیه الذی لا اختلافَ فیه عندنا ، أن
الموطأ
الرجلَ إذا ضرَب الرجلَ بعضًا ، أو رماه بحجرٍ ، أو ضرّبه عمدًا ، فمات
من ذلك ، فإن ذلك هو العمدُ وفيه القصاصُ.
قال مالكٌ: فقتلُ العمدِ عندنا ، أن يعيدَ الرجلُ إلى الرجلِ فيضربه
حتى تَفِيظُ نفسُه، ومِن العمدِ أيضًا أن يضربّ الرجلُ الرجلَ فى النَّائرةِ
تکونُ بینھما ، ثم ينصرفُ عنه وهو حىٍّ، فیُنزَى فى ضربِهِ فيموتُ ،
فتكونُ فى ذلك القَّسامةُ .
قال مالك: والأمر المجتمع علیه عندنا الذی لا اختلاف فيه ، أن
الاستذكار
الرجل إذا ضرب رجلا بعضًا ، أو رَمّاه بحجر ، أو(١) ضرّبه عمدًا فمات مِن
ذلك، فهو العمدُ وفيه القصاص.
قال مالك : فقتلُ العمد عندنا أن یعید الرجلُ إلی الرجل فيضربه حتى
تَّفِيظَ نفسه(٢) ، ومِن العمدِ أيضًا أن يضربَ الرجلُ الرجلَ فى الناثرةِ(١)
تکونُ بینھما ، ثم ينصرفُ عنه وهو حی ، فیٹزی فی ضربه فیموتُ ، فیکونُ
فى ذلك القَسَامةُ .
القبس
(١) فى ح، هـ، و، ط ١: ((و).
(٢) تفيظ نفسه: تخرج . الاقتضاب فى غريب الموطأ ٣٧٩/٢ - ٣٨١.
(٣) فى ح: ((الثائرة)). والدائرة: الفتنة والإحنة، شبهت بالنار الهائجة، ولتشبيهها إياها بالنار
قالوا : طفئت الناثرة، واشتعلت الناثرة. الاقتضاب فى غريب الموطأ ٢/ ٣٨١.
٢٨٨

الموطأ
قال أبو عمرّ: أما القَوَدُ بعصًا مِن القاتل بعصًا، فقد اختلف العلماءُ فيه الاستذكار
قديمًا؛ فجملةُ مذهبٍ مالكٍ فيما ذكره ابنُّ القاسم، وابنُ وهبٍ،
وأشهبُ ، وغيرهم عنه، قال: إن قتَله بعضًا ، أو بحجرٍ، أو بالنارٍ ، أو
بالتغريقِ، قُتل بمثله، فإن لم يَمُتْ فلا يزالُ يُكَوَّرُ(١) عليه مِن جنسٍ ما قتله
به حتى يموتَ، وإن زاد على فعل القاتلِ الأول(١)، إلا أن یکونَ فی ذلك
تعذيب وطولٌ، فيُقتلُ بالسيف. وبين أصحابٍ مالكٍ فى هذا المعنى(١)
اختلاف فى النار وغيرها، وقد ذكرناه فى كتابٍ ((اختلافِهم)). وقال
الشافعىُّ : إن ضرَبه بحجرٍ، فلم يُقلِعْ عنه حتى مات ، فُعِل به مثلُ ذلك،
وإن حبسه بلا طعام ولا شرابٍ حتى مات ، مُيس كذلك ، فإن لم يَمُتْ
فى تلك المدةِ قُتَّل بالسيفِ . قال: وكذلك التغريقُ، "وكذلك" إذا ألقاه
فى مَهْواةٍ بعيدةٍ. قال: ولو قطع يديّه ورِجْليَه فمات، فعَل به الولىُّ مثلَ
ذلك، فإن مات وإلا قتله بالسيف. وقال ابنُ شُعْرُمةٌ: يُضربُ مثلَ ما
ضرّبه، ولا يُضربُ أكثرَ مِن ذلك، وقد كانوا يكرهون المُثْلَّةً ، ويقولون:
السيفُ يجزِئُّ مِن ذلك كلُّه. فإن غمَسه فى الماءِ فمات ، غُمس أبدًا حتى
القبس
(١) فی ح، هـ، م: «يكون».
