Indexed OCR Text

Pages 321-340

الموطأ
كقول مالكٍ؛ الحسنُ البصريُّ، وطاوش اليمانِى، وقتادةٌ (١)، الاستذكار
والأوزاعيّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. وهو أحدُ قولي الشافعىِّ. وقال
بالعراقي: عفؤُه باطلٌ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ جعَل "السلطانَ لوليّه"، فله العفو
والقِصاصُ إن شاء، أو الديةُ، ولا يجوزُ ذلك إلا بموته. وبه قال أبو ثور
وداودٌ. وهو قولُ الشعبىِّ(٣).
ذکّر أحمدُ بنُ حنبل، قال : حدّثنی هشيم، قال: أُخترنا محمدُ بنُ
سالم، عن الشعبىٌّ، فى الرجلِ يقتُلُ الرجلَ، فيعفو عن قاتلِهِ قبلَ موتِه.
قال: لا يجوزُ عفْؤُه ، وذلك للأولیاءِ .
قال أبو عمر: قولُ مالك ومن تاتعه فى هذه المسألةِ صحیح ، ولیس
قولُ الشافعيّ فى العراق بشىءٍ؛ لأن الولىَّ لا يقومُ إلا بما كان للمقتول
القيام به ، ولولا استحقاق المقتول لدم نفسه ، ما كان لوليّه القیامُ فيه ، قال
اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةُ لَمْ﴾ [المائدة: ٤٥].
ولم يختلف العلماء أن المتصدّقَ ههنا هو المقتولُ بتصدَّقُ بدمه على
قاتله، أى: يعفو عنه. واختلفوا فى الضميرِ الذى فى قوله: ﴿كَفَّارَةً
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٩/ ٣٢٣، ٠٣٢٤
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((لوليه سلطانا)).
(٣) فى الأصل، م: ((الشافعى)).
٣٢١
(موسوعة شروح الموطأ ٢٤/٢١)

الموطأ
الاستذكار لَهُ﴾. فقال بعضُهم: كفارةٌ للمقتولِ. وقال بعضُهم: كفارةٌ للقاتلِ.
ج
وقال زيدُ بنُّ أسلمَ : مَن استُقِيد منه، أو عُفِى عنه ، أو أخذت منه الدیةُ ، فهو
(١)
کفارةٌ له(١) .
وروى ابنُّ عیینةً، عن عمران بنٍ ظَئِیانَ ، عن عدِئٍّ بن ثابت ، عن
رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ وَله، أنه حدَّث عن النبيِّ وَ ل أنه قال: ((مَن
تصدَّق بدمٍ أو بما دونه، كانت كفارةً "لما مضَى مِن ذنوبِه))).
وعن الزهرىِّ، عن أبى إدريسَ الخَوْلانيّ، عن عبادةَ، قال: كنَّا عندَ
النبيِّ وَّ فى مجلسٍ، فقال ◌َله: ((بايِعونى)). فقرَأ عليهم الآيةَ. قال:
((فمَن عفا منكم فأجْرُه على اللهِ ، ومَن أصابه مِن ذلك شيءٌ فُوقِب به ،
فهو كفارةٌ له، ومَن أصاب مِن ذلك شيئًا فستره اللهُ عليه ، فهو إلى اللهِ عزَّ
وجلَّ، إن شاء عذَّبه ، وإن شاء غفر له))(٣).
قال سفيانُ بنُ عُيينةَ : العفوُ كفارةٌ للجارحِ والمجروحِ. قال سفيانُ :
كان يُقالُ : إن قتِل فهى توبتُه ، وإن أعطَى الديةَ فهى توبتُه، وإن ◌ُفِى عنه
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٤٣٩، وابن جرير فى تفسيره ٤٧٧/٨.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
والحديث أخرجه سعيد بن منصور (٧٦٢ - تفسير)، وابن أبى شيبة - كما فى المطالب
العالية (٢٠٨٦) - وأبو يعلى (٦٨٦٩) من طريق ابن عيينة به.
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩١١) من الموطأ .
٣٢٢

