Indexed OCR Text

Pages 441-460

الموطأ
قال أبو إسحاقَ بنُ شعبانَ : وحدثناه أحمدُ بنُّ محمدٍ ، عن الحارثِ التمهيد
ابنِ مِسكِينٍ، عن ابنِ القاسمِ، عن مالكِ مثلَه .
هكذا قال أبو إسحاقَ بنُّ شعبانَ، والذى فى ((المُوَطّاً)) لابن القاسم
م ء
فى هذا الحديثِ الإرسَالُ، کروایة یحیی وغيرِه.
والأُشْكَرْكَةُ: نَبِذُ الأُرْزِ، وقِيلَ: نَبِيدُ الذَّرَةِ. وقد تقدَّمَ قولُنا فى تَحْرِيمِ
المُشْكِرِ ، فى بابٍ إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بن أبى طَلْحَةً مِن كِتابِنا هذا مُوَضَّحًا
مُسْتَوْعَبًا(١).
وقولُهُ وَّهِ: ((كُلُّ مُشْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُشْكِرٍ حَرَامٌ))(٢). ((وَمَا أَشْكَرَ
كَثِيرُهُ فَقَلِيلُه حَرَامٌ)) (٢). يدْخُلُ فيه الغُبَيْرَاءُ وغيرُها . وباللهِ التوفيقُ.
حدَّثنِى عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا أبو مُسْلِمٍ إِبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ الكَشِّئُ ، قال : حدثنا أبو عاصِمٍ ، قال :
حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن یزید بنِ أُبی حَبِیب، عن عمرو بنِ
الوليدِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((مَن كذّب
علىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأُ مَفْعَدَه من النارِ)). وقال: ((إنَّ الله ورسولَه حَّما الخمر
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص٤٧٧ - ٤٨٢.
(٢) سيأتى تخريجه ص٤٧٨ - ٤٨١.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٤٨١.
٤٤١

١٦٣٩ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ
الموطأ
٠
بال﴾ قال: (مَن شرب الخمر فى الدنيا ثم لم يتُبْ منها، مُرِمَها فى
الآخِرةِ )) .
التمهيد والمَيْسِرَ والكُوبَةَ(١) والغُيَيْرَاءَ))(٢).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدثنا قاسِمُ بنُ أَصبغَ، قال : حدثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدثنا حَجَّاجْ، قال: حدثنا حَمَّادُ بنُ سلَمةً ،
عن علىٍّ بنِ زيدٍ (١)، عن صَفْوَانَ بنِ مُحْرِزِ المَازِنيّ، قال: سمِعتُ أبا
موسى يَخْطُبُ على هذا المِثْتَرِ وهو يقولُ: ألا إِنَّ خَمْرَ أهْلِ المَدِينَةِ البُشْرُ
والتَّعْرُ، وَحَمْرَ أَهْلٍ فَارِسَ العِنَبُ، وخَمْرَ أَهْلِ اليَمَنِ البِتْعُ وهو العَسَلُ،
وخَمْرَ أهْلِ الحَبَشَةِ الأُسْكَرْكَةُ وهو الأَوْنُ(٤)
مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لِّقال: ((مَن شَرِب
القبس
(١) الكوبة: هى النرد، وقيل: الطبل. وقيل: البربط. النهاية ٣٠٧/٤.
(٢) أخرجه البيهقى ١٠/ ٢٢١، ٢٢٢ من طريق أبى مسلم إبراهيم بن عبد الله به، وأخرجه
أحمد ١٦١/١١ (٦٥٩١) عن أبى عاصم به، وأخرجه أحمد ١٢/١١ (٦٤٧٨)، وأبو داود
(٣٦٨٥)، والبزار (٢٤٥٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢١٧/٤ من طريق يزيد بن أبى
حبيب به .
(٣) فى م: ((يزيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٣٤.
(٤) أخرجه البيهقى ٢٩٥/٨ من طريق حجاج به .
٤٤٢

الموطأ
التمهيد
الخمرَ فى الدنيا، ثم لم يُتُبْ منها، مُرِمها فى الآخرةِ ))(١).
فى هذا الحديثِ دليلٌ على تحريم الخمرِ، وعلى أنَّ شُرْبَها مِن
الكبائرِ ؛ لأنَّ هذا وعيدٌ شديدٌ يدُلَّ على حرمانٍ دخولِ الجنةِ ؛ لأنَّ اللَّهَ عزَّ
وجلَّ أخبَرَ أنَّ الجنةَ فيها أنهارٌ مِن خمرٍ لَذَّةٍ للشاربينَ(٢)، ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا
وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [ الواقعة: ١٩]. والظاهرُ أَنَّ مَن دخل الجنةَ لا بُدَّ له من شُربٍ
خمرِها، ولا يَخْلُو مَن حُرِمَ الخمرَ فى الجنةِ ولم يَشْرَبْها فيها - وهو قد
دَخَلَها - مِن أنْ يكونَ يعلَمُ أنَّ فيها خمرًا لذَّةً للشاربينَ، وأَنَّه ◌ُرِمَها
عقوبةً ، أو لا يكونُ یعلَمُ بها ؛ فإن يكنْ لا يَعْلَمُ بها ، فليس فى هذا شىءٌمِن
الوعِيدِ ؛ لأَنَّه إذا لم يَعْلَمْ بها ، ولم يَذْكُرْها، ولا رَآهَا ، لم يَجِدْ ألمَ نَقْدِها،
فأىّ عقوبةٍ فى هذا؟ ويَسْتَحِيلُ أن يُخَاطِبَ اللَّهُ ورسولُه بما لا مَعْنَى له،
وإن يكنْ عالِمًا بها وبموضِعِها، ثم يُحرَمُها عقوبةً لشُربِه لها فی الدنیا ،
إذا(٢) لم يَتُبْ منها قبلَ الموتِ، وعلى هذا جاء الحديثُ، فإن كان هذا
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧١٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٠/١٣ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٨٤٠). وأخرجه أحمد ٣١٧/٨، ٤٤٠ (٤٦٩٠، ٤٨٢٤)، وعبد بن
حميد (٧٦٨)، والدارمى (٢١٣٥)، والبخارى (٥٥٧٥)، ومسلم (٧٦/٢٠٠٣، ٧٧)،
والنسائى (٥٦٨٧) من طريق مالك به .
(٢) يشير إلى الآية ((١٥) من سورة (محمد).
(٣) فى الأصل، م: ((إذ)).
٤٤٣

