Indexed OCR Text

Pages 481-500

الموطأ
وعبدُ اللهِ بنُ دينارٍ (١) ، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا، وكذلك رَواه جماعةٌ التمهيد
عن سالم، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا(٢) . فكيف يَحِلَّ لأَحَدٍ أن يتَأوَّلَ فى
الأنِذَةِ المسكِرَةِ أَنَّها حَلالٌ، والنبىُ عليه السلامُ قد بَيَّن أنَّ كلّ
مُشكِرٍ خمر، وكلَّ خمرٍ حرام؟ نعوذُ باللهِ مِن الخِذلانِ، ومِن سلوك
سبيلِ الضلالِ .
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا
سليمانُ بنُ الأشعثِ ، قال : حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ ، قال : حدثنا إسماعيلُ ،
يعنى ابنّ جعفرٍ، عن داودَ بنِ بكرِ بنِ أبى الفُرَاتِ، عن محمدٍ بنِ
المنكَدِرِ، عن جابر، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: (( ما أسْكَرَ كثيرُه فقَلِيلُه
(٣)
حرامٌ))(٢).
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال :
القبس
(١) أخرجه ابن عدى ١٨٧٠/٥ من طريق عبد الله بن دينار به.
(٢) أخرجه أحمد ٤٦٤/٩ (٥٦٤٨)، وابن ماجه (٣٣٨٧)، والنسائى (٥٧١٦) من طريق سالم
به .
(٣) أبو داود (٣٦٨١). وأخرجه الترمذى (١٨٦٥) عن قتيبة به، وأخرجه أحمد ٥١/٢٣
(١٤٧٠٣)، والترمذى (١٨٦٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢١٧/٤، والبغوى فى شرح السنة
(٣٠١٠) من طريق إسماعيل بن جعفر به، وأخرجه ابن ماجه (٣٣٩٣)، وابن الجارود (٨٦٠)،
وابن حبان (٥٣٨٢) من طريق داود بن بكر به .
٤٨١
( موسوعة شروح الموطأ ٣١/٢٠)

الموطأ
التمهيد حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا محمدُ بنُّ رافِعِ النَّيْسابُورِىُّ، قال :
حدثنا إبراهيمُ بنُ عمرَ (١) الصَّنْعانىُّ، قال: سَمِعْتُ النعمانَ، يعنى ابنَ
عُبِيدٍ (٢) الصَّنْعَانيَّ، يقولُ: عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبىِّ
منَِّ قال: ((كلُّ مُخَتَّرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ)). وذكر تمامَ
الحديث(٣).
وهذه كلُّها نُصوصٌ فى مَوْضِعِ الخِلافِ لمَنْ أراد اللهُ فى المسكِرِ أن
يَهْدِيَه ويشْرَعَ صَدْرَه. والآثارُ فى تحريم ما أُسْكَرَ كثيرُه كثيرَةٌ جِدًّا يطولُ
الكِتابُ بذِكْرِها، وقد ذكرها جماعَةٌ مِن العلماءِ؛ منهم ابنُ المبارك
وغيرُه، وقال أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ فى ((كِتابِهِ)) : إنَّ أوَّلَ مَن أَحَلَّ المسكِرَ مِن
الأَنبذةِ إبراهيمُ النخعىُ. وهذه زَلَّةٌ مِن عالمٍ، وقد حُذِّرْنا مِن زَلَّةِ العالمِ، ولا
حُجَّةَ فى قولِ أحَدٍ مع السنةِ .
وقد زَعَمَت طائفةٌ أنَّ أبا جعفرِ الطحاوىَّ، وكان إمامَ أَهلِ زَمانِه،
ذهب إلى إباحة الشرپ مِن المسکِرِ ما لم يُشکِرْ، وهذا لو صَحَّ عنه ، لم
يُخْتَجّ به على مَن ذكّرْنا قولَهم مِن الأئمةِ المتَِّعِینَ فی تحریمِ المسکِرِ ما
القبس
(١) فى ق: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ١٥٩/٢.
(٢) فى النسخ: ((المنذر)) وأثبتها ناشر سنن أبى داود: ((بشير)). والنعمان هو ابن أبى شيبة،
واسم أبى شيبة عبيد. وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٤٥٠، وتحفة الأشراف (٥٧٥٨).
(٣) أبو داود (٣٦٨٠) - ومن طريقه البيهقى ٢٨٨/٨. وينظر علل ابن أبى حاتم ٣٦/٢.
٤٨٢