الموطأ
فهى توبتُه. فى الرجل يَقتُلُ(١) عمدًا.
الاستذ کار
قال أبو عمرَ : هو قولُ زيدِ بنِ أسلمَ ، ومجاهدٍ ، وفرقةٍ (٢) . واختلف فيه
عن ابنِ عباسٍ، والأشهرُ عنه، وعن زيدٍ ، وابنٍ عمرَ، أنه لا توبةَ له(٢) .
وأما الروايةُ عن السلفِ الذين قال مالكٌ(٤) بقولهم فى ذلك؛ فحدَّثنا
أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، حدّثنی ابی ، حدَّثنی عبدُ اللهِ ، حدَّثنی بقیٍّ ، حدَّثنی
أبو بكرٍ ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُّ بشرٍ، حدَّثنى سعيدٌ، عن قتادةَ، أَن عروةَ
ابنَ مسعودٍ الثقفىَّ دعا قومه إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، فرماه رجلٌ منهم بسهمٍ
فمات، فعفا عنه (٥)، فرفع ذلك إلى النبيِّ نَّهِ فَأجاز عفوَه، وقال ◌َله :
((هو كصاحبٍ ياسينَ ))) .
وروَى الثورىُّ، عن يونسَ، عن الحسنِ فى الذى يُضربُ بالسيفِ
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤٣٨/٩، وسنن سعيد بن منصور (٧٥٩ - تفسير)، والمحلى
٢٣٢/١٢.
(٣) ينظر مسند أحمد (١٩٤١، ٢١٤٢، ٢٦٨٣)، وسنن سعيد بن منصور (٦٦٦، ٦٦٧،
٦٦٨ - تفسير) ومصنف ابن أبى شيبة ٣٥٦/٩، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦٠)، وتفسير ابن جرير
٣٤٢/٧ - ٣٥٠.
(٤) سقط من: ح، ط ١.
(٥) سقط من: ح، هـ، و، ط ١.
(٦) أخرجه ابن حزم ٢٥٧/٢ من طريق عبد الله الباجى به. وهو عند ابن أبى شيبة ٣٢٤/٩.
٣٢٣

الموطأ
الاستذكار عمدًا ثم يعفو قبلَ أن يموتَ، قال: ذلك جائزٌ، وليس فى الثُّلُثِ(١) .
ومعمرّ وابنُ جريجٍ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه ، قال : إذا تصدَّق الرجلُ
بدمِه فهو جائزٌ. قلتُ: فى الثُّلُثِ؟ قال: بل(٢) فى مالِه كلّه (٢).
ورواه ابنُّ عُيينةً، قال: قلتُ لابنٍ طاوسٍ: ما كان أبوك يقولُ فى
الرجلِ يتصدَّقُ بدمِه على قاتلِهِ عندَ موتِه. قال: كان يقولُ: هو جائزٌ.
قلتُ : خطأً كان أو عمدًا؟ قال: خطأً كان أو عمدًا(٤).
واختلفوا فى العفو عن الجراحةٍ(*) وما تئولُ إليه إذا مات المجروح
منها ؛ فقال مالك: إذا عفا عن الجِراحةِ فقط، كان لأوليائِهِ القَوَدُّ أو الديةُ،
ولو قال : قد عفوتُ عن الجراحةِ وما تئولُ إليه . أو قال: إن مِتُّ منها فقد
عفوتُ. صعّ عفؤُه ولم يُبعِ الجانى بشىءٍ. وهو قولُ زُفَرَ. وقال أبو
يوسفَ ومحمدٌ : إذا عفا عن الجراحةِ ومات، فلا حقَّ له، والعفوُ عن(٩)
الجراحةِ عفوّ عما(٧) يئولُ إليه أمرُها. وقال الثورىُّ: إذا عفا عن الجِراحةٍ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٢٠٨) عن الثورى به.
(٢) فى ح، هـ: ((بلى).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٨٠٢٧، ١٨٢٠٩) عن معمر وابن جريج به.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢٣/٩، ٣٢٤ عن ابن عيينة به .
(٥) فى الأصل، م: ((الجراحات)).
(٦) فى م: ((على)).
(٧) فى م: الماء.
٣٢٤

الموطأ
قال مالك فى الرجل يعفو عن قتل العمدِ بعدَ أُن يَستحِقُّه ویجبَ
له : إنه ليس على القاتلِ عقلٌ يَلزمُه، إلا أن يكونَ الذى عفا عنه اشترَط
ذلك عند عفوه عنه .
الاستذ کار
(١ ومات١)، لم يُقتَلْ، ويُؤْخِذُ بما فضَل من الديةِ. وهو أحدُ قولَي
الشافعيّ، كأنَّ الجراحةَ كانت مُوضِحةً، فسقَط بعفوِه عنها نصفُ عشرٍ
الدية ، والآخرُ عفؤه باطلٌ ، وذلك إلى الوليّ . وبه قال أبو ثورٍ وداودُ . وقال
أبو حنيفةً: مَن قُطِعت يدُه فعفا عنها (٢) ثم مات، بطَل العفوُ ووجَبتٍ
الديةُ . وقال الشافعىُّ بمصرَ: إذا قال: قد عفوتُ عن الجراحةِ، وعما
يحدُثُ منها مِن عقلٍ وقَوَدٍ . ثم مات منها ، فلا سبيل إلى القَوَدِ ، وُنظر إلى
أرشِ الجنايةِ ، فكان (٣) فيها قولان؛ أحدُهما، أن عفوَه جائزٌ مِن ثُلُه،
ويسقطُ عنه أرشُ الجِراحةِ ، ويُؤخذُ بالباقى من الديةِ . والقولُ الثانى ، أنه
يُؤْخُذُ بجميعِ الديةِ؛ لأنها صارت نفسًا، وهذا قاتلٌ لا تجوزُ له وصيةٌ
بحالٍ . واختاره المُزَنىُّ .
قال مالكٌ فی الرجل يعفو عن قتل العمدِ بعدَ أن يستحقّه ویچِبَ له :
إنه ليس على القاتل عقلٌ يلزَمُه، إلا أن يكونَ الذى عفا عنه اشترَط ذلك
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) سقط من: م.
(٣) فى النسخ: ((فقال)). والمثبت من مختصر المزنى ص٢٤٣، وينظر مختصر اختلاف العلماء
١٤٦/٥ .
٣٢٥

