Indexed OCR Text

Pages 321-340

الموطأ
وفى حديثٍ مصعبٍ بن ثابتٍ قتلُ السارقٍ بالحجارةِ فى الخامسةِ ، الاستذكار
ولا أعلم أحدًا مِن أهلِ العلم قال به ، إلا ما ذكره أبو مصعب صاحبُ مالكٍ
فى ((مختصرِه)) عن أهل المدينة؛ مالكِ وغيرِه. قال: مَن سرَق ممن بلَغ
الحُلمَ مِن الرجالِ، أو (١) المحيضَ مِن النساءِ، سرقةٌ، فخرَج بها مِن
چرزها ، وبلغت رُبُعَ دینار او ثلاثة دراهم ، قُطعت يدُه الیمنی ، ثم مُسمت
بالنار ، ثم ◌ُلِّی سبیلُه ، فإن سرّق ثانیةً قُطعت رِجُه الیسری ، ثم إن سرّق
الثالثةَ قُطِعت يدُه اليسرى ، فإن سرّق الرابعةَ قُطِعت رِجْلُه اليُمنى، فإن
سرّق الخامسةَ قُتِل، كما قال رسولُ اللهِ وَّهِ، " وعثمانُ"، وعمرُ بنُ
عبد العزيزِ.
قال: وكان مالكٌ يقولُ : لا يُقتلُ.
قال أبو عمرَ: حديثُ القتل منكَوُ (١) لا أصلَ له، وقد ثبت عن النبيِّ
ڵۍ أن: «لا یحلّ دم امرئ مسلمإلا یاحدی ثلاث ؛ کفرٍ بعد إیمانٍ ، أو
زنىّ بعدَ إِحصانٍ، أو قتلٍ نفسٍ بغيرِ نفسٍ))(4). ولم يذكُوْ فيها السارقَ،
وقال ◌َله فى السرقةِ: ((فاحشةٌ وفيها عقوبةٌ))(٥). ولم يذكُوقتلًا. وعلى
القبس
(١) فى الأصل، م: ((و)).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) سقط من: ح، هـ، م.
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٥٨/١٨، ٢٥٩.
(٥) تقدم فى الموطأ (٤٠٤).
٣٢١
(موسوعة شروح الموطأً ٢١/٢٠ )

قال يحيى: قال مالك: الأمرُ عندَنا فى الذى يسرِقُ مِرارًا ثم
الموطأ
يُستَعدَى عليه ، أنه ليس عليه إلا أن تُقطعَ يدُه لجميع مَن سرَق منه ، إذا
لم یکنْ أُقیم علیه الحَدُّ، فإن كان قد أُقیم علیه الحدُّ قبلَ ذلك ، ثم
سرَّق ما يجبُ فيه القطعُ، قُطِع أيضًا .
الاستذكار هذا جمهورُ أهلِ العلم فى آفاقٍ (١) المسلمين. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
قال مالك: الأمرُ عندَنا فى الذى يسرِقُ مرارًا ثم يُستعدَى(٢) عليه ، أنه
ليس عليه إلا أن تُقطعَ يدُه لجميعِ مَن سرّق منه، إذا لم يكنْ أُقيم عليه
الحدُّ ، فإن كان قد أقيم عليه الحدُّ قبلَ ذلك، ثم سرّق ما يجبُ فيه القطعُ،
قُطع أيضًا .
قال أبو عمرَ: لا أعلمُ فى هذه المسألةِ خلافًا بينَ أهلِ الفقهِ الذين تدورُ
على مذاهبهم الفتوى بالأمصارِ، ولا عمَّن(١) قبلَهم. وقد رُوِى أيضًا
منصوصًا عن جماعةٍ مِن التابعين، وهو القیاسُ الصحیح ؛ لأن قطعَ الیدِ فی
السرقةِ حقٌّ للهِ عزَّ وجلّ، فلا يُقامُ إلا مرةً؛ لِما تقدَّم، كالزنَى لا يُقام فيه
الحدَّ إلا مرةً على الزانى مِرارًا، ما لم يُحدَّ، فإن عاد بعد الحدِّ فعليه الحدُّ
مرةً أخرى، وهكذا أبدًا فى السرقةِ والزنَى.
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الآفاق على)).
(٢) فى الأصل: (يستعلى)).
(٣) فى الأصل، ح، م: ((على من).
٣٢٢

١٦٢٤ - مالكٌ، أن أبا الزِّنادِ أخبَرَه أن عاملاً لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ الموطأ
أَخَذ ناسًا فى حِرابَةٍ ولم يقتُلوا، فأراد أن يقطعَ أيدِيَهم أو يقتُلَ، فكتَب
إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فى ذلك ، فكتب إليه عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: لو
أخَذتَ بِأَيْسَرِ ذلك .
وأصلٌ آخرُ مِن الإجماع أيضًا فى الرجلِ يطأُ امرأةً قد نكحها نكاحًا الاستذكار
فاسدًا، أو نكاحًا صحيحًا، أنه يجبُ عليه المهرُ بوطءٍ مرةٍ ، ولو وطِئها بعدَ
ذلك مرارًا لم يكن عليه غير ذلك .
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ ، أنه أخبرَه ، أن عاملًا لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أخَذ
ناسًا فى حِرَابةٍ ولم يَقْتُلوا، فأراد أن يَقطعَ أيديهم أو يقتُلَ، فَكتَب إلى
عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فى ذلك، فكتب إليه عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: لو أخَذتَ
بأيسرٍ ذلك(١).
قال أبو عمر: ليس فى ((الموطأ) فى المحاربين مسألةٌ غیرُ هذه، وهی
لمحةٌ كما ترى ، فلنذ كر أحكام المحاربين بأخصرِ ما يُقدرُ علیه هنا بعونٍ
اللهِ عزَّ وجلَّ. وأما قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ لعاملِه فى المُحارِبين الذين لم
يَقتُّلوا: لو أَخَذتَ بأيسرِ ذلك. فيَدُلَّ على أنه كان يذهَبُ إلى تخييرِ الإمام
فى عقوبةِ المُحارِبين على ظاهرِ القرآنِ فى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٨/١٣و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨١٠).
وأخرجه البيهقى ٢٨٤/٨ من طريق مالك به.
٣٢٣