الموطأ
التمهيد هكذا، فقد لَحِقه حينئذٍ محُزْنٌ شديدٌ (١) وهَمّ وَغَمٌّ لِمَا حُرِمَ مِن شُرْبِها هو (١)،
ويرَى غيرَه يشرَّبُها ، والجنةُ دارٌ لا محُزْنَ فيها ولا غَمَّ ، قال اللَّهُ عَزَّ
وجلَّ: ﴿لَا يَمَشُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨]. ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنٌ﴾ [فاطر: ٨٤]. وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ(١)
اُلْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١]. ولهذا، واللهُ أعلمُ، قال بعضُ مَن تقدَّمَ : إِنَّ مَن
شَرِب الخمرَ و(٤)لم يَتُبْ منها، لم يدخُلِ الجنةَ. لهذا الحديثِ ومثله،
وهذا مذهبٌ غيرُ مَرْضِىِّ عندَنا، إذا كان على القطع فى إنفاذِ الوعيدِ ،
ومَحْمَلُه عندَنا أنَّه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلَّا أنْ يُغْفَرَ له ، إذا مات غيرَ تائبٍ عنها ،
كسائرِ الكبائرِ، وكذلك قولُه: ((لم يَشْرَبْها فى الآخرةِ)). مَعْنَاه عندَنا: إلَّا
أنْ يُغْفَرَ له، فيدخُلَ الجنةَ ويشربَها . وهو عندَنا فى مشيئةِ اللَّهِ ، إن شاء غفَر
له ، وإنْ شاءَ عذَّبَه بذنبِه ، فإن عَذَّبَه بذنبه ، ثم أدخله(٥) الجنة برحمته ، لم
يُخْرَمْها إن شاء اللهُ، ومَن غُفر له، فهو أخْرَى أَلَّا يُخْرَمَها. واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) سقط من: ن .
(٣) فى ن: ((تشتهى)). وقد قرأ نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر: ( تشتهيه). بزيادة هاء
ضمير مذكر بعد الياء، وكذلك هو فى المصاحف المدنية والشامية ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
وأبو بكر وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف بحذف الهاء، وكذلك هو فى مصاحف مكة
والعراق. النشر ٢٧٦/٢.
(٤) فى ن: ((فى الدنيا ثم)).
(٥) فى الأصل، م: ((دخل)).
٤٤٤

الموطأ
وعلى هذا التأويلِ يكونُ معنَى قولِهِ وَالَ: ((خُرِمها فى الآخرةِ)). أى: التمهيد
جَزَاؤُه وعُقُوبِتُه أن يُخْرَمَها فى الآخرةِ. وللَّهِ أن يُجازِىَ عبدَه المذنِبَ على
ذنبِه، وله أنْ يعفوَ عنه، فهو أهلُ العفوِ وأهلُ المغفرةِ، لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ به ،
ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلك لمن يشاءُ. وهذا الذى عليه عقدُ أهل السنةِ ، أَنَّ اللَّهَ
يغْفِرُ لمن يشاءُ ما خَلا الشِّرْكَ، ولا يُنْفَذُّ الوعيدُ على أحدٍ مِن أهلِ القبلةِ .
وباللَّهِ التوفيقُ .
وجائزٌ أن يدخُلَ الجنةَ إذا غفَرَ اللَّهُ له، فلا يشرَبُ فيها خمرًا، ولا
يذكُرُها ولا يَرَاها ، ولا تَشْتَهِيها نفسُه، واللهُ أعلمُ . وقد رُوِى عن أبى سعيد
الخدرىِّ: مَن لَبِس الحريرَ فى الدنيا ودخَل الجنةَ، لم يَلْتَشْه هو فيها مِن
بينِ سائرِ أهلِها . هذا أو (١) معناه رُوِى عنه .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانّ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا هشام، قال :
حدَّثنا قتادةُ، عن داودَ السَّرَّاج، عن أبى سعيدٍ، عن النبيِّ وَ الإِ قال: ((مَن
لَبِس الحريرَ فى الدنيا لم يَلْبَسْه فى الآخرةِ ، وإن دخَل الجنةَ لَيِسَه أهلُ الجنةِ
ولم يَلْبَسْه هو))(٢).
القبس
(١) فى الأصل، م: ((و)).
(٢) أخرجه أحمد ٢٧٣/١٧ (١١١٧٩)، والنسائى فى الكبرى (٩٦١١)، وابن حبان
(٥٤٣٧)، والحاكم ١٩١/٤ من طريق هشام به .
٤٤٥