الموطأ
ثبَتَ مِن السنةِ، وأنا أَذْكُرُ ما حَكَاه الطحاوىُّ لِيَتبيَّنَ لك أنَّ الأمْرَ ليس كما التمهيد
ظَنُوا. قال أبو جَعْفَرٍ فى كتابِهِ الكَبِيرِ فى ((الاخْتِلافِ)): أنَّفَقَتِ الأمةُ أنَّ
عَصِیرَ العِنَبِ إذا اشْتَدَّ وغلَی ، وقذَفَ بالزَّبَدِ ، فهو خَمْرٌ، ومُسْتَحِلُّه کافِرٌ،
واخْتَلَفوا فى نَقيع التمرِ إذا غلَى وأسْكَرَ. قال: فهذا يَدُلَّ على أنَّ حديثَ
يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبى كثيرٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيّ عليه السلامُ
أنَّه قال: ((الخمرُ مِن هاتينِ الشجرتَيْنِ؛ النخلةِ والعِنبةِ)) (١) . غيرُ مَعْمُولٍ به
عندَهم ؛ لأنَّهم لو قَبِلوا الحديثَ لأكفَروا (٢) مُشْتَحِلَّ نقيع التمرِ، فَثَبَت أنَّه
لم يدْخُلْ فى الخمرِ المحَرَّمَةِ غيرُ عصيرِ العِنَبِ الذى قد اشْتَدَّ وبلَغ أنْ
يُشْكِرَ. قال: ثم لا تَخْلُو الخمرُ مِن أن يكونَ التحريمُ مُعَلَّقًا بها فقط ، غيرَ
مَقِيسٍ عليها غيرُها أو يجبُ القِياسُ عليها، فوَجَدْناهم جميعًا قد قاسُوا
عليها نقيعَ التمرِ إذا غَلَى وأسْكَرَ كثيرُه، وكذلك نَقِيعُ الزبيبِ . قال :
فَوَجَبَ قياسًا على ذلك أن يُحَرَّمَ كلُّ ما أسْكَرَ مِن الأَشْرِيَةِ(٣) . قال: وقد
رُوِى عن النبيِّ نَِّ أنَّه قال: ((كلَّ مُشْكِرٍ حَرامٌ))، واسْتُغْنِى عن ذِكْرِ
سندِه؛ لقَبولِ الجميع له ، وإنَّما الخِلافُ بينَهم فى تأْوِيلِه ؛ فقال بعضُهم :
أراد به ما يقَعُ السُّكّرُ عندَه، كما لا يُسَمَّى قاتِلًا إلَّا مع وُجودِ القتلِ. وقال
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٧٤.
(٢) فى ق، م: ((لكفروا)).
(٣) فى ق: ((الأنبذة)).
٤٨٣

الموطأ
التمهيد آخَرُون: أراد به جِئْسَ ما يُسْكِرُ. قال: وقد روَى أبو عَوْنِ الثَّقَفِىُّ، عن
عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادٍ ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: محُرِّمَتِ الخمرُ بعينِها؛ القليلُ منها
والكثيرُ، والشّكّرُ مِن كلِّ شَرابٍ(١) . قال: ففى(٢) هذا الحديثِ أنَّ غيرَ
الخمرِ لم يُحَرَّمْ عَيْنُه كما حُرِّمَتِ الخمرُ بعينها . هذا آخِرُ قولِه، وفيما
مضَى كفائَةٌ. والحمدُ للهِ .
أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ
سليمانَ ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ البَغَوِىُّ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ
حنبلٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ ومحمدُ بنُ أبِى عَدِيٍّ، جميعًا عن
حميدٍ ، عن أنسٍ ، قال: كنتُ فى بيتٍ أبى طلحةَ وعندَه أَتَىُ بنُ كعبٍ،
وأَبو عُبَيْدَةَ بنُ الجراح، وسُهَيْلُ ابنُ بَيْضَاءَ، وأنا أُسْقِيهم شرابًا ، حتى إذا
أخَذ فيهم ، إذا رجلٌ مِن المسلمين يُنادِى: ألا إنَّ الخمرَ قد حُرِّمت . فواللهِ
ما انتَظَروا حتى يَعْلَمُوا أو يسألوا عن ذلك. قال : فقالوا: يا أنسُ، أَكفِئُ ما
فى إِنائِك. قال: فَكَفَأَتُه. قال: فما عادُوا فيها حتى لقُوا اللهَ، وشَرابُهم
يومَئذٍ خَلِيطُ اليُسرِ والتمرِ () .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/٨، والنسائى فى الكبرى (٥١٩٥، ٦٧٧٨، ٦٧٨٠)،
والطحاوى فى شرح المعانى ٢١٤/٤، والبيهقى ٢٩٧/٨ من طريق أبى عون به .
(٢) فى الأصل، م: ((فى)).
(٣) أحمد فى الأشربة (١٣٦، ١٥٤)، وفى المسند ٢٣٤/٢٠ (١٢٨٦٩). وأخرجه =
٤٨٤

الموطأ
قال أبو عمرَ: هذا يُبَيِّنُ لك أنَّ الفَضِيخَ المذكورَ فى حديثٍ إسحاقَ ، التمهيد
عن أنسٍ ، أنَّ خَلِيطُ البُشْرِ والتمرِ، وهذا على نحوِ ما فَشَرَه أهلُ اللغةِ(١).
واللهُ أعلمُ .
وقد روَى هذا الحديثَ عن أنسٍ جماعَةٌ يطولُ ذِكْرُهم؛ منهم
سليمانُ التَّيْمِىُّ(٢)، وقتادةٌ (٣) ، وعبدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ(٤)، والمختارُ بنُ
فُلْقُلِ (٥)، وثابِتَّ الثَُّائِئُ(١)، وأبو التَّحِ، وأبو بكرِ بنُ أنسٍ(٢)، وخالِدُ
ابنُ الفِزْرِ، لم يَذْكُرْ واحِدٌ منهم كَشْرَ الجِرارِ، إلّا إسحاقَ بنَ
القبس
= ابن أبى شيبة ٧/ ٥٤١، ٥٤٢، وأبو عوانة (٧٩١٣)، وابن حبان (٥٣٦١، ٥٣٦٣) من
طریق حميد به .
(١) فى ق: ((الفقه)).
(٢) أخرجه أحمد ٢٤٤/٢٠ (١٢٨٨٨)، والبخارى (٥٥٨٣، ٥٦٢٢)، ومسلم (٦/١٩٨٠) من
طریق سلیمان التیمی وأیی بکر بن أنس به .
(٣) أخرجه أحمد فى الأشربة (١٨١)، والبخارى (٥٦٠٠)، ومسلم (٧/١٩٨٠)، والنسائى
(٥٥٥٧) من طريق قتادة به .
(٤) أخرجه البخارى (٤٦١٧)، ومسلم (٤/١٩٨٠) من طريق عبد العزيز بن صهيب به .
(٥) أخرجه أحمد فى الأشربة (١٨٢) من طريق المختار به .
(٦) أخرجه أحمد ٧٨/٢١ (١٣٣٧٦)، والبخارى (٢٤٦٤، ٤٦٢٠)، ومسلم (٣/١٩٨٠)، وأبو
داود (٣٦٧٣) من طريق ثابت به .
(٧) فى ق: ((العيزار)). وينظر تهذيب الكمال ١٥٠/٨.
والحديث أخرجه أحمد ٣٦/٢٠ (١٢٥٧٥)، وأبو يعلى (٤٠٤٧، ٤٠٤٨)، والبيهقى ٣٠٧/٨ من
طریق خالد بن الفزر به .
٤٨٥

