Indexed OCR Text

Pages 141-160

الموطأ
ابنُّ أصبغَ، قال: حدثنى الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ومحمدُ بنُ إسماعيلَ الاستذكار
الصائغُ ، قالا : حدثنی یحیی بنُ أبی بُکیرٍ ، قال : حدثنی نافعُ بنُ عمر -
يعنى الجُمحىَّ - عن ابن أبي مليكةً قال: كتبتُ إلى ابنِ عباسٍ فى امرأتينٍ
كانتا تَخرِزان(١) فى البيتِ، فَأُخرَجت إحداهما يدَها تَشخُبُ دمًا ،
فقالت: أصابتنى هذه. وأنكرتِ الأخرى، فكتَب إلىَّ ابنُ عباسٍ، أن
رسولَ اللهِ وَ له قضَى أَن اليمينَ على المُدَّعَى عليه، وقال: ((لو أن الناسَ
أُعْطُوا بدَعواهم لادَّعَى قومٌ دماءً قومٍ وأموالَهم)). وذكر تمامَ الخبرِ (١).
وحدَّثنی سعیدُ بنُ نصٍ ، قال : حدثنی قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنی
ابنُّ وضَّاحِ، قال: حدَّثنى أبو بكرٍ ، وحدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُّ سفيان ، قال :
حدثنی قاسمُ بنُ أصبغ) قال: حدثنی بکو(٤) بنُ حمّادٍ ، قال: حدَّثنی
مسدَّدٌ ، قالا) : حدثنى أبو الأحوصِ ، عن سماكٍ ، عن علقمةَ بنِ وائلِ بنِ
حُجْرِ الحضرميِّ، عن أبيه قال: جاء رجلٌ من حَضْرَمَوْتَ ورجلٌ من كِندةَ
إلى رسولِ اللهِ وَله، فقال الحضرمىُّ: يا رسولَ اللهِ، إن هذا غلَبنى على
القبس
(١) فى ح: ((بحذران))، وفى هـ: ((تجرران)))، وفى م: ((تجوزان)). والخَوز: خياطة الأدم. التاج (خ رز).
(٢) أخرجه ابن حزم ٥٤٣/١٠ من طريق محمد بن إسماعيل الصائغ به، وحده، وأخرجه أحمد
٢٦٦/٥ (٣١٨٨)، والبخارى (٢٥١٤، ٢٦٦٨)، ومسلم (٢/١٧١١)، وأبو داود (٣٦١٩)،
والترمذى (١٣٤٢)، والنسائى (٥٤٤٠) من طريق نافع بن عمر به، والقصة عند النسائى ، وابن
حزم ، وسيأتى فى شرح الحديث (١٦٩٤) من الموطأ .
(٣ - ٣) فى م: ((عن سفيان)).
(٤) فى م: ((بكير)).
(٥) فى ح، هـ، م: ((قال)).
١٤١

الموطأ
الاستذكار أرض کانت لأبى) . فقال الکندىُّ: هی أرض) فی یدی ازرُها ، ليس
له فيها حقٌّ. فقال النبيُّ وَّلَه للحضرميّ: ((ألك بينةٌ؟)). فقال: لا. قال:
(«فلك يمينُه)). وذكر تمامَ الحديثِ(٢) .
وليس فى شىءٍ مِن الآثارِ المسندةِ ما يدُلَّ على اعتبارِ الخُلطةِ .
وقال إسماعيلُ : إنما معنَى قولِه عليه السلامُ: ((اليمينُ(٤) على المدَّعَى
عليه، والبينةُ على المُدَّعِى)). أنه لا يُقبَلُ قولُ المُدَّعِى فيما يدَّعيه مع
يمينِه، وأن المُدَّعَى عليه يُقبَلُ قولُه (°مع يمينِهْ) إن لم يُقَمْ عليه بينةٌ، ( لا
أنه أراد بذلك العمومَ فى كلِّ مَن ادُّعى عليه دعوى أن عليه اليمينَ . فجاء
رحمه اللهُ بعينِ المُحالِ، وإلى اللهِ أرغبُ فى السلامةِ على كلِّ حالٍ .