الموطأ
ورواه أبو داود الطيالسيُّ، عن هشام بإسنادِه مرفوعًا (١).
التمهید
ورَواه شعبةُ ، عن قتادةَ، عن داودَ، عن أبى سعيدٍ مثلَه موقوفًا (٢).
وقد روى جماعةٌ عن النبىّ ◌َ الِ أنَّه قال: «مَن لَیس الحریر فی الدنيا
لم يَلْبَشْه فى الآخرةِ)) (١). ورُوى عن ابنِ الزبيرِ أنه قال: مَن لم يَلْبَسْه فى
الآخرةِ لم يدخل الجنةَ؛ لأنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قال فى كتابه: ﴿وَلِبَاسُهُمْ
(٤)
فِيهَا حَرِيرٌ﴾
[ الحج: ٢٣، فاطر: ٣٣]. وهذا عندى على نحوِ المعنى
الذى نَزَعْنا به فى شارب الخمرِ. واللَّهُ أعلمُ .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ عمرو بنِ سليمانَ
الحريرىُّ(٥)، قال: حدَّثنا البغوىُّ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيعِ العَتَكَىُّ الزَّهْرانىُ،
القبس
(١) الطيالسى (٢٣٣١).
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (٩٦٠٩، ٩٦١٠)، والبغوى فى الجعديات (٩٨١)،
والخطيب فى المدرج ١/ ٥٨٨، والبغوى فى شرح السنة (٣١٠١) من طريق شعبة به.
(٣) أخرجه أحمد ٢٧٥/١ (١٢٣)، والبخارى (٥٨٣٤)، ومسلم (١١/٢٠٦٩)، والنسائى
(٥٣٢٠) من حديث عمر، وأخرجه أحمد ٤٤/١٩، ٤٠٧/٢١ (١٣٩٩٢،١١٩٨٥)، والبخارى
(٥٨٣٢)، ومسلم (٢٠٧٣)، والنسائی فی الکبری (٩٥٨٢)، وابن ماجه (٣٥٨٨) من حديث
أنس .
(٤) أخرجه البيهقى ٢/ ٤٢٢.
(٥) فى الأصل: ((الجريرى)). والنسبتان فى اسمه. وينظر الأنساب ٥٢/٢.
٤٤٦

الموطأ
قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، قال: حدَّثنا أيوبُ ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، التمهيد
قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلَهِ: (( كلَّ مُسكرٍ خمرٌ، وكلّ مسكرٍ حرامٌ، ومَن
شرِب الخمرَ فى الدنيا ، فمات ولم يَتُبْ منها ، لم يشرَبْها فى الآخرةِ ))(١).
قال البغوىُّ: كتَب هذا الحديثَ أحمدُ بنُ حنبل، عن أبى الربيعِ
الزَّهْرانِىِّ.
قال أبو عمر : روی مالڭ(٢) وابنُ جریچ هذا الحدیث کلّ عن نافع،
بعضَه مستَدًا، وبعضَه مِن قولِ ابنِ عمرَ، وهو كلَّه مسندٌ صحيحٌ، وقد
مَضَى القولُ فيه عندَ ذِكْرٍ تحريم المُسْكِرِ ، فى بابٍ إسحاقَ بنِ أبى طلحةً
مِن كتابِنا هذا(٣). والحمدُ للهِ.
وأجمَع العلماءُ على أنَّ شاربَ الخمرِ ما لم يَتُبْ منها، فاسقٌ مَرْدُودُ
القبس
(١) أخرجه الدارقطنى ٢٤٨/٤ عن البغوى به، وأخرجه أحمد فى الأشربة (٢٦)، ومسلم
(٧٣/٢٠٠٣)، وأبو عوانة (٧٩٦١، ٧٩٦٣)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢١٦/٤، وابن
حبان (٥٣٦٦) من طريق أبى الربيع الزهرانى به، وأخرجه أحمد ٢٣/١٠ (٥٧٣٠)، والترمذى
(١٨٦١) من طريق حماد بن زيد به. وينظر ما سيأتى ص ٤٧٧- ٤٨١.
(٢) أخرجه الشافعى ١٨٠/٦، وعبد الرزاق (١٧٠٠٤)، وأحمد فى الأشربة (١٧٤)،
والنسائى (٥٧١٥)، والبيهقى ٢٩٣/٨ من طريق مالك به. وأخرجه الطبرانى فى الأوسط
(٤٨٠٧)، وابن عدى ٣/ ٩٠٥، وأبو نعيم فى الحلية ٣٥٣/٦، والبيهقى ٢٩٣/٨ من طريق
مالك به مرفوعا .
(٣) ينظر ما سيأتى ص ٤٧٧ - ٤٨١.
٤٤٧