الموطأ
الاستذكار عندَ عفوِه (١).
قال أبو عمرَ: للعلماءِ فى هذه قولان؛ أحدُهما قَولُ مالكِ . وهو قولُ
أبى حنيفةً؛ لأنه (٢) لا ديةَ عندَهم فى قتلِ العمدِ إلا باشتراطِها والصلحِ
عليها. ومثلُ هذا روايةُ ابنِ القاسم، عن مالكِ. وأما على (١) روايةِ أهلِ
المدينةِ عنه، فالحُجَّةُ فى ذلك أن النبىَّ وَلّهِ جعَل وَلِيَّ المقتولِ بينَ
خِيَّرَتَّيْن(٤)، لم تُوجَبْ له الديةُ إلا باختيارِه لها واشتراطِهِ إِيَّاها .
والقولُ الآخرُ، أنه مَن عفا فله الديةُ، إلا أن يقولَ: عفوتُ على
غيرِ شىءٍ. وهو قولُ الشافعىِّ وجماعةٍ قبلَه. وقولُ أحمدَ وإسحاقَ ؛
لأن الله عزَّ وجلَّ قد أوجَب فى مالِ القائلِ الديةً إذا عفا الوَّلُّ؛
لقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ
وَأَدَآءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ( ولو كان العاقلُ) إذا عفا لم یکنْ له
شىءٌ، لم يكنْ للولىِّ ما يتبعُه به بمعروفٍ ، ولا على القاتلِ ما يؤدِّيه
القبس
(١) فى و: ((عقده))، وفى م: ((العفو عنه)).
(٢) فى الأصل: ((أنه)).
(٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) تقدم تخريجه فى ٥٩٣/٢٠، ٥٩٤.
(٥ - ٥) فى الأصل: ((وذلك))، وفى ح، هـ، م: ((ولو كان للعاقل))، وفى و، ط ١: ((ولو
كان القاتل)). والمثبت يقتضيه السياق .
٣٢٦

قال مالكٌ فى القاتل عمدًا إذا عُفِىَ عنه: إنه يُجلَدُ مائةَ جلدةٍ
ويُسجنُّ سنةً .
الموطأ
الاستذ کار
پإحسان .
قال مالكٌ فى القاتل عمدًا إذا ◌ُفى عنه: إنه يُجلدُ مائةً ويُسْجَنُ
سنةً .
.
قال أبو عمرَ : قد أَتَى مِن ذلك عطاءُ بنُ أبى رباح وطائفةٌ ، قالوا : لم
يذكُرِ اللهُ عزَّ وجلَّ أن على مَن ◌ُفِى عنه جلدًا ولا عقوبةً. قال عطاءٌ :
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾(١) [مريم: ٦٤]. وقاله عمرُو بنُ دينارٍ. وبه قال
الشافعىُ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ. "قال أبو ثور١ٍ) : إلا أن يكونَ
يُعرفُ بالشرٌّ، فيؤدِّبُه الإمامُ على قدرٍ ما يرى أنه يَرْدَعُه . وقال الليثُ وأهلُ
المدينة کما قال مالكٌ. وروِی عن عمر بن الخطابِ رضِی اللهُ عنه مِن
وُجُوهٍ ، أنه ضرَب حرًّا قتَل عبدًا مائَةً ونَفاه عامًا(٣) .
وذكَر ابنُ جريجٍ، عن إسماعيلَ بنِ أُميَّةً، قال : سمِعنا أن الذى يُقتلُ
عمدًا ويُعفَى عنه، يُسجنُ سنةً ويُضربُ مائةً(٤) .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٧٩٨٣)، وابن أبى شيبة ٩/ ٤٢٠.
(٢ - ٢) سقط من: و.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧٨٠٥).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٧٨٠٤) عن ابن جريج به.
٣٢٧