الموطأ
التمهيد عبدِ اللهِ بنِ أبى طلحةً وحدَه، وإنَّما فى حدِيثِهم أنَّه أكفَأَها(١)، ولا
بَأَسَ بالاسْتِمْتاعِ بظُرُوفِ الخمرِ بعدَ تَطْهِيرِها وغسلِها بالماءِ وتَنْظِيفِها ،
إِلَّا أنَّ الزِّقاقَ التى قد بالَغَتْها الخمرُ وداخَلَتْها، إنْ عُرِف أَنَّ الغَشْلَ لا
يَتْلُغُ منها مَبْلَغَ التَّطْهِيرِ لها، لم يُنْتَفَعْ بشىءٍ منها .
وفى هذا الحديثِ أيضًا قَبولُ خبرِ الواحدِ ؛ لأنَّهم قَبِلوا خبرَ المخبِرِ
لهم، وهو رجلٌ مِن المسلمين، ولا شَكَّ أَنَّهم قد عَرَفوه، ولذلك قَبِلُوا
خبرَه، وعَمِلُوا به، وأراقُوا شَرابَهم، وقد كان مِلْكًا لهم قبلَ التحرِيم .
وفيه أنَّ المحرّمَ لا يَحِلُّ مِلْگه، وأنَّ الخمرَ لا یستقرُّ علیها مِلكُ مسلِم
بحالٍ . وفيه أنَّها كانت مباحةً مَعفُوًّا عنها حتى نزَلَ تَحْرِيمُها ، قال سعيدٌ
ابنُ بجبَيْرٍ رَحِمه اللهُ: كان الناسُ على أمرٍ جاهِلِيَّتِهم حتى يُؤْمَروا أو
يُنْهَوْا (٢) . وقد كانَتِ الشِّدَّةُ والإِسْكارُ موجودَينٍ فى الخمرِ قبلَ تَحْرِيمِها،
ولم يكنْ ذلك بمُوجِبٍ لتَخْرِيمِها؛ لأنَّ العِلَّةَ فى التحريمِ ما يَقْرَعُ السمعَ
مِن الكتاب والسنةِ، وإنَّما كانَتِ الشِّدَّةُ وَصْفًا مِن أَوْصَافِ الخمرِ، فلمّا
ورَد الشرعُ بتحريم المسكِرِ، صار الإسكارُ والشِّدَّةُ فيها عَلَمًا للتحرِيم ،
بدَلِيلِ الاعْتِبارِ فى ذلك. وهذا مَوْضِعْ تَنَازَعَ فيه مَن نَفَى القِياسَ ومَن أَثْتَه ،
القبس
(١) فى الأصل، م: ((كفأها)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٥٣.
٤٨٦

الموطأ
والكلام فيه يطولُ .
التمهيد
وفى هذا الحديثِ أيضًا ما كان القومُ عليه مِن البِدارِ إلى ٢) الطاعةِ،
والانتهاءِ عمَّا نُهوا عنه .
وفيه حُجّةٌ لمَن قال: إنَّ الخمرَ لا تُخَلَّلُ؛ لأنَّه لو جاز تَخْلِيلُها
والانْتِفائحُ بها، لكان فى إراقَتِها إِضَاعَةُ المالِ، وقد نُهِى عن إِضاعَةٍ
المالِ(٢) ، ولا يقولُ أحَدٌ فيمَن أَرَاقَ خمرًا لمسلم: إنَّه أَتْلَف له مالًا. وقد
أَرَاقَ عثمانُ بنُ أبي العاصِى خمرًا ليتيم، وأَرِيقَتْ بِينَ يَدَىْ رسولِ اللهِ
وَلَه. ومِن حديثٍ أنسٍ، أنَّ أبا طَلْحَةً سألَ النبيَّ وَلَه عن أيْتَامِ وَرِثوا
خمرًا، يَجْعَلُه خَلَّا؟ فَكَرهه(٣) .
وروَى سفيانُ الثورىُّ، عن الشّدِّىِّ، عن (٤ أبِى هُبَيْرَةَ)، واسْمُه
يحيى بنُ عَبَّادٍ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ نَّ فِى
حَجْرِه يتيمٌ، وكان عندَه خمرٌ له حينَ حرِّمَتِ الخمرُ، فقال: يا رسولَ
اللهِ ، نَصْنَعُها خَلََّ؟ قال: ((لا))(٥).
القبس
(١) فى ق: ((و)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٩٣٢).
(٣) تقدم تخريجه ص٤٥٩، ٤٦٠.
(٤ - ٤) فى ق: ((هنيدة)) .
(٥) تقدم تخريجه ص ٤٦٠.
٤٨٧