الموطأ
التمهيد الشهادةِ. وذكّر الأثرَمُ، قال: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: لى جارٌ يشرَبُ
الخمرَ ، أَأُسَلِّمُ عليه؟ فسَكَت ، ثم قال : سَلِّمْ عليه ولا تُجالِشْه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيّ ، قال : حدَّثنا
سعدانُ بنُ نصرٍ ، قال : حدَّثنا ابنُ عيينةً ، عن عمرٍو ، عن يحيى بنِ جعدةً ،
قال: قال عثمانُ بنُ عفانَ: إِيَّاكم والخمرَ، فإنها مِفْتَاحُ كلِّ شَرٌ؛ أُتِىَ
رجلٌ فقيل له : إِمَّا أَنْ تَحرِقَ هذا الكتابَ، وإمَّا أنْ تَقْتُلَ هذا الصبىَّ، وإمّا
أن تقَعَ على هذه المرأةِ ، وإمَّا أنْ تشرّبَ هذه الكأسَ، وإمَّا أَنْ تسجُدَ لهذا
الصَّلِيبٍ. قال: فلم يَرَ فيها شيئًا أهونَ مِن شربِ الكأسِ، فلمَّا شَرِبها
سجَد للصليبٍ ، وقتَلَ الصبىَّ، ووقَع على المرأةِ، وحِرَقَ الكتابَ(١).
وأمَّا التوبةُ مِن الخمرِ وغيرِها مِن كبائرِ الذنوبِ ، فمبْشُوطَةٌ للمؤمنِ ما
لم تَحْضُرْه الوفاةُ، ويُعَاينِ الموتَ ويُغَرْغِرْ، فإذا بَلَغ هذه الحالَ ، فلا تَوْبَةً له
إِنْ تاب حينَئذٍ، وتوبتُه مردودةٌ عليه، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَلَيْسَتِ
التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
قَالَ إِنِّى تُبْتُ الْثَلَنَ﴾. يعنى المسلمين، ثم قال: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ
ج
وَهُمْ كُفَّارُ﴾ الآية [النساء: ١٨]. يعنى جماعةَ الكافرين. وهذه الآيةُ
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٢٨٨/٨ من طريق ابن الأعرابى به، وأخرجه البيهقى أيضا ٥/١٠ من طريق
سعدان بن نصر به .
٤٤٨

الموطأ
تُفَسِّرُ قولَه عزَّ وجلّ: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ التمهيد
سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. يريدُ قبلَ محُضُورِ الموتِ على ما وَصَفْنا. وهذا ما لا
خِلافَ فيه بين العلماءِ؛ لأنَّ اللّه تعالى قد نصَّ علیه فی کتابه للمُذْنِبین من
المسلمين، وللكفارِ أيضًا. وقال ابنُ عباسٍ، ومجاهدٌ، والضحاكُ،
وقتادةُ ، وغيرُهم، فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ﴾ [ النساء: ١٧]. قالوا: كلُّ ما عُصِى اللَّهُ به فهو
جهالةٌ، ومَن عَمِل السوءَ وعَصَى اللَّهَ فهو جاهلٌ. ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن
قَرِيبٍ﴾. قالوا: ما دُونَ الموتِ فهو قريبٌ (١). وهذا أيضًا إجماعٌ فى تأويلٍ
هذه الآيةِ ، فقِفْ عليه .
ذكَر وكيع، عن سفيانَ ، عن يَعْلَى بنِ النعمانِ ، عن ابنِ عمرَ ، قال :
التوبةُ مبسوطةٌ ما لم يُسَقِ العبدُ. يقولُ: يقعُ فى السَّوْقِ(١).
ولقد أحسنَ محمودٌ الورَّاقُ رحِمه اللَّهُ حيثُ قال (٣):
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق ١/ ١٥١، وسنن سعيد بن منصور (٥٩٦ - تفسير)، وتفسير ابن
جرير ٥٠٧/٦ - ٥٠٩، ٥١٢، ٥١٣، وتفسير ابن أبى حاتم ٨٩٧/٣ (٤٩٩٩)، وسنن
البيهقى ( ٧٠٧٣، ٧٠٧٤).
(٢) السوق : النزع، كأن روحه تساق لتخرج من بدنه. النهاية ٢/ ٤٢٤.
والأثر أخرجه عبد الرزاق ١/ ١٥٠، وابن جرير فى تفسيره ٥١٦/٦، وابن المنذر فى تفسيره
(١٤٩٠)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٠/٣ (٥٠١٧)، والبيهقى فى الشعب (٧٠٧٢) من
طريق سفيان به .
(٣) البيتان فى بهجة المجالس ٢٥٩/٢.
٤٤٩
(موسوعة شروح الموطأ ٢٩/٢٠ )

الموطأ
جامعُ تحريم الخمرِ
١٦٤٠ - مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ ، عن ابنٍ وَعْلَةَ المصرىِّ ، أنه
سأل عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ عَمَّا يُعصَرُ مِن العنبِ، فقال ابنُ عباس: أهدَى
رجلٌ إلى رسولِ اللهِ نَّهِ رَاوِيَةَ خمرٍ، فقال له رسولُ اللهِ وَهِ: (( أَمَا
علِمتَ أن اللهَ حرَّمها؟)). قال: لا. فسارَّه رجلٌ إلى جَنْبِه، فقال له
رسولُ اللهِ وَله: ((بمَ سارَرْتَه؟)). فقال: أمَرتُه أن يَبيعها . فقال له
رسولُ اللهِ وَهِ: ((إن الذى حرَّم شُربَها حرَّم بيعَها)). ففتَح الرجلُ
التمهيد قَدِّمْ لنفسِك توبَةٌ مَوْجُوَّةٌ
قبلَ المماتِ وقبلَ حبسٍ ١ الألسُنِ
ذُخْرٌ وغُنْمٌ للمُنِيبِ المحسِنِ
بادِرْ بها عُلَقَ(٣) النُّفُوسِ فإنّها
قال أبو عمرَ : التوبةُ أَنْ يترُكَ ذلك العملَ القبيحَ بالنيةِ والفعلِ،
ويعتقِدَ ألَّ يعود إليه أبدًا، ويندَمَ على ما كان منه، فهذه التوبَةُ النَّصُوحُ
المقبولةُ ، إن شاء اللهُ، عندَ جماعةِ العلماءِ، واللَّهُ بفضلِه يُوَفِّقُ ويَعْصِمُ
مَن يشاءُ .
مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنٍ وَعْلَةَ المصرىِّ، أنَّه سأل ابنَ عباسٍ
عمَّا يُعصَرُ مِن العنبِ، فقال ابنُ عباس: أهدَى رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وَلِله
القبس
(١) فى ن: ((وقع)).
(٢) علق: العلق المنايا والأشغال. التاج (ع ل ق ).
٤٥٠