الموطأ
قال مالك: وإذا قتل الرجلُ عمدًا، وقامَتْ على ذلك البيّنةُ ،
والمقتول بنونَ وبناتٌ ، فعفًا البنونَ وأتى البناتُ أن يعفون ، فعفؤ البنینَ
جائزٌ على البنات ، ولا أُمْرَ للبناتِ مع البنينَ فى القيامِ بالدم والعفو عنه .
قال ابنُّ جريج: وقال ابنُ شهابٍ: لا قَوَّدَ بينَ الحرّ و(١) المملوك،
الاستذ کار
ولكن العقوبةً والتّكالّ بالجلدِ الوجيعِ والسجنٍ، وغُزْمِ ما أصاب ، ويُعتِقُ
رقبةٌ(٢) ، قضّى بذلك عمرُ بنُ عبد العزيزِ، فإن لم يجدِ الرقبةَ صام شهرَتْن
(٣)
مُتابعين(٣).
قال مالكٌ: وإذا قُيُل الرجلُ عمدًا، وقامَتْ بذلك البينةُ، وله بنونَ
وبناتٌ ، فعفا البنونَ وأَتَى البناتُ أن يَعْفُونَ ، فعفؤُ البنينَ جائزٌ على البناتِ ،
ولا أمْرَ للبنات مع البنينَ فى القيامِ بالدم والعفوِ.
قال أبو عمر: ذگّر ابنُ وهپ فی « موطئه))، عن الليث بن سعدٍ ، أنه
قال: يجوزُ عفوُ العَصَبةِ عن الدمِ، ويَتَطُلُ حقٌّ البناتِ. قال: ولا عفوَ
للنساءٍ ولا قسامةً لهن. يعنى فى العمد. قال: وهو قولُ مالكٍ.
وذكر ابنُ القاسم عنه، أنه قال: ليس للبناتٍ ولا للأخوات من
القبس
(١) فى الأصل، م: ((وبين)).
(٢) بعده فى الأصل، م: ((ويغرب سنة)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧٨٠٦) عن ابن جريج به بنحوه، وأخرجه (١٧٨٠٧) عن معمر ،
عن الزهرى ، بلفظه دون قوله : فإن لم يجد الرقبة ...
٣٢٨

الموطأ
القصاصِ شىءٌ، إنما هو للرجالِ البنينَّ والإخوة، ويجوزُ عفو الرجال على الاستذكار
النساءٍ، ولا يجوزُ عفر النساءٍ على الرجالي.
قال مالك: وليس للإخوة من الأُمّ عفر عن القصاص. قال : فإن عفا
الرجلُ علی ان یأخذّ الدیةً، فالديةُ بين سائر الورثةِ على موارثهم. وقد
ژُوی عن مالك أُن عفو النساء جائڑ. والأُولُ تحصیلُ مذهبه، وقد ذّرنا
اختلافهم فى هذه المسألة فى كتابٍ ((اختلافهم)).
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما، والثورىُّ، والأوزاعىُّ،
وأحمدُ بنُ حنبل: لكلِّ وارثٍ نصيئه مِن القصاصِ، ويجوزُ عفوُه على
نفسه، ولا يجوزُ على غيره فى إبطالٍ حقّه من الدية. والرجال والنساء فی
ذلك گلُّه عندهم سواء. وقال ابنُ أبی لیلی: القِصامُ لگل وارثٍ إِلا
الزوج والزوجةً. وقال الشافعىُّ: لمَّا لم يختلف العلماء فى أن العقلّ
موروثٌ كالمالٍ، كان كلٌّ وارثٍ وَلِيًّا فى ذلك؛ زوجةٌ كانت، أو ابنةٌ ،
أو أختًا، ولا يخرجُ أحدٌ منهم من ولايةِ الدم، ولا يُقتلُ إلا باجتماعهم،
وحتى يحضُرّ الغائبُ منهم ويبلُغَ الطفلُ، وأَيُّهم عفا عن القصاصِ كان
على حقِّه من الديةِ، وإن عفا على غيرٍ مالي ، كان الباقون على خِصْصِهم
من الدية. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: مَن عفا من وَرَثةِ المقتولِ عن
القبس
(١ - ١) فى ط ١: ((لا)).
٣٢٩

الموطأ
الاستذكار القِصاصِ، من رجل أو امرأةٍ (١)؛ زوجةٍ، أو أمّ، أو جدةٍ، أَو مَن سِواهُنَّ مِن
النساءِ، أو كان المقتولُ امرأةً فعفا زوجها عن القاتلِ(٢)، فلا سبيلَ إلى
القِصاصٍ، ولمَن سِوى العافِى من الوَرَثةِ حصتُه من الديةِ . وقال أحمدُ :
ومَن عفا من ولاةِ المقتولِ عن القِصاصِ، لم يكنْ إلى القِصاصِ سبيلٌ،
وإن كان العافِى زوجًا أو زوجةً .
وقد روَى الوليدُ بنُ مَزْيدٍ(٣) ، عن الأوزاعىِّ ما يُوافِقُ قولَ مالكِ خلافَ
الرواية الأولى عنه .
حكَى العباسُ بنُ الوليدِ ، عن أبيه، عن الأوزاعىِّ ، أنه سُئل عن القتيلِ
إذا قامتٍ البينةُ على قاتلِه، هل للنساءِ اللاتى يَرِثْنَه عفوٌ إن أراد الرجالُ قتلَه؟
قال: الأُخذُ بالقَوَدِ والعفوُ إلى أوليائِه مِن الرجالِ دونَ النساءِ .
وروَى سفيانُ بنُ عُيينةً، عن الأعمشِ، عن زيد بنٍ وهبٍ، أن
رجلاً وجَد مع امرأتِه رجلًا ، فقتَلَهما أو قتلها، فرفع ذلك إلى عمرَ بنِ
الخطاب، فعفا بعضُ إخوةِ المرأةِ، فأعطَى عمرُ (°مَنْ لم" يَغْفُ منهم
الدِّيَّةَ(٥).
القبس
(١) بعده فى م: ((أو)).
(٢) فى ط ١: ((القصاص)).
(٣) فى الأصل، ح، هـ، م: ((يزيد)). وينظر تهذيب الكمال ٨١/٣١.
(٤ - ٤) فى م: ((لمن).
(٥) أخرجه ابن حزم ٢٤١/١٢ من طريق سفيان به.
٣٣٠

