Indexed OCR Text
Pages 421-440
الموطأ
١٤٩٧ - مالك، عن ابن شهابٍ ، [٨٤ظ] عن الأعرج، عن أبی
هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلَّه قال: ((لا يَمْنَعْ أحدُ كم جارَه خَشَبَةً يَغرِزُها
فى جِدارِه)). ثم يقولُ أبو هريرةَ : مالى أراكم عنها مُعرِضِين؟ واللهِ
الطَّيِّبِ، عن أبى بكر الصديقِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه: (( ملعونٌ من التمهيد
ضارَّ أخاه المسلمَ أو ماكَره)).
وهذا حديثٌ فى إِسناده رجالٌ معروفون بضعفِ الحديثِ ، فليس مما
يُحتج به، ولکنه مما يُخافُ ◌ُقوبةُ ما جاء فيه. ومما يدخُلُ فى هذا البابِ
مسألةٌ ذكَرَها إسماعيلُ بنُ أبى أُويسٍ ، عن مالك ، أنه سُئِل عن امرأةٍ عَرَض
لها - يعنى مشًّا مِن الجنِّ - فكانت إذا أصابها زوجها، أو أجْتَبت(١)، أو
دنا منها، اشْتَدَّ ذلك بها، فقال مالك: لا أَرَى أن يَقرَبَها، وأَرَى للسلطانِ
أن يحولَ بينَه وبينَها. قال: وقال مالكٌ: مَن مثَّل بامرأتِه فُرُّق بينَهما
بتطليقةٍ. قال: وإنما يُفرَّقُ بينَهما مَخافةَ أن يعودَ إليها فيُمثِّلَ بها أيضًا
كالذى فعَل "أولَ مرةٍ"، وإنما ذلك فى المُثْلةِ البَيّنةِ التى يأْتِيها متعمّدًا ،
مثلَ فقَءِ العينِ، وقطع اليدِ ، وأشباهِ ذلك. قال: وقد يُفرَّقُ بينَ الرجلِ
وامرأتِه بما هو أيسرُ مِن هذا وأقلُّ ضررًا إن شاء اللهُ .
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبد الرحمنِ الأعرجِ، عن أبى هريرةَ ، أنَّ
القبس
(١) فى م: ((جنبت)).
(٢ - ٢) فى ص ١٧: ((أولا)).
٤٢١
الموطأ لأَزْمِيَنَّ بها بينَ أْتَافِكم.
التمهيد رسولَ اللهِ وَ له قال: ((لا يَمْنَعْ أحَدُكم جَارَه أن يَغْرِزَ خَشَبَةً فى جِدَارِهِ)).
ثم يقولُ أبو هريرةَ: مالى أراكم عنها مُعْرِضِينَ؟ واللهِ لأَرْمِيَنَّ بها بينَ
أكْتَافِكم(١).
هكذا رَوَى هذا الحديثَ جماعَةُ(٢) رُوَاةِ ((الموطَّأُ)) عن مالِكِ بهذا
الإسْنَادِ کما رواه یحبی، ورواه خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ ، عن مالك ، عن أبی
الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةً(٣). وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ عندَ مالِكٍ
بِالإِسْنَادَيْنِ جميعًا، ولكنَّه فى ((الموطَّأُ)) كما ذَكَوْتُ لكَ.
ورَواه أكْثَرُ أصحابٍ ابن شهابٍ عنه، عن عبد الرحمنِ الأعرج، عن
أبى هريرةَ، كما رَواه مالِكٌ، إلَّا مَعمرًا، فإنَّ عندَه فيه عن ابنٍ
شهاب "إسنادَين، أحدُهما عن ابن شهابٍ) ، عن سعيد بنِ المسئَّبِ،
عن أبى هريرةَ .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٠٤)، وبرواية أبى مصعب (٢٨٩٦). وأخرجه أحمد
٤١/١٦ (٩٩٦١)، والبخارى (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٠٩)، والطحاوى فى شرح المشكل
(٢٤١١، ٢٤١٢)، وابن حبان (٥١٥) من طريق مالك به .
(٢) بعده فى ر: ((من)).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٤١٣)، وابن عدى ٩٠٥/٣ من طريق خالد بن
مخلد به .
(٤ - ٤) سقط من: ى، م.
٤٢٢
الموطأ
حدثنى سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا التمهيد
إسماعیلُ بُ إسحاقَ القاضِی ، قال : حدثنا مسلمُ بنُ إبراهیم ، قال : حدثنا
هشامُ الدَّسْتُوَائِيُ، قال: حدثنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لَه قال: ((لا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكم جَارَه
أن يَغْرِزَ خَشَبَةً على حائِطِه))(١).
وبهذا الإسنادٍ كان هذا الحديثُ عندَ(٢) عُقَيْلٍ(٣).
ورواه محمدُ بنُ أبي حَفْصَةَ، عن الزهرىِّ، عن محُمَيْدِ بنِ عبدِ
الرحمن، عن أبى هريرةً (٢) . ولم يُتَابَعْ على ذلك عن ابنٍ شهابٍ. واللهُ
أعلمُ .
وقد ذكَرَ عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، حديثَ الأعرج(٥). وهو المحفوظُ .
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٤١٦)، والطيرانى فى الأوسط (٢٦١٨)، وأبو نعيم فى
الحلية ٣٧٨/٣ من طريق مسلم بن إبراهيم به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٦/٧ من طريق معمر به.
(٢) فی ی، م: ((عن)).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٤١٨) من طريق عقيل به.
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٤١٧)، وأبو نعيم فى الحلية ٣٧٨/٣ من طريق محمد بن
أبى حفصة به .