وأما قولُه فى حديثٍ وائلٍ بنِ حُجْرٍ: ((ألك بينةٌ؟)). ففيه أن الحاكم
يبدأُ بِالمُدَّعِى، فيسألُه: هل له(٧) بما يدَّعيه بينةً؟ ولا يَسألُ المُدَّعَى عليه
حتى يَسمعَ ما يقولُ المُدَّعِى، وهذا ما لا يختلفون فيه .
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((كانت لى))، وفى م: ((لى كانت لأبى)).
(٢) فى ب، ط: (( أرضى)).
(٣) ذكره ابن حزم ٥٥٩/١٠ من طريق ابن وضاح به، وأخرجه مسلم (٢٢٣/١٣٩)، والطبرانى
١٤/٢٢ (١٧) من طريق ابن أبى شيبة به، وأخرجه الطبرانى ١٤/٢٢ (١٧)، وابن منده فى الإيمان
(٥٨٠)، والبيهقى ٢٥٤/١٠ من طريق مسدد به، وأخرجه مسلم (٢٢٣/١٣٩)، وأبو داود (٣٢٤٥،
٣٦٢٣)، والترمذى (١٣٤٠)، والنسائى فى الكبرى (٥٩٨٩) من طريق أبى الأحوص به.
(٤) بعده فى م: ((أنه)).
(٥ - ٥) سقط من: ح، هـ .
(٦ - ٦) فى ح، هـ، ط، م: ((لأنه))، وفى ب: إلا أنه)).
(٧) فى م: ((لك)).
١٤٢

الموطأ
القضاء فى شهادة الصِّبیانِ
١٤٦٧ - مالكٌ، عن هشام بنِ عُروةَ، أن عبدَ اللهِ بنَ الزُّبيرِ كان
يَقْضى بشهادةِ الصبيانِ فيما بينَهم مِن الجراحِ .
قال يحيى: سَمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ المجتمَعُ عليه عندَنا، أن
شهادةَ الصِّبيانِ تجوزُ فيما بينَهم مِن الجراحِ، ولا تجوزُ على غيرِهم، وأَّما
تجوزُ شهادتُهم فيما بينَهم مِن الجراحِ وحدَها ، لا تجوزُ فى غيرِ ذلك ، إذا
كان ذلك قبلَ أن يَتَفرَّقوا أو يُختَّبوا أو يُعلَّموا، فإن افتَرَقوا فلا شهادةَ
لهم، إلا أن يكونوا قد أَشْهَدوا العُدُولَ على شهادتِهم قبلَ أن يَفترِقوا .
الاستذكار .
بابُ القضاءِ فى شهادةِ الصِّبیانِ
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، أن عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ كان يقضِى بشهادةِ
الصبيان فيما بينهم من الجراحِ(١).
قال مالكٌ : الأمرُ المجتمَعُ عليه عندَنا ، أن شهادةَ الصِّبیانِ تجوزُ فيما
بينَهم من الجراح ، ولا تجوزُ على غيرِهم، وإنما تجوزُ شهادتُهم فيما بينَهم
من الجراحِ وحدَها ، لا تجوزُ فى غيرِ ذلك ، إذا كان ذلك قبلَ أن يتفرَّقوا أو
يُخَبَّبوا أو يُعلَّموا، فإن افترَقوا فلا شهادةَ لهم، إلا أن يكونوا قد أشھَدوا
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/١١و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٢٦).
١٤٣

الموطأ
الاستذكار العدولَ على شهادتِهم قبلَ أن يفترِقوا .