الموطأ
القِصاصُ فى الجراحِ
قال يحيى : قال مالكٌ: الأمرُ المجتمعُ عليه عندَنا ، أن مَن كسَر
يدًا أو رِجلًا عمدًا، أنه يُقادُ منه ولا يَعقِلُ.
الاستذكار
بابُ القِصاص فى الجراحِ
قال مالكٌ: الأمرُ المُجْتَمَعُ عليه عندَنا، أنه مَن كسَر يدًا أو رجلًا
عمدًا، أنه يُقَادُ منه ولا يَعْقِلُ(١).
قال أبو عمرَ: أما اليدُ والذِّرائع والرّجْلُ والساقُ؛ فإذا قُطِعت اليدُ أو
الرِّجْلُ مِن المَفْصِلِ عمدًا ، فلا خلاف بين العلماءِ فى أن القِصاصَ واجبٌ
فى ذلك. وأما الساقُ والذِّرائعُ، ففيهما يَقَعُ الكَسرُ، (٢ وفيهما٢) وفى سائرٍ
أعضاءِ الجسدِ تنازَع العلماءُ؛ فذهَب مالكٌ وأصحابُه إلى أن القِصاصَ فى
ذلك، وذكر أنه أمرٌ مُجتمَعٌ عليه عندَهم، ولم يَرَ فی کسرِ الفخِذِ قَودًا .
ورواه أبو بكرِ بنُ (٢) محمدِ بنِ عمرو بنٍ حزمٍ(٤). وهو رأى أبيه .
قال ابنُ القاسم، عن مالكِ: عظامُ الجسدِ(٥) كلُّها فيها القَوَدُ ، إلا ما
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١٥و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٣٣٦).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) سقط من: و، ط ١. وينظر تهذيب الكمال ١٣٧/٣٣.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٨٠١٤)، وينظر ما سيأتى فى الموطأ (١٦٩١).
(٥) بعده فى الأصل، م: ((مثل العجز وما أشبهه)).
٣٣١

الموطأ
الاستذكار كان مَخوفًا عليه(١) ، مثلَ الفَخِذِ وما أشبهه . قال: وليس فى الهاشمةِ ولا
المُنقِّلةِ ولا المأمومةِ قَوَدٌّ. قال: وأما النِّرَاعان والعَضُدانِ والساقان
والقَدَمان ، ففى ذلك كلُّه إذا كُسِر شىءٌ منه، القَوَدُ.
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم القولُ فى المأمومةِ وشِجاجٍ الرأسِ فى
موضعِها مِن هذا الكتاب(٢) . وقال الليثُ بنُ سعدٍ والشافعىُّ: لا
قِصاصَ فى عظم مِن العظامِ() يُكسر. ولم يَشْتَئنياً) ( ضِرسًا ولا
سيئًا) . وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: لا قِصاصَ فى عَظُم
ما خلا السُّنَّ.
قال أبو عمر: رُوِى عن "ابنِ عباسٍ) أنه قال: ليس فى العِظامِ
قِصاصٌ() . وعن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، وعامٍ الشعبىِّ، والحسنِ البصرىِّ،
وابن شهاب الزهريّ، وإبراهيم النخعىّ، وعمر بن عبدِ العزيزِ، مثلُ ذلك.
القبس
(١) سقط من: و، ط ١.
(٢) تقلم ص١٠٥- ١١٩.
(٣) بعده فى م: ((لم)).
(٤) فى ح: ((يشينها))، وفى هـ: ((نسيها))، وفى و: ((يستثنى))، وفى ط ١: ((يستساه وفى ) :
(يشنها)).
(٥ - ٥) فى ح، هـ) م: ((شيها ولا ضرسا)).
(٦ - ٦) فى ح، هـ: ((أنس)).
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٧/٩.
٣٣٢

الموطأ
الاستذكار
وهو قولُ سفيان الثورىِّ.
حدَّثى أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: حدَّثنی
أبى، "قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ) بنُ يونسَ، قال: حدَّثنى بقِىُ بنُ مَخْلدٍ ،
قال: حدَّثنى أبو بكرٍ، قال: حدَّثنى عبدُ الرَّحيم بنُ سليمانَ، عن
عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ ، عن عطاءٍ، قال: إذا كُسِرت اليدُ أو الساقُ ،
فليس على كاسرِها قَوَدٌّ، ولكن عليه الدِّيَّةُ(٢).
قال عطاءً: قال عمرُ بنُ الخطابِ: إِنَّا لا نُقِيدُ مِن العظامُ).
قال(٤): وحدَّثنى جريرٌ، عن حصينٍ، قال: كتَب عمرُ بنُ
عبد العزيز: ما كان مِن کسر فی عظم فلا قِصاص فيه .
قال(٢): وحدَّثنى حفصٌ، عن أشعثَ، عن الشعبىِّ والحسنِ، قالا:
لیس فی عظم قصاص .
قال) : وحدّثنی حفص ، عن خّاج ، عن ابنِ () أُمی مُلَیکةً، عن ابنِ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) ابن أبى شيبة ٢٥٨/٩.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٧/٩ من طريق عطاء به .
(٤) ابن أبى شيبة ٢٥٧/٩، ٢٥٨.
(٥) ابن أبى شيبة ٢٥٧/٩.
(٦) سقط من : م .
٣٣٣