(٢) ليس فى: الأصلى.
(٣) فى الأصل، م: ((الباب))
(٤ - ٤) سقط من: م.
٢٨٩
(موسوعة شروح الموطأ ١٩/٢١)

الموطأ
الاستذكار يموتَ . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: بأىِّ وَجْهٍ قتلَه لم يُقتَلْ إلا بالسيفِ .
وهو قولُ إبراهيمَ النخَعيِّ، وعامرٍ الشعبىِّ، والحسنِ البصرىِّ (١) . وروَاه
الحسنُ، عن النبيِّ وَلِ﴾(٢).
قال أبو عمرَ: الحُجَّةُ لمالكِ والشافعيِّ مِن جهةِ الأَثَرِ، ما حدَّثناه
سعیدٌ ، قال : حدّثنی قاسم ، قال : حدّثنی محمدٌ ، قال : حدَّثنی أبو بكرٍ ،
قال: حدَّثنى وكيعٌ، "قال: حدَّثنا هشام) ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أن
يهوديًّا رضَخ (٤) رأسَ امرأةٍ بحجرٍ، فرضَخ(٥) النبيُّ وَلِّ رَأْسَه بحجرٍ. أو
قال : بینَ حجزَيْن(٢).
وأما قولُ مالكِ: الأمرُ المُجتمعُ عليه الذى لا اختلافَ فيه عندَنا ، أن
الرجلَ إذا ضرَّب رجلًا بعضًا ، أو رماه بحجرٍ، فمات مِن ذلك ، فهو العمدُ
وفيه القِصاصُ. فهذا منه نفىّ لشبهِ العمدِ، والقتلُ عندَه على وجهين ؛
عمدٌ وخطأً ، لا ثالثَ لهما . وقتيلُ الحجرِ والعصًا عندَه وغيرِهما سواءٌ ، إذا
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٥٤/٩، ٣٥٥.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٣٥٤، والدارقطنى ١٠٥/٣، ١٠٦.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) فى الأصل، ح، ط ١: ((رضح)). والرضخ: الشدخ، والرضخ أيضا: الدق والكسر.
والرضح مثله . ينظر النهاية ٢٢٩/٢، والتاج (رض ح، رض خ).
(٥) فى الأصل، ح، ط ١: ((فرضح)).
(٦) ابن أبى شيبة ٣٤٧/٩.
٢٩٠

الموطأ
وقَع العمدُ مِن الضاربِ بهما . قال ابنُ القاسم: قال مالكٌ: شبهُ العمدِ الاستذكار
باطلٌ، وإنما هو عمدٌ أو (١) خطأً ، لم أجِدْ فى القرآنِ غيرَ ذلك، وهو الأمرُ
عندنا الذی لا اختلافَ فیه .
قال أبو عمرَ : قد تابَع مالكًا على نَفْيِهِ ودَفْعِه لشبهِ العمدِ ، الليثُ بنُ
سعدٍ، وما أعلم أحدًا مِن فقهاءِ الأَمصارِ تابَعهما على ذلك. قال الليثُ(٢):
العمدُ ما عمَد به إنسانٌ ("إلى أحد٣ٍ)، ولو ضرّبه بإصبعِه فمات مِن ذلك،
دُفع إلى وليّ المقتولِ . إلا أنه قد رُوِى عن إبراهيمَ النخعيّ، وحمادٍ ، أنهما
قالا : الضربُ بالحجر عمدٌ وفيه القَوَدُ(). ورُوِی عن الشعبىِّ وحمادٍ فی
العصَا مثلُ ذلك(٥) . وقال الزهرىُّ: الضربُ بالعصا عمدًا، إذا قتلَت
صاحبَها، قُتل الضاربُ(٦).
وعن عبيدِ بنِ عميرٍ، قال: يعمِدُ الرجلُ الأيَّدُ(٧) الشديدُ إلى الصخرةِ
أو الخشبةِ، فيَشدَخُ بها رأسَ الرجلِ، وأىُّ عمدٍ أعمدُ مِن هذا(1)؟
القبس
(١) فى الأصل، و، ط ١، م: ((و)).