وذكر أحمدُ بنُّ المُعذَّلِ (١)، عن عبدِ الملكِ قال: لم تزلْ من أمرِ الناسِ
قديمًا، وهو مجتمَعْ عليه من رأى أصحابِتا فى شهادةِ الصبيانٍ؛ أن يؤخذَ
بها مالم يتفرَّقوا و(١) يُخَبَّبوا. قال عبدُ الملكِ: ولا تجوزُ منهم إلا (١) شهادةُ
اثنين فصاعدًا من الذكورِ، أو غلام وجاريتين. قال : ولا تكونُ اليمينُ مع
شهادةِ الصبيان ، وإنما اليمينُ مع الشاهدِ الواحدِ ، ولا يجوزُ من الصبيانٍ
واحدٌ. وهذا كلُّه قولُ ابنِ القاسمِ أيضًا.
قال أبو عمرَ : قد ذكرنا اختلافَ أصحاب مالك فى شهادة الجوارِی
فى الجِراح، وشهادةِ الصبيانِ(٤) العبيدِ فى ذلك فى كتابٍ ((اختلافِهم))،
واختلافَ قولٍ مالكٍ. ولم يَختلفوا أن شهادةَ الصبيانِ الأحرارِ جائزةٌ فى
الجراح إذا لم يحضُرْهم كبيرٌ، فإن حضَر معهم كبيرٌ لم تجُزْ شهادتُهم
عندَهم (٥)؛ "لأنه لا تجوزُ عندَهم (٧) شهادةُ الصبيانِ حيثُ يكونُ
الرجالُ . وقال ابنُ حبيبٍ : لا نعلَمُ خلافًا أن شهادةَ الصبيانِ لا تجوزُ حيثُ
القبس
(١) فى الأصل، ح، ب، م: ((المعدل)). وينظر سير أعلام النبلاء ٥١٩/١١.
(٢) فى م: ((أو )).
(٣) سقط من: ح، هـ.
(٤) بعده فى ح، هـ: ((و).
(٥) فى الأصل : وعنده).
(٦ - ٦) فى ح، هـ: ((لأنها)).
(٧) ليس فى : الأصل .
١٤٤

الموطأ
يَحضُرُ(١) الكبارُ العدولُ. وقاله سحنونٌ، وقد رُوِى أنه أجازها. وقال ابنُ الاستذكار
القاسم : تجوزُ شهادةُ الصبيانِ فى القتلِ والجراح إذا كانوا ذكورًا(٢) قبلَ أن
يتفرَّقوا. قال سحنونٌ: وقال غيرُ واحدٍ مِن كبارٍ أصحابٍ مالكٍ: لا تجوزُ
شهادتُهم فى القتلِ، وإنما تجوزُ فى الجراحِ .
قال أبو عمرَ: اختُلف عن ابنِ الزبيرِ فى إجازةٍ شهادةِ الصبيانِ ،
والأصح عنه أنه كان يُجيزُها إذا جىءَ بهم فى١١ حالٍ حلولِ المصيبةِ
ونزول النازلة .
وأما ابنُ عباس، فلم يُختَلَفْ عنه أنه لم يُجِزْها، وكان لا يراها شيئًا(٤).
ورُوِى عن علىِّ رضِى اللهُ عنه، أنه كان يُجيزُ شهادةَ الصِّبیانِ بعضِھم
على بعضٍ ، إذا أتَوا فى الحالِ قبلَ أن يُعلِّمَهم أهلوهم، ولا يُجيزُها على
الرجالِ(٥) . والطرقُ عنه بذلك ضعيفةٌ. وهو قولُ سعيدِ بنِ المسئَّبِ،
وعروةَ بنِ الزبيرِ، وأبى جعفرِ محمدِ بنِ علىٍّ بنِ حسينٍ، وعامرٍ الشعبىِّ ،
وابن أبى ليلى ، وابنٍ شهاب الزهريِّ، وإبراهيمَ النخعيّ ) على اختلافٍ
القبس
(١) فى ح، هـ، م: (يكون الرجال)).
(٢) فى ب: ((حضورًا)).
(٣) فى الأصل، م: ((من)).
(٤) سيأتى تخريجه ص ١٤٧.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٠٣، ١٥٥٠٤)، والبخارى فى تاريخه ٣/ ١٤٠.