الموطأ
التمهيد
وروَى مجالدُ بنُ سعيدٍ ، عن أبى الودَّاكِ جبرٍ بنِ نَوفٍ، عن أبى سعيدٍ
الخدرىِّ، قال: كان عندى خمرٌ لأيتام، فلما نزَل تحريمُ الخمرِ أمرَنا
رسولُ اللهِ وَّهِ أَن نُهَريقَها(١).
وستَذْكُوْ آثارَ هذا البابِ بأسانِيدِها فى بابٍ زيدِ بنِ أُسْلَمَ ، عن ابنٍ وَعْلَةً
مِن هذا الكِتاب(٢) .
فبهذا احْتَجَّ مَن كَرِه تَخْلِيلَ الخمرِ ولم يُبخ أكْلَها إذا تخَلَّلَتْ . وقالوا :
لو جاز تَخْلِيلُها لم يأْمُرْ رسولُ اللهِ عليه السلامُ بإراقَتِها ، وقد اسْتُؤْذِنَ فى
تَخْلِيلِها فقال: ((لا)). ونَهَى عن ذلك. ذهَبَ إلى هذا طائفةٌ مِن العلماءِ
مِن أهلِ الحديثِ والرّأْيِ، وإليه مال سُحنونُ بنُ سعيدٍ. وقال آخرون : لا
بَأْسَ بِتَخْلِيلِ الخمرِ، ولا بَأْسَ بأكلِ ما تخَلَّلَ منها بمُعَالجةِ آدَمِىٌّ وبغيرِ
مُعَالَجَتِه على كلِّ حالٍ . وهو قولُ الثورىِّ، والأوزاعيِّ ، والليثِ بنِ سعدٍ ،
والكوفيين . ومِن مُحَّةٍ هؤلاء إجماع العلماءِ على أنَّ العصيرَ مِن العِنَبِ قبلَ
أن يُشْكِرَ حلالٌ، فإذا صار مُشْكِرًا حَرُم؛ لعِلَّةٍ ما حدث فيه مِن الشِّدَّةِ
والإسْكارِ ، فإذا زال ذلك عادَتِ الإباحَةُ، وزال التحريمُ، وسَواءٌ تخَلَّلَتْ
مِن ذاتِها ، أو تخَلَّلَتْ بمُعَالَجَةٍ آدَمِىٌّ ، لا فرقَ بينَ شىءٍ مِن ذلك إذا ذهَبَ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٦٠، ٤٦١.
(٢) ينظر ما تقدم ص٤٥٩ - ٤٦٢.
٤٨٨

الموطأ
منها حالُ الإِسْكارِ .
التمهيد
وأجاز أبو حنيفةً وأصحابُه مع تَخْلِيلِها أن يُصْنَعَ مِن الخمرِ المُرِّىُّ(١)
وغيرُه، وبأىِّ وَجْهٍ أُفْسِدَتْ وزالَتْ علَّةُ السُّكْرِ منها طابَتْ عندَهم،
وطَهُرَتْ. وأمَّا غيرُهم ممَّن ذكّرْنا عنهم إجازةَ تَخْلِيلِ الخمرِ ، فإِنَّهم لا
يُجِيزون منها غيرَ الخلُّ على أصْلِها . ولم يَخْتَلِفْ قولُ مالِكِ وأصْحابِه أنَّ
الخمرَ إِذا تخَلَّلَتْ بذاتِها ، أنَّ أْلَ ذلكَ الخَلِّ حَلالٌ . واخْتَلَف قولُه فى
تَخْلِيلِها؛ فَكَرِهه مَرَّةً، وأجازَه أَخْرَى، والأَشْهَرُ عنه كَرَاهِيةُ ذلك .
وتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ أَنَّه لا يَنْبَغِى لمسلم أنْ يُمْسِكَ خَمْرًا ولا مُسْكِرًا لِيَتَخَلَّلَ،
ولا يَنْبَغِى لِأحَدٍ أنْ يُخَلِّلَها، فإِنْ فَعَل أكَلَها، وكُرِهَ له فِعْلُ ذلك . وقد رُوِى
عن عمرَ بنِ الخَطّابِ، وقَبِيصَةَ، وابنٍ شِهَابٍ، ورَبِيعَةً، كراهِيَةُ تَحْلِيلٍ
الخمرِ ، وإجازَةُ أْلِها إذا تخَلَّلَتْ بذاتِها . وهو أحَدُ قولي الشافعىّ، وهو
تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ عندَ أكثرِ أصحابِهِ، وعلى هذا أكْثَرُ العلماءِ؛ لأَنَّه يَجْتَمِعُ
على هذا القولِ مَذْهَبُ مَن أجاز تَخْلِيلَها بكُلٌّ وَجْهٍ، ومَذْهَبُ مَن أباحَها إِذا
تخَلَّلَتْ مِن ذَاتِها . وقد رُوِى عن ابنِ عمرَ جَوازُ تَخْلِيلِ الخمرِ مِن وجهٍ فیه
لِينٌّ. والصحيحُ عنه إجازَةُ أكْلِها إذا صارَتْ خلًّا .
ذكَر ابنُ أبى شيبةً (٢)، عن وَكِيعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ، عن أبيه ، عن
:
القبس
(١) فى م: ((المربى)).
(٢) ابن أبى شيبة ١٣/٨.
٤٨٩

الموطأ
التمهيد ابنِ عمرَ ، أَنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا أَن يَأْكُلَ ممَّا كان خمرًا فصار خَلَّا .
قال(١) : وأخْبَرنا (٢ محميدُ بنُ عبدِ الرحمن٢ِ)، عن أبيه، عن مُسَزِلٍ
العَبْدِىِّ، عن أَمِّه، قالت : سألتُ عائشةَ عن خَلِّ الخمرِ، قالت : لا بَأْسَ
به ، هو إدائم .
ورُوِى عن علىِّ رضِىَ اللهُ عنه أَنَّه كان يَصْطَغُ فى خَلِّ خمرٍ (٣). وهذا
يَحْتَمِلُ أن يكونَ أراد خَلَّ عِنَبٍ .
وذكر ابنُّ أبى شيبةً(٤)، قال: حدثنا أَزْهَرُ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدٍ
ابنِ سِرِينَ ، أَنَّه كان يَكْرَهُ أن يقولَ: خَلُّ خمرٍ . وكان يقولُ: خَلُّ عِنَبٍ.
و کان يَصْطَغُ فيه .
وقال رسولُ اللهِ بِهِ: ((نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ)) (٥) . وهذا على عُمُومِه .
قال أبو عمرَ: أَعْدَلُ شيءٍ فى هذا البابِ ما رُوِى عن عمرَ رضِى اللهُ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ١٣/٨.
(٢ - ٢) فى النسخ: ((عبد الرحمن بن مهدى)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب
الكمال ٣٧٥/٧.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧١٠٧، ١٧١٠٨)، وابن أبى شيبة ١٣/٨، والبيهقى ٣٨/٦.
(٤) ابن أبى شيبة ١٣/٨.
(٥) تقدم تخريجه ص ٤٥٧.
٤٩٠