(٢) فى الأصل، م: ((مالك)). وينظر مختصر اختلاف العلماء ٧٨/٥، وأحكام القرآن للجصاص
٢٠٥/٣.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((على آخر))، وفى م: ((آخر)).
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٤٥/٩، ٣٤٦.
(٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٤٦/٩.
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٤٦/٩.
(٧) الأيد: القوى. التاج (أ ی د).
(٨) أخرجه ابن أبى شيبة فى ٣٤٥/٩، والبيهقى ٤٤/٨.
٢٩١

الموطأ
وعن عمرَ بنِ الخطابِ أنه قال: يعمِدُ أحدُكم إلى أخيه فيضرِبُه
الاستذكار
بمثلِ آكِلَةِ(١) اللحمِ، لا أُوتَّى برجلٍ فَعَل ذلك فقتَل إلا أقدْتُه منه. رواه
زيدُ بنُّ جبيرٍ، عن " بجزوةَ بنِ محُمَيل٣ٍ)، (٢عن أبيه٣)، عن عمرَ بنِ
الخطابٍ ، سمِعه يقولُ: لا يضرِبنَّ أحدُكم أخاه بمثلٍ آكِلَةِ اللحم ، ثم
يَرى أن لا قَوَدَ عليه، واللهِ لا آخذُ(٤) رجلًا فعَل ذلك إلا أقدتُّه منه .
روَاه حجاجُ بنُ أرطاةً(٥) ، وإسرائيلُ(٦)، وشَرِيكٌ(٧) ، عن زيد بن جبيرٍ .
وبعضُهم قال فى (٨محمَيلٍ(٩): جَمِيلٌ. والصوابُ عندَهم محمَيلٌ (١٠)٨).
القبس
(١) الآكلة: عصا محددة، وقيل: الأصل فيها السكين، شبهت العصا المحددة بها . وقيل: هى
السياط . النهاية ٥٨/١.
(٢ - ٢) فى م: ((جزرة بن حميد)). وينظر المؤتلف والمختلف ١/ ٣٥١.
(٣ - ٣) سقط من النسخ ، وسنن البيهقى. والمثبت من بقية مصادر التخريج ، وينظر التاريخ
الكبير ٢٥١/١، ٠١٢٤/٣
(٤) فى ح، ط ١، و: ((أجد)).
(٥) أخرجه ابن سعد ١٥٤/٦، والطحاوى فى شرح المعانى ١٨٩/٣، والدراقطنى فى المؤتلف
والمختلف ٣٥١/١، والبيهقى ٤٤/٨، من طريق حجاج بن أرطاة به.
(٦) ذكره البيهقى فى سننه ٤٤/٨ من طريق إسرائيل به، وفى إسناده: ((جروة عن أبيه)).
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٤٥/٩ من طريق شريك به.
(٨ - ٨) فى ح: ((حميل والصواب عندهم حميل)).
(٩) فى هـ: ((جميل))، وفى م: ((حميد)).
(١٠) فى الأصل، هـ: ((جميل)). وينظر العلل ومعرفة الرجال ١٣٤/٢.