المزادَتَیْن حتى ذهَب ما فيهما .
الموطأ
راويةَ خمرٍ، فقال له النبيُّ وَله: ((هل علمتَ أنَّ اللهَ حرَّمَها؟)). قال: التمهيد
لا. فسارَّه إنسانٌ إلى جنبِه، فقال ◌ِّ: ((بِمَ سارَرْتَه؟)). قال: أمَرْتُه
ببيعِها. فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إِنَّ الذى حرَّم شُرْبَها حرَّم بيعَها)). ففتَح
المزَادَتَيْنِ حتى ذهَب ما فيهما (١).
:
ابنُّ وعلةَ هذا اسمُه عبدُ الرحمنِ بنُ وعلةَ السَّبئىُ، أصلُه من
مصرَ، ثم انتقلَ إلى المدينةِ وسكنها، وهو "معدودٌ من أهلِ
المدينةِ) ، وكان ثقةً من ثقاتٍ التابعين، مأمونًا على ما روَى وحمّل،
روَى عنه زيدُ بنُّ أسلمَ، والقَعْقاُ بنُ حكيم، وأبو الخيرِ اليزنىُّ
وغيرهم. ذكَر إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن ابنٍ معينٍ (١) قال : عبدُ الرحمنِ
ابنُّ وعلةَ ثقةٌ .
وفى هذا الحديثِ من الفقهِ أنَّ ما يُعْصَرُ من العنبِ يُسمَّى خمرًا فى
لسانِ العربِ، لكنَّ الاسمَ الشَّرْعِىَّ لا يَقعُ عليها إلّا أنْ تَغْلِىَ وتَوْمِىَ بالزَّبَدِ ،
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧١٣)، وبرواية يحيى بن بكير (١٠/١٣و، ١٠ظ -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٣٦). وأخرجه أحمد ٣٦٨/٥ (٣٣٧٣)، ومسلم
(١٥٧٩)، والنسائى (٤٦٧٨) من طريق مالك به .
(٢ - ٢) فى ص، م: ((فى أهل المدينة معدود)).
(٣) بعده فى ص ٤، م: ((أنه)).
٤٥١

الموطأ
التمهيد ويُشْكِرَ كثيرُها أو قليلُها . وفى اللُّغةِ قد يُسمَّى العنبُ خمرًا، لكنَّ الحكم
إنما يتَعلَّقُ بالاسم الشَّرْعِىِّ دونَ اللَّغوِىِّ .
وفيه أنَّ النهىَ مِن قبَلِ اللهِ إذا ورَد، فحكمُه التحريمُ البَحْتُ (١) ، إِلَّ أنْ
يُرِيحَه عن ذلك دليلٌ يُبَيِّنُ المرادَ منه، ألا ترَى إلى قولِ رسولِ اللهِ وَله:
((أمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ حرَّمها؟)). ثم قال: ((إنَّ الذى حرَّم شُرْبَها حرَّم
بيعَها)). فأطلَق عن اللهِ تحريمَها. ولا خلافَ بينَ علماءِ المسلمين أنَّ
تَحْرِيمَها إِنَّما ورد فى سورةِ ((المائدةِ)) بلفظِ النهى، فى قولِه عزَّ وجلَّ:
﴿إِنَّمَا الْخَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ﴾. إلى(٢): ﴿فَأَجْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وإلى (١):
﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. وهذه الآيةُ نسَخَتْ كلَّ لفظٍ ورَد
بإباحَتِها نصًّا أو دليلًا، فتَسَخَتْ ما جرَى من ذكرِها فى سورةٍ
(البقرة))(١)، وسورة ((النِّساءِ))(٤)، وسورةِ ((النحلِ))(٥). (٢ والأُمَّةُ
مُجْمِعَةٌ " على أنَّ خمرَ العنبِ حرامٌ فى عينها ، قليلها و كثيرِها ، فأغنى ذلك
القبس
(١) سقط من: ص ٤، م، وفى س: ((البحث)). والبحت: الخالص من كل شىء. اللسان
(ب ح ت ).
(٢) بعده فى ص ٤: ((قوله)).
(٣) يشير إلى الآية ((٢١٩).
(٤) يشير إلى الآية (( ٤٣)).
(٥) يشير إلى الآية ((٦٧)).
(٦ - ٦) فى م: ((وأجمعت الأمة)).
٤٥٢

الموطأ
عن الإكثارِ فيها ، وقد تقدَّم فى كتابِنا هذا، فى بابٍ "إسحاقَ فى ذلك التمهيد
ما فيه كفايةٌ(١) ، إن شاء اللهُ تعالى.
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على(٢) أنَّ الخمرَ لم تكنْ خَرامًا حتى نزَل
تحرِيمُها . وفى سياقةِ الحديثِ ما يَدُلُّ على أنَّ ما سكَتَ اللهُ عن تحريمِه
فحلالٌ، فإِنَّ أَصلَ الأشياءِ على الإباحةِ حتى يَرِدَ المنعُ، ألا ترَى أَنَّ(٤)
المُهدِىَ لراويةِ الخمرِ فى هذا الحديثِ إنَّما أهداها اعتقادًا منه للإباحةِ ،
ولا خلافَ بينَ أهلِ الإسلامِ أنَّ الخمرَ لم يُنزِّلِ اللهُ فى كتابِهِ أَنَّه أَمَر
بشربها ، ثم نسخ ذلك بتحريمها، وفی إجماعهم على ذلك دليلٌ على
صحةٍ ما قُلْنا، وأنَّ ما عفا اللهُ عنه وسكَت ، فداخلٌ فى بابِ الإباحةِ ، ألا
ترَى إلى قولٍ سعيدِ بنِ جبيرٍ حيثُ قال: كان الناسُ على أمرٍ جاهِلِيَّتِهم
حتى يُؤْمَروا أو يُنهَوا(٥)، وسؤالُ الصحابةِ رسولَ اللهِ وَلِ عن الخمرِ فى
أوَّلِ الإسلامِ إِنَّما كان لِما كانوا يُحْدِثونه(١) من الشَّرِّ والسَّفَهِ عندَ شُربِها،
القبس
(١ - ١) فى س: ((الألف فى))، وفى م: ((الألف من)).
(٢) ينظر ما سيأتى ص٤٦٩ - ٤٧٣ .
(٣) سقط من: ص ٤، م.
(٤) فى س: ((إلى)). وعليها علامة لحق، والهامش ناقص من التصوير.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور (٥٥٤ - تفسير )، وابن جرير فى تفسيره ٦/ ٣٦٣، ٣٦٤، وابن
المنذر فى تفسيره (١٣٢٦)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٥٩/٣ (٤٧٥٧).
(٦) فى ص ٤، م: ((يجدونه)).
٤٥٣

الموطأ
التمهيد على ما جاء مَنْصوصًا فى الآثارِ فى تفسيرٍ قوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩].
وفيه أيضًا دليلٌ على (١) أنَّ كلَّ ما لا يجوزُ أكلُه أو شُوبُه من المأكولاتِ
والمشروباتٍ، لا يجوزُ بيعُه، ولا يَحِلَّ ثمنُه؛ لقولِه عليه السلامُ: ((إِنَّ
· الذى حرَّم شربَها حرَّم بيعَها)). ويُوضِّحُ ذلك قولُ رسولِ اللهِ وَ لَهِ حيثُ
قال: ((لَعَن اللهُ اليهودَ - ثلاثًا - حُرِّمَتْ عليهم الشُّحومُ ، فباعوها وأكلوا
أثمانَها ، وإنَّ اللهَ إذا حرَّم على قومٍ أَكْلَ شىءٍ حرَّم ثمنَه))(١). وقد احتجّ
عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه بمثلِ هذا حينَ بلَغه أنَّ سمُرةً باع خمرًا،
فقال: "لعَن اللهُ سمُرَةَ - أو٢): قاتَل اللهُ سَمُرَةَ - أَوَ ما علِم و(٤) ما سمِع أنَّ
رسولَ اللهِ وَ لّهِ قال: ((لعَن اللهُ اليهودَ، محُرِّمَتْ عليهم الشُّحومُ،
فجمَلوها(٥) ، فباعوها، وأكّلوا أثمانَها))(٦) .
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا
القبس
(١) سقط من: ص ٤، م.
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٩٨) من الموطأ .
(٣ - ٣) سقط من: ص ٤، م.
(٤) فى م: ((أو)).
(٥) جملت الشحم وأجملته: إذا أذبته واستخرجت دهنه، وجملت أفصح من أجملت. النهاية
٢٩٨/١.
(٦) أخرجه أحمد ٣٠٥/١ (١٧٠)، والبخارى (٢٢٢٣، ٣٤٦٠)، ومسلم (١٥٨٢)،=
٤٥٤

الموطأ
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا قتيبةُ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيد بن أبى حبيب، التمهيد
عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أَنَّه سمِع رسولَ اللهِ وَلآدم
يقولُ عامَ الفتح وهو بمكةً: ((إنَّ اللهَ حرَّم بيعَ الخمرِ ، والميتةِ ، والخنزيرِ ،
والأصنام)) (١).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا محمدٌ، حدَّثنا أبو داودَ ، حدَّثنا
أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ صالح،
عن عبد الوهابِ بنِ بُختٍ ، عن أبى الزنادِ ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ،
قال: ((إِنَّ اللهَ حَّم الخمرَ وثمَنَها، (" وحرّم الميتةَ وثمنَها ، وحرَّم الخنزيرَ
(٣)
وَمنه»(٢) .
(" وقد أجمَعُ" العلماءُ على تحريمِ بيعِ الدمِ والخمرِ. وفى ذلك دليلٌ
على تحريمٍ بيعِ العَذِراتِ ، وسائرِ النجاساتِ ، وما لا يَحِلَّ أكلُه، ولهذا ،
القبس
= والنسائى (٤٢٦٨)، وابن ماجه (٣٣٨٣).
(١) أبو داود (٣٤٨٦). وأخرجه البخارى (٢٢٣٦، ٤٢٩٦)، ومسلم (١٥٨١)، والترمذى
(١٢٩٧)، والنسائى (٤٢٦٧، ٤٦٨٣) عن قتيبة به، وأخرجه أحمد ٣٦٠/٢٢ (١٤٤٧٢)،
والبخارى (٤٦٣٣)، وابن ماجه (٢١٦٧) من طريق الليث به.
(٢ - ٢) سقط من: س،°م.
(٣) أخرجه البيهقى ١٢/٦ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٤٨٥) - ومن
طريقه الدارقطنى ٧/٣ - وأخرجه الطبرانى فى الأوسط (١١٦) من طريق ابن وهب به.
(٤ - ٤) فى م: ((وجميع)).
٤٥٥

الموطأ
التمهيد واللهُ أعلمُ، كرِه مالكٌ بيعَ زِبلِ الدَّوابُ، ورخّص فيه ابنُّ القاسم؛ لِما فيه
مِن المنفعةِ . والقياسُ ما قاله مالكٌ، وهو مذهبُ الشافعيّ، وظاهرُ هذا
الحديثِ شاهدٌ لصحّةٍ ذلك، فلم أرَ وجهًا لذكرِ اختلافِ الفقهاءِ فی بیعِ
السّرْجِينِ(١) والزّبولِ(٢) هلهنا؛ لأنَّ كلَّ قولٍ تُعارِضُه السُّنَّةُ وَتَدْفَعُه، ولا
دليلَ عليه مِن مثلها، لا وجه له، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمٌّ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦].
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا ◌ُبیدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، قال : حدثنا سعيدُ بنُ أبى مريم ، قال : حدثنا
أبو غسّانَ محمدُ بنُ مُطَرِّفٍ المدنُ، قال: حدثنى زيدُ بنُ أسلمَ مولَى عمرَ
ابنِ الخطابِ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ وَعلةَ - رجلٌ من أهلِ مصرَ - أنَّه جاء
إلى عبدِ اللهِ بنِ عَّاسٍ فقال: إنَّ لنا كُرومًا، فكيف ترَى فى بيع الخمرِ ؟
فقال ابنُ عباسٍ : رأيتُ رجلًا من دوس جاء إلى رسولِ اللهِ مَال ، فقال : يا
رسولَ اللهِ ، إِنِّى أَهْدَيْتُ لك هدِيَّةً. فقال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((وما هى؟)).
قال: راويةُ خمرٍ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: (( شَعَوْتَ أَنَّ الله تعالى قد حرَّم
القبس
(١) فى س: ((السرقين)). والسرجين: الزبل، كلمة أعجمية ، وأصلها سركين بالكاف، فعربت
إلى الجيم والقاف. المصباح المنير ( س رج ).
(٢) فى م: ((الزبل)).
٤٥٦

الموطأ
الخمرَ بعدَك؟)). فأمَر الدَّوْسِىُّ بها غلامَه يَبِيعُها، فلمَّا ولّى بها، قال التمهيد
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ماذا أَمَوْتَ بها؟)). قال: أَمَرْتُ بَبَيْعِها. فقال رسولُ
اللهِ وَله: ((شَعَوْتَ أَنَّ الذِى حرَّم شُرْبَها حرَّم بيعَها؟)).
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ الإثمَ مرفوعٌ عمَّن لم يَعلَمْ ، قال
اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ومَن
أمكّنَه التعلُّمُ ولم يتَعَلَّمْ ، أثِمَ . واللهُ أعلمُ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ الخمرَ لا يَجوزُ لأحدٍ تخليلُها ،
ولو جاز (١) تخليلُها ما كان رسولُ اللهِ وَِّ لِيَدَعَ الرجلَ أَن يَفْتَحَ المزَادَتَيْنِ
حتى ذهَب(٢) ما فيهما، لأنَّ الخَلَّ مالٌ، وقد نهى رسولُ اللهِ وَله عن
إضاعةِ المالِ(١) ، بل كان رسولُ اللهِ وَلَهِ يَأْمُرُه أَنْ يُخَلِّلَها؛ لقولِه ◌َلَّه:
(نِعْمَ الإِدامُ الخَلُّ ))(٤) .
ولاَنَّهُ(٥) فَ أَنْصَحُ الناسِ للناسِ، وأدَلُّهم على قليلِ الخيرِ وكثيرِه.
القبس
(١) بعده فى م: ((لأحد)).
(٢) فى ص ٤: ((يذهب)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٩٣٢).
(٤) أخرجه أحمد ١٣٢/٢٢ (١٤٢٢٥)، ومسلم (٢٠٥٢)، وأبو داود (٣٨٢١)، والنسائى
(١٧٩٦) من حديث جابر.
(٥) بعده فى ص ٤: (( كان)).
٤٥٧