(٦) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٤٩٨، ١٥٥٠٥، ١٥٥٠٦)، ومصنف ابن أبى شيبة
٢٨٠/٦، ٠٢٨٣
١٤٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٠/١٨)

الموطأ
الاستذكار عنه ، إلا أنه ليس فى الرواياتِ عنهم ذكرُ جراح ولا غيرِها إلا إجازتُها فيما
بينهم مطلقةً .
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما، وابنُ شُبْرُمةَ، والثورىُّ:
لا تجوزُ شهادةُ الصبيانِ فى شىءٍ من الأشياءِ لا فى جراح ولا غيرِها
بحالٍ، وإن لم يتفرَّقوا. قالوا: وإنما أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ بشهادةِ مَن
يُوْضَى، وكيف تُقبَلُ شهادةُ مَن إذا فارَق مكانَه لم يؤمَنْ عليه أن يُعلّمَ
ويُخْبَّبَ (١)؟ فإن قيل: إن ابنَ الزبيرِ أجازَها. قيل له : ابنُ عباسٍ ردَّها،
والقرآنُ يدُلُّ على إبطالِها .
قال أبو عمرَ : من حجّةٍ مَن لم يُجِزْها ولم يَرَها شيئًا ظاهرُ قولِ اللهِ عزَّ
وجلّ: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدِّلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقوله تعالى:
﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾. ثم قال تعالى: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والصبىُّ ليس بعدلٍ ولا رِضًا. وقال عزَّ وجلَّ فى
[البقرة: ٢٨٣]. ولیس
الشهادةِ: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾
الصبىُ كذلك؛ لأنه غيرُ مكلَّفٍ ، فدلَّ على أنه ليس مِن أهلِ الشهادةِ بنصِّ
القرآنِ ، واللهُ المستعانُ .
القبس
(١) بعده فى الأصل، ب: ((ومن لا فرض الله عليه فى الشهادة))، وفى ط ، م: ((ومن لا يرضى
الله عليه فى الشهادة)).
١٤٦

الموطأ
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، قال: أخبرنا ابنُ جريج، قال: أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ الاستذكار
أبي مليكةً ، أنه أُرسَل إلى ابنِ عباسٍ وهو قاضٍ لابن الزبيرِ يسألُه عن شهادةٍ
الصبيانِ، فقال: لا أرى أن تجوزَ شهادتُهم، إنما أمَر اللهُ تعالى ممن
يُرضَى ، والصبىُّ ليس بِرِضَى .
قال(٢) : أخبرنا معمر، عن أيوب ، عن ابنِ أُبی مُلیکةً ، أنه كان قاضيًا
لابنِ الزبيرِ ، فأرسَل إلى ابنِ عباسٍ يسأله عن شهادة الصبيانٍ فلم يُچِزْها ،
ولم يَرها شيئًا. قال معمرٌ: وسمِعتُ مَن يقولُ: تُكتبُ شهادتُهم، ثم تُقَدّ
حتى يكبرَ الصبىُّ، ثم يوقَفُ عليها، فإن حفِظها جازَت .
قال(٢) : وأخبرنا ابنُ جريج، قال : زعم إسماعيل بن محمدٍ ، ويعقوبُ
ابنُّ عتبةً(٤)، وصالحٌٍ، أن ليس لمن لم يبلُغِ الحلُمَ شهادةٌ .
وهو قولُ شريح القاضى ، والشعبىِّ، وابنٍ أبى ليلَى، على اختلافٍ عنهم فى
ذلك(٥)، وقولُ القاسم، وسالم، ومكحول، وعطاءٍ، والحسنِ". وبه
قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو عُبيدٍ، وأبو ثورٍ. واللهُ الموفِّقُ للصوابِ.
القبس
(١) عبد الرزاق (١٥٤٩٤).
(٢) عبد الرزاق (١٥٤٩٥).
(٣) عبد الرزاق (١٥٤٩٩).
(٤) فى ح: ((عيينة)، وفى هـ: ((عتيبة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٣٥٠.