الموطأ
الاستذكار عباسٍ، قال: ليس فى العظامِ قِصاصٌ .
قال(١) : وحدّثنی ابنُ إدریس ، عن الشيبانى ، عن الشعبىِّ ، قال : ليس
فى شىءٍ مِن العظامِ قِصاصٌ إلا الوجه والرأسَ .
قال(٢): وحدَّثنا شَرِيكُ، عن مغيرةً ، عن إبراهيم ، قال : لا قِصاص فى
عظم .
قال أبو عمرَ: فى هذا البابِ حديثان مرفوعان ؛ أحدُهما صحيحٌ لا
مقالَ فى إسنادِه ، وهو حديثُ أنسٍ فى(٢) قصةِ ثَنِيَّةِ الرُّبِيِّعِ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا
أبو خالدِ الأحمرُ، عن محُميدٍ، عن أنس، أن النبيَّ وَلَهُ أَمَر بالقصاصِ فى
السّنّ، وقال(٤): ((كتابُ اللهِ القِصاصُ))(١).
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ مختصَرٌ، وليس فيه حُجَّةٌ ؛ لأنه قد يحتمِلُ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢٥٨/٩.
(٢) ابن أبى شيبة ١١٤/٩ (طبعة الرشد).
(٣) سقط من: م.
(٤) بعده فى و، ط ١: ((فى)).
(٥) ابن أبى شيبة ٢٢٢/٩، - وعنه ابن أبى عاصم فى الديات (١٢٦) - وأخرجه النسائى
(٤٧٦٦)، وابن الجارود (٨٤١) من طريق أبى خالد الأحمر به.
٣٣٤

الموطأ
أن تكونَ السّنُّ قُلِعت أو سقطت مِن ضربةٍ ، فإذا كان كذلك فلا خلافَ الاستذكار
فى القِصاصِ، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَاَلْسِنَّ بِأُلْسِنِ﴾ [المائدة: ٤٥]. وإنما
الخلافُ فى السِّنِّ تُكسَرُ هل فيها قِصاصٌ أم لا؟
وحديثُ أنس هذا محفوظٌ فيه كسرُ السّنِّ والقِصاصُ منها(١).
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم ، قالا : حدّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ(٣) بكرٍ
السَّهْمِىُّ، قال: حدَّثنى حميدٌ، عن أنسٍ، أن الرُّبِّعَ عمَّتَه كسَرت ثَنِيَّةً
جاريةٍ، فطلَبوا إليها العفوَ فأبوا، ( والأَرْشَ(٣) فَأَبُوا، فأتوا رسولَ اللهِ وَلَّه
فأَبُوا إِلَّ القِصاصَ، فأمَر رسولُ اللهِ وَلِّ بالقِصاصِ، فقال أنسُ بنُّ النضرِ:
أَتْكِسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبِيِّع؟ لا والذي بعثك بالحقِّ ، لا تُكسَرُ ثَنِيَتُها. فقال رسولُ
اللهِ وَلَهُ: ((يا أنس، كتابُ اللهِ القِصاصُ)). ثم أَرضَى القومَ، فَكَفُّوا،
فقال رسولُ اللهِ وَّلَه: ((إن مِن عبادِ اللهِ مَن لو أقسم على اللهِ لأَبَّه))(٤).
القبس
(١) سقط من : م .
(٢) بعده فى و: ((أبى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٤٠/١٤.
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((أو الأرش)).
(٤) أخرجه البخارى (٤٥٠٠) من طريق عبد الله بن بكر به، وأخرجه أحمد ٢١٤/١٩،
١٢٩/٢٠ (١٢٣٠٢، ١٢٧٠٤)، والبخارى (٢٧٠٣، ٤٦١١) وأبو داود (٤٥٩٥)، وابن
ماجه (٢٦٤٩) من طريق حميد به.
٣٣٥
:

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمر : هذا الحدیثُ حَّةٌ لمالك ، وهو حديثٌ ثابتٌ ، وإذا
کان القصامُ فی السُّنِّ إذا کُسرت وهی عظم ، فسائرُ العظام كذلك ، إلا
عظمًا اجتمعوا على أنه لا قِصاصَ فيه لخوفٍ ذَهَابٍ النفسِ منه، أو لأنه لا
يُقدرُ على الوصول فيه إلى مثلِ الجناية بالسواءِ. واللهُ أعلم.
وأما الحديثُ الآخرُ الذى ينفى القصاص فى العظام، فحدَّقَتاه عبدُ
الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
زهيرٍ، قال: حدّثنا أحمد١ُ) بنُ مَنِيع، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ عََّاشٍ، عن
دَهْثَمِ بنِ قُوَّانَ، عن نِعْرانٌّ بن جاريةً، عن أبيه ، أن رجلًا ضرّب رجلًا على
ساعدِه بالسيف مِن غيرِ المَفْصِلِ فقطَعها، فاستعدَى (٢) النبيَّ وَله، فأمَر له
بالدية، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى أريدُ القصاصٌ. فقال: ((خُذٍ الديةَ بارك
اللهُ لك فيها)). ولم يَقْضِ له بالقصاصِ().
قال أبو عمرَ: ليس لهذا الحديثِ غيرُ هذا الإسنادٍ ، ودَهْتَمُ بنُ قُوَّانَ
المُكْلِئُ ضعيفٌ، أعرابىٌّ ليس حديثُه مما يُحتجُّ به، ونشرانُ بنُ جاريةً
أعرابٌ أيضًا. وأبوه(٤) جاريةُ بنُ ظَفْرٍ مذكورٌ فى الصحابةِ.
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((حدثنا محمد)). وينظر تهذيب الكمال ٤٩٥/١.
(٢) استعديت الأمير على الظالم: طلبت منه النصرة. المصباح المنير (ع د و).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٦٣٦) من طريق أبى بكر بن عياش به.
(٤) فى ح، هـ، و: ((أبر)). وينظر الاستيعاب ٢٢٧/١.
٣٣٦

المرطا
قال مالك : ولا يُقادُ مِن أحدٍ حتی تْراً چِرائح صاحبه فُقاد منه ،
فإن جاء مجرح المُستقادٍ منه مِثلَ مجرحِ الأولِ حين يَصِحُ، فهو القودُ،
وإن زاد مجرح المُستقادٍ منه أومات، فليس على المجروحِ الأولِ
المُسْتقيدِ شىءٍ، وإن تَرَأْ مُجرح المُستقادِ منه وشلَّ المجروحُ الأولُ أو
بَرَأْت جراحه وبها عيبٌ، أو نقصٌ، أو عَثْلُ، فإن المُستقاد منه لا
◌ُكمؤ الثانية ولا يُقادُ بجرحه .
قال: ولكنه يُعقَلُ له بقدرٍ ما نقَص مِن يدِ الأولِ أو فتّد منها،
والجراح فى الجسد على مثلِ ذلك .
قال مالك: ولا يُقادُ مِن أحدٍ حتى تبرأ چِرائح صاحبِه فيقادَ منه، فإن الاستذكار
جاء مجزمع المُسْتَقادِ منه مثلَ مجرحِ الأولِ حينَ يَصِحُ، فهو القّودُ، وإن زادَ
مُجْمع المستقادِ منه، فليس على الأوَّلِ المُستقِيدِ شىءٌ، وإن بُرَأْ مجرح
المُسْتَقادِ منه وشَلَّ المجروح (١) الأوّلُ، أو بَرَأت جِرّاحه وبها عيبٌ أو
نقص ، أو غذٌ ، فإن المُشتقاد منه لا ◌ُگسر ثانیةً ولا يُقّادُ بجرحِه، ولكنه
يُعقّلُ له بقدرِ ما نقّص مِن يدِ الأَوَّلِ أُو فسد منها، والجرائح فى الجسدِ على
مثلي ذلك .
قال أبو عمر: أما قولُه: لا يُقَادُ مِن مجروحٍ حتى بيراً. فعلى هذا مذهبُ
القبس
(١) فى ح، هـ) و، ط ١: ((الجارح).
٣٣٧
(موسوعة شروح الموطأً ٢٢/٢١)

الموطأ
الاستذكار جمهورِ العلماءِ، إلا أن الشافعىَّ أجاز ذلك إذا رضِى به المجروح، وطلبه
على إسقاطِ ما يَقُولُ إليه مجْحُه مِن العَثْلِ(١) والعيبِ. وقد تقدَّمَتْ هذه
المسألةُ، فلا معنَى لإعادتِها (١).
وأما قولُه: فإن زاد مجومخ المُستقادِ منه، فليس على المُستقيد.
شىءٌ. فقد اختلف العلماءُ فى المُقْتَصِّ منه من الجراحِ يموتُ مِن
ذلك؛ فقال مالكٌ، والشافعىُ، وأصحابُهما، والأوزاعىُّ(١)، وأبو
يوسفَ، ومحمدٌ: لا شىءَ على المُقْتَصِّ له. وروِى عن عمرَ وعلىٍّ
· مثلُ ذلك، وقالا: الحقُّ قتَله، لا ديةَ له. وهو قولُ الحسنِ وابنٍ
سيرينَ(٤). وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ. وقال
أبو حنيفةً، وابنُّ أبى ليلى، والثورىُّ : إذا اقتصَّ مِن يدِ أو شَجَّةٍ ، فمات
المُقتَصُ منه، فدِيَتُه على عاقلةِ المُقتَصِّ له. وهو قولُ حَمَّادِ بنِ أبی
سليمانَ، وطاوسٍ، وعطاءٍ، وعمرٍو بنِ دينارٍ، والحارثِ العُكّلِيِّ،
وعامرٍ الشعبىِّ، إلا أن الشعبىَّ قال: الديةُ هنا على العاقلةِ. وكذلك
القبس
(١) فى الأصل، م: ((القتل)).
(٢) ينظر ما تقدم ص ٢٠ - ٢٤.
(٣) بعده فى الأصل، م: ((وأبو ثور)).
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨٠٠١، ١٨٠٠٢، ١٨٠٠٤ - ١٨٠٠٦، ١٨٠٠٩)،
ومصنف ابن أبى شيبة ٣٤١/٩ - ٣٤٣، وسنن البيهقى ٦٨/٨.
٣٣٨