(٥) أخرجه أحمد ١٣١/١٣ (٧٧٠٢)، ومسلم (١٦٠٩)، والبيهقى ٦٨/٦ من طريق عبد الرزاق
به .
٤٢٣
الموطأ
التمهيد
ورَوَاه هِشَامُ بنُّ يُوسُفَ الصِّنْهَاجِىُّ، عن معمرٍ ومالِكِ، عن
الزهرىّ، عن أبى سلمةً )، عن أبى هريرةً(١) . فوَهَم فيه، واللهُ أعلم ، ولیس
يَصِحُ فيه عن مالِكِ، ولا عن معمرٍ، ذكرُ أبى سلمةً، فيما ذكّرَه
الدَّارَقُطْنئ()، قال: ژُوِی عن بشر بن عمر ، عن مالك ، عن الزهرئِّ ، عن
أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ. والصوابُ فيه عن مالِكِ، عن ابنٍ شهابٍ،
عن الأعرجِ، عن أبى هريرةً) .
وقال يعقوبُ : سمِعتُ علىَّ بنَ المدينىِّ يقولُ: قال لى معنُ بنُّ
عيسى : أَتُنْكِرُ الزهرىَّ وهو يتَمَوَّغُ فى أصحابٍ أبى هريرةَ، أن يَرْوِىَ
. (٤)
الحديثَ عن عِدَّةٍ(٤)؟
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ ، قال : حدثنا الميمونُ بنُ
حمزة الحسينىُّ ، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوىُّ ، قال : حدثنى المزنيُّ ،
قال: حدثنا الشافعىُ، قال : حدثنا سفيانُ بنُّ عبينةَ، عن الزهرىِّ، عن
عبدِ الرحمنِ الأعرج، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَلَه :
((إِذا اسْتَأَذَنَ أحَدَكم جارُه أن يَغْرِزَ خَشَبَةً فى جِدَارِهِ فلا يَمْنَعْه)). فلمَّا
القبس
(١ - ١) سقط من: ر، ى.
(٢) أخرجه الدارقطنى فى غرائب مالك - كما فى فتح البارى ١١٠/٥ - من طريق هشام به .
(٣) الدارقطنى فى العلل ٢٩٣/١٠، ٢٩٤.
(٤) فى ر: ((غيره)).
٤٢٤
الموطأ
حدثهم أبو هريرةَ نَكْسُوا رُءُوسَهم، فقال: مالى أرَاكم عنها مُعْرِضِينَ؟ أما التمهيد
واللهِ لأرمين بها بينَ أكْتَافِكم(١).
هكذا يقولُ ابنُ عيينةَ فى هذا الحديثِ: ((إذا اسْتَأْذَنَ)).
وكذلك رواه (٣) ابنُّ أَبِى حَفْصَّةَ، وتُقَيْلٌ(٣)، وسُلَيْمانُ بنُ كَثِيرٍ:
((إذا سَألَ أَحَدَكم جَارُهُ(٤) أن يَضّعَ خْشَبَةٌ فِى جِدَارِه فلا
يَمْتَغْه))(٩). هكذا روَى هؤلاءُ) الحديثَ، على سُؤالٍ" الجارِ
جارَه، و" اسْتِذائِهِ إِيَّاه أن يجْعَلَ خَشَبَةً على جداره. ولم يَذْكُرْ
معمرٌ، ومالِكُ بنُّ أنسٍ، ويُونُسُ(٢)، فى هذا الحديثِ السّؤالَ.
والمعنى عندى فيه واحِدٌ، واللهُ أعلمُ. وستَذْكُرُ اخْتِلافَ العلماءِ
القبس
(١) الطحاوى فى شرح المشكل (٢٤١٩)، والشافعى فى السنن المأثورة (٥٢٣). وأخرجه
أحمد ٢٢٢/١٢ (٧٢٧٨)، ومسلم (١٦٠٩)، وأبو داود (٣٦٣٤)، وابن ماجه (٢٣٣٥)،
والترمذى (١٣٥٣) من طريق سفيان بن عيينة به .
(٢) فى ى، م: ((رواية)).
(٣) تقدم تخريجهما ص ٤٢٣.
(٤) بعده فى ی: ((ومن سأله جاره)).
(٥) أخرج الطحاوى فى شرح المشكل (٢٤٢٠) من طريق سليمان به.
(٦) بعده فى م: ((هذا)).
(٧ - ٧) سقط من: ر.
(٨) أخرجه مسلم (١٦٠٩)، والطحاوى فى شرح المشكل (٢٤١٢) من طريق يونس به.
٤٢٥
الموطأ
التمهيد فى ذلك، وفى سائرِ مَعْنَى الحديثِ إن شاء اللهُ .
وروَى الليثُ بنُ سعدٍ هذا الحديثَ عن مالِكِ، فقال فيه: ((مَن سَأَلَه
جاره)) .
حدثنا خَلَفُ بنُ قاسِم، حدثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الوَّازِئُّ، حدثنا
هارونُ بنُ كامِلٍ، وحدثنا خَلَفٌ، حدثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَرِ (١)،
حدثنا مُطَّلِبُ بنُّ شُعَيْبٍ ، قالا : حدثنا عبدُ اللهِ بنُّ صالِح ، حدثنا الليثُ بنُ
سعدٍ ، حدثنى مالِكٌ، عن ابنٍ شهابٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ هُرْمُزَ الأعرجِ،
عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((مَن سَأَلَه جارُه أن يَغْرِزَ
خَشَبَةً(٢) فى جِدَارِهِ فلا يَمْنَعْه)). ("قال الليثُ: هذا، إن شاء اللهُ، أوَّلُ (٤)
ما لنا عن مالك وآخِرُه.