الموطأ
التمهيد
عنه فيه .
أخبرنا عبد الوارث، حدثنا قاسِمٌ، حدثنا ابنُ وَضَّاح، حدثنا
سُحنُونٌ ، أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : أخبرنى ابنُّ أبى ذِئْبٍ ، عن ابنِ شِهابٍ،
عن القاسِمِ بنِ محمدٍ ، عن أسلمَ مَوْلَى عمرَ بنِ الخطابِ ، عن عمرَ بنِ
الخطابِ، أنَّه قال: لا يُؤْكَلُ خَلِّ مِن خمرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يَبْدَأَ
اللهُ إفسادَها، فعندَ ذلك يَطِيبُ الخَلُّ. قال: ولا بَأْسَ على امْرِئَ أن يَتَاعَ
خَلَّا وَجَدَه مع أهلِ الكتابِ ، ما لم يَعْلَمْ أنهم تَعَمَّدوا إِفْسادَها بعدَما عادَتْ
(١)
خمًا (١).
قال ابنُ وَهْبٍ : وأخبرنى يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ ، أَنَّه كان يقولُ: لا
خيرَ فى خَلَّ مِن خمرٍ أَفْسِدَتْ ، حتى يكونَ اللهُ يُفْسِدُها ، عند ذلك يَطِيبُ
(٢)
الخَلُّ(٢).
قال ابنُ وَضَّاحِ: ورَأيْتُ سُحتُونًا يذْهَبُ إِلى أَنَّ الخمرَ إِذا خُلِّلَتْ لم
يُؤْكَلْ خَلُّها، تُهُمِّدَ ذلك أو لم يُتَعَمَّدْ.
قال أبو عمرَ: ليس فى النهى عن تَخْلِيلِها والأمْرِ بإراقَتِها ما يَمْنَعُ مِن
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٧١١١، ١٧١١٢)، وابن أبى شيبة ١٤/٨ من طريق ابن أبى ذئب
به، وسقط ذكر عمر من ابن أبى شيبة .
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٦٤.
٤٩١

الموطأ
١٦٤٢ - مالك، عن داود بن الحصینِ، عن واقدٍ بن عمرو بنِ
سعدِ بنِ مُعاذٍ ، أنه أخبَرَه عن محمودٍ بن لَبيدِ الأنصارىِّ، أن عمرَ بنَ
التمهيد أكْلِها إِذا تخَلَّلَتْ مِن ذاتِها؛ لأَنَّ يَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك كان عندَ نُزولٍ
تَخْرِيمِها ، لَلَّا يُسْتَدامَ حَبْسُها، لقُرْبِ العَهْدِ بِشُرْبِها، إرادَةَ قَطْعِ العادَةِ ،
ولم يُشْألْ عن خمرٍ تخَلَّلَتْ فَتَهَى عنها .
وقال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم: كان مالكُ بنُ أنس يقولُ
بقول عمرَ بنِ الخطابِ: لا يُؤْكَلُ خَلِّ مِن خَمٍ أُقْسِدَتْ، حتى يكونَ اللهُ
هو الذى بَدَأْ إِفْسادَها. قال محمدٌ : وبه أقولُ. قال: ثم رَجَع مالِكٌ،
فقال: إنْ فَعَل ذلك جاز أكْلُها، على تَكَثُّهٍ منه . قال : وقولُ عمر أحبُ
إلىّ.
قال أبو عمرَ : قد ذكَّرْنا قولَ مَن زَعَم أنَّ العِلَّةَ فى تَخْرِيمِها الشدَّةُ ، فإذا
زالَتْ حَلَّتْ ، ولكلِّ قولٍ وَجْةٌ يطُولُ شَوْحُه والاحتجاج له، وقد زِدْنا هذه
المسألةَ بَشْطًا وبيانًا، (١ وذكرنا الآثارَ فى ذلك١)، فى بابٍ زيدِ بنِ أَسْلَمَ،
عن ابنٍ وَعْلَةَ(١) . والحمدُ للهُ.
مالكٌ، عن داودَ بنِ الخُصينِ، عن واقدِ بنِ عمرو بنِ سعدِ بنِ مُعاذٍ ،
الاستذكار
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) ينظر ما تقدم ص٤٥٧- ٤٦٥.
٤٩٢