الموطأ
قال مالكٌ: وإذا عمَد الرجلُ إلى امرأتِه ففقَأُ عينَها، أو كسَريدَها ،
أو قطَع إصبَعَها، أو شِبْهَ ذلك، متعمِّدًا لذلك، فإنها تُقادُ منه ، وأمَّا
الرجلُ يضرِبُ امرأته بالحبل أو بالسّوطِ، فيُصيئها مِن ضربه ما لم يُرِدْ
الاستذ کار
قال الزهرىُّ(١) . وقال أبو حنيفةً: هى فى مالِه. وقال عثمانُ البِّئُ فى
الذى يقثُلُه القِصاصُ: " يُرفعُ عن٢٢ الذى اقتُصَّ له قَدْرُ تلك الجراحةِ،
وما يَقِى مِن ديتِه ففى مالِ المُقْتَصِّ له(١)، فإن كان عبدًا فما بَقِى مِن
ثمنِهِ ففى مالِه. وهو قولُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ. وبه قال إبراهيم النخعىّ
والحكمُ بنُ عُتيبةَ(٤) .
قال أبو عمرَ : قد أجمعوا على أن السارقَ لو مات مِن قطع يدِه ، أنه لا
شىءَ فيه؛ لأنه قُطع بحقٌّ ، وكذلك المُقْتصُّ منه فى القياسِ. وحُجَّةُ أبى
حنيفةً أن إباحةَ الأُخذِ لا تُسقِطُ الضمانَ فى المالِ، كما لو رمَى غَرَضًا
مُباحًا فأصابَ إِنسانًا ، أو أدَّب امرأته بما يجِبُ له ، فتَوَلَّد منه موتُها ، أنه لا
يُسقِطُ الديةَ عنه، فكذلك المُقْتصُّ له .
قال مالكٌ : وإذا عمَد الرجلُ إلى امرأتِه ففقأ عينَها، أو كسَريدَها ، أو
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٧٩٩٤ - ١٧٩٩٦، ١٧٩٩٩، ١٨٠٠٠)، ومصنف ابن
أبى شيبة ٣٣٩/٩، ٣٤٠.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((يرفع على))، وفى ح، هـ، م: ((يدفع)).
(٣) سقط من: م.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨٠٠٨)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٣٩/٩، ٣٤٠.
٣٣٩

ولم يتعمَّدْ، فإنه يعقِلُ ما أصاب منها على هذا الوجهِ ، ولا تُقادُ منه .
الموطأ
الاستذكار قطَع إصْبعَها، أو شِبْهُ ذلك، مُتعمّدًا لذلك، فإنها تُقَادُ منه، وأما
الرجلُ يضرِبُ امرأتَه بالحبلِ أو السوطِ، فيُصِيئُها مِن ضرِبِه ما لم
ثُرِدْ ولم يتَعمَّدْ، فإنه يعقِلُ ما أصاب منها على هذا الوجهِ، ولا
يُقَادُ منه.
قال أبو عمرَ: هذا قولُ جماعةِ العلماءِ، ولم يختلِفْ فيه أئمةُ الفُتْيا ،
وقد ذكر مالكٌ فى بابٍ عقل المرأة مِن «الموطاً))، أنه سمع ابن شهابٍ
يقولُ: مضَت الشئَةُ أن الرجلَ إذا أصاب امرأتَه بجرح ، أن عليه عقلَ ذلك
المجرْحِ، ولا يُقَادُ منه(١). ثم نشره بنحوِ ما فشّره هنا.
وقد روَى معمرٌ، عن الزهرىِّ، قال: لا تُقادُ المرأةُ مِن زوجها فى
الأدب. يقولُ: لو ضرَبها فشجّها، ولكن إذا اعتدى عليها فقتلها، كان
ءٍ (٢)
القَودُ(٢) .
قال أبو عمرَ: هذه الروايةُ أيضًا تَنْفِى (١) القِصاصَ فى الجراحِ بينَهما ،
إذا كان الأصلُ للأدبِ. وأكثرُ أهلِ العلمِ تَرَوْنَ فى ذلك الديةَ ، إِذا تولَّدت
الشَّجَّةُ مِن أَدِه؛ لأنه لم يكنْ له أن يبلُغَ بها ذلك فى أدیه .
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٦٥٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٧٩٧٤) عن معمر به.
(٣) سقط من: م.
٣٤٠