حدثنا خَلَفُ بنُ قاسِم ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ عمر بنِ إسحاق ، حدثنا
أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حَجَّاج، قال: حدثنی محمدُ بنُ رُمْحِ ومحمدُ بنُ
سفیانَ بنِ زِیادِ العامِرُّ ، قالا : حدثنا الليثُ بنُ سعدٍ ، عن مالك، عن ابنِ
شهاب، عن عبد الرحمنِ الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللهِ وَِّهِ أَنَّهُ(١)
القبس
(١) فى ر: ((المستورد)).
(٢) فی ر: ( خشبه)).
(٣ - ٣) سقط من: ر، ى.
(٤) سقط من: م. والمثبت من ابن حبان ..
٤٢٦
الموطأ
" قال: ((مَن سَأَلَّه جَارُه أن يَغْرِزَ خَشَبَةً فِى جِدَارِه فلا يَمْنَعْه)) ".
التمهید
وحدثنا خلفٌ ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُّ جعفر بنِ الوردِ ، حدثنا یحبی بنُ
أُوبَ بنِ بادِی، حدثنا سعيدُ بنُ کثیرٍ بنٍ ◌ُفَيْرٍ ، حدثنا مالِكٌ ، عن ابنٍ
شهابٍ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لِ قال: «مَن سَأَلَه
جَارُه أن يَغْرِزَ خَشَبةً فى جِدَارِه فلا يَمْنَعْه)). قال سعيدُ بنُ عُفَيْرِ : سَمِعْتُه مِن
الليثِ عن مالِكِ ومالكٌ حىٍّ، ثم سَمِعْتُه مِن مالِكِ .
قال أبو عمرَ: لذلك جاء به على لفظِ الليثِ لا على لفظِ ((الموطَّأَ)).
وقال أبو جعفرِ الطّحاوىُّ: سمِعتُ يُونُسَ بنَ عبدِ الأعْلَى يقولُ: سألْتُ ابنَ
وهب عن ((خشبه)). أو ((خَشَبَة)) . فى هذا الحديث ، فقال : سمِعتُ مِن
جماعَةٍ ((خَشَبَةً)). يعنى على لفظِ الواحِدَةِ.
قال أبو عمر: وقد ژُوِی اللفظان جميعًا فى ((الموطأ)) عن مالك، وقد
اخْتَلَف علينا فيهما الشُّيُوخُ فى ((موطأً يحبى)) على الوَجْهَيْن جميعًا،
والمعنى واحِدٌ ؛ لأُنَّ الواحِدَ يقومُ مَقامَ الجميع فى هذا المعنى إذا أتَى بلفظِ
التَّكِرَةِ عندَ أهلِ اللغةِ والعربيَّةِ ، وكذلك اخْتَلَفوا علينا فى : أكْتافِكم . و:
أَكْتَافِكم. والصَّوابُ فيه إن شاء اللهُ، وهو الأَكْثَرُ، التاءُ.
القبس
(١ - ١) سقط من : ر ، ى .
والحديث أخرجه ابن حبان (٥١٥)، وابن المظفر فى غرائب مالك (٢٥) من طريق محمد
ابن رمح به، وعندهما قول الليث السابق، وأخرجه أبو عوانة (٥٥٤٢)، وأبو نعيم فى الحلية
٣٧٨/٣، والبيهقى ١٥٧/٦ من طريق الليث به.
٤٢٧
الموطأ
التمهید
واخْتَلَف الفقهاءُ فى معنى هذا الحديثِ ؛ فقال منهم قومٌ: مَعْناه
النَّدْبُ(١) إلى بِّ الجارِ، والتَّجاوزِ له، والإحسانِ إليه، وليس ذلك على
الوجوبِ. وممَّن قال ذلك ؛ (٢مالِكٌ و٢) أبو حنيفةً. ومِن حُجَّتِهم قولُه
وَله : (( لا يَحِلُ مالُ امْرِئ مسلمٍ إلَّا عن طيب نفسٍ منه)»().
أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أُسَدٍ ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ
جامعٍ بمصرَ، قال : حدثنا المقْدامُ بنُ داودَ ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ
الحَكَمِ ، عن مالِكِ، قال: ليس يُقْضَى على رجلٍ أن يَغْرِزَ خَشَبَةٌ فى جِدارِهِ
لجارِه، وإنَّما نَرَى أنَّ ذلك كان مِن رسولِ اللهِ وَهِ على الوَصَاةِ بالجارِ.
قال: ومَن أعار صاحِبَه خَشَبَةً يَغْرِزُها فى جِدارِهِ، ثم أَغْضَبَه، فأراد أن
يَنْزِعَها، فليس ذلك له ، وأمَّا إِنِ احْتَاجَ إلى ذلك لأمرِ نزَلَ به ، فذلك له .
قال : وإن أراد بيعَ دارِه ، فقال : انْزِعْ خَشَبَكَ. فليس ذلك له .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : مَعْنَى الحديثِ المذكورِ عندَنا الاخْتِيارُ
والتَّذْبُ فى إِشْعافٍ الجارِ وبِّه إذا سألَه ذلك، على نحوٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ:
﴿ وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِثَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَاِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]. ولم
يخْتَلِفْ علماءُ السَّلَفِ أنَّ ذلك على الندبِ لا على الإيجابِ، فكذلك
القبس
(١) فى ر: ((البدار)).
(٢ - ٢) سقط من: ر، ى.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٠٩.
٤٢٨
الموطأ
مَعْنَى هذا الحديثِ عندَهم، وحمَلُوه على معنى قولِهِ وَّهِ: ((إذا اسْتَأْذَنتْ التمهيد
أحَدَكم امرأَتُه إلى المَسْجِدِ فلا يَمْنَعْها)). وهذا مَعْناه عندَ الجميعِ
الخَضُّ والنَّذْبُ، على حَسَبٍ ما يراه الزوجُ مِن الصلاحِ والخيرِ فى ذلك .