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٤٩٦، ١٥٤٩٧، ١٥٥٠٠، ١٥٥٠١)، ومصنف ابن أبى شيبة
٢٨١/٦ - ٢٨٤.
(٦) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٨١/٦ - ٢٨٣.
١٤٧

الموطأ
ما جاء فى الحِنْثِ على مِنبرِ النبيِّ وَله
١٤٦٨ - مالكٌ، عن هاشمٍ بنِ هاشمٍ بنِ عُتبةَ بنِ أبى وَقَّاصٍ،
عن عبدِ اللهِ بنِ نِشْطاسٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصارىِّ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((مَن حلَف على مِنْتَرَى آثمًا تَبَوَّأْ مَفْعَدَه مِن
النارِ)) .
مالك ، عن هاشم بن هاشم بن عتبةً بنِ أبی وقاص ، عن عبدِ اللهِ بنِ
التمهید
نِشْطاسٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ وَ قال: ((مَن حلَف على
القبس
ما جاء فى الحِنْثِ على مِنْبرِ النبيِّ
قال النبيُّ بَّهِ فى صحيح الخبرِ): ((الكبائرُ الإشراكُ باللهِ والتَّمينُ
(٣)
الغَمُوسُ)»
(١) قال أبو عمر: ((وهو هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، معروف، مشهور النسب
شريف ، وقيل فيه: هاشم بن هاشم بن هاشم. وقال بعضهم: إنه معروف النسب ، مجهول فى
نفسه . وهذا عندی لیس بشىء، وقد روى عنه مالك، والدراوردى، وشجاع بن الوليد أبو بدر
السكونى، وأبو ضمرة أنس بن عياض، ومكى بن إبراهيم، وأبو أسامة، ومروان الفزارى. ذكره
أبو حاتم الرازى وغيره. ويروى هاشم بن هاشم، عن سعيد بن المسيب، وعامر بن سعد،
وعائشة بنت طلحة، وعبد الله بن نسطاس، ومن روى عنه رجلان ارتفعت عنه الجهالة وحمل
على العدالة حتى تثبت فيه جرحة ، وقد سمع هاشم بن هاشم هذا من سعيد بن المسيب وغيره ،
وعمر عمرًا طويلًاً)). تهذيب الكمال ١٣٧/٣٠، وسير أعلام النبلاء ٢٠٦/٦.
(٢) بعده فى ج، م: ((من)).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٢٣) من الموطأ .
١٤٨

الموطأ
التمهيد
مِنْرِى آئِمًا تَبْوَأَ مَفْعَدَه مِن النّارِ))(١).
قال مصعب الُّتیرُّ : عبدُ اللهِ بنُ نِشطاسٍ تَزْوِی عن أبيه ، عن جابرٍ ،
ونشطاسٌ مولى أَتَىّ بنِ خلفٍ ، كان جاهليًّا .
لم يختلفِ الرواةُ عن مالك فی إسنادِ هذا الحدیث ومتنه ، إلا أن أُکثر
الرواةِ عن مالكٍ يقولون فيه: ((مَن حلَف على مِنْبرِى هذا بيمينٍ آثمةٍ)).
كذا قال ابنُ بُكَيرٍ(٢)، وابنُ القاسمِ(٣)، والقَعْنَيِىُّ(٤)، وغيرُهم. وقال
وقال: ((مَن حُلَّف على مِنْبرى)) الحديثَ. وقال: ((مَن اقْتَطَع حقَّ امرَّ القبس
مسلم بيمينِهُ حرَّم اللهُ عليه الجنةَ)(١) الحديثَ. واعْلَموا، وفَّقكم اللهُ، أن الآثامَ
فى الآخرةِ تَتَضاعَفُ بتَضاعُفِ الحُرُماتِ فى الدنيا ، وتتعدُّدُ بتعدُّدِها ، بخِلافٍ
أحكامِ الدنيا فإن الحُرُماتِ لا تَتَضاعَفُ بتضاعُفِ الأسبابِ ، ولا تَتَعَدَّدُ بَتَعَدُّدِها؛
كالحائِضِ المُخْرِمةِ الصائمةِ؛ فالكَذِبُ حرامٌ كَبيرةٌ ، فإِن اتَّصَلَت بذكرِ اللهِ عزَّ
وجلَّ عظُمتِ، وإن اتصَلتُ) بقطع حقٌّ امريّ مسلم تَضاعفَت ، فإن كانت
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٩٢٨). وأخرجه الشافعى ٣٦/٧، ١٩٧، وأحمد ٥٤/٢٣
(١٤٧٠٦)، وأبو يعلى (١٧٨٢)، وأبو عوانة (٥٩٨٠)، وابن حبان (٤٣٦٨) من طريق مالك به.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/١١و - مخطوط)، ومن طريقه البيهقى ٣٩٨/٧ .
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (٦٠١٨) من طريق ابن القاسم به .
(٤) أخرجه الجوهرى فى مسند الموطأ (٧٣٦) من طريق القعنبى به .
(٥) سقط من : ج ، م .
(٦) سيأتى فى الموطأ (١٤٦٩).
(٧ - ٧) سقط من: ج، م .
١٤٩

الموطأ
التمهيد يحيى: ((مَن حلَف على مِنْبرى آثمًا)). والمعنى واحدٌ، وفيه اشْتِراطُ
الإثم، فالوعيدُ لا يَقَعُ إلا مع تَعَمُّدِ الإثم فى اليمينِ، واقتطاعٍ حقِّ المسلمِ
بها ، وهذا المعنی موجودٌ فی هذا الحدیث ، وفی حدیثِ العلاء، على ما
مضَى فى بابِهِ مِن هذا الكتابٍ(١)، ومَذْهَبُنا فى الوعيدِ أنه غيرُ نافذٍ فى هذا
وفى كلِّ ما أوعَد اللهُ أهلَ الإيمانِ عليه النارَ والعذابَ ، فإن الله بالخِیارِ فی
عبدِه المُذْنِبِ ؛ إن شاء أن يغفِرَ غفَر له ، وإن شاء أن يُعَذِّبَه عذَّبه ؛ لقولِ اللهِ
عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. والتوبةُ تَسْحُو السيئاتِ كلُّها ، كفرًا كانت أو غيرَ
ج
١
القبس بعدَ العصر زادتْ(١)، فإن كانت على مِثْبرِ النبيِّ وَلَه وهو روضةٌ مِن ریاضٍ
الجنةِ(١)، لم يَأْمَنْ أن يكونَ ذلك قطعًا لحظّه، ويقالَ له : إنك لا تَدْخُلُ مَوْضِعًا
عَصَيتَ فيه . وآياتُ الوعيدِ وأخبارُه كثيرةٌ، وهى بإجماع مِن الأُمَّةِ مِن المُتَشابهِ
الذى نَبَأنا اللهُ عنه فى قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَخَرُ مُتَشَِهَتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. الذى لا
يَبِعُه إلا زائِغُ القلبِ، وفيها ثلاثةُ مذاهبَ ؛ طائفةٌ حَقَّقَتْها أولًا وهم الخوارج،
ونَسَجَت على مِنْوالِها القَدَرِيَّةُ. " وطائفةٌ أسقطَتْها وهم الْمُرْجِئَةُ وقالت : كما لا
يَنْفَعُ معَ الشِّركِ عملٌ لا يَضُرُّ مع الإسلامِ ذنبٌ. وطائفةٌ" توَقَّفَت(٥) وقالت: أمرُ
ذلك إلى اللهِ عزَّ وجلّ، إن شاء غفَر وإن شاء أخَذ. فأمّا الطائفةُ الأُولَى الوَعِيدِيَّةُ
(١) سيأتى فى الموطأ (١٤٦٩).
(٢) البخارى (٢٣٥٨، ٢٣٦٩)، ومسلم (١٠٨) من حديث أبى هريرة .
(٣) تقدم فى الموطأ (٤٦٥، ٤٦٦).