الموطأ
يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنْفَوْاْ مِنَ
الاستذكار
اُلْأَرْضِ﴾ الآيةُ) [المائدة: ٣٣]. فقد اختلف السلفُ ومَن بعدَهم من
العلماءِ فى حكم المحاربٍ إذا أَخِذ فى حِرابته قبلَ أن يتوبَ ، واختلَفوا فى
مَن عنَى اللهُ عزَّ وجلَّ بقولِه: ﴿إِنَّمَا جَزَّاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ الآية. فقالت طائفةٌ
منهم: نزَلت فى الكفارِ المُرتدِّين الذين أغاروا محلى لِقَاح رسولِ اللهِ وَه
وقتَلوا الُّعاةَ، وكفَروا بعدَ إِيمانِهِم، فمَن كفر باللهِ من بعدِ إِيمانِه، فقد
حارَب اللهَ عزَّ وجلٌ ورسولَهِ وَله، فإذا جمَع مع ذلك السعىَ فى الأرضِ
بالفسادٍ ؛ وهو الخروج عن المسلمين، وقطعُ الطريقِ، وإخافةُ السبيلِ،
فهو ممن ◌ُنِى بالآيةٍ. واحتجُوا بحديثٍ أنس، رواه ثابتّ الُنانىُّ ،
وأبو قِلابةً ، وقتادةُ بنُ دِعامةً، عن أنس، أن نفرًا مِن عُكّلِ وعُرَيْنَ قدِموا
المدينةَ، فتكلَّموا بالإسلامِ، وكانوا أهلَ ضَرْعٍ ولم يكونوا أهلَ رِيضٍ(٢).
فاجْتَوَوا المدينةَ، فأمَر لهم رسولُ اللهِ وَلِهِ بِذَودٍ(٢) وبِراعٍ، وأن يخرجوا
مِن المدينةِ ، فيشرَبوا مِن ألبانِها وأبوالِها - وقال بعضُهم فى هذا الحديثِ :
فأمَرهم رسولُ اللهِ وَ لِّ أن يخرجوا إلى إبلِ الصدقةِ، فيشرَبوا مِن ألبانِها
القبس
(١) بعده فى ح، هـ، م: ((فقالت طائفة)).
(٢) أى : كانوا من أهل البادية لا من أهل المدن. النهاية ٢/ ٢٩٠.
(٣) الذود من الإبل: ما بين الشِّتين إلى التسع. وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر. النهاية ٢/ ١٧١.
٣٢٤

الموطأ
وأبوالها - فانطلقوا، فلما كانوا بناحيةِ الحَرَّةِ كفَروا بعدَ إسلامِهم، وقتلوا الاستذكار
راعىَ رسولِ اللهِ وَِّهِ، واستاقوا الإبلَ مرتدِّين، فبعث رسولُ اللهِ وَلَّه فِى
أثرِهم ، فأُدرِكوا وأُتى بهم، فقطَّع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم(١) -
ومنهم مَن يقولُ: وسمَر أعينَهم - وتُركوا بناحيةِ الحَرّةِ يَكْدُمون(٢)
حجارتها حتى ماتوا(٢) .
قال قتادةُ: فبلَغنا أن هذه الآيةَ نزَلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَّاؤُاْ أَلَّذِينَ
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية(٤).
وممن قال: إن الآيةَ نزَلت فى أهلِ الكفرِ. الحسنُ وعطاءٌ.
وقال أكثرُ أهلِ العلم: نزَلت فى كلِّ مَن قطَع الطريقَ، وأخاف
القبس
(١) سمل أعينهم: فقأها بحديدة محماة أو غيرها. وقيل: هو فقؤها بالشوك وهو بمعنى
الشعر. ينظر النهاية ٣٩٩/٢، ٤٠٣.
(٢) يكدمون : أى يقبضون عليها وبعضونها. النهاية ١٥٦/٤.
(٣) أخرجه البخارى (٥٦٨٥) من طريق ثابت به، وأخرجه أحمد ٨٥/٢٠ (١٢٦٣٩)،
والبخارى (٢٣٣)، ومسلم (١٠/١٦٧١)، وأبو داود (٤٣٦٤)، والنسائى (٤٠٣٦) من
طريق أبى قلابة به، وأخرجه أحمد ١٥١/٢٠ (١٢٧٣٧)، والبخارى (٤١٩٢)، ومسلم
(١٣/١٦٧١)، والنسائى (٤٠٤٤)، وابن خزيمة (١١٥) من طريق قتادة به
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٣٨) - ومن طريقه أبو يعلى (٣٠٤٤)، وابن الجارود (٨٤٦) .
وابن جرير فى تفسيره ٣٦٢/٨.
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨٥٣٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٨٥/١٢، وتفسير ابن
جرير ٣٦١/٨.
٣٢٥