وقال أصبغُ، "عن ابن٢ٍ) القاسِمِ: لا يُؤْخَذُ بما قَضَى به عمرُ على
محمدِ بنِ مَسْلَمَةً فى الخليج(٢) ، ولا يَتْبَغِى أن يكونَ أحَقَّ بمالٍ أخيه منه إلَّ
برضاه . قال: وأمَّا ما حكم به لعبد الرحمنِ بنِ عوفٍ ، بتحوِيلِ الربيعٍ مِن
مَوْضِعِه إلى ناحِيَةٍ أُخْرَى مِن الحائِطِ (٤)، فإِنَّه يُؤْخَذُ به، ويُعْمَلُ بمثلِه ؛ لأنَّ
مَجْرَى ذلك الربيع كان لعبد الرحمنِ ثابتًا فى الحائِطِ ، وإنَّما أراد تَحْوِيلَه
إلى ناچِیة هی اقْرَبُ علیه، وأرفُ بصاحِبٍ الحائِطِ ، فلذلك حكم له عمرُ
بَتَخْوِيلِه. قال ابنُ القاسِم: سُئِل مالكٌ عن حديثِ النبيِّ وَلَهِ: (( لا يَمْنَعَنَّ
أَحَدُكم جارَه أَن يَغْرِزَ خَشَبَةً فى جِدارِهِ ». فقال مالِكٌ: ما أَرَى أَن يُقْضَى
به ، وما أَرَاه إلَّا مِن وَجْهِ المعروفِ مِن النبيِّ عليه السَّلامُ. قال ابنُ القاسِمِ:
سُئِل مالكٌ عن رجلٍ كان له حائِطٌ ، فأراد جارُه أَنْ يَثْنِىَ عليه سُتْرَةٌ يَسْتَتِرُ بها
منه، قال: لا أَرَى ذلك له ، إلَّا أَن يَأْذَنَ صاحِبُه .
وقال آخرون : ذلك على الوجوبِ ، إذا لم تكنْ فى ذلك مَضَرَّةٌ على
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٦/ ٥٩٠.
(٢ - ٢) فى النسخ: ((بى)). وسيأتى ص ٤٤٣.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٩٨).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٤٩٩).
٤٢٩
الموطأ
التمهيد صاحِبِ الجِدارِ . وممَّن قال بهذا؛ الشافعىُّ ، وأحمدُ بنُّ حنبَلِ ، وداودُ بنُ
علىّ ، وأبو ثورٍ ، وجماعَةٌ مِن أهلِ الحديثِ. و(١) حجَّتُهم قولُ أبى هريرةً:
واللهِ لأَزْمِيَنَّ بها بينَ أَكْتَافِكم . وأبو هريرةَ أعلمُ بمعنى ما سَمِع، وما كان
لُوجِبَ علیھم غیر واجِبٍ. وهو مذهَبُ عمر بن الخطاب، وحَگی
مالك ، عن المطلب - قاضٍ كان بالمدينة - أنه(١) کان یقْضِی به . ومِن
حُجَّتِهم أيضًا أن قالوا: هذا قَضَاءٌ مِن رسولِ اللهِ نَّهِ بِالمِرْفِقِ، وقولُه
وَالَ: ((لا يَجِلُّ مالُ امْرِئ مسلمٍ إلَّ عن طِيبٍ نفسٍ منه))(٢). إنَّما هو على
التَّمْلِيكِ والاسْتِهلاكِ ، وليس المرفِقُ مِن ذلك، وكيف يكونُ منه والنبىُ
وَ فَرَّق بينَ ذلك، فَأُوْجَبْ أحَدَهما ومنَعَ مِن الآخَرِ؟ واحْتَجُوا أيضًا بأنَّ
عمرَ بنَ الخطابِ قَضَى بذلك على محمدِ بنِ مَسْلَمَةً للضَّحَّاكِ بنِ خَلِيفَةً ،
فى ساقِيَةٍ يَشوقُها الضَّحَّاكُ فى أرضِ محمدِ بنِ مَسْلَمَةً، وقال له : واللهِ
لِيَمُرّنَّ بها ولو على بَطْنِك . لامْتِناعِه مِن ذلك ، ولو لم یکنْ ذلك واجِبًا عندَ
عمرَ ما أَجْبَرَه على ذلك، ولو كان مِن بابٍ: ((لا يَحِلَّ مالُ امرئٍّ مسلم إلَّ
عن طِيبٍ نفسٍ منه)). ما قَضَى به عمرُ على رغمِ محمدِ بنِ مَسْلَمَةً .
و کذلك قَضَی عمر لعبد الرحمن بن عوفٍ علی عبدِ اللهِ بنِ زیدِ بنِ عاصِم
القبس
(١) بعده فى ر: ((من)).
(٢) سقط من النسخ، وينظر الاستذكار ٢٢٧/٢٢ من النسخة المطبوعة.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٠٩ .
٤٣٠
الموطأ
الأنصارىِّ؛ جدِّ عمرٍو بنٍ يحيى المازِنيّ، مثلَ ما قَضَى به للضَّحَاكِ بن التمهيد
خَلِيفَةَ على محمدٍ بنِ مَسْلَمَةَ. وهذا يَدُلَّك على أنَّ ذلك مِن قَضاءِ عمرَ
مُسْتَفِيضٌ مُتَرَدِّدٌ .