الخطابِ حينَ قدِمِ الشامَ شكًا إليه أهلُ الشام وباءَ الأرضِ وثِقَلَها، الموطأ
وقالوا: لا يُصلِحُنا إلا هذا الشرابُ. فقال عمرُ: اشرَبوا العسلَ .
فقالوا : لا يُصلِحُنا العسلُ. فقال رجلٌ مِن أهلِ الأرضِ : هل لك أن
نجعَلَ لك من هذا الشرابِ شيئًا لا يُسكِرُ؟ قال: نعم . فطَّبَخُوه حتى
ذهَب منه الثُّلُثان وبقِى الثلثُ ، فأتَوا به عمرَ، فأدخَل فيه إصْبَعَه، ثم
رفَعِ يدَه، فتَبِعَها يتَمَطَّطُ ، فقال: هذا الطِّلاءُ، هذا مِثلُ طِلاءِ الإبلِ.
فأمَرَهم عمرُ أن يَشْرَبوه ، فقال له عُبادةُ بنُ الصامتِ: أعْلَلْتَها واللـهِ .
فقال عمر: كلا واللهِ ، اللهمّ إنى لا أُحِلُّ لهم شيئًا حَرَّمْتَه عليهم ، ولا
أُحرِّمُ عليهم شيئًا أحْلَلْتَه لهم .
أنه أخبره عن محمودٍ بنِ لَبيدِ الأنصارىِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ حينَ قدِم الاستذكار
الشامَ شكا إليه أهلُ الشام وباءَ الأرضِ وثِقَلَها، وقالوا: لا يُصلِحُنا إلا هذا
الشرابُ. فقال عمرُ: اشرَبوا العسلَ. فقالوا: لا يُصلِحُنا العسلُ. فقال
رجلٌ مِن أهلِ الأرضِ: هل لك أن نجعَلَ لك مِن هذا الشرابِ شيئًا لا
يُسكِرُ؟ قال: نعم. فطبَخوه حتى ذهَب منه الثُّلْتَان وبقِى الثُّلُثُ ، فأتوا به
عمرَ، فأدخل فيه إصبعَه، ثم رفَع يدَه، فتبعها يتمطَّطُ(١)، فقال: هذا
الطّلاءُ، هذا مثلُ طلاءِ الإبل. فأمرهم عمرُ أن يشرَبوه، فقال له عُبادةُ بنُ
القبس
(١) يتمطط: أى يتمدد. أراد أنه كان ثخينًا. النهاية ٤/ ٣٤٠.
٠
٤٩٣

الاستذكار الصامتِ: أحلَلتَها واللـهِ . فقال عمرُ: كلا واللهِ، اللهمَّ إنى لا أُحِلُ لهم
شيئًا حرَّمْتَه عليهم، ولا أُحرّمُ عليهم شيئًا أخْلَلْتَه لهم(١).
قال أبو عمرَ: قولُ عُبادةَ لعمرَ فى الطَّلاءِ المذكورِ فى هذا الحديثِ :
أحلَلتَها لهم. يعنى الخمرَ، لم يُرِدْ به ذلك الطّلاءَ بعينه، ولكنه أراد أنهم
يستحِلُونها بطَبخِ دونَ ذلك الطبخِ ، ويَعْتُلُّون بأن عمرَ أباح المطبوخَ منها .
كما رُوِى عن النبيِّ وَلَ، أنه قال: ((سَتَسْتحِلُّ أمتى الخمرَ(١) يُسَمُونها
غيرَ اسمِها)). ونحؤُ هذا كما قال الشاعر(٢):
هى الخمرُ بالهَزْلِ(٤) تُكْنَى الطِّلا كما الذئبُ يُكْنَى أبا جَعْدَةْ
حدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ ، قال: حدَّثنا
أبو بكر ، قال : حدَّثنی عبيدُ اللهِ بنُ موسی ، عن سعدِ بنِ أوسٍ، عن بلالِ
ابن يحيى ، عن أبى بكرِ بنِ حفصٍ ، عن ابنِ مُحَيْريزٍ، عن ابنِ السَّمْطِ ، عن
عُبادةَ بنِ الصامتِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((لَيَسْتَحِلَّنَّ آخِرُ(٥) أُمَّتِى
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٢١)، وبرواية يحيى بن بكير (١٠/١٣ظ، ١١و -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٤١). وأخرجه الشافعى ٦/ ١٨٠، والبيهقى ٨/ ٣٠٠،
٣٠١ من طريق مالك به .
(٢) بعده فى الأصل: ((باسم))، وبعده فى م: ((فإنهم).
(٣) هو عبيد بن الأبرص، والبيت فى ديوانه ص ٦٢.
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من الديوان .
(٥) ليس فى: الأصل.
٤٩٤

الموطأ
الاستذكار
الخمر باسم یُسَمُونها ))()
وحدَّثنى سعيدٌ، قال: حدَّثنی قاسمٌ، قال: حدَّثنى محمدٌ ، قال :
حدَّثنى أبو بكرٍ، قال: حدَّثنى زيدُ بنُ الحُبَابِ، عن معاويةً بن صالحٍ،
قال: حدَّثنى حاتمُ بنُ مُرَيثٍ، عن مالكِ بنِ أبي مريمَ، قال : تَذاكَوْنا
الطِّلَاءَ، فدخَل علينا عبدُ الرحمنِ بنُ غَنْمِ، فذاكَرناه، فقال: حدَّثنى أبو
مالكِ الأشعرىُّ، أنه سمع رسولَ اللهِ وَهِ يَقولُ(٢): ((يشرَبُ أُناسٌ مِن
أُمتى الخمرَ يُسَمُونها بغيرِ اسمِها، يُضربُ على رُؤُوسِهم بالمعازفِ
والقَيْناتِ ، يَخِفُ اللهُ عزَّ وجلَّ بهم الأرضَ، ويجعَلُ منهم القردةَ
(٣)
والخنازير))(٣).
قال أبو عمرَ : الدليلُ على صحةٍ ما تأوَّلْناه فى قولٍ عُبادةَ ، أنه لم يُرِدْ
ذلك النوعَ مِن الطَّلاءِ؛ لأنى لا أعلَمُ خلافًا بينَ الفقهاءِ فی جَوَازٍ شربٍ
العصير إذا طُبِخ فذهَب ثلناه وبقِی ثُلُه. و کلُّهم(٤) يقولُ : إنه لا يُسكِرُ
الكثيرُ منه . وإن أُسكَر منه الكثيرُ فالأصلُ ما قدَّمتُ لك فى الخمرِ ، قليلِها
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٤٦٦/٧. وأخرجه ابن ماجه (٣٣٨٥) من طريق عبيد الله بن موسى به،
وأخرجه أحمد ٣٨٢/٣٧ (٢٢٧٠٩) من طريق سعد بن أوس به .
(٢) بعده فى ح: ((لو))، وفى م: ((لا)).
(٣) ابن أبى شيبة ٤٦٥/٧. وأخرجه أحمد ٥٣٤/٣٧ (٢٢٩٠٠)، وأبو داود (٣٦٨٨) من
طريق زيد بن الحباب به ، وأخرجه ابن ماجه (٤٠٢٠) من طريق معاوية بن صالح به .
(٤) فى الأصل، م: ((الكثير)).
٤٩٥