الموطأ
الاستذكار السبيلَ، وأُخَذ المالَ؛ قتَل أو لم يقتُلْ. على ما نذكُّرُ من ١ اختلافِهم فى
جزاءِ المحاربِ ؛ هل هو على الاستحقاقِ، أو على تخييرِ الإمامِ فيه؟
وأنكر الفقهاءُ أن تكونَ الآيةُ نزَلت فى أهلِ الشركِ ؛ لأن اللهَ عزَّ وجلَّ قال
فى المحارِبين: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُواْ
أَتَ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]. وقد أجمع علماء المسلمين على
أن الكفارَ إذا انتهَوا وتابوا مِن كفرِهم، غُفِر لهم كلَّ ما سلَف، وسقَط
عنهم كلَّ ما كان لزِمهم فى حالِ الكفرِ مِن حقوقِ اللهِ عزَّ وجلَّ وحقوقٍ
المسلمين قبل أن يُقدَرَ عليهم، وبعدَ أن يُقدَرَ عليهم ويصيروا فى أيدى
المسلمين، فلا يَحلَّ قتلُهم بإجماع المسلمين، ولا أن يؤخَذوا بشىءٍ
جَنَوه فى مالٍ أو دم، فدلَّ ذلك على أن الآيةً لم تنزِلْ فى أهلِ الشرك
والكفرِ، وهذا هو الصحيح؛ لأن المُحارِبين يؤخَذون بكثيرٍ من ذلك،
فمما يؤخَذُ منهم بإجماع العلماءِ، ما وُجد فى أيديهم من أموالِ المسلمين
وأهل الذمةِ أيضًا . وقال مالك: يؤخَذون بالدم إذا طلَبه وليّه . وقال الليثُ:
لا يؤخذون به . وقال الشافعىُّ: تضعُ عن المُحاربِ توبتُه حدَّ اللهِ عزَّ وجلَّ
الذى وجَب لمُحاربتِه، ولا تُسقِطُ عنه حقوقَ بنى آدمَ. وقال أبو حنيفةً:
إن لم يقدرِ الإمامُ على قُطَّاع الطريق حتى جاءوا تائبين، وُضِعت عنهم
حقوقُ الله عزَّ وجلّ التی کانت تُقامُ علیھم لو لم يتوبوا ، ويُرجُ حکمُ ما
القبس
(١) فى الأصل: ((فى من))، وفى ح، هـ، م: ((فمن)). والمثبت يقتضيه السياق.
٣٢٦

الموطأ
أصابوا من القتلِ والجراح إلى أولياء المقتولين والمجروحين، فيكونُ الاستذكار
حكمُهم فى ذلك كحكمهم لو أصابوا ذلك على غيرِ قطع الطريقِ .
قال أبو عمرَ: هذا كلُّه ليس هو الحكم عندَ أحدٍ من العلماءِ فيمن أسلَم
من الكفارِ قبلَ أن يُقدَرَ عليه، فدلَّ ذلك على فسادٍ قولٍ مَن قال: نزَلت
الآيةُ فى أهلِ الشِّركِ .
وقال الفقهاءُ ( وأهلُ) اللغةِ: معنَى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿يُحَارِبُونَ اللهَ﴾.
يُحاربون أهلَ( ١) دينِ اللهِ عزَّ وجلّ .
وأما اختلافُ العلماءِ فى جزاءِ المُحارِبين هل هو على قدْرٍ
الاستحقاقِ ، أم على تخييرِ الإمامِ ؟
فرُوِى عن ابنِ عباسٍ، ومجاهدٍ ، والحسنِ، وسعيدِ بنِ المسئَّبِ،
وعطاء، وإبراهیم ، أن الإمام مُخیر یحكم فيهم بما شاءمِن الأوصافِ التى
ذكَر اللهُ عزَّ وجلَّ فى الآيةِ؛ مِن القتلِ أو الصلبِ أو القطع أو النفي(٣).
و((أو)) عندَ هؤلاءِ للتخييرِ. وممن قال بذلك؛ مالكٌ، والليثُ ، وأبو ثورٍ.
قال مالكٌ : ذلك إلى اجتهادِ الإمام ، يستشيرُ فى ذلك أهلَ العلم والرأي
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ : (من)
(٢) ليس فى: الأصل .
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨٥٤٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٤٥/١٠، ٢٨٥/١٢،
وتفسير ابن جرير ٣٧٨/٨ - ٣٨٠.
٣٢٧

الموطأ
الاستذكار والفضل على قدرٍ مجزم المُحاربِ وإفسادِه. وليس ذلك إلى هوى٢) الإمام.
قال مالكٌ: الفسادُ فى الأرض القتلُ وأخذُ المالِ، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا
تَوَلَى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
اَلْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقال عزَّ وجلّ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ
فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
قال أبو عمر: معناه: أو بغيرِ فسادٍ فى الأرضِ. فدلَّ على أن الفسادَ
فى الأرضِ وإن لم يكنْ قتلًا فهو كالقتلِ، والفسادُ المجتمَعُ عليه هنا قطمُ
الطريقِ، وسلبُ المسلمين، وإخافةٌ سُئُلهم .
والقولُ الثانى أن الحكم فى المُحاربِ، أنه إن قتَل قُتِل، وإن أخَذ
المالَ وقتَل قُتِل و(٢) صُلِب، وإن أخَذ المالَ ولم يقتُلْ قُطِعت يدُه ورِجلُه
مِن خلافٍ، وإن أخافَ السبيلَ فقط لم يكنْ عليه غيرُ النفي .
وزُوِى هذا أيضًا عن ابنِ عباسٍ، ومجاهدٍ، وعطاءٍ، وإبراهيم
النخعى، والحسنِ البصرىِّ. وهو قولُ أبی مِجْلَزٍ ) والضحاكِ ، وسعيدِ بنِ
جبيرٍ، وقتادةً ). وهو قولُ أهل اللغة. و((أو)) عندَ هؤلاءِ للتفضیل، وإلى
القبس
(١) فى ح، هـ، م: ((سوى)).
(٢) فى ح، هـ: ((أو).
(٣) فى م: ((مجالد)).
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨٥٤٢ - ١٨٥٤٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٤٦/١٠ -
١٤٨، وتفسير ابن جرير ٣٧٣/٨ - ٣٧٧.
٣٢٨