روَى مالكٌ (١)، عن عمرٍو بنٍ يحيى المازنىّ، عن أبيه، أنَّ الضَّخَّاكَ بنَ
خلیفةً ساق خلیجًا له مِن العُرَيْضِ، فأراد أن يَمُرَّ به فى أرضِ محمدِ بنِ
مَسْلَمَةَ، فأَتَّى محمدٌ، فقال له الضَّحَّاكُ: لِمَ تَمْنَعُنِى وهو لك مَنفَعَةٌ ؛
تَشْرَبُ منه أوَّلاً وَآخِرًا، ولا يَضُرُّك؟ فأتَى محمدٌ، فَكَلَّمَ فيه الضَّحَّاكُ عمرَ
ابنَ الخطابٍ، فَدَعَا عمرُ بنُ الخطابِ محمدَ بنَ مسلمةَ ، فأمَرَه أن يُخَلَِّ
سَبِيلَه، فقال محمدٌ: لا. فقال عُمَرُ: لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ ما يَنْفَعُه وهو لكَ
نافعٌ؛ تَشْقِى به أوَّلاً وَآخِرًا، وهو لا يَضُرُكَ ؟ فقال محمدٌ : لا واللهِ . فقال
عمرُ: واللهِ لِيَمُوَّنَّ به ولو على بَطْنِك. فأمَرَه عمرُ أَن يَمُرَّ به، ففَعَل
الضَّخَافُ .
وروَى مالِكٌ(٢) أيضًا، عن عمرو بن يحيى المازنىّ، عن أبيه ، أنَّه كان
فی حائطٍ جَدِّه ربیعٌ لعبد الرحمن بن عوفٍ ، فأراد عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ
أن يُحَوِّلَه إلى ناحيةٍ مِن الحائِطِ هى أَقْرَبُ إلى أَرْضِه، فمَنَعه صاحِبُ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٤٩٨).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٤٩٩).
٤٣١
الموطأ
التمهيد الحائِطِ، فَكَلَّمَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ عمرَ بنَ الخطابِ، فَقَّضَى
لعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ بتَخْوِيلِه. قال مالكٌ : والربيعُ السَّاقِيَةُ .
وممَّا احْتَجَّ به أيضًا مَن ذهَب مذهَبَ الشافعىِّ فى هذا البابِ ، حديثٌ
يُؤْوَى عن الأَعْمَشِ، عن أنسٍ ، قال: اسْتُشْهِدَ منا غُلامٌ يومَ أَحُدٍ ، فَجَعَلَتْ
أُمُّه تَمْسَحُ التُّرابَ عن وجهِه وتقولُ: أَبْشِرْ، هَنِيئًا لك الجَنَّةُ . فقال لها النبىُّ
وَلَّه: (( وما يُدْرِيكِ؟ لِعَلَّه كان يَتَكَلَّمُ فيما لا يغنِيهِ، ويَعْنَعُ ما لا
(١)
يَضُوُه))(١) .
وهذا الحديثُ ليس بالقوىِّ؛ لأنَّ الأعمشَ لا يَصِحُ له سماعٌ مِن
أنسٍ، وكان مُدَلِّشًا عن الضعفاءِ.
وممَّا اخْتَجُّ به أيضًا مَن ذهَب مذْهَبَ الشافعىِّ (٢ فى هذا البابِ) ، ما
وَجَدْتُه فى أضْلٍ سَماعٍ أبى رَحِمه اللهُ، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسِمٍ
حدثهم، قال: حدثنا سعيدُ بنُ عثمانَ ، قال: حدَّثنا نَصْرُ بنُ مَرْزُوقٍ ،
قال : حدثنا أسدُ بنُ موسى، قال : حدثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن سِمَاكٍ ، عن
عكرمةً، عن ابن عباس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن ابْتَنَى فَلْيَدْعَمْ
القبس
(١) أخرجه الترمذى (٢٣١٦)، وأبو يعلى (٤٠١٧)، والطحاوى فى شرح المشكل (٢٤٢٣)
من طريق الأعمش به .
(٢ - ٢) سقط من: ى، م.
٤٣٢
الموطأ
التمهيد
بجذُوعَه على حائِطِ جارِهِ))(١).
قال أسدً: وحدثنا قیشُ بنُ الربيعِ، عن منصور بنِ دِینَارٍ، عن أبى
عكرمةَ المخزوميِّ، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((لا يَحِلّ
لامرىّ مسلم أن يَمنَعَ جارَه خَشّبَاتٍ يَضَعُهَا على جِدارِهِ)) . ثم يقولُ أبو
هريرةَ : لِأَضْرِبَنَّ بها بينَ أغْئيكم وإن کّرِهْتم(١) .
قال اسدّ: حدثنا حمادُ بنُ سَلّمَةً ، عن أيوب ، عن عكرمةً ، عن أبى
هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلْ نَهَى أَن يَمْنَعَ الرجلُ جارَه أن يضَعَ خَشَبَةً على
(٢)
جداره(١).
وزَعَم الشافعىُّ أنَّه لم يُزْوَ عن أحَدٍ مِن الصحابةِ خِلافُ عمرَ فى هذا
الباب ، وأنگر على مالك تزگە لكلِّ ما أدخل فى «مُوَطِئِه)) مِن الآثارِ فى
بابِ القضاءِ بالمرفِقِ، وقال: جعَل فى أوَّلِ بابِ القضاءِ بالمرفقٍ مِن
((موطئه)) حديثَ عمرو بن يحيى، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ مَّإِقال: ((لا
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٤٠٨) من طريق أسد بن موسى به، وأخرجه ابن
أبى شيبة ٢٥٦/٧، ٢٥٧، والطبرانى (١١٧٣٦)، والبيهقى ٦٩/٦ من طريق سماك به.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٤٢٢) من طريق أسد بن موسى به.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٤٢١) من طريق أسد به، وأخرجه أحمد ٧٩/١٤
(٨٣٣٥) من طريق حماد به، وأخرجه الحميدى (١٠٧٧)، وأحمد ٦٩/١٢ (٧١٥٤)،
والبخارى (٥٦٢٧)، والبيهقى ٦٩/٦ من طريق أيوب به.