٢٩٢

الموطأ
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم فى بابٍ ديةِ العمدِ إذا قُبلت، مِن هذا الاستذكار
الكتاب، عن عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلىٍّ، وزيد بن ثابتٍ ،
وأبى موسى، والمغيرةِ بنِ شعبةً، أنهم أثبتوا شبه العمدِ، وقَضَوا فيه
بالديةِ المُغلَّظةِ (١)، وإن كانوا اختلفوا فى أسنانِ الإبلِ فيها، ولا
·مخالفَ لهم مِن الصحابةِ ولا مِن التابعين فيما علِمتُه، إلا اختلافَهم
فى صفةِ شبهِ العمدِ، وعلى ذلك جمهورُ الفقهاءِ(١)؛ سفيانُ الثورىُّ،
والأوزاعىُّ، وأبو حنيفةً، والشافعىُ، (وأحمدُ بنُ حنبل٣ٍ) ، وإسحاقُ،
وأبو ثورٍ. قال(٤) الأشجعىُّ، عن الثورىِّ: شبهُ العمدِ أن يضرِبَه بعضًا ، أو
بحجرٍ، أو يبتْدُقةٍ (٥) فيموتَ، ففيه الديةُ مُغلَّظةً ، ولا قَوَدَ ، والعَمْدُ ما كان
بسلاحِ، وفيه القَوَدُ. قال : والنفسُ يكونُ فيها العمدُ وشبهُ العمدِ والخطأ ،
ولا يكونُ فى الجِراحاتِ إلا خطأ أو عمدٌ. وقال أبو نعيمِ الفضلُ بنُ
دُكينٍ، عن الثورىِّ، قال: إذا أُخَذ عودًا أو عظمًا، فجرَح به بطنَ إنسانٍ
فمات ، فهذا شبهُ عمدٍ ليس فيه قَوَدّ . وقال الأوزاعىُّ فى شبهِ العمدِ : هو أن
يضربَه بعصًا أو بسوطٍ ضربةً واحدةً فيموتَ منها ، فتكونُ الدیُ فی مالِه،
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٨٦/٢٠، ٥٨٧، ٥٩٠، ٥٩١.
(٢) بعده فى الأصل، م: ((و)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل.
(٤) فى الأصل، م: ((وقال)).
(٥) فى ح، هـ، و، ط ١: ((بندقة)).
٢٩٣

الموطأ
الاستذكار فإن لم يكنْ له مالٌ فعلى العاقلةِ . قال: وإن ثنَّى بالعصا، ثم مات مكانَه
مِن الضربةِ الثانيةِ، فعليه القِصاصُ)، فإن لم يَمُتْ مِن الضريةِ
الثانيةِ مكانَه ثم مات، فهو شبهُ العمدِ لا قِصاصَ فيه، وفيه الديةُ على
الجانى . قال: والخطأ على العاقلةِ. وقال أبو حنيفةً: شبهُ العمدِ كلّ ما
عدا الحديدَ، أو لِيطَةَ القصبٍ(٢) ، أو النارَ. قال: فإن قتله بحديدةٍ ، أو
لِيطَةِ قصبٍ، أو بالنارِ ، فهو عمدٌ ، وفيه القِصاصُ، وما سوَى ذلك شبهُ
العمدِ، وفيه الديةُ مُغلَّظةً على العاقلةِ، وعليه الكفارةُ. وليس التغليظُ
عندَه إلا فى أسنانِ الإبل خاصةً دونَ عددِها. وقد تقدَّم مذهبُه فى ديةٍ
شبهِ العمدِ ، فى بابٍ ديةِ العمدِ إذا قُبلت . وليس فيما دونَ النفسِ عندَه
شبهُ عمدٍ. وبأىِّ شىءٍ ضرَبه فجرَحه ولم يقتُلْه، فعليه القِصاصُ إذا
أُمكّن، فإن لم يُمكِنْ، ففيه الديةُ مُغلَّظةً إذا كانت مِن الإبل تُقْسِطُ(٢) ما
يجِبُ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: شبهُ العمدِ ما لا يَقتلُ مثلُه (4)؛
كاللَّطْمةِ الواحدةِ، والضربةِ الواحدةِ بالسوطِ. قالا: ولو كور(٥) ذلك
حتى صارَتْ جملتُه مما يَقتُلُ ، كان عمدًا، وفيه القِصاصُ بالسيفِ .
القبس
٠
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) ليطة القصب: قشره. ينظر اللسان ( ل ی ط ).
(٣) فى و، م: ((تسقط)).
(٤) فى الأصل، ح، هـ: ((بمثله)).
(٥) سقط من: م.