الموطأ
هذا ذهَب الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما، والثورىُّ، والأوزاعي، الاستذكار
وأحمدُ ، وإسحاقُ . قال الشافعىُّ: تُقامُ عليهم الحدودُ على قدْرِ اختلافٍ
أفعالِهم؛ مَن قتل منهم وأخَذ المالَ قُتِل وصُلِب، وإذا قتَل ولم يأخُذْ مالًا
قُتِل ودُفع إلى أوليائِه يدفِنوه، ومَن أَخَذ مالًا ولم يقتُلْ قُطِعت يدُه ورِجلُه مِن
خلافٍ فى مكانٍ واحدٍ ، ومحسِم على عُضوِهِ بالنارِ قبلَ أن يُقطعَ الآخَرُ،
ومَن حضَر وكثَّر وهيَّب وكان رِدْءًا عُزِّر ومحبِس.
قال أبو عمرَ: نحوُ هذا قولُ الكوفتِين وسائرٍ مَن ذكّرنا من الفقهاءِ،
والنفىُ عندَهم أن يُحبَسوا حتى يُحدِثوا توبةً . وقال مالكٌ: النَّفى أن يُخرَجْ
إلى بلدٍ آخرَ، ويُحبَسَ هناك فى الحبسٍ ) . وقال يحيى بنُّ سعيدٍ
الأنصارىُّ: يُنْفَى مِن بلدِه إلى بلدٍ غيرِهِ. ولم يذكُّرْ حبسًا. وقال
عبدُ الملكِ بنُ الماجشونِ: قول أبىِّ، وابنٍ دينارٍ، والمغيرةٍ ، أن نفىَ
المحاربِ إنما هو أن يطلُبه الإمام لإقامةِ الحدِّ عليه فیھزُبَ ، وليس كنفي
الزانى البكرِ. وهو قولُ ابنٍ شهابٍ .
قال أبو عمرَ: فى صلبٍ المحاربِ أقوالٌ لأهلِ العلم ، وكذلك فى نفيهِ
أيضًا لأُهلِ العلم أقوالٌ واعتلالاتٌ وتوجيهاتٌ ، واختصَرنا ذلك كلَّه خوفَ
الإطالةِ ؛ لشرطِنا الاختصارَ، والإشارةَ إلى ما أشار إليه مالكٌ رحِمه اللهُ.
القبس
(١) فى ح، هـ: ((المسجد)، وفى م: ((السجن)). وينظر تفسير ابن جرير ٣٨٩/٨.
٣٢٩

الموطأ
قال يحيى : سَمِعتُ مالكًا يقولُ : الأمرُ عندَنا فى الذى يَسرقُ أمتعةً
الناس التى تكونُ موضوعةً بالأسواقِ مُحرَزَةً، قد أَخْرَزَها أهلُها فى
أُوْعِيِّهم وضَمُوا بعضَها إلى بعضٍ، أنه مَن سرّق مِن ذلك شيئًا مِن
چززه، فبلغ قیمتُه ما يجبُ فیه القطئُ، فإن علیه القطعَ، كان صاحبُ
المتاعِ عندَ متاعِه أو لم يكنْ، ليلًا كان ذلك أو نهارًا .
الاستذ کار
قال مالك: الأمرُ عندَنا فى الذى يَسرقُ أمتعةً الناسِ التى تكونُ
موضوعةً بالأسواقِ محروسةً ، قد أحرزها أهلُها فى أوعيتِهم وضمُّوا بعضَها
إلى بعضٍ ، أنه مَن سرّق شيئًا مِن ذلك مِن حِرْزِه، فبلَغتْ قيمتُه ما يجِبُ فيه
القطعُ، فإن عليه القطعَ؛ كان صاحبُ المتاع معه أو لم يكنْ، ليلًا كان
ذلك أو نهارًا .
قال أبو عمرَ: الحجّةُ فى قولِه هذا حديثُ صفوانَ بنِ أميَّةَ ، إذ سُرق
رداؤُهُ مِن تحتٍ رأسِه - أو مِن تحتِّ توسُّدِه - وهو نائم١ٌ. والنائمُ
كالغائبٍ عن متاعِه، وغلقُ الوعاءِ على المتاعِ كغلقٍ بابِ الدارِ والبيتِ .
ولم يختلفوا أن مَن فتَح بابَ دارٍ أو بيتٍ وسرّق منه ما يبلُغُ المقدارَ ، أنه
يُقطعُ، وقد أتى كثيرٌ مِن الفقهاءِ أن يجعَلوا ذلك حِرْزًا إذا غاب عنه
صاحبُه، ولم يكنْ فى عَقلِه ولا تحتَ خَوزةٍ قُفلِهِ() . وهذه من مسائلِ
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٦٢١).
(٢ - ٢) كذا فى الأصل، وفى ح، هـ: ((يكن فى علقه ولا تحت حرزه وقفله)). والسياق فيه
اضطراب .
٣٣٠

