Indexed OCR Text
Pages 221-240
الموطأ قال مالكٌ: الأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا أن قاتلَ العَمْدِ لا يرثُ مِن ديةٍ مَن قَتَل شيئًا ، ولا مِن مالِه، ولا يَحْجُبُ أحدًا وقَع له ميراثٌ ، وأن الذى يَقتُلُ خطأ لا يرثُ مِن الديةِ شيئًا ، وقد اختُلِف فى أن يرثَ مِن مالِه؛ لأنه لا يُنَّهم على أنه قتَله ليَرِثَه وليأخُذَ مالَه، فأَحَبُّ إلىَّ أن يرثَ مِن مالِهِ ولا يرثَ مِن ديتِه . ورُمِّه. بضمّ الثاءِ والراءِ، والأكثرُ الفتحُ فيهما (١). الاستذكار وأما قولُه: غلَبَنا حقٌّ امر فى عمّه. فإنه يقولُ: "لم تَنفعنا حَضَّانتُه وتربيتُه وما بيننا وبينه من الرحم٢ ، غلَبَنا عليه حقُّ التعصيبٍ .. قال مالك : الأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا، أن قاتلَ العمدِ لا تَرِثُ مِن ديةٍ مَن قتَل شيئًا ولا مِن مالِه، ولا يَحْجُبُ أحدًا وقَع له ميراثٌ ، وأن الذى يَقُلُ خطأ لا تَرِثُ مِن الديةِ شيئًا، وقد اختُلِف فى أن يَرِثَ مِن مالِه ؛ لأنه لا يُنَّهم على أنه قتَله ليرثَه وليأخذَ مالَه، فأَحَبُّ إلىَّ أَن تَرِثَ مِن مالِه ولا ترِثَ مِن ديتِه . قال أبو عمرَ : قد أخبَر مالكٌ رحِمه اللهُ أن قاتلَ العمدِ لا اختلافَ فيه عندَهم أنه لا يَرِثُ . وهو قولُ ابنٍ أبى ذئبٍ، وأهلِ المدينةِ ، و کذلك هو القبس (١) بعده فى ح، هـ، و، ط ١: ((وقد روى فلما استوى على عممه غلبنا حق امرىء فى دمه » . (٢ - ٢) سقط من: ح، هـ، م. ٢٢١ ٠ الموطأ الاستذكار عندَ الجميع من العلماءِ قديمًا وحديثًا لا خلافَ فى ذلك. والخلافُ كما ذكره مالكٌ فى القاتل خطأ . وأما القائلون بالوجهين من العلماءِ؛ فرُوِى عن عمرَ وعلىٍّ رضِى اللهُ عنهما مِن وُجُوهٍ شتَّى ، أن القاتلَ عمدًا أو خطأَ لا تَرِثُ شيئً(١). وروی عبدُ الواحدِ بنُ زیادٍ ، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جدِّه ، أن رجلًا قتَل ابنَه ، فَغَرَّمه عمرُ الديةَ مائةً من الإبلِ، ولم يُورِّثْه من الديةِ ولا مِن سائرِ مالِهِ شيئًا، وقال: لولا أنى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّه يقولُ: ((لا يُقتلُ والدٌ بولدٍ)). لقتلتك(٢). وهذا عندَ مالكِ وغيرِه، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن عمرو بن شعيبٍ ، عن عمرَ، عن النبيِّ وَلّ(١). وروَى الشعبىُّ، عن عمرَ، وعلىٌّ، وزيدٍ، قالوا: لا يَرِثُ القاتلُ عمدًا ولا خطأً شيئًا (١). وابنُّ أبى ليلى، عن علىِّ مثلَه. ومجاهدٌ، عن عمرَ مثلَهُ(١). وذكّر أبو بكر(٤) ، قال : أخبرنا أبو بکرِ بنُ عیاش، عن مُطَّفٍ ، عن القبس (١) تقدم تخريجه ص ٢١٣. (٢) تقدم تخريجه ص٢١٢، ٢١٣. (٣) تقدم فى الموطأ (١٦٨٢). (٤) ابن أبى شيبة ٣٥٩/١١. ٢٢٢ الموطأ الشعبيّ ، قال: قال عمرُ: لا يَرِثُ قاتلٌ عمدًا ولا خطأً . الاستذكار وروَى ابنُ سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: لم يُورَّتْ قاتلٌ بعدَ صاحبٍ .(١) البقرةِ (١) . وقال سفيانُ الثورىُّ، وأبو حنيفةً (وأصحابُه) ، والشافعىُ فى أحدٍ قولَيْه ، وشَرِيكُ، والحسنُ بنُ صالحٍ، ووكيعٌ، ويحيى بنُّ آدمَ : لا يَرِثُ القائلُ عمدًا ولا خطأ شيئًا من المالِ ولا من الديةِ. وهو قولُ شُريحٍ، وطاوسٍ، وجابرٍ بن زيدٍ ، والشعبىِّ، وإبراهيمَ (١). ٠٠ وقال مالكٌ ، وابنُ أبي ذئبٍ ، والأوزاعىُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ ، وأبو ثورٍ ، وداودُ : لا يَرِثُ قاتلُ العمدِ شيئًا ، وتَرِثُ قاتلُ الخطأُ من المالِ، ولا تَرِثُ مِن الديةِ شيئًا. وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، وعطاءٍ، والحسنِ، والزهرىِّ، ومَكْخُولٍ(٤). وهو أحدُ قولَى الشافعيّ. ورُوِى