٢٩٤

الموطأ
قالا : وكذلك إذا غرَّقه بحيث لا يمكِنُه الخلاصُ منه. وهو قولُ عثمانَ الاستذكار
البَّىّ ، إلا أن البَتِّىَّ يجعَلُ ديةَ شبهِ العمدِ فى مالِه. وقال ابنُ شُبْرُمةً : وما
كان مِن شبهِ العمدِ فإنه عليه فى مالِه، يُبدَأَ بمالِهِ، فيؤخذُ حتى لا يُتركَ
له(١) شىءٌ، فإن لم يَتِمَّ ذلك كان ما بقِى مِن الديةِ على عاقلتِه. وقال
الشافعىُّ : شبهُ العمدِ ما كان عمدًا فى الضربِ خطأ فى القتلِ، وذلك
مثلَ أن يضربَه بعضًا، أو عمودٍ خفيفٍ، أو بحجرٍ لا يَشْدَخُ مثلُه، أو
بحدِّ سيفٍ لم يجرحه به، أو (١) ألقاه فى نَهَرٍ أو بحرٍ قريبًا مِن البَرِّ وهو
يُحسِنُ العَوْمَ، أو ما الأغلبُ عليه أنه لا يموتُ من مثلِه ، فمات ، ففيه
الديةُ مُغلَّظةً على العاقلةِ. وقال أحمدُ بنُ حنبلِ: ديةُ شبهِ العمدِ على
العاقلةِ فى ثلاثٍ سنينَ ؛ فى كلِّ سنةٍ ثلثُها . وكذلك قال أبو ثورٍ . وقد
ذكرنا أقوالهم ومذاهبهم فی أسنان الإبل، وفی دیة شبه العمد ، فی باپ
ديةِ العمدِ إذا قُبِلت(٣). والحمدُ للهِ.
وأما قولُ مالكٍ: فقتلُ العمدِ عندَنا أن يعمِدَ الرجلُ إلى الرجلِ فيضربه
حتى تفيظَ (٤) نفسُه. فهذا ما لا خلافَ بينَ العلماءِ فيه .
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((و)).
(٣) تقدم فى ٥٨٢/٢٠ - ٥٩٢ .
(٤) فى الأصل، و، م: ((تفيض))، وفى ح: ((تقبض)).
٢٩٥

الموطأ
قال مالك: الأمرُ عندَنا أنه يُقتلُ فى العمدِ الرجالُ الأحرارُ
بالرجلِ الحرّ الواحدِ، والنِّساءُ بالمرأةِ كذلك، والعبيدُ بالعبدِ
كذلك أيضًا .
وأما قولُه: ومِن العمدِ أيضًا أن يضربَ الرجلُ الرجلَ(١) فى النائرةِ(٢)
الاستذكار
تکونُ بینھما ، ثم ينصرفُ عنه وهو حىٍّ، فيُنْزَی فی ضربه فيموتُ ، فتكونُ
فى ذلك القَسَامةُ. فهذه مِن مسائلِ القَسَامةِ، وتأتى فى موضعِها (٣) إن شاء
اللهُ عزَّ وجلَّ .
قال مالك: الأُمرُ عندَنا أنه يُقتلُ فى العمدِ الرجالُ الأحرارُ
بالرجل الحرِّ الواحدِ، والنساءُ بالمرأةٍ كذلك، والعبيدُ بالعبدِ
كذلك أيضًا .
قال أبو عمرَ: قد مضّت هذه المسألةُ فى صدرِ بابٍ ما جاء
فى الغِيلةِ والسحرِ، وقد مضّى هنالك ما للعلماءِ فيها مِن
التنازع(٤). والحمدُ للهِ.
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى ح: ((الثائرة)).
(٣) سيأتى ص٤٢٧، ٤٢٨.
(٤) ينظر ما تقدم ص ٢٧٥، ٢٧٦.
٢٩٦

الموطأ
القِصاصُ فى القتلِ
١٦٨٩ - مالكٌ، أنه بلغه أن مروانَ بنَ الحكم كتَب إلى معاويةَ بنَ
أبى سفيانَ ، يذكُرُ أنه أُتِى بسكرانَ قد قتل رجلاً ، فكتب إليه معاويةُ أن
اقتله به .