الموطأ
قال مالكٌ فى الذى يَسرقُ ما يجبُ عليه فيه القطعُ، ثم يُوجَدُ معه
ما سرَق فيُرَدُّ إلى صاحبِهِ، أنه تُقطَعُ يدُه .
فإن قال قائلٌ: كيف تُقْطَعُ يدُه وقد أُخِذ المتامُ منه ودُفِع إلى
صاحبِه ؟ فإنَّما هو بمنزلةِ الشاربِ يُوجَدُ منه ريحُ الشرابِ المُسكِرِ ،
وليس به سُكرٌ، فيُجلَدُ الحَدَّ. قال: وإنَّما يُجلَدُ الحدَّ فى المُسكِرِ إذا
شرِبه وإن لم يُسكِرْه، وذلك أنه إنَّما شرِبه ليُسكِرَه، فكذلك تُقطَعُ يدُ
السارقٍ فى السرقةِ التى أَخِذَت منه ولم يَنتفِعْ بها ورجَعتْ إلى
صاحبِها، وإنَّما سرَقها حينَ سرَّقها لِيَذْهَبَ بها .
الرأيِ يَسوُ فيها الاجتهادُ .
الاستذكار
والأصلُ عندى فى هذا وما كان مثلَه ألَّا يُراقَ دمُ السارقِ المسلم إلا
بيقين ، واليقينُ أصلٌ أو قياسٌ غيرُ مدفوعٍ على أصلٍ؛ لأن الخطأ فى العفوِ
خيرٌ وأيسرُ مِن الخطأ فى العقوبةِ . وقد أجمعَ العلماءُ على أن كلِّ سرقةٍ لا
قطعَ فيها ، فالغُرمُ واجبٌ على مَن سرَقها ، موسِرًا كان أو معسِرًا .
قال مالكٌ فى الذى يَسرقُ ما يُوجِبُ (١) عليه القطعَ، ويُوجَدُ معه ما
سرَق فيُرَدُّ إلى صاحبِهِ ، أنه تُقطعُ يدُه .
واحتجّ مالكٌ لقولِه هذا بالشاربِ يوجَدُ منه ريحُ الشرابِ فِيُحَدُّ، وهذا
ليس بحجّةٍ عندَ موافقِيه، فضلاً عن مُخالفِيه. والقطعُ واجبٌ عندَ العلماءِ
القبس
(١) فى ح، هـ: ((يجب).
٣٣١

الموطأ
الاستذكار على كلّ سارقٍ أُخرَج المتاعَ من حِزْزِه، وهو حقٌّ للهِ عزَّ وجلّ ، ولیس
للآدمىٌّ فى القطع حقٌّ، فإن وجَد متاعَه أخَذه بإجماع ، ليس له غيرُ ذلك ،
ولا له العفو عن السارقِ إذا بلَغ السلطانَ، وهو وغيرُه فى ذلك سواءٍ.
واختلف العلماءُ فى السارقِ تُقطَعُ يدُه وقد استهلَك المتاعَ ؛ فقال مالكٌ :
يَغْرَمُه إن كان مليئًا فى حينٍ القطع أو فى حينٍ الحكم، وإن كان مُعسِرًا لم
يُتْبَعْ من قيمةِ السرقةِ بشىءٍ. وقال الشافعىُّ: يُتُبُ به دَيْنًا إذا استهلكه ،
ويلزَمُه غُرْمُ ما سرَق مليئًا أو مُعدِمًا؛ لأن القطعَ حقٌّ للهِ عزَّ وجلَّ، والغُرمَ
حقٌّ للمسروقِ منه. قال: وقد أجمعوا أنه لو وجَده ربُّه بيدِ السارقِ أخَذه
وإن قُطِعت يدُه به، فكذلك إذا استهلكه يَغْرَمُه فى حالِ اليُسرِ والغُسرِ ،
كسائرِ المستهلكاتِ من أموال المسلمين. وبه قال أبو ثورٍ، وأحمدُ ،
وإسحاقُ ، وهو قولُ إبراهيم النخعى ، وحمادِ بنِ أُبی سلیمانَ ، ویحیی بنِ
سعيد الأنصارىِّ، والليثِ بنِ سعدٍ، وعثمانَ البِّيَّ .
وقال سفيانُ الثورىُّ، والحسنُ بنُ صالح بنٍ حىٍّ، وأبو حنيفةً
وأصحابُه: إذا قُطِعت يدُ السارقِ فلا غُرَمَ عليه؛ مليئًا ولا عديمًا، إلا أن
يوجّدَ الشىءُ معه فيؤخذَ منه. وهو قولُ عطاءٍ، والشعبىِّ، وابنٍ سيرينَ،
ومكحولٍ (١) . وبه قال ابنُّ أبى ليلى وابنُ شُبُمةً .
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨٨٩٧ - ١٨٨٩٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ٩/ ٤٨١،
٤٨٢.
٣٣٢