عن مجاهدٍ القولان جميعًا (١) . وقالت طائفةٌ من البصريِّين: يَرِثُ قاتلُ الخطأ من الدية ومِن المالِ جميعًا . القبس (١) تقدم تخريجه ص ٢١٨. (٢ - ٢) سقط من: ح، هـ، ط ١. (٣) ينظر ما تقدم ص٢١٣، ٢١٤. (٤) ينظر ما تقدم ص ٢١٤. ٢٢٣ الموطأ باب جامع العقلِ ١٦٨٥ - مالكٌ ، عن ابن شهاب ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ وأبی سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((جَرحُ العَجماءِ بجبارٌ، والبئرُ مجبارٌ، والمَعدِنُ جبارٌ، وفى الرّکازِ الخُمسُ)). قال مالكٌ: وتفسيرُ الجبارِ أنه لا ديةً فيه . التمهید مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللّهِ وَ لَّه قال: ((جَريحُ العَجماءِ مُبَارٌ، والبئرُ مجبارٌ، والمعدِنُ مجبارٌ، وفى الرِّكازِ الخُمُسُ))(١). قال مالكٌ: وتفسيرُ الُبَّارِ أَنَّه لا دِيَةَ فيه . قال أبو عمرَ: لا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الُبَارَ الهَدْرُ الذى لا أَرْشَ فيه ولا دِيَةً، على ما قال مالكٌ رحِمه الله . قال الشاعر(٢): وكم مَلِكِ نِزَعنا) المُلْكَ عنه وجَبَّارٍ بها دَمُّه ◌ُجُبَارٌ القبس (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٧٧)، وبرواية أبى مصعب (٢٣٣٨). وأخرجه الدارمى (١٧١٠، ٢٤٢٣)، والبخارى (١٤٩٩)، ومسلم (١٧١٠)، والنسائى (٢٤٩٦)، وابن . خزيمة (٢٣٢٦) من طريق مالك به . (٢) هو أبو فراس الحمدانى، والبيت فى تتمة اليتيمة للثعالبى ص ٦٩. (٣) فى م: ((نزع)). ٢٢٤ الموطأ هكذا رَوَى هذا الحديثَ جمهورُ الرّواةِ عن مالك كما رَوَاه يحيى. التمهيد ورواه القَعنِىُّ، عن مالك، عن ابن شهابٍ ، عن ابنِ المسئَّبِ ، عن أبى هريرةَ، لم يذكُر أبا سلمةَ . هكذا ذكَرَه إسماعيلُ القاضى عن الفَعْنَبِيُِّ). وهو عندنا فى ((الموطأً)) للقَعنبِيِّ مِن رواية عليّ بنِ عبدِ العزيزِ وغيرِه عن القَعْنَبِىِّ : مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيبِ وأبى سلّمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ جميعًا، عن أبى هريرةَ مُستَدًا (٢) ، كما رواه يحيى وغيرُه فى ((الموطأً)). هكذا ذكّره القَعنِىُّ فى كتابِ الدِّيَاتِ من(١) ((الموطأُ)). وذكّرَه فى كتابٍ الزكاةٍ، فقال فيه: مالكٌ، أَنَّه بلَغه أنَّ رسولَ اللّهِ وَآل﴾ قال: «فى الرِّکازِ الخُمُسُ». هكذا ذكره القَعنيئُّ فی کتابٍ الزكاةٍ()، اختصَر إسنادَه ولفظَه(٥). وذكره يحيى فى كتابٍ الزكاةٍ(٤) مختَصِرًا للَّفْظِ، وجاء بإسنادِه كامِلًا، فقال: عن مالك، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ وأبى سلمةَ بنِ عبد الرحمن، عن أبى هريرةَ، أنَّ النبيَّ نَ ل ◌َقال: ((وفى الرِّكَازِ الخُمُسُ))(١). القبس (١) ذكره الدارقطنى فى العلل ٣٨٨/٩ عن القعنى به. (٢) أخرجه الجوهرى فى مسند الموطأ (١٤١) من طريق على بن عبد العزيز به. (٣) فى م: ((فى)). (٤) فى ص ٤: ((الركاز)). (٥) ذكره الجوهرى فى مسند الموطأ ص١٤٤ . (٦) تقدم فى الموطأ (٥٨٧). ٢٢٥ (موسوعة شروح الموطأ ١٥/٢١) الموطأ التمهيد وأمَّا ابنُّ القاسم فى روايةٍ سُحنونٍ ، فروَاه عن مالكِ ، عن ابنِ شهابٍ، عن ابنِ المسيّبِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلّهِ. مُرْسَلًا هكذا(١). وأمّا اختلافُ أصحابِ ابنِ شهابٍ فى إسنادِ هذا الحديثِ ؛ فرواه ابنُ عيينةَ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَله. لم يذكُرْ أبا سلَمةَ. هكذا حدَّث به(٢) عنه ابن أبى شيبةً(٣) وغيرُه. ورواه®) اللیثُ کما رواه مالك سواءً، عن ابن شهاب ، عن سعيدٍ وأُبی سلَمةً، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ قال: ((العَجْماءُ جَرْحُها جُبَارٌ)). الحديث