(٤ - ٤) سقط من : ج .
(٥) فى ج: ((توقعت)).
١٥٠

ے
الموطأ
ذلك؛ قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم التمهيد
مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. إلا أن حقوقَ الآدميِّين لا بُدَّ فيها ( بينَ
المسلمين مِن القِصاص بالحسناتِ والسيئاتِ ، وقد بينًّا هذا المعنى فى
غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا(١) . والحمدُ للهِ.
وأما اليمينُ على منبرِ النبيِّ وَّهِ، أَو غيرِهِ مِن المنابرِ، فقد اختلف
العلماءُ فى ذلك ؛ فذهَب ذاهبون إلى أن اليمينَ عندَ المنبرِ وفى الجامعِ لا
يكونُ فى أقلَّ مِن ربع دينارٍ أو ثلاثةِ دراهمَ ، فإذا كان رُبُعَ دينارٍ أو ثلاثةً
فَتَعَلَّقَتِ بظواهِرِ الآياتِ والآثارِ، وهذا هو الذى دعا سالِفَةَ علمائِّنا المُتكلِّمين القبس
رحمةُ اللهِ عليهم إلى إنكارِ العمومِ، وقد بيَّا القولَ بصحته، وأنه لا يُحتاجُ إلى
ذلك معهم ، فإن الحقَّ ظاهرٌ والأدلةَ بَيْنَةٌ ، وحمّل التَّقْصيرُ كثيرًا مِن علمائِنا على
أن يقولوا: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يُنْفِذُ وعيدَه، فإنَّ تَرْكَ إنْفاذِ الوعيدِ مِن مكارمٍ
الأخلاقِ ، قال الشاعرُ(١) :
وإِنِّى "وإن أوْعَدْتُه أو وَعَدْتُهُ)
(٥ ◌ِخْلِفُ إِيعادِى ومُنْجِزُ مَوْعِدى
وقد بيَّنًا أن ذلك إنما يُتَصَوَّرُ فى المخلوقِ الذى يجوزُ له الكَذِبُ بعُذْرٍ ،
ويُتُصوّرُ منه(١) على الإطلاقِ، فأمَّا الصَّادِقُ الواجِبُ الصِّدقِ ، فلا يجوزُ أَن يَقَعَ
(١ - ١) سقط من: ص ١٧، م.
(٢) ليس فى: الأصل، ص ٢٧.
... (٣) هو عامر بن الطفيل. ينظر البيت فى عيون الأخبار ١٤٢/٢، واللسان (وع د).
(٤ - ٤) فى ج: ((إذا أوعدته ووعدته)).
(٥ - ٥) فى ج: ((لأخلف إيعادى وأنجز)).
(٦) فى د: ((فيه)). والمثبت موافق لنسخة على حاشيتها .
١٥١

الموطأ
التمهيد دراهمَ، أو قيمةَ ذلك عَرْضًا، فما زاد ، كانت اليمينُ فيه فى مَقْطَع الحقِّ
بالجامعِ مِن ذلك البلدِ ، وهذه جملةُ مذهبٍ مالكٍ. قال مالكٌ: يحلِفُ
المسلمُ فی القَسامة واللّعانِ ، وفیما له بالٌ مِن الحقوق ، یریدُ رُبُعَ دینارٍ
فصاعدًا، فى جامع بلدِه، فى أعظم مواضعِه، وليس عليه التَّوَيُّهُ إلى
القبلةِ. هذه روايةٌ ابنِ القاسم. وروى ابنُّ الماجشونِ ، عن مالكِ ، أنه
يحلِفُ قائمًا مُسْتقبِلَ القِبْلةِ . ولا يعرِفُ مالكٌ اليمينَ عندَ المنبرِ إلا منبرَ
رسولِ اللهِ وَّله فقطْ، يُحلَفُ عندَه فى رُبع دينارٍ فأكثرَ. قال مالكٌ: ومَن