قال مالكٌ : أحسنُ ما سمِعتُ فى تأويلِ هذه الآيةِ ؛ قولِ اللهِ تبارك
الاستذكار
بابُ القصاصِ فى القتلِ
مالكٌ، أنه بلغه أن مروانَ بنَ الحكمِ كتَب إلى معاوية بن أبى سفيانَ
يذكر أنه أَتِى بسكرانَ قتَل رجلًا، فكتب إليه معاويةُ أنِ اقتُلْه به(١) .
قال أبو عمرَ: ما كانت المعصيةُ التى ارتكبها بشُوْبِ الخمرِ لتُزِيلَ عنه
القصاصَ، وقد مضَى اختلافُ العلماءِ(٢) ؛ هل يُقامُ عليه حدُّ السّكْرِ مع
القتلِ ، أم القتلُ يأتى على ذلك(٣)؟
ذكَر عبدُ الرزاقِ(٤)، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، فى السكرانِ يَقْتُلُ
أو (٥) يسرِقُ، قال: تُقامُ عليه الحدودُ كلُّها .
قال مالكٌ: أحسنُ ما سمِعتُ فى تأويلِ هذه الآيةِ ؛ قولِ اللهِ تبارك
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٣٢٩).
(٢) فى و: ((الفقهاء)).
(٣) تقدم ص ٢٦٠ - ٢٦٣.
(٤) عبد الرزاق (١٨٣٨٨).
(٥) فى م: ((ر)).
٢٩٧

وتعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْخُ وَالْعَبْدُ بِلْعَبْدِ﴾ فهؤلاءِ الذُّكورُ، ﴿وَالْأُنثَى
الموطأ
ج
بِالْأَنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. أن القصاصَ يكونُ بينَ الإناثِ كما يكونُ بينَ
الذكورِ ، والمرأةُ الحرّةُ تُقتَلُ بالمرأةِ الحرةِ كما يُقتَلُ الحُ بالحرّ، والأمةُ
تُقْتَلُ بالأمةِ كما يُقتَلُ العبدُ بالعبدِ ، والقِصاصُ يكونُ بينَ النساءِ كما يكونُ
بينَ الرجالِ، والقِصاصُ أيضًا يكونُ بينَ الرجالِ والنساءِ؛ وذلك أن الله
تبارك وتعالى قال فى كتابه: ﴿وَكَبِنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
وَأَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِلْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِأَلْسِنٍ
وَاَلْجُرُوِحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥]. فذكّر اللهُ تبارك وتعالى أن النّفْسَ
بالنفسِ ، فنفسُ المرأةِ الحرّةِ بنفسِ الرجلِ الحرِّ، ومجرمحها بمجرحِه .
الاستذكار وتعالى: ﴿الْخُّ بِالْخُّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنْقَ﴾. أن القِصاصَ يكونُ
بينَ الإناثِ كما يكونُ بينَ الذكورِ، والمرأةُ الحرةُ تُقتلُ بالمرأةِ الحرةِ (١)
كما يُقتلُ الحرّ بالحرِّ، والأمةُ تُقتلُ بالأمةِ كما يُقتلُ العبدُ بالعبدِ ،
والقِصاصُ يكونُ بينَ النساءِ كما يكونُ بينَ الرجالِ، والقصاصُ أيضًا
يكونُ بينَ الرجال والنساءِ؛ وذلك أن الله عزَّ وجلَّ قال فى كتابه: ﴿وَكَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَاَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِلْأَنْفِ
وَاُلْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَأَلْسِنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. فذكر اللهُ عزَّ
وجلَّ أن النفس بالنفس ، فنفسُ المرأةِ الحرةِ بنفسِ الرجلِ الحرِّ، ومجزمحها
بجرْجِه .
القبس
(١) سقط من: م.