الموطأ
وحجّةُ مَن قال بهذا القولِ ما حدَّثناه أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بن الاستذكار
أسدٍ ، قال : حدَّثنى حمزةُ بنُ علىٍّ ، قال : حدَّثنى أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال :
حدَّثنى عمرُو (١) بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنى حسانُ بنُ عبدٍ (٢) اللهِ ، قال :
حدَّثْنى المُفضَّلُ بنُ فَضالةً ، عن يونسَ بنِ يزيدَ ، قال: سمِعتُ سعدَ ابنَ
إبراهیم یُحدِّثُ عن المِسورِ بنِ إبراهیم، عن عبد الرحمن بن عوف ، أن
رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((لا يُغَرَّمُ السارقُ إذا أُقيم عليه الحدُّ))(٣).
قال أبو عمرَ: هذا ليس بالقوىِّ عندَهم، والمِسْورُ بنُ إبراهيمَ بنِ
عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ - أخو سعدِ بنِ إبراهيمَ وصالحِ بنِ إبراهيمَ - لم
يسمَعْ من عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، ولو ثبت هذا الحديثُ لوجَب القولُ به ،
ولکنه عندهم غیر ثابتٍ ؛ لأنه منقطئً، وإن كان قد وصَلہ سعیدُ بنُ کثیرِ
ابنِ عُفَيرٍ ، عن المفضَّلِ، عن يونسَ، عن سعدٍ ، عن أخيه المِسورِ بنِ
إبراهيم ، عن أبيه، عن عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ . فإن ثبت فالقولُ به أُولَی ،
وإلا فالقياسُ ما قاله الشافعىُّ ومَن تابَعه . وباللهِ التوفيقُ.
القبس
(١) فى الأصل، م: ((أحمد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٥٠.
(٢) فى النسخ، والجرح والتعديل ٢٣٨/٣: ((عبيد)). والمثبت من سنن النسائي، وينظر تهذيب
الكمال ٣١/٦، وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٥٠.
(٣) النسائى (٤٩٩٩)، وفى الكبرى (٧٤٧٧). وأخرجه الدارقطنى ٣/ ١٨٢، وأبو نعيم فى
الحلية ٨/ ٣٢٢، والبيهقى ٢٧٧/٨ من طريق المفضل بن فضالة به .
٣٣٣

الموطأ
قال مالكٌ فى القومِ يَأْتُون إلى البيتِ فيَسرِقون منه جميعًا،
فيَخرُجون بالعِدْلِ يَحمِلونه جميعًا، أو الصُّندوقِ، أو بالخشَبَةِ ،
أو بالمِكتَل، أو ما أشبهَ ذلك ممَّا يحمِلُه القومُ جميعًا، أنهم إذا
أُخرَجُوا ذلك مِن حِرِزِه وهم يحمِلُونه جميعًا، فَبَلَغ ثمنُ ما خرَجوا
به مِن ذلك ما يجِبُّ فيه القطعُ؛ وذلك ثلاثةُ دراهمَ فصاعدًا،
فعليهم القطعُ جميعًا . قال: وإن خرَج كلُّ واحدٍ منهم بمتاعٍ على
حِدَتِه ؛ فمَن خرَج منهم بما تبلُغُ قيمتُه ثلاثةَ دراهمَ فصاعدًا، فعليه
القطعُ، ومَن لم يخرجْ منهم بما تبلُغُ قيمتُه ثلاثةَ دراهمَ فصاعدًا،
فلا قطعَ علیه .
الاستذكار
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنى أحمدُ بنُّ المُفضَّلِ، قال :
حدَّثنى محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنى أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذىُّ ، قال :
حدَّثنى سعيدُ بنُ كثيرِ بنِ عُفَيرٍ، قال: حدَّثنى مُفضِّلُ بنُ فَضالةً، عن
يونسَ بنِ يزيدَ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، قال: حدَّثنى أخى المسورُ بنُّ
إبراهيمَ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوفٍ، أن رسولَ اللهِ وَل ◌ِ قال:
(إذا أُقيم الحدُّ على السارقِ فلا غُرْمَ عليه))(١).
قال مالكٌ فى القوم يأتون البيتَ فيَسرِقون منه جميعًا، فيخرجون
بالعِدْلِ يَحمِلونه، أو بالصندوقِ، أو بالخشبةِ، أو بالمِكْتَلِ، أو ما أشبه
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تهذيب الآثار - كما فى لسان الميزان ٢٢/٣.
٣٣٤
١

الموطأ
ذلك مما يَحمِلُه القومُ جميعًا، أنهم إذا أُخرَجوا ذلك من حِرْزِه وهم الاستذكار
يَحمِلونه جميعًا، فبلَغْ ثَمَنُ ما خرَجوا به مِن ذلك ما يجِبُ فيه القطعُ؛
وذلك ثلاثةُ دراهمَ فصاعدًا، فعليهم القطعُ جميعًا. قال: وإن خرّج كلُّ
واحدٍ منهم بمتاعٍ على حِدَتِه؛ فمَن لم يخرُجْ منهم بما تبلُغُ قيمتُه ثلاثةَ
دراهم فصاعدًا ، فلا قطعَ عليه .
قال أبو عمرَ: من الاختلاف فى هذه المسألة ما ذكره المُزنئُ عن
الشافعىِّ ، قال: وإذا كانوا ثلاثةً، فحمَلوا متاعًا وأُخرَجوه معًا، فبلَغ ثلاثةَ
أرباع دينارٍ قُطِيعوا، وإن نقَص شيئًا لم يُقطَّعوا، وإن أُخرَجوه متفرّقًا؛ فمَن
أَخْرَجَ ما يُساوِى رُبُعَ دينارٍ قُطِع، وإن لم يُساوِ رُبُعَ دينارٍ لم يُقْطَعْ. قال:
ولو نقَبوا جميعًا، ثم أُخرَج بعضُهم ولم يُخرِجْ بعضٌ، قُطِعِ المُخرِجُ
خاصَّةً . وأما أبو حنيفةً وأصحابُه، فذكَر الطحاوىُّ عنهم ، قال : ولا قطعَ
على جماعةٍ سرّقوا حتى يكونَ لكلِّ واحدٍ منهم قيمةُ عَشَرةٍ دراهمَ
فصاعدًا، ومَن سرَق من رجلَين عَشَرةً دراهمَ سَرِقَةٌ واحدةٌ قُطِع فيها . وقال
فى موضعٍ آخرَ: ومَن دخَل عليه جماعةٌ، فوَلِى رجلٌ منهم أُخذَ متاعِه
وحمْلَه، قُطِعوا جميعًا .
قال أبو عمر : هذا تناقضٌ ظاهرٌ، وممن قال بقولٍ مالكٍ فى الرجلَين أو
أکثر یسرِقون مقدارَ رُبُع دینار انھم یُقطعون فیہ - أحمدُ بن حنبل وأبو ثورٍ ؛
القبس
٣٣٥