: ٤٣٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٨/١٨)
الموطأ
التمهيد ضرر ولا ضرار)» . ثم أردفه بحدیثِ ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن أبی
هريرةً، عن النبيِّ بَّهِ، " المذكورِ فى هذا البابِ، وهو حديثٌ
ثابتٌ، ثم أرْدَف ذلك بحَدِيثَىْ عمرَ المذكورَيْن فى قِصَّةِ ابنِ
مَسْلَمَةَ وقِصَّةِ المازنىٌّ مع الضَّحَاكِ وعبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، وكأنَّه
جعَل هذه الأحاديثَ مُفسّرَةً لقولِهِ وَهِ: (( لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ)).
قال: ثم ترَك ذلك كلَّه.
قال أبو عمرَ : أمَّا قول الشافعيّ أنَّه لم يُروَ عن أحَدٍ مِن الصحابةِ خِلافُ
ما رُوِى عن عمرَ بنِ الخطابٍ فى هذا البابِ، فليس كما ظَنَّ؛ لأنَّ محمدَ
ابنَ مَسْلَمَةً مِن كبارِ الصحابةِ ، وجِلَّةِ الأنصارِ، وممَّن شَهِد بدرًا، وقد
خالَفَ عمرَ بنَ الخطابِ فى ذلك، وأتى ممَّا رَآه، وقال : واللهِ لا يكونُ
ذلك. ومَعْلُومٌ أنَّ محمدَ بنَ مَسْلَمَةً لو کان رأيه ومَذْهَئُه فى ذلك کمذهبٍ
عمرَ، ما امْتَنَع مِن ذلك ، ولو عَلِم أنَّ ذلك مِن قضاءِ اللهِ أو مِن قضاءِ رسولِه
رَِّ على الإيجابِ للجارِ، لَمَا خالَفَه، ولكنْ رَآه على النَّدْبِ خِلافًا
لمذهبٍ عمرَ. وإذا وُجِد الخِلافُ عن(١) الصحابةِ فى ذلك وجَب النظرُ،
والنظرُ فى هذه المسألةِ يَدُلَّ على صِحّةٍ ما ذهب إليه مالِكٌ ومَن قال بقوله ،
والدليل على ذلك قولُ رسولِ اللهِ وَ له: ((إنَّ دِمَاءَكم وأموالكم
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٤٩٦).
(٢) فى م: ((بين)).
٤٣٤
الموطأ
وأعراضكم عليكم حَرَامٌ)) (١). يَغْنِى أموالَ بعضِكم على بعض، ودِماءَ التمهيد
بعضكم على بعضٍ، وأعراضَ بعضِكم على بعضٍ، حَرام. وقال ◌َله :
((إِنَّ اللهَ حَرَّم مِن المؤمنِ عِرضَه ومالَه ودمَه، وأَلَّا يُظَنَّ به إلا الخيرُ))(١).
وقال ◌َله: ((لا يَحِلَّ مالُ امْرِىَّ مسلم إلا عن طِيبٍ نفسٍ منه))(١).
والأُصُولُ فی هذا کثیرٌ چِدًّا، ولهذه الأصُولِ الچِسَامِ ومِثْلِها مِن الکِتابِ
والسنَّةِ ، حمّل أَهْلُ العلم هذا الحديثَ على الندبِ والفضلِ والإحسانِ لا
على الوجوبِ، لتُسْتَعْمَلَ أخبارُه وسُنَّتُه وَّهِ كلَّها، وهكذا يجبُ على
العالِم ما وجَدَ إلى ذلك سَبِيلاً .
وأمَّا قولُ مَن قال فى حديثِ أبى هريرةَ: ((لا يَحِلُّ لامرئٍّ أن يَمْنَعَ جَارَه)) .
ونَهَى أَن يَمْنَعَ الرجلُ جارَه أن يضَعَ خَشَبَةً(٤) فی جِدَارِه . فلیس ممَّن يُخْتَُ
بنقلِه على مِثْلِ مالك ومن تابعه . ويحتَمِلُ أن يكونَ : لا يَحِلِّ فی حُقوقِ الجارِ
مَنْعُه مِن ذلك؛ لأَنَّ منعَ ما لا يَضُرُ ليس مِن أخلاقِ الكِرامِ مِن المؤمنين .
ومِن الدليلِ أيضًا على صِحَّةٍ ما ذهَب إليه مالِكٌ، وعلى أنَّ الخِلافَ
فى هذه المسألةِ لم يَزَلْ مِن زمنٍ عمرَ ، قولُ أبى هريرةَ : مالى أراكم عنها
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٢٥٩/١٧.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤١٢ .
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٠٩ .
(٤) فى ر: ((خشبته)).
٤٣٥
الموطأ
التمهيد مُعْرِضِينَ؟ وذلك فى زَمَنِ الأَعرج والتابعينَ، وهذا يَدُلَّ على أنَّ الناسَ لم
يَتَلَقَّوْا حديثَه على الوجهِ الذى ذهَب إليه أبو هريرةَ مِن إيجابٍ ذلك ،
ومذْهَبُ أبى هريرةَ فى هذا كمَذْهَبٍ عمرَ. وفى المسألَةِ كلامٌ لمَن خالَفَنا
وعليهم ، لم أَذْكُرْه مَخافةً التطويلِ .