٢٩٨

الموطأ
قال أبو عمرَ: أما قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿اَلْثُّ بِالْخُ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى الاستذكار
بِآلْأُنْفَ﴾. فأجمَع العلماءُ على أن العبدَ يُقتلُ بالحرِّ، وعلى أن الأُنثى
تُقتلُ بالذكرِ. وكذلك أجمعوا على قتلِ الذكرِ بالأُنثى، إلا أن منهم مَن
قال: إن قتَل أولياءُ المرأةِ الرجلَ بها أدَّوا نصفَ الديةِ إن شاءوا،
وإلا أخذوا الدیةً . ولا يُقتلُ الذ کر بالأنثی حتی یؤدّوا نصفَ الدية . ژُوی
هذا القولُ عن علىِّ رضِى اللهُ عنه. ولا يَصِحُ؛ لأن الشعبىّ لم يَلْقَ
عليًّا(١) . وقد روَى الحكمُ، عن علىٍّ وعبدِ اللهِ، قالا (٢): إذا قتَل الرجلُ
المرأةَ مُتعمّدًا، فهو بها قَوَدّ(٢). وهذا يُعارِضُ روايةً(٤) الشعبىِّ، عن علىٍّ
بما ذكّرنا(9) عنه. وزُوِى ذلك عن الحسنِ أيضًاً). واختلف فيه عن
عطاءٍ (٧) . ()وهو قولُ عثمانَ البَِّّىُّ) . وأما جمهورُ العلماءِ وجماعةُ أئمةٍ
القبس
(١) أخرجه الشافعى ٧/ ١٧٦، وابن أبى شيبة ٢٩٦/٩، ٢٩٧ من طريق الشعبى به.
(٢) فى الأصل، م: ((قال)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٦/٩.
(٤) فى الأصل، م: ((قول)).
(٥) فى الأصل، م: ((روى)).
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٢٩٧.
(٧) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٧٩٧٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٩٦/٩، ٢٩٧.
(٨ - ٨) سقط من: ح، هـ، ط١، وفى و: ((وقال به عثمان البتى)).
٢٩٩

الموطأ
الاستذكار الفُتْيَا بالأمصارِ، فمُتَّفِقون على أن الرجلَ يُقتلُ بالمرأةِ كما تُقتلُ
المرأةُ به(٢)؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. ولقولِ رسولِ
اللهِ وَّهِ: ((المسلمون(٢) تتكافأً دماؤهم))(٤). ولم يَخُصَّ اللهُ عزَّ وجلّ
ولا رسولُهُ وَّل﴾ بما ذكّرنا ذكَرًا مِن أنثى، وليس فى شىءٍ مِن هذا
مُخالَفةٌ لكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأن المسلمين لا يجتمعون على تحريف
التأويلِ لكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، بل الكتابُ والسُّنَّةُ بَيَّنَا مُرادَ اللهِ عزَّ وجلّ
مِن قوله: ﴿اُّْ بِالُّْ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأَنْتَّى بِآلْأَنْفَ﴾. وإنما كان يكونُ
ذلك خلافًا لكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ لو قال أحدٌ: إنه لا يُقتلُ حرّ بحرٌّ، ولا
تُقتلُ أنثى بأنثى . وهذا لا يقولُه أحدٌ ؛ لأنه خلافُ ظاهرِ الآيةِ وردِّ لها .
وقد ذكّر (٥) ابنُ عباسٍ وغيرُه مِن أهلِ العلمِ بتأويلِ القرآنِ ، أن سبب نزولٍ
الآيةِ كان لِما كان عليه أهلُ الجاهليةِ إذا قُتْل للشريف(٦) منهم عبدّ(٧)
قالوا: لا نقتُّلُ به إلا حرًّا. وكان فيهم القُودُ، ولم تكنْ فيهم الديةُ،
فأَنزَل اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿اَلْحُرُّ بِالْحُرُّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأَنْتَّى بِآلْأَنْنَنْ فَمَنْ عُفِىَ
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((الفتوى بأئمة الأمصار))، وفى ط١، و: ((الفتوى بالأمصار)).
(٢) فى و: ((بالرجل)).
(٣) فى ح، هـ: ((المؤمنون)).
(٤) تقدم تخريجه ص ١٧٥، ١٧٦، وفى ٦٣٧/٥.
(٥) فى الأصل، م: ((روى عن).
(٦) فى الأصل، ح، هـ، ط ١، م: ((الشريف)).
(٧) فى ح، هـ: ((عبدا).
٣٠٠