الموطأ
قال مالك : الأمرُ عندَنا أنه إذا كانتْ دارُ رجل مُغلَقةٌ عليه ليس معه
فيها غيرُه ، فإنه لا يجبُ على مَن سرَق منها شيئًا القطعُ حتى يخرُجَ به
مِن الدار کلّها، وذلك أن الدارَ هی حرزُه، فإن کان معه فی الدارِ
ساكنٌ غيرُه ، وكان كلّ إنسانٍ منهم يُغلِقُ عليه بابه ، وكانتْ حِرزًا لهم
جميعًا ، فمَن سرَق مِن بُيوتٍ تلك الدارِ شيئًا يجبُ فيه القطعُ، فخرَج
به إلى الدار ، فقد أخرجه مِن حرزه إلى غيرِ حرزِه ، ووجب عليه فيه
القطعُ .
الاستذكار قياسًا على القوم یشتر کون فى القتل ، أنهم يُقتَلون بالواحد إذا اشتركوا فى
قتله .
واختلف الفقهاءُ أيضًا فى النفرِ يَدخُلون الدارَ ويَجمَعون المتاعَ
ويحمِلونه على أحدِهم ويَخرُجون معه ؛ فقال الشافعىُّ وأبو ثورٍ : القطعُ على
الذى أُخرَج المتاعَ وحدَه . واختلَف أصحابُ أبى حنيفةً ؛ فمنهم من قال:
يُقطَّعون كلُّهم. ومنهم مَن قال: لا يُقطَعُ إلا الذى أُخرَج المتاعَ. واختلَف
فى ذلك قولُ مالكٍ أيضًا؛ فروَى ابنُ أبى أُوَيسٍ عنه أنه قال: يُقطَّعون
جميعًا. قال : وإنما ذلك بمنزلةٍ ما لو حمَلوه على حمارٍ أو غيرِهِ مِن الدوابٌ.
وروَى ابنُ القاسمِ عنه ، أنه قال: لا يُقطَعُ إلا الذى حمَله وحده .
قال مالك : الأمر عندنا أنه إذا کانت دارُ رجلٍ مُغلقَةً علیه ليس معه فيها
غیژه ، فإنه لا يجبُ علی مَن سرق منها شيئًا القطئُ حتى يخرج به مِن الدارِ
القبس
٣٣٦

قال مالكٌ : الأمرُ عندَنا فى العبدِ يَسرِقُ مِن متاع سيدِه ، أنه إن كان الموطأ
ليس مِن خَدَمِه ولا ممَّن يَأْمَنُ على بيته، ثم دخَل سِرًّا فسرَق مِن متاع
سیدِه ما یجبُ فیه القطُ، فلا قطعَ علیه ، و كذلك الأمّةُ إِذا سرقتْ مِن
متاعِ سيدِها لا قطعَ عليها .
كلِّها، وذلك أن الدارَ هى حِرْزُه، فإن كان معه فى الدارِ ساكنٌ غيرُه ، الاستذكار
و کان کلّ إنسانٍ يُغلِقُ عليه بابه، و کانت حِزْزًا لهم جميعًا؛ فمن سرَق مِن
بیوت تلك الدار شيئًا یچِبُ فیه القطئُ، فخرج به إلى الدار ، فقد أخرجه من
چرزِه إلى غيرِ حرزِه ووجَب عليه فيه القطعُ .
قال أبو عمرَ: هذا کلُّه قولُ الشافعیّ وأبى حنيفةً. وبه قال أبو ثور
وأحمدُ وإسحاقُ .
وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ : لا قطْعَ فى الدارِ المشترَكةِ حتى يَخرُجَ
السارقُ بالسرقةِ مِن الدارِ كلِّها .
قال مالك: الأمرُ عندَنا فى العبدِ يَسرقُ من متاع سيدِه ما يجِبُ فيه القطعُ،
: أنه لا قطْعَ عليه، وكذلك الأَمَةُ إذا سرقت من متاعٍ سيدِها لا قطْعَ عليها .
قال أبو عمرَ : الجمهورُ مِن العلماءِ الذين هم حجّةٌ على مَن شذَّ عنهم
أجمعوا على أن العبد لا يُقطئُ فیما سرّق من مالٍ سیده وسیدتِه ، و كذلك
الأمةُ لا قطْعَ عليها فيما سرَقت مِن مالٍ سيدِها وسيدتِها ، مما يؤتمّنون عليه
ومما لا يؤتَمنون عليه. وهو قولُ مالكِ، والليثِ، وأبى حنيفةً،
القبس
٣٣٧
(موسوعة شروح الموطأ ٢٢/٢٠)