وأمَّا قولُ عبدِ الملكِ بنٍ حبيبٍ(١)، فاضْطَرَب فى هذا البابِ، ولم
يَثْبُتْ فيه على مذهبٍ مالِكٍ ، ولا مذهبِ العِراقِيِّين، ولا مذهبٍ الشافعىِّ،
وتَنَاقَضَ فى ذلك، ولم يُحْسِنْ الاخْتِيارَ، قال فى قولِهِ وَلَهُ: (( لا يَعْنَعْ(١)
أحَدُكم جارَه أن يَغْرِزَ خَشَبَةً فى جِدارِهِ)) : لازِمٌ للحاكِمِ أن يَحْكُمَ به على
مَن أباه، وأن يُجبِرَه عليه بالقضاءِ؛ لأنه حَقٌّ قَضَى به رسولُ اللهِ وَالِهِ ،
ولأَنَّه أيضًا مِن الضِّرَارِ (٣أن يَمْنَعَه٣) أن يَغْرِزَ خُشُبَ بيتِه فى جِدَارِهِ، فَيَمْنَعَه
بذلك المنفعةَ، وصاحِبُ الجِدارِ لا ضَرَرَ عليه فى ذلك. قال: ويَدْخُلُه
أيضًا قولُ رسولِ اللهِ وَّهِ: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ))(٤). وقولُ عُمَرَ: لِمَ تَمْتَغُ
أخاك ما لا يَضُرُك؟ قال: وقد قَضَى مالكٌ للجارِ إِذا ◌ْتُهَوَّرَتْ بئرُهْ) أنْ
يَسْقِىَ نخلَه وزرعَه بِثْرِ جارِه حتى يُصْلِحَ بِثْرَه، وهذا أَبْعَدُ مِن غَرْزِ الخشبةِ
القبس
(١) ينظر تفسير غريب الموطأ ٢٨/٢ - ٣١.
(٢) فى ر: ((يمنعن)).
(٣ - ٣) سقط من: ر، وفى م: ((أن يدفعه)).
(٤) تقدم فى الموطأ (١٤٩٦).
(٥ - ٥) فى م: ((تغوَّرت بيده)).
٠
٤٣٦
الموطأ
فى جدارٍ الجارِ ، إذا لم يكنْ ضَرَرٌّ(١) بالجِدارِ، إلّا أن يخافَ عليه أن يُوهِنَ التمهيد
الجِدارَ ويَضُرَّ به، لم يُجْبَرْ صاحِبُ الجِدارِ ، وقيل لصاحِبِ الخَشَبِ :
احْتَلْ لخشيِكَ. ومِثْلُه حديثُ ربيعِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ فى حائِطِ
المازنىّ . قال: والربيعُ السَاقِيَةُ ، فأراد عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ أَن يُحَوَّلَه إلى
موضعٍ مِن الحائِطِ هو أقْرَبُ إلى أَرْضِه، فمَنَعَه صاحِبُ الحائِطِ ، فَقَضَى
عمرُ لعبدِ الرحمنِ بتَحْوِيلِه. قال: وهذا أيضًا يُجْبَرُ عليه بالقَضَاءِ مِن أجْلِ
أنَّ مَجْرَى ذلك الربيع كان ثابتًا فى الحائِطِ لعبدِ الرحمنِ، وقد اسْتَحَقُّه،
فأراد تَحْوِيلَه إلى ناحِيَّةٍ أَخْرَى هى أَقْرَبُ عليه، وأَرْفَقُ بصاحِبِ الحائِطِ .
قال: وأمَّا الحديثُ الثالثُ فى قِصَّةِ الضَّحَاكِ بنِ خَلِيفَةً مع محمدِ بنِ
مَسْلَمَةً ، فلم أجد أحدًا مِن أصحابٍ مالِكِ وغيرِه يَرَى أن يكون ذلك لازِمًا
فى الحكم لأُحَدٍ على أحَدٍ . قال : وإنَّما كان ذلك تَشْدِيدًا على محمدِ بنِ
مَسْلَمَةَ، ولا ينبغى أن يكونَ أحَدٌ أَحَقُّ بمَالٍ أخيه منه إلّ برِضاه. قال:
وليس مثلُ هذا محكّمَ عمرَ فى رَبِيعِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ؛ لأُنَّ هذا لم
يكن له فى حائِطِ محمدِ بنِ مَسْلَمَةَ طريقٌ ولا ربيعٌ. قال: وهذا أحْسَنُ
ما "سَمِعْتُ فيه٢) .
القبس
(١) فى ى: ((مضر)).
(٢ - ٢) فى ر: (( سمعته)).
٤٣٧
الموطأ
١٤٩٨ - مالك، عن عمرو بن يحيى المازنىٌ ، عن أبيه، أن
الضَّاكَ بنَ خليفةَ ساق خَليجًا له مِن العُرَيضِ، فأراد أن یمُؤَّ به فى
أرضٍ محمدٍ بنٍ مَسْلَمةَ، فأتى محمدٌ، فقال له الضَّحّاكُ: لِمَ تَمْنَعُنِى
وهو لك منفعةٌ ؛ تشرَبُ به أوَّلًا وَآخِرًا، ولا يضُرُك؟ فأَتَى محمدٌ ،
فكلُّم فيه الضَّحّاكُ عمرَ بنَ الخطابِ ، فدعا عمرُ بنُ الخطابِ محمدَ
ابنَ مَسْلمةَ، فأمَرِه أن يُخلِّىَ سَبيلَه، فقال محمدٌ: لا . فقال عمرُ: لِمَ
تمنَعُ أخاك ما ينفَعُه، وهو لك نافعٌ؛ تَشْقى به أوَّلًا وآخِرًا، وهو لا
يضُرُك ؟ فقال محمدٌ : لا واللهِ. فقال عمرُ: واللهِ ليَمُؤَّنَّ به ولو على
بطنِك. فَأَمَره عمرُ أن يمُرَّ به، ففَعل الضَّحَّاكُ .