الموطأ
الاستذكار وكثيرِها ، واختلافُهم إنما هو فى غيرِها . ألا ترى إلى حديث عمرَ رضِى
اللهُ عنه فى هذا البابِ ، إنما قال القائلُ : نصنَعُ لك مِن هذا الشرابِ شرابًا
لا یُسکژ. فعلى هذا الشرطِ أباح لهم ذلك الطَّلاءً وهو لا ◌ُسكِرُ أبدًا ، وهو
الرُّبُّ (١) عندَنا. وفى خبرِ عمرَ هذا دليلٌ على أن كلّ ما صُنِعٍ مِن
العصيرِ "رُبَّا لعصيرِ)، فحالَ بينَه وبينَ أن يُسكِرَ، فهو حلالٌ لا بأسَ به .
واللهُ عزَّ وجلَّ أعلمُ .
ذكّر أبو بكرٍ(١) ، قال: حدَّثنى علىُ بنُ مُشْهِرٍ، عن سعيدِ بنِ أبى
عَروبةً، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أن أبا عبيدةَ بنَ الجَّاح، ومعاذَ بنَ
جبلٍ، وأبا طلحةً، كانوا يَشربون مِن الطَّلاءِ(٤) ما ذهَب ثُلُثاه وبقِى
ثُلُثُه .
قال(٥) : وحدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمانَ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ ، قال :
سألتُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن الشرابِ الذى كان عمرُ بنُ الخطابِ أحلَّه
للناسِ، فقال: هو الطَّلاءُ الذى ذهَب ثُلُثاه وبقِى ثُلُه.
القبس
(١) الرُّبُّ: ما يطبخ من التمر. النهاية ٢/ ١٨١.
(٢ - ٢) سقط من: ط ١، وفى الأصل، م: ((وبالعصير)).
(٣) ابن أبى شيبة ٧/ ٥٢٨.
(٤) فى ط ١: ((النشا)).
(٥) ابن أبى شيبة ٥٢٨/٧، ٥٢٩.
٤٩٦

الموطأ
قال(١): وحدَّثنى وكيع، عن الأعمشِ، عن ميمونٍ، عن أمّ الدرداءِ، الاستذكار
قالت: كنتُ أطبُخُ لأبى الدرداءِ الطَّلاءَ حتى يذْهَبَ ثُلُثاه ويبقَى ثُلُثُه،
فيشرَبُه .
وعن عليّ بنِ أبى طالب رضِى اللهُ عنه، أنه كان يَرزُقُ الناسَ مِن الطّلاءِ
ما ذهَب ثُلُثاه وبقِى ثُلْتُّه(٢) .
وذكر أبو بكرٍ (١) ، قال: حدَّثنى ابنُ فُضيلٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ،
عن أبى عبد الرحمنٍ، قال: كان علىِّ رضِى اللهُ عنه يَرْزُقُنا الطُّلاءَ.
فقلتُ : ما هيئتُه؟ قال: أسودُ يأخُذُه أحدُنا بإصبَعِه .
قال أبو عمرَ : هذا ما لا خلافَ فيه. واختلفوا فى المُنَصَّفِ(٤)؛ فكرِهه
سعيدُ بنُّ المسيَّبِ ، والحسنُ، وعكرمةُ(٥) . ورُوِى عن أبى أمامةَ الباهلىّ
كراهيةُ المُنَصَّفِ، وعن جماعةٍ مِن العلماءِ ) . ورُوِيت الرخصةُ فى شُرْبٍ
المُنَصَّفِ بالطبخِ مِن العصيرِ عن البراءِ بنِ عازبٍ ، وأبى مجخَيفةً ، وأنسٍ بنِ
القبس
(١) ابن أبی شیبة ٥٢٩/٧.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٧/ ٥٣٠، ٥٣١.
(٣) بعده فى الأصل، م: ((ابن أبى شيبة)).
والأثر عند ابن أبى شيبة ٥٣٤/٧.
(٤) فى هـ، م: ((النصف))، والمنصف: الشراب ◌ُبخ حتى ذهب نصفه. التاج (ن ص ف).
(٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٧/ ٥٣٦، وسنن النسائى الكبرى (٥٢٣٠، ٥٢٣٢).
(٦) ينظر فتح البارى ٦٤/١٠.
٤٩٧
(موسوعة شروح الموطأ ٣٢/٢٠)