الموطأ
الاستذكار والشافعيّ، وأصحابِه (١) ، والثورىّ، والأوزاعيّ، وأحمدَ، وإسحاقَ ،
وإبراهيمَ ، والطبرىِّ. وقال أبو ثورٍ: يُقطَعُ العبدُ إذا سرَق من مالٍ سيدِه ، إلا
أن يَمنعَ منه إجماعٌ .
وقال أهلُ الظاهرِ: يُقطَعُ العبدُ إذا سرَق من مالٍ سيدِه الذى(٢) يأتِمِثُه
عليه؛ لظاهرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَالشَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَهُوَا
[المائدة : ٣٨] .
يدـ
قال أبو عمرَ: ثبت عن عمرَ بمحضَرٍ مِن الصحابةِ قولُه: خادِمُكم
سرَّق متاعَكم. فجعَلوا العِلَّةَ المانعةَ من القطع فى الغلام الذى شكا ابنُ
الحضرميِّ، وهو غلامُه، أنه سرَق مرآةً امرأتِه - قولَه: خادِمُكم سرَّق
متاعَكم. وثبت عن ابن مسعودٍ ، أنه قال فى عبدٍ سرَّق مِن مالٍ سيدِه :
مالُك سرَق بعضُه بعضًا . ولا أعلمُ لعمرَ وابنٍ مسعودٍ مُخالفًا مِن الصحابةِ
ولا مِن التابعین بعدهم إلا ما ذكرنا مِن اتفاقِ العلماءِ أئمة الفتوى بالأمصارِ
على ذلك . وسيأتى القولُ فى غلامِ الرجلِ يَسرِقُ مِن مالٍ امرأتِه ، أو خادمٍ
المرأة یسرِقُ مِن مالٍ زوجها، فی البابِ بعدَ هذا عند ذکرٍ حدیثِ ابنِ
الحضرمىِّ، مِن روايةِ مالكٍ(٢) ، إن شاء اللهُ عزَّ وجلّ.
القبس
(١) فى الأصل، م: ((أصحابهم)).
(٢) بعده فى الأصل، م: ((لم)).
(٣) سيأتى ص ٣٦٢ - ٣٦٤.
٣٣٨

الموطأ
قال مالكٌ: والأمرُ عندَنا فى عبدٍ - أو قال : فى العبدِ لا يكونُ مِن
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن السائبِ بنِ يزيدَ، الاستذكار
قال : شاهدتُ عمرَ وجاءه عبدُ اللهِ بنُ عمرو الحضرمىُّ بغلامٍ له ، فقال :
إن غلامى هذا سرَّق فاقطَعْ يدَه . قال عمر: ما سرَق؟ قال : مرآةً امرأتى ،
قيمتُها ستون درهمًا. قال: أُرسِلْه فلا قطْعَ عليه، خادِمُكم أخَذ متاعَكم،
ولكنه لو سرّق مِن غیرٍ کم قُطِع .
قال أبو عمرَ : مثلُ هذا لا يقولُه عمر من رأيه وهو يتلو الآيةَ فى السارقِ
والسارقة إلا بتوقيفٍ .
ذكَر عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، ( عن إبراهيمَ ،
عن همامِ بنِ الحارثِ ، عن عمرو بنٍ شُرَحبيلٍ ، قال: جاء مَعقِلُ بنُ مُقرِّن
إلى عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، فقال: عبدى سرّق مِن عبدى. "وقال ابنُ نُميرٍ
فى هذا الخبرِ عن سفيانَ بإسنادِه هذا: غلامى سرَق (من غلامى"
٣)٢)
فقال ابنُ مسعودٍ: لا قطعَ عليه، مالُك سرَّق بعضُه بعضًا(1).
قال مالكٌ: والأمرُ عندَنا فى عبدِ الرجلِ الذى لا يكونُ مِن خَدَمِه ولا
القبس
(١) عبد الرزاق (١٨٨٦٦).
(٢ - ٢) سقط من: ح ، هـ .
(٣ - ٣) فى الأصل: ((ثيابى)).
(٤) أخرجه البيهقى ٢٨١/٨ من طريق الأعمش به .
٣٣٩

الموطأ ◌َحَدَمِه ولا ممَّن يَأْمَنُ على بيتِهِ ، فدخَل سِرًّا فسرَق مِن متاعِ امرأةٍ سيدِه
ما يجبُ فيه القطعُ، أنه تُقِطَعُ يدُه .
قال : وكذلك أمَةُ المرأةِ إذا كانتْ ليستْ بخادم لها ولا لزوجِها ،
ولا ممَّن تَأْمَنُ على بيتِها، ثُمَّ دخَلَت سِرًّا فسرَقَت مِن متاعٍ سيدتها ما
يجبُ فيه القطعُ؛ فلا قطعَ عليها .
قال : وكذلك أمَةُ المرأةِ التى لا تكونُ مِن خَدَمِها ولا ممَّن تَأْمَنُ
على بيتِها ، فدخَلَت سِرًّا فسرَقَت مِن متاع زوج سيدتِها ما يجبُ فيه
القطعُ، أنه تُقْطَعُ يدُها .
قال مالكٌ: وكذلك الرجلُ يَسرِقُ مِن متاعِ امرأته، أو المرأةُ تَسرِقُ
مِن متاعٍ زوجها ما يجبُ فيه القطعُ؛ فإن كان الذى سرَق كلَّ واحدٍ
منهما من متاع صاحبه فى بيتٍ سوى البيتِ الذى يُغلِقان عليهما ،
الاستذكار ممن یأمنُ علی بیته، يدخلُ سرًّا فیسرڤُ من متاع امرأةٍ سیدِه ما يجبُ فيه
القطعُ ، أنه تُقطعُ يدُه .
قال : وكذلك أمَّةُ المرأةِ التى لا تكونُ من خَدَمِها ولا ممن تأمَنُ علی
بيتِها، تدخُلُ سرًّا فتسرِقُ مِن متاع زوج سيدتِها ما يجبُ فيه القطعُ ، أنه
تُقطعُ يدُها .
قال مالكٌ: وكذلك الرجلُ يَسرقُ من متاعِ امرأته، أو المرأةُ تَسرقُ مِن
متاعٍ زوجها ما یچِبُ فيه القطغُ ؛ فإن كان الذی سرَق كلّ واحدٍ منهما من
القبس
٣٤٠