٣
الموطأ
التمهيد
وذكر ابنُ وضَّاح أنَّ سُحْنُونًا كان يذْهَبُ هذا المذهبَ. وقد
اخْتَلَف الفقهاءُ فى تَخليلِ الخمرِ ؛ فقال مالكٌ فيما روَى عنه ابنُ
القاسمِ وابنُ وهبٍ: لا يَحِلُّ لمسلمٍ أنْ يُخَلِّلَ الخمرَ، ولكنْ يُهَرِيقُها،
فإن صارَتْ خلَّ بغيرِ علاجٍ فهو حلالٌ لا بأسَ به. وهو قولُ الشافعىِّ،
وُبيدِ اللهِ بنِ الحسنِ العنبرىِّ البصرىِّ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ. وروَى
أشْهَبُ، عن مالكِ، قال: إذا خلَّل النصرانىُ خمرًا فلا بأسَ بأكْلِه،
وكذلك إن خَلَّلَها مسلم ( واستغفَر) الله. وهذه الروايةُ ذكرها ابنُ عبدِ
الحكم فى (( كتابِهِ)) . وقال ابنُ وهبٍ: سمِعتُ مالكًا يقولُ (فى رجل"
اشتَرَى قلالَ خلِّ، فوجَد فيها قُلَّةَ خمرٍ ، قال: لا يَجْعَلُ فيها شيئًا لِيُخَلِّلَها .
قال: ولا يَحِلَّ لمسلم أن يُعالِجَ الخمرَ حتى يَجعلَها خلًّا، ولا ("يَحِلُّ
بيعُها٣)، ولكن يُهَرِيقُها(٤)، فإن فات علامجها، وصارت خلَّا بعدَ أن
كانت خمرًا بغيرٍْ علاج، فإنَّها حلالٌ لا بأسَ بها إن شاء اللهُ. قال ابنُ
وهبٍ : وهو قولُ عمرَ بنِ الخطابِ ، والزهرىِّ، وربيعةً. وكان أبو حنيفةً ،
القبس
(١ - ١) فى س: ((فاستغفر)).
(٢ - ٢) فى م: ((فيمن)).
(٣ - ٣) فى ص ٤، م: ((يبيعها)).
(٤) فى س: ((ليريقها))، وفى م: ((ليهرقها)).
(٥ - ٥) فى م: ((بعد أن وجدت خمرا من غير)).
٤٥٨

الموطأ
والثورىُّ(١) ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، لا يَرونَ بأسًا بتخليل الخمرِ. وقال أبو التعهيد
حنيفةً: إن طرَح فيها السَّمكَ والملحَ، فصارَتْ مُرِّيًّا (٢) ، وتحَوَّلَتْ عن
حالِ الخمرِ ، جاز. وخالَفه محمدُ بنُّ الحسنِ فى المرِّىِّ، وقال: لا يُعَالِمجُ
الخمرَ بغيرِ تحويلها إلى الخلِّ وحدَه .
قال أبو عمرَ : الصحيحُ عندى فى هذه المسألةِ ما قاله مالكٌ فى روايةٍ
ابنِ القاسمِ وابنٍ وهبٍ عنه، والدليلُ على ذلك ما رواه الثورىُّ، عن
السدىِّ، عن أبى هُبيرةَ، عن أنسٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ مَّله وفى
حَجْرِهِ يَتِيمٌ، وكان عندَه خمرٌ له حينَ محُرِّمَتْ، فقال: يا رسولَ اللهِ ،
أصنَعُها (٢) خلَّا؟ قال: ((لا)). فصَبَّها حتى سالَ الوادِى.
وروَى مجالِدٌ، عن أبى الوَدَّاكِ ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: كان
عندى خمرٌ لأيتام، فلمَّا نزَل تحريم الخمرِ أمرنا رسولُ اللهِ وَلِ أَنْ نُهَرِيقَها(٤).
أخبرنا عبدُ الله بن محمد بن عبد المؤمن بن یحتی ، قال : حدثنا
محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسَةً ، قال: حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا زهيرُ بنُ
القبس
(١) بعده فى ص ٤، م: ((والأوزاعى)).
(٢) المرى: إدام كالكامخ - وهو نوع من المخللات المشهية - يؤتدم به، كأنه منسوب إلى
المرارة، والعامة تخففه. التاج (م ر ر)، والوسيط (ك م خ).
(٣) فى ص ٤، م: ((نصنعها)).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٤٦٠، ٤٦١.
..
٤٥٩

الموطأ
التمهيد حربٍ ، قال: حدثنا وكيع، عن سفيانَ، عن السُّدِّىِّ، عن أبى هُبيرةً، عن
أنسٍ بنِ مالك، أنَّ أبا طلحةَ سألَ النبيّ وَ له عن أيتام وَرِثوا خمرًا ، قال:
((أهْرِقْها)). قال: أفلا أجْعَلُها خلًّا؟ قال: ((لا))(١).
قال أبو عمرَ: أبو هُبَيْرَةَ هذا هو يحيى بنُ عبّادٍ ، ثقةٌ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا : حدثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ،
قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدِىٌّ، عن سفيان ، عن السدىِّ ، عن یحیی
ابنِ عبّادٍ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، قال: سُئِل رسولُ اللهِ وَّ عن الخمرِ؛
تُتَّخَذ٢ُ) خلًّا؟ قال: ((لا))(٣).
وأخبرنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائغُ، قال: حدَّثنا أبو أسامةً فى سنةٍ مائتْنِ
بعدَ قتلٍ أبى السَّرايا بأشهرٍ(٤)، قال: حدَّثْنا مُجالِدُ بنُ سعيدٍ، عن أبى
القبس
(١) أبو داود (٣٦٧٥). وأخرجه مسلم (١٩٨٣)، وأبو يعلى (٤٠٥١) عن زهير بن حرب
به، وأخرجه أحمد ٢٢٦/١٩ (١٢١٨٩) عن وكيع به .
(٢ - ٢) فى ص ٤: ((التمر يتخذ)).
(٣) ابن أبى شيبة ١٤/٨. وأخرجه مسلم (١٩٨٣)، وأبو عوانة (٧٩٧٧)، والدار قطنى ٢٦٥/٤ من
طریق ابن مهدی به .
(٤) فى ص ٤: ((بشهر)).
٤٦٠