الموطأ
١٦٤٣ - مالك ، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رِجالا مِن
أهل العراقٍ قالوا له: يا أبا عبد الرحمنِ، إنا نَتْتائُ مِن ثمرِ النخلِ
والعنبِ ، فَتَعْصِرُه خمرًا فتَبِيعُها. فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: إنى أُشهِدُ اللهَ
عليكم وملائكته ومَن سمِع مِن الجنِّ والإنس، أنى لا آمُرُكم أن
الاستذكار مالكِ ، وابنِ الحنفيَّةِ، وجريرِ بنِ عبدِ اللهِ البَجلِّ ، وشُريحٍ، وعبد الرحمنِ
ابنِ أُبْزَى، والحكمِ بنِ عُتَيبةَ، وقيسٍ بنِ أبى حازمٍ، وأبى عُبيدةً
ابنِ(١) عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وإبراهيمَ النخعىِّ، ويحيى بنٍ وَثَّبٍ(٣)،
وسعيدِ بنِ جبيرٍ، وغيرِهم). ومعلومٌ أن أحدًا منهم لا يشرَبُ مِن
ذلك ما يُسكِرُ؛ لأنهم قد أُجمَعوا أن قليلَ الخمرِ وكثيرَها حرامٌ .
وقد قال ابنُ عباسٍ: إن النارَ لا تُحِلُّ شيئًا ولا تُحرِّمُه(٤) . فدَلَّ ذلك
على أن المُنَصَّفَ لا يُسكِرُ كثيرُه، وهذا بيِّنٌ واضحٌ لكلِّ ذى لُبِّ
وفهم، إلا أن المُنَصَّفَ قد كرِهه قومٌ كما ذكرنا، وذلك، واللهُ
أعلمُ، لِما خافوا منه، فتوَرَّعوا عنه . وقد حمِد الناسُ التاركَ لِما ليس
به بأسّ مخافةً ما به البأسُ. وبالله التوفيقُ .
مالكٌ ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أن رجالًا مِن أهلِ العراقِ قالوا
القبس
(١) فى ح، هـ: ((و)). وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٦١.
(٢) فى الأصل، م: ((دثار)). وينظر تهذيب الكمال ٢٦/٣٢.
(٣) ينظر المحلى ٢٦٤/٨، ٢٦٥، وفتح البارى ٦٤/١٠.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٣٣/٧.
٤٩٨

تَبِيعوها ، ولا تَجْتاعوها ، ولا تعْصِروها، ولا تَشْرَبوها، ولا تَشْقوها؛ الموطأ
فإنها رِجْسٌ مِن عملٍ الشيطانِ .
له(١) : يا أبا عبد الرحمنِ، إنا نَتائحُ مِن ثمرِ النخلِ والعنبِ، فنعصِرُه خمرًا الاستذكار
فتَبيعُها . فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ : إنى أُشهِدُ الله عليكم وملائكته ومَن سمِعمِن
الجنِّ والإنسِ ، أنى لا آمُرُ كم أن تَبِيعوها، ولا تَبتاعوها، (ولا تَعصِرؤُها) ،
ولا تَشْرِبُوها، ولا تَسْقُوها؛ فإنها رِجْسٌ " مِن عملِ الشيطانِ(4).
قال أبو عمرَ : مِثلُ هذا القولٍ لا يكونُ منه إلا وعندَه مِن اللهِ عزَّ وجلّ
ورسوله عليه السلامُ معناه .
حدَّثنى أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قالا : حدَّثنی قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال : حدَّثنى الحارثُ بنُ أبی أسامةً ، قال : حدَّثنی یحیی بنُ هاشم،
قال: حدَّثنى ابنُ أبى ليلَى ، عن حبيبٍ بن أبى ثابتٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ،
أن النبيَّ وَّقال: ((الخمرُ حرامٌ، وبيعُها حرامٌ، وثمنُها حرامٌ)) ().
حدَّثنى سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنی قاسمُ بنُ
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ح، ط ١.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، ح، هـ، ط ١. والمثبت من الموطأ.
(٣) فى ح، هـ: ((خمر)).
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧١٤)، وبرواية يحيى بن بكير (١١/١٣و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٨٤٣). وأخرجه الشافعى ٦/ ١٨٠، والبيهقى ٢٨٦/٨ من طريق مالك
به .
(٥) الحارث بن أبى أسامة (٤٣١ - بغية).
٤٩٩

الموطأ
الاستذكار أصبغَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ وضاح، قال: حدَّثنى أبو بكرٍ ، قال:
حدَّثنى وكيعٌ، قال: حدَّثنى عبدُ العزيزِ بنُّ عمرَ، عن عبد الرحمنِ بنِ
عبدِ اللهِ الغافقيّ وأبى طُعْمةَ مَولاهم، سمِعا ابنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ
اللهِ وَهِ: ((لُعنتِ الخمرُ على عشرةٍ وُجُوهٍ؛ لُعنتِ الخمرُ بعينها،
وعاصرُها، ومُعتصِرُها، وبائِعُها، ومُتَتَاعُها، وحاملُها، والمُحمولةُ إليه ،
وآكلُ ثمنها ، وساقيها، وشاربها))(١).
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنی قاسمٌ، قال: حدَّثنی
محمدٌ ، قال: حدَّثنى شُحنونٌ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنا مالك
ابنُّ الخيرِ الزَّبَادِىُّ(٢) ، أن مالكَ بنَ سعدٍ (٢) التُّجِيبىَّ حدَّثه، أنه سمِع عبدَ اللهِ
ابنَ عباسٍ يقولُ(٤): إن رسولَ اللهِ وَلَ أَتاه جبريلُ، فقال: يا محمدُ، إن الله
عزَّ وجلّ لعَن الخمر، وعاصرَها ، ومُعتصِرّها، وحامِلَها ، والمحمولة إليه،
وشاربها، وبائعَها، ومُبتاعها، وساقيها، ومُشْقاهاً(*).
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٤٤٧/٦، وأخرجه أحمد ٤٠٥/٨ (٤٧٨٧)، وأبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه
(٣٣٨٠) من طريق وكيع به .
(٢) فى هـ: ((الزيادى))، وفى ط ١، م: ((الزنادى))، وينظر الجرح والتعديل ٢٠٨/٨، والأنساب
٠١٢٧/٣
(٣) فى ح، ط ١: ((سعيد)). وينظر التاريخ الكبير ٧/ ٣٠٨.
(٤) ليس فى : النسخ. والمثبت من مصادر التخريج .
(٥) فى ح: ( مسقها)).
والحديث أخرجه ابن حبان (٥٣٥٦)، والحاكم ١٤٥/٤ من طريق ابن وهب به ، وأخرجه أحمد =
٥٠٠