بتمامِه سَواءٌ (٤) . وكذلك رواه معمرٌ وابنُ جريجٍ . ذكَر عبدُ الرزاقٍ(*) ، عن معمرٍ وابن مجريج، "عن الزهرى) ، عن ابنٍ المسيَّبِ وأبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ، أَنَّ النبيَّ وَ لَّه قال: «العَجْماءُ جُبَارٌ، القبس (١) ذكره الجوهرى في مسند الموطأ ص١٤٤ . (٢) سقط من: م. (٣) ابن أبى شيبة ٢٢٥/٣. (٥) من هنا إلى آخر شرح الحديث لا يوجد لدينا سوى النسخة المطبوعة . (٤) أخرجه البخارى (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠)، والترمذى (٦٤٢، ١٣٧٧)، والنسائى فى الكبرى (٥٨٣٥، ٥٨٣٦) من طريق الليث به . (٥) عبد الرزاق (١٨٣٧٣). (٦ - ٦) سقط من: م. والمثبت من مصدر التخريج. ٢٢٦ الموطأ التمهيد والبئرُ جَرْحُها جُبَارٌ، والمعدِنُ جَرْحُه ◌ُجُبَارٌ، وفى الرِّكازِ الخُمُسُ)) . والعجمَاءُ عندَ العربِ كُلّ بھِیمَةٍ وسبع وخیوانٍ غیرِ ناطقٍ مُفْصِحٍ . قال الشاعِرُ يَصِفُ كلبًا (١): يكادُ إذا ما أبصَرَ الضيفَ مُقبِلًا يُكَلِّمُه مِن حُبّه وهْوَ أُعْجُمُ وقال حميدُ(٢) بنُ ثَوْرٍ يصِفُ حمامةٌ : ولم أرَ مَحزُونًا له مثلُ صَوتِها ولا عَرَبِيًّا شاقَه صَوْتُ أُعْجَمَا قال ابنُ جريجٍ: والجُبَارُ فى كلامِ أهْلِ تِهامةَ الهَدْرُ، والرِّكَازُ ما وُجِد فى مَعْدِنٍ وما استُخْرِج منه، وما وُجِدَ مِن مالٍ مَدْفُونٍ كان قبلَ هذه الأَمَّةِ . وقال ابنُ جريج: وأقولُ: هو مَغتَمْ . وقال أهلُ اللغةِ : الجُبَارُ: الهَدْرُ الذى لا يَجِبُ فيه شىءٌ، وجَرمحُ العَجْماءِ چِنايتُها . وأجمَعَ العلماءُ على أنَّ العَجْمَاءَ إذا جَنَتِ جِنايَةً نهارًا، أو جرَحَت جَرْحًا لم يكنْ لِأحَدٍ فيه سَبَبٌ، أَنَّه هَدْرٌ، لا دِيَةً فيه على أحَدٍ ولا أَرْشَ. واختَلَفوا فى المواشى يُهمِلُها صاحِبُها ولا يُمسِكُها ليلاً، فتخرجُ فتُفسِدُ زرعًا أو كَوْمًا أو غيرَ ذلك مِن ثمارِ الحوائطِ القبس (١) البيت لابن هرمة ، وهو فى شعره ص ١٩٨. (٢) فى م: ((أحمد)). والبيت فى ديوان حميد ص ٢٧. ٢٢٧ الموطأ التمهيد والأجِنَّةِ وخُضَرِها. وسنذكُرُ اختلافَهم فى ذلك، ونُوضحُ القولَ فيه عندَ ذِكْرٍ حديثِ ابنِ شهابٍ، عن حرامِ بنِ سعدِ بنِ مُحَيِّصَةَ، مِن كتابنا هذا(١) إن شاء اللهُ. ولا خلاف بینھم أُنَّ ما أفسدتِ المواشِی وجنت نهارًا مِن غیرِ سببٍ آدَمىٌّ، أَنَّه هَذْرٌ، مِن الزُّروع وغيرِها ، إلا ما رُوِى عن مالكِ وبعضِ أصحابِه فى الدَّابةِ الضَّارِيةِ المُعتادَةِ الفسادَ ، على ما سنذكُرُّه إنْ شاءَ اللهُ تعالى فى بابِ ابنِ شهابٍ عن حرامٍ بنِ مُحَيِّصَةً . وأمَّا السَّائِقُ للدَّابةِ أو راكِبُها أو قائدُها، فإنَّهم عندَ جمهورِ العلماءِ مِن الصحابة والتابِعِينَ ومَن بعدَهم مِن الخالِفِين، ضامِنون لما جَنَتِ الدابةُ مِن أجلِهم وبسَبيهم . وقال داودُ ، وأهلُ الظاهِرِ : لا ضمانَ فى جَرْحِ العَجماءِ على أحدٍ على أىِّ حالٍ كان، برِجْلِ أو بمُقَدَّمٍ؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ وَّه جعَل مُجْحَها جبّارًا، ولم يَخُصَّ حالًا مِن حالٍ. قالوا: فلاّ ضمانَ على أحَدٍ بسبَبِ جِنايةِ عَجْماءَ، إِلَّا أن يكونَ حمَلَها على ذلك وأرسَلَها عليه، فتكونَ حينئذٍ كالآلَةٍ، فيضمَنَ بجِنايَةِ نفسِه وقَصدِه إلى إفسادٍ مالٍ غيرِه والجناية عليه. قالوا: وكذلك إذا تعَدَّى فى إرسالِها، أو ربطَها فى موضِعِ لا يجبُ له ربطُها فيه، وأمَّا مَن لم يَقصِدْ إلى ذلك، فلا يضمَنُ جِنايةً دائَّةٍ القبس (١) ينظر ما تقدم فى ٤٧٩/١٨- ٤٨٩. ٢٢٨ الموطأ وإن كان سببَ ذلك ، إذا فعَلَ مِن رُكُوبِها وسياقَتِها وقِيادَتِها وإرسَالِها ما له التمهيد فِعلُه، فلا يَضمَنُ إِلَّ الفاعِلُ القاصدُ، إلَّا أن يُجمِعوا على غيرِه فى موضِعٍ ما ، فيجِبُّ التسليمُ لإجماعِهم فى ذلك الموضِعِ خاصَّةٌ . قال أبو عمرَ: لا خِلافَ عَلِمتُه أنَّ ما جَنَتِ يَدُ الإنسانِ خطأً ، أنَّه يَضْمَنُه فى مَالِهِ، فإن كان دمًا، فعلى عاقِلَتِهِ، تَسلِيمًا للسنةِ المجتَمَعِ عليها. وقد رُوِى عن جماعةٍ مِن الصحابةِ والتابعِينَ ضَمانُ السَّائقِ والرَّاكِبِ والقائدِ، على الأصلِ الذى قدَّمْنا، فافْهَمْه. وجاء عن عمرَ بنِ الخطاب أنَّ ضَمَّنَ الذى أجْرَى فَرَسَه عقلَ ما أصاب الفَرَسُ(١). وذكر ابنُ وهب، قال : اخترنی یونسُ وابنُ أبی نئپٍ، عن ابنِ شهابٍ، أنه سُئل عن رجلٍ قاد بَدَنةً فأصابَت طيرًا فقتَلَته، فقال : إن كان يقودُها أو يَشُوقُها حتى أصابَتِ الطيرَ، فقد وجَب عليه جَزاءُ ما قتَلَت ، وإن لم يكنْ يقودُها ولا يسوقُها، فليس يجبُ عليه جزاءُ ما أصابَت . وقال ابنُ سيرينَ: كانوا لا يُضَمِّنونَ مِن النَّفْحَةِ(١)، ويُضَمِّنُون مِن رَدِّ العِنَانِ(٢) . وقال حمّادٌ: لا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ إِلَّ أَنْ يَنْخُسَ الإنسانُ الدَّابَّةَ. القبس (١) تقدم فى الموطأ (١٦٤٨). (٢) النفح: هو رفس الدابة برجلها. النهاية ٨٩/٥. (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٢٧١. ٢٢٩ الموطأ التمهيد وعن شُرَيْح مثلَهُ(١) . وقال حمَّادٌ أيضًا: إذا ساق المُكَارِى حمارًا عليه امرأةٌ، فَتَخِرُّ، فلا شىءَ عليه (١) . وقال الشعبىُّ: إذا ساق الدابَّةً فأتعَبَها ، فهو ضامِنٌ لما أصابَت، وإن كان خلَفها مترسِّلًا(٣)، لم (٤) يَضْمَنْ(٤). وذكَرَ إسماعيلُ القاضى، قال: حدَّثنا الهَرَوِىُّ، °عن هشيمْ، قال : حدَّثنا أشعتُ، عن ابنِ سيرينَ، عن شريحٍ، أَنَّه كان يُضَمِّنُ الفارِسَ ما أوْطَأْت دابَّتُه بيدٍ أو رِجْلٍ، ويُرِئُ من النَّفْحَةِ. قال إسماعيلُ: وقاله الحسنُ، والنخعىُّ؛ وذلك لأنَّ الراكِبَ كان سيّبَه(٦). وقال مالكٌ: إِن فَرَّعها الراكبُ أو عَنَّتها، ضَمِن ما أصابَت برِجلها ، وإن لم يُفَزِّعْها، ولم يُعَنِّتْها ، لم يَضمَنْ ما أصابَت بِرِجْلِها، ويَضمَنُ ما أصابَت بمُقَدَّمِها على كلِّ حالٍ . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه فى نَفْحَةِ الدَّابةِ القبس (١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٩/ ٢٧٠، ٢٧١، وصحيح البخارى عقب الحديث (٦٩١٢)، والمحلى ٣٣٨/١٢. (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٢٧١، ٤٥٩، والبخارى معلقًا عقب (٦٩١٢). (٣) فى م: ((مسترسلاً). والمثبت من البخارى، ومترسلا: يمشى على هينته. ينظر فتح البارى ٢٥٦/١٢. (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٩/٩، والبخارى معلقًا عقب الحديث (٦٩١٢). (٥ - ٥) سقط من: م. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٧٢/٣٠. .(٦) أخرجه ابن حزم ٣٣٨/١٢ من طريق إسماعيل به . ٢٣٠ الموطأ التمهيد برجلها : إذا کان صاحبها یسِیژ علیها فالضمانُ علیه . وقد ژُوِیَ عن شریعٍ أَنَّه أَبطَلَ النَّفْحَةَ بالرّجْلِ(١). قال الطحاوىُّ: لا يُمْكِنُهُ(٢) التحقُّظُ مِن الرَّجْلِ والذَّنَبِ ، فهو جُبَارٌ على كلِّ حالٍ ، ويُمكِنُه التحَفُّظُ مِن اليَدِ والفَم ، فعليه ضمانُه . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا ضمانَ على أصحابِ البهائم فيما تُفسِدُ وتَجْنِى عليه ، لا فى الليلِ ولا فى النهارِ، إلَّا أن يكونَ راكِبًا، أو سائِقًا، أو قائِدًا، أو مرسِلًا. وقال الشافعىُ: الضَّمانُ عن البهائِم على وجهَيْنِ ؛ أحدُهما ، ما أصابَت مِن الزرع بالليلِ فَأَفْسَدَته . والوجهُ الثانى ، إذا كان الرجلُ راكِبًا ، فما أصابَت بِيَدِها ، أو رِجلِها، أو فَمِها ، أو ذَنَبِها ، من نَفْسٍ أو بجرحٍ، فهو ضامِنٌ؛ لأَنَّ عليه مَنْعَها فى تلك الحالِ مِن كلِّ ما تُتْلِفُ به شيئًا . قال: وكذلك إذا كان سائقًا أو قائدًا، وكذلك الإبلُ المُقْطَرَةُ(٣) بالبَعِيرِ ؛ لأَنَّه قائِدُها . قال : ولا يجوزُ فى هذا إلَّا ضمانُ كلِّ ما أصابَت به الدابَّةُ تحتَ الرَّاكِبِ، أوْ لا يَضْمَنُ إلَّ ما حمَلَها عليه؛ لا يصِحُ إلَّا أَحَدُ هذين القَولَين، فأمَّا مَن ضَمَّن عن يَدِها، ولم يُضَمِّنْ عن رِجْلِها ، فهو ء القبس (١) تقدم تخريجه ص ٢٢٩، ٢٣٠. (٢) فى م: ((يمكن)). والمثبت من مختصر اختلاف العلماء ٥/ ١٥٢. (٣) قطَر الإبل قطْرا وقطّرها وأَقْطَرها: قرّب بعضها إلى بعض على نسق. القاموس المحيط (ق ط ر). ٢٣١ الموطأ التمهيد تَحَكِّم. قال: وأَمَّ ما رُوِى عن النبيِّي ◌َّه مِن أَنَّ الرَّجْلَ بُجُبَارٌ، فهذا خطأً ؛ لأنَّ الجُفَّاظَ لم يخفَظوه هكذا. قال: ولو أوقَفَها فى مَوْضِعِ ليس له أن يُوقِفَها فيه، ضَمِن، ولو أوقَفَها فى مِلكِه لم يَضمَنْ. قال: ولو جعَل فى دَارِهِ كلّا عَقورًا أو حِبَالةً(١) ، فدخَل إنسانٌ فقتَلَه الكلبُ، لم يكنْ عليه شىءٌ. قال المزنئُ: سواءٌ عندِى أَذِن لذلك الإنسانِ أن يدخُلَ الدَّارَ أو لم يأْذَنْ . وقال ابنُ شبرمةَ ، وابنُ أبى ليلَى: يَضمَنُ ما أَتْلَفتِ الدائَّةُ بِرِجْلِها إذا كان عليها، أو قادَها ، أو ساقَها، كما يَضمَنُ ما أتلَفت وهو عليها بغيرِ رِجْلِها. كقولِ الشافعىِّ سَواء. وقال الأوزاعىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ فى هذا البابِ كلِّه كقولٍ مالكِ : لا يَضمَنُ ما أصابَتِ الدَّابةُ بِرِجْلِها مِن غيرِ صُنْعِه، ويَضمَنُ ما أصابت بيدِها ومُقَدَّمِها إذا كان راكبًا عليها ، أو سائِقًا لها ، أو قائِدًا . قال أبو عمرَ: مَن فَرَّق بينَ الرَّجْلِ والمُقَدَّمِ فى راكبِ الدَّابةِ وسائِقِها وقائدها ، فحجّتُه أَنَّه یمکِثُه التحفُظُ مِن چِناتَةٍ فَمِها ويَدِها إذا كان راکِبًا عليها أو قائدًا لها، ولا يمكِنُه ذلك مِن رِجْلِها. ومن حُجَّتِه أيضًا ما رُوِىَ عن النبيِّ وَلَّهِ أَنَّه قال: ((الرّجْلُ بُجُبَارٌ)). وهذا لا يُثِثُهُ أهلُ العلمِ بالحديثِ ، وله إسنادانٍ؛ أحدُهما ، رَواه الثورىُّ وغيرُه، عن أبى قَيْسٍ القبس (١) الحبالة: المصيدة. القاموس المحيط (ح ب ل ). ٢٣٢ الموطأ الأُؤْدِىِّ، عن هُزَيلٍ بِنِ شُرَحبيلٍ، أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((البترُ مُجَبَّارٌ، والرّجُلُ التمهيد مُجُبَّارٌ، والعَجْمَاءُ مُجُبَارٌ، وفى الرِّكَازِ الخُمُسُ» (١). وهذا حديثٌ مُرْسَلٌ. هكذا رَوَاه الثورِىُّ وغيرُه، عن أبى قَيْسٍ هذا . ورَواه زيَادُ بنُ عبدِ اللهِ البكّائُ ، عن الأعمشِ ، عن أبی قَيْسٍ ، عن هُزيلٍ بنِ شُرَّحِبِيلٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلٍِّ(١). فوَصَلَه وأسنَده، وليس زيَادٌ البكائُّ ممَّن يُحْتَجُ به إذا خالَفَه مثلُ الثورىِّ، وأبو قيسٍ أيضًا لیس ممَّن يُختُ به فی مُكْمٍ ینفِدُ به . والإسنادُ الآخرُ، ما رواه سفيانُ بنُ مُحسينِ الواسطىُ، عن الزهرىِّ، عن سعيد بن المسيبٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّةِ: (الرّجْلُ بُبَارٌ))(٣). وهذا حديثٌ لا يوجَدُ عندَ أحدٍ مِن أصحابِ الزهرىِّ إلَّا سفيانَ بنَ حسينٍ، وهو عندَهم فيما ينفرِدُ به لا تقومُ به حجةٌ. وقد روَى معمرٌ، عن همَّامٍ بنِ منبه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َ لَِّ أنَّه القبس 3 (١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٣٧٦)، وابن أبى شيبة ٩/ ٢٧٠، والدارقطنى ١٥٣/٣، ١٧٨ من طريق الثورى به . (٢) أخرجه