قال أبو عمرَ : هذا كلُّه كلامُ ابنِ حبيبٍ، والخَطَأُ فيه والتَّاقُضُ أَوْضَحُ
مِن أَنْ يخْتَاجَ إلى الكَلام عليه . وباللهِ التوفيقُ .
التمهيد
الاستذكار
مالكٌ ، عن عمرو بنٍ يحيى المازنىّ، عن أبيه ، أن الضحاكَ بنَ خليفةً
ساقَ خَلِيجًا(١) له مِن العُرَيضِ(٢) ، فأراد أن يَمُوَّ به فى أرضٍ محمدٍ بنٍ
مسلمةَ، فأبى(٢) محمدٌ، فقال له الضحاكُ: لِمَ تمنعُنى وهو لك منفعةٌ؛
تشربُ به أولًا وَآخِرًا، ولا يَضُرُكِ؟ فأتَى محمدٌ ، فكلّم فيه الضحاكُ عمرَ
القبس
(١) الخليج: نهر يخرج من جنب نهر ، كأنه جذب منه واقتطع. الاقتضاب فى غريب الموطأ
٢٦٣/٢.
(٢) العريض: واد بالمدينة. معجم البلدان ٣/ ٦٦١.
(٣) فى ح، هـ: (فمنعه)).
٤٣٨
الموطأ
١٤٩٩ - مالكٌ ، عن عمرو بن یحیی المازنى ، عن أبيه ، أنه قال :
کان فی حائطٍ جَدِّه رَبیت لعبد الرحمن بن عوفٍ ، فأراد عبدُ الرحمنِ
ابنُ عوفٍ أن يُحوِّلَه إلى ناحيةٍ من الحائطِ هى أقربُ إِلى أرضِه، فمنَعه
الاستذكار.
ابنَ الخطابٍ ، فدَعا عمرُ بنُ الخطابِ محمدَ بنَ مسلمةً ، فأمَره أن يُخَلِّىَ
سبيلَه، فقال محمدٌ: لا. فقال عمرُ: لِمَ تمنعُ أخاك ما ينفعُه وهو لك
نافعٌ؛ تَسْقِى به أولًا وَآخِرًا، وهو لا يَضُرُك؟ قال محمدٌ: لا واللهِ . فقال
عمرُ: واللهٍ لِيَمُوَّنَّ به ولو على بطنِك. فأمَره عمرُ أن يَمُرَّ به، ففعَل
(١)
الضحاكُ(١).
وروى ابنُّ عیینةً هذا الخبر، عن(٢) یحیی بن سعيد ، عن محمدِ بنِ
يحيى بنِ حَبَّانَ، أن رجلًا أراد أن يُجْرِىَ ماءً إلى حائطِه على حائطِ محمدٍ
ابنِ مسلمةَ ، فأتى محمدُ بنُ مسلمةَ ، فكلَّم الرجلُ عمرَ بنَ الخطابِ ، فقال
عمرُ لمحمدِ بنِ مسلمةَ: لِمَ تمنعُه، أعليك فيه ضَرَرٌّ؟ قال: لا ، ولا أُرِيدُ
أن يُجْرِيَه فى حائطى. قال: أليس لك فيه منفعةٌ ؟ لو لم يكن إلا على بطنك
لأجراه .
مالكٌ، عن عمرو بنٍ يحيى المازنيٌّ ، عن أبيه، أنه قال: كان فى
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٣٦)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/١١ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٨٩٧). وأخرجه الشافعى ٧/ ٢٣٠، والبيهقى ١٥٧/٦، وفى المعرفة
(٣٧٦٩) من طريق مالك به .
(٢) بعده فى الأصل: ((ابن)).
٤٣٩
الموطأ صاحبُ الحائطِ ، فكلّم عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ عمرَ بنَ الخطابِ ،
فقضّی لعبد الرحمن بن عوفٍ بتحويله .
الاستذكار حائطٍ جدِّى ٢٢ ربيع لعبد الرحمن بن عوفٍ ، فأراد عبدُ الرحمنِ بنُ عوفيٍ
أُن ◌ُحوَّلَه إلى ناحيةٍ مِن الحائطِ هی أقرب إلى أرضِه، فمنعه صاحبُ
الحائطِ، فكلَّم عبدُ الرحمنِ بنُّ عوفٍ عمرَ بنَ الخطاب (١) ، فقضَى
لعبد الرحمنِ بتحويله (٣) .
قال أبو عمر : أ کثر أهل الأثرِ یقولون فى هذا بما رُوِی عن عمرَ رضِی
اللهُ عنه، ويقولون: ليس للجارِ أن يمنعَ جارَه مئًّا(٤) لا يَضُُه.
وزعَّم الشافعىُّ فى كتابٍ الوّدِّ أن مالكًا لم تزوِ عن أحدٍ مِن الصحابةِ
خلافَ عمر فى هذا الباب ، وأنكر على مالكٍ أنه رواه وأدخله فى كتابه ،
ولم يأخُذْ به ولا بشىءٍ مما فى هذا البابِ ؛ بابِ القضاءِ فى المَرْفِقِ مِن
((الموطأ))، بل ردَّ ذلك كلُّه برأيه .
قال أبو عمرَ: ليس كما زعم الشافعىُّ؛ لأن محمد بنّ مسلمةً
القبس
(١) فى م: «جده)).
(٢) بعده فى م: «فى ذلك)).
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٣٧)، وبرواية يحيى بن بكير (٤/١١و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٨٩٨). وأخرجه الشافعى ٧/ ٢٣١، والبيهقى (٣٧٧٠) من طريق مالك
به .
(٤) فى ح، هـ، ط: ((ما)).
٤٤٠