الخطيب فى المدرج ٢/ ٧٨٠، ٧٨١ من طريق زياد به . (٣) أخرجه أبو داود (٤٥٩٢)، وأبو عوانة (٦٣٧١)، والدار قطنى ١٥٢/٣ من طريق سفيان ابن حسین به . ٢٣٣ الموطأ التمهيد قال: ((النَّارُ جُبَارٌ)) (١). وقال يحيى بن معينٍ: أصلُه: ((البِيرُ جُبَارٌ)). ولكنَّه صحفه معمرٌ. قال أبو عمر : فی قولِ ابنِ معینٍ هذا نظرً ، ولا ◌ُسلِّمُ له حتى يتَّضِحَ . حدَّثنا ٢ خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ الحدّادُ، قال: حدَّثنا" محمدُ بنُ محمدِ بنِ سليمانَ بنِ الحارثِ الواسطىُ، أخبرنا جعفرُ بنُ عبدِ الواحدِ، قال: قال لنا ابنُ عُقبةَ بنِ عبدِ الغافِرِ : أخبرنا مَسلمةُ بنُ علقمةَ ، عن داودَ بنِ أبی هندٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «النَّارُ جُبَارٌ، والبئرُ جُبَارٌ، والمعدِنُ مُجُبَارٌ، وفى الرِّكازِ الخُمُسُ)). وقد كان الشعبىُّ رحِمه اللهُ يُفْتِى بأنَّ الرِّجْلَ مُبَارٌ. رواه أبو فَرْوَةَ، . والشيبانيُ ، عن الشعبىِّ(١). قال أبو عمرَ: لا أعلمُ خِلافًا عن مالكٍ وأصحابِهِ وسائرٍ فقهاءِ الأمصارِ مِن أهلِ الحجازِ والعراقِ والشامٍ أَنَّ مَن أَوْقَفَ دابته فى موضِعٍ ليس له أن القبس (١) أخرجه أبو داود (٤٥٩٤)، وابن ماجه (٢٦٧٦) من طريق معمر به . (٢ - ٢) سقط من: م. والمثبت مما تقدم فى ٣٣٣/١٠، ومما سيأتى فى شرح الحديث (١٧٤٥) من الموطأ . (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧٨٧٤) من طريق أبى فروة، عن الشعبى به. ٢٣٤ الموطأ يُوقِفَها فيه ، ولا يجوزُ له ذلك؛ مِن طريقٍ ضَيِّقٍ ، أو غيرِ ذلك ممَّا ليس له أن التمهيد يفعَلَه، فجَنَت جِنايةً، أَنَّه ضامِنُها، وإن أَوْقَفها فى موضِع يعرِفُ الناسُ مثلَه ؛ تُوقَفُ فیه الدَّوابُ ، أو يُوقَفُ فيه مثلُ دائِه . قال ابنُ حبيبٍ : نحوَ دارِ نفسِه، أو بابِ المسجدِ ، أو دارِ العالم أو القاضِى ، أو ما أشبَةَ ذلك - فلا ضَمانَ عليه فيما جَنَتْ، وكذلك إذا أرسَلها فى موضِع ليس له أن يُرسِلَها فيه، ضَمِن ما جَنَتْ . وأمَّا قولُهُ وَلِّ فى هذا الحديثِ: ((والبِرُ جُبَارٌ)). فمعناه أنَّه لا ضمانَ على ربِّ البِئرِ وحافِرِها إذا سقَط فيها إنسانٌ، أو دائَّةٌ، أو غيرُ ذلك، فتَلِفَ وعَطِبَ ، هذا إذا كان حافِرُ البئرِ قد حفَرها فى موضِع يجوزُ له أن يحفِرَها فيه، مثلَ أَن يَحفِرَها فى فِنائِه، أو فى مِلْكِه، أو فى دارِه، أو فى صَحراءَ للماشية، أو فى طريقٍ واسعٍ مُحتَمِلٍ، ونحوِ ذلك. وهذا كلُّه قولُ مالك، والشافعىِّ، وداودَ، وأصحابِهم، وقولُ الليثِ بنِ سعدٍ. قال ابنُ القاسمِ: قال مالكٌ: للإنسان أن يحفِرَ فى الطريقِ بئرًا يُحدِثُها للمطرِ، وله أن يَحِفِرَ إلى جَنبٍ حائطِهِ مِرْحاضًا، وله أن يُحدِثَ فى دارِهِ مِيزَابًا ، ولا يَضمَنُ ما عَطِب بشىءٍ مِن ذلك . قال : وما حفَره فى الطريقِ ممَّا لا يجوزُ له ؛ لضيقٍ الطريقِ، أو لغيرِ ذلك، ضَمِنَ ما عَطِبَ به. وقال ابنُ القاسِم أيضًا عن مالكٍ: إن حفَر فى دارِهِ بئرًا لسارِقٍ يرصُدُهُ(١) لِيَقَعَ فيه، أو وضَع له القبس (١) فى م: ((يرصد)). والمثبت مما سيأتى ص٢٤٩. ٢٣٥ الموطأ التمهيد حِبالاتٍ، أو شيئًا يَتْلَفُ به الشَّارِقُ، فدخَلَ، فعَطِبَ ، فهو ضامِنٌ . قال أبو عمرَ: وجهُ قولِه هذا أنَّه لم يَحفِرِ البئرَ لمنفَعَتِه، وإنَّما حفَرها قاصِدًا لِيَعْطَبَ بها غيرُه، فهو الجانِى حينئذٍ ، واللهُ أعلم. وأمَّا الشافعىُ ، فلا ضمانَ عليه عندَه فى هذا فيما علِمتُ . وقال أبو جنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ : له أن يُحدِثَ فى الطريقِ ما لا يَضُرُّ به. قالوا: وهو ضامِنٌ لما أصابه . قال أبو عمرَ: قولُهُ وَِّهِ: ((والبِئْرُ جُبَارٌ)). يدفعُ الضَّمانَ عن رَبِّها فى كلِّ ما سقَط فيها بغيرِ صَنِيعٍ آدَمِىٌّ . واللهُ أعلمُ. وأمَّا قولُهُ وَّهِ فى هذا الحديثِ: ((والمعدِنُ جُبَّارٌ)). فتأوِيلُه أنَّ المعادِنَ المطلوبَ فيها الذَّهِبُ والفِضَّةُ تحتَ الأرضِ، إذا سقَطَ شىءٍ منها وانهارَ على أحَدٍ مِن العاملين فيها ، فمات، أنَّه هذْرٌ لا دِيَةَ له فى بيتِ المالِ ولا غيرِهِ، وكذلك مَن سقَطَ فيها فعَطِبَ بعدَ حَفرِها . وأمَّا قولُهُ بَّهِ: ((وفى الرِّكَازِ الخمسُ)). فإنَّ العلماءَ اختلفوا فى الرِّكازِ وفى محُكمِه؛ فقال مالك: الرّكازُ فى أرضِ العربِ للواجِدِ، وفيه الخُمُسُ. قال: وما وُجِد مِن ذلك فى أرضِ الصُّلْح، فإِنَّه لأَهلِ تلك البلادِ، ولا شىءَ للواجِدِ فيه. قال: وما وُجِد فى أرضِ العَنْوَةِ، فهو للجماعة الذین افتتحوها ، ولیس لمن أصابَه دُونَهم ، ويُؤْخَذُ خُمُسُه . قال القبس ٢٣٦ الموطأ التمهید ابنُ القاسم: كان مالكٌ يقولُ فى العُروضِ، والجَوْهَرِ، والحدیدِ ، والرَّصَاصِ، ونحوِه، يُوجَدُ رِكَازًا، أَنَّ فيه الخُمُسَ. ثم رجع، فقال : لا أَرَى فيه شيئًا. ثم آخِرُ ما فارَقَناه عليه أن قال: فيه الخمُسُ . وقال إسماعيلُ ابنُ إسحاقَ : كلَّ ما وجَدَه المسلمون فى خِرَبِ الجاهليَّةِ مِن أرضِ العربِ التى يَفْتَتِّحُها المسلمون ؛ مِن أموالِ الجاهليّةِ، ظاهِرةً أو مَدِفُونَةً فى الأرضِ، فهو الرِّكازُ، ويجرِى مَجرَى الغنائم، يكونُ لمن وجَدَه أربعةُ أخماسٍ ، ويكونُ سبيلُ خُمُسِه سَبِيلَ خُمُسِ الغنائم ، يَجتهِدُ فيه الإمامُ على ما يَرَاه مِن صَرفِه فى الوجوهِ التى ذكَر اللهُ مِن مَصالِح المسلمين. قال : وإنَّما محُكِم للرِّكازِ بحُكم الغنيمةِ؛ لأنَّه مالُ كافرٍ وَجَدَه مسلمٌ ، فَأُنزِل منزلةَ مَن قاتَلَه وأَخَذ مالَه؛ فإنَّ له أربعةَ أخماسِه. وقال الثورىُّ فى الرّکازِ يوجَدُ فى الدارِ: إِنَّه للواجِدِ دُونَ صاحِبِ الدَّارِ، وفيه الخُمُسُ. وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ : الرِّكازُ مِن الذهب والفضةِ وغيرِهما ممَّا كان مِن دِفْنِ الجاهليّةِ، أو البَدْرَةِ، أو القطْعَةِ تكونُ تحتَ الأرضِ، فتُوجَدُ بلا مُؤْنةٍ، (١ فهو ركاز١ٌ)، وفيه الخُمُسُ. وقولُ الطبرىِّ كقولهم سواءً. وقال أبو حنيفةً ومحمدٌ فى الرّكازِ يوجَدُ فى الدارِ: إِنَّه لصاحِبٍ الدارِ دونَ الواجِدِ، وفيه الخُمُسُ. وقال أبو يوسفَ : هو للواجِدِ ، وفيه القبس (١ - ١) سقط من: م. وينظر الاستذكار ٦٣/٩ من النسخة المطبوعة. ٢٣٧ الموطأ التمهيد الخُمُسُ. وإن وُجِد فى فَلَاةٍ، فهو للواجِدِ فى قولِهم جميعًا، وفيه الخُمُسُ. ولا فرقَ عندَهم بينَ أرضِ الصُّلح وأرضِ العَنْوَةِ ، وسواءٌ عندهم أرضُ العربِ وغيرها، وجائزٌ عندَهم لواجِدِه أن يَحبِسَ الخُمُسَ لنفسِه إذا كان محتاجًا ، وله أن يُعطِيَه للمساكينِ. قال أبو عمرَ: وجهُ هذا عندى مِن قولِهم أنَّه أحَدُ المساكينِ، وأَنَّه لا يُمْكِنُ السلطانَ إِن صرَفَه عليهم أن یَهُمَّهم به . وقال الشافعىُّ: الرِّكازُ دِفْنُ الجاهليةِ؛ العُروضُ وغيرُها، وفيه الخُمُسُ، وسواءٌ وجَده فى أرضٍ عَنْوَةٍ أو صُلح، بعدَ أَلَّا يكونَ فِى مِلْكِ أحدٍ ، فإن وجده فى ملك غيره، فهو له إن ادعاه، وفيه الخُمُسُ، وإن لم یدعه، فهو للواحدٍ ، وفیہ الخُمُسُ. قال : وإن أصاب شيئًا مِن ذلك فى أرضِ الحربٍ أو منازلهم ، فهو غَنِيمَةٌ له وللجيشِ، وإنَّما يكونُ للواجِدِ ما لا یملِگه العَدُوُّ مئًا لا یوجَدُ إلّا فی القیافِی . قال أبو عمرَ: أصلُ الرِّكَازِ فى اللُّغَةِ ما ارتَكَز بالأرضِ مِن الذهبِ والفِضَّةِ وسائِرِ الجَواهِرِ، وهو عندَ الفقهاءِ أيضًا كذلك ؛ لأنَّهم يقولون فى البَدْرَةِ التى تُوجَدُ فى المعدِنِ مُرْتَكِزَةً بِالأرضِ ، لا تُتَالُ بعَمَلٍ ولا بسَغْي ولا نَصَبٍ: ففيها الخُمُسُ ؛ لأَنَّها رِكَازٌ. ودَفْنُ الجاهِلِيَّةِ لأموالِهم عندَ جماعَةٍ العلماءِ رِكازٌ، لا يختَلِفِون فيه، إذا كان دَفْتُه قبلَ الإسلامِ مِن الأُمورِ العاديَّةِ، وأمَّا ما كان مِن ضربِ الإسلامِ، فحُكمُّه عندَهم حكمُ اللَّقَطَّةِ ؛ القبس ٢٣٨ الموطأ التمهيد لأَنَّه مِلْكُ مسلم، لا خِلافَ بينَهم فى ذلك، فقِفْ على هذا الأصل . وقد اشْتَدلّ بعضُ أصحابِنا وغيرهم مِن هذا الحديثِ بقولِهِ وَاليه : (( والمعدِنُ جُبَارٌ، وفى الرِّكازِ الخُمُسِ)). على أنَّ الحُكْمَ فى زكاةِ المعادِنِ غيرُ الحُكْم فى الرّكازِ؛ لأَنَّه وَّ لَهِ قد فصَلَ بينَ المعادِنِ والرِّکازِ بالواوِ الفاصلةِ، ولو كان المعدِنُ والرّكازُ مُحُكْمُهما سَواءٌ لِقَال ◌َّهِ: والمَعدِنُ جُبَارٌ، وفيه الخُمُسُ. فلمَّا قال: ((العَجماءُ جَرْحُها جُبَارٌ، والبِرُ جُبَارٌ، والمعدِنُ جُبَّارٌ، وفى الرّكازِ الخُمُسُ)). عُلِمٍ أَنَّ حُكمَ الرِّكازِ غيرُ محكم المعدن فیما ۇُچِد منه ، واللهُ أعلمُ. وقد استدلّ قوم بما ذكرنا ، وفى ذلك عندى نَظَرٌ. وقد اختَلَف الفقهاءُ فيما يؤخَذُ مِن المعادنِ ؛ فقال أبو حنيفةً وأصحابُه: فيما خرَج مِن المعادنِ مِن الذهب والفِضَّةِ والحديد والُحاسِ والرّصاصِ الخُمُسُ، وما كان فى المعدِنِ مِن الذهبِ والفضةِ بعدَ إخراجٍ الخُمُسِ اعْتَبر كلَّ واحدٍ فيما حصَل بيَدِه ما يجبُ فيه الزكاةُ ، فزكّاه لتمام الحولِ إِن أُتَی علیه ، وهو نِصَابٌ عنده ، الحولُ ، هذا إذا لم یکن معه ذهبٌ أو فِضَّةٌ وجَبَت فيه الزكاةُ ، وإن كان عندَه مِن ذلك ما تحِبُ فيه الزكاةُ ، ضَمَّه إلى ذلك وزَكَّاه. وكذلك عندَهم كلَّ فائِدَةٍ تُضَمُّ فى الحولِ إلى النِّصابِ مِن جِنسِها، وتُزَكَّى بحَوْلِ الأصلِ. وهو قولُ الثورىِّ. قالوا : وكلُّ ما ارتَكَز بالأرضِ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو غيرِهما مِن الجواهِرِ، فهو القبس ٢٣٩ الموطأ التمهيد رِكازٌ، وفيه الخُمُسُ، فى قليله وكثيرِه، على ظاهِرٍ قولِه وَّيه: ((وفى الرّكازِ الخُمُسُ)). وقال الأوزاعىُّ: فى ذَهَبِ المعدِنِ وفِضَّتِهِ الخُمُسُ، ولا شىءَ " فيما يَخْرُجُ منه) غيرَهما. وقال مالكٌ وأصحابُه: لا شىءٍ فيما يخرجُ مِن المعادنِ مِن ذهبٍ أو فِضَّةٍ حتى يكونَ عشرين مثقالًا ذهبًا ، أو خَمْسَ أَوَاقِئَّ فِضَّةً، فإذا بلَغَتا هذا المقدارَ وجَب فيهما الزكاةُ ، وما زاد فبحِسابٍ ذلك، ما دام فى المعدِنِ نَيْلٌ ، فإنِ انْقَطَع ، ثم جاء بعدَ ذلك نَيْلٌ آخَرُ، فإِنَّه يُتَدَأَ فيه مقدارُ(٢) الزكاةِ مكانه. والمعدِنُ عندَهم بمنزلةِ الزرعِ تؤخَذُ منه الزكاةُ فى حِينِه ، ولا يُنتَظَرُ به حولٌ. فإن انقطَع عمَلُه ولم يَكْمُلْ فيما خرَج بذلك العملِ نِصابٌ ، ثم ابتَدَأ العملَ، لم يَضُمَّ ما خرَج إلى ما حَصَل بالعملِ الأُوَّلِ، كزَرع ابتُدِىَّ حصادُه. قال: وإن وُجِد الذَّهَبُ والفِضَّةُ فى المعدِنِ مِن غيرٍ كبيرٍ (٢) عملٍ؛ كالبَدْرةِ وشِبهِها ، فهو بمنزلةٍ الرِّكازِ، وفيه الخُمُسُ . قال مالكٌ: وما وُجِد فى المعدِنِ بغيرِ عَمَلٍ، فهو رِكَازٌ، فيه الخُمُسُ. وقد مضى ذِكرُ زکاةِ المعدِنِ خاصَّةً، فی بابٍ ربيعةً(٤) . وهذا كلُّه تحصيلُ مذهبٍ مالكِ عندَ جماعة أصحابه . وروَى ابنُّ سُحنونٍ، عن أبيه، عن ابنِ نافع، عن مالكِ، فى البَدْرَةِ القبس (١ - ١) سقط من: م. والمثبت مما تقدم فى ٢٩٨/٨. (٢) سقط من: م . والمثبت مما تقدم فى ٢٩٧/٨. (٣) فى م: ((كثير)). والمثبت مما تقدم فى ٢٩٧/٨، وينظر ما تقدم فى الموطأ (٥٨٧). (٤) تقدم فى ٢٩٦/٨ - ٢٩٨ . ٢٤٠