أتَى أن يحلِفَ عندَ المنبرِ، فهو كالناكِلِ عن اليمينِ. ويُجْلَبُ فى أيمانٍ
القبس مُخْبَرُه بخِلافٍ خبرِهِ، ويَتَعَالى البارئُ عزَّ وجلَّ عن الأخلاقِ الكريهةِ ، وإنما له
الصَّفاتُ العَلِيَّةُ، ومنها الصِّدقُ فى الكلامِ، لكنَّ الآياتِ والأخبارَ وإن جاءتْ
بإطلاقِ القول فى الوعيدِ ، فقد جاءتْ أَخَرُ بإطلاقِ القول فى الوعدِ، كقول النبيِّ
وَلَّهِ: ((مَن كان آخِرُ كلامه لا إلهَ إلا اللهُ، حَرَّمه اللهُ على النارِ))(١). وبهذا تَعَلَّقَت
المرجئةُ. وكقولِهِ بَّهِ: ((إِنَّ ◌َغِيًّا مِن بنى إسرائيلَ مَّتْ بكلبٍ يأْكُلُ القَّرَى مِن
شِدَّةٍ(٢) العطشِ، فَتَزَعَتْ مُوقَهاً(٢) فسَقَتْه مِن رَكيّ(٤)، فَفَرِ اللهُ لها)(٥).
(١) أحمد ٣٦٣/٣٦ (٢٢٠٣٤)، وأبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ .
(٢) سقط من : ج، م.
(٣) الموق: الخف، فارسى معرب. النهاية ٣٧٢/٤، والمعرب ص٣٥٩ .
(٤) فى ج: ((ركرى))، وفى م: ((ركية)). والركىّ: جنس للركية، وهى البئر، والجمع
ركايا . النهاية ٢٦١/٢.
(٥) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٨٧٨) من الموطأ .
١٥٢

الموطأ
:
التمهيد
القَسامةِ عندٌ مالكٍ مَن كان مِن عملٍ مكةً إلى مكةً ، فیحلِفُ بين الركنِ
والمقامِ ، ويُجْلّبُ فى ذلك إلى المدينةِ مَّن كان مِن عملها، فيحلِفُ عندٌ
المنبرِ. ومذهبُ الشافعىّ فى هذا البابِ كمذهبٍ مالكٍ؛ فى المنبرِ
بالمدينةِ، وبينَّ الركنِ والمقام بمكةً فى القَسامَةِ واللُّعانِ، وأما فى
الحقوقي ، فلا يحلِفُ عندَه عندَ المِنْتَرِ فى أقلّ مِن عشرينَ دينارًا .
وذكر(١) عن سعيدِ بنِ سالمِ القَدَّاحِ ، عن ابن جريج، عن عكرمةً قال :
أُبصر عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ قومًا يحلِفون بينَ المَقامِ والبيتِ ، فقال : أعلى
وهلهنا نُكّتٌ كثيرةٌ، بثِنَّاها فى مَوْضِعِها، لا تَخْفَى عنكم، منها نُكْتَّةٌ القبس
بديعةٌ؛ وهى أن البارئَّ تعالى رحيمٌ شديدُ العقابِ، فلا بُدَّ من أن يأخُذَ كلُّ
محكمٍ مِن أحكامِ الصَّفَتَيْن جزءًا مِن الخَلْقِ تَتَحَفِّقُ فيه الصُّفةُ ، وكذلك هو غفورٌ
مُنْتَقِمٌ، فلا بدَّ أن يكونَ للمغفرةِ جزءٌ مقسومٌ، وللانتقامِ جزءٌ معلومٌ، وتحقيقُ
ذلك الشفاعةُ ، فمَن نظَر إلى صفةٍ مِن صفاتِ البارئِّ سبحانَه واحدةٍ وآمن بها
وترَكُ البَواقِىّ لا يكونُ مؤمنًا باللهِ، وكذلك(٢) مَن نظَر إلى أخبارِ الوعدِ دُونَ
الوعيدِ، "أو أخبارِ الوعيدِ دونَ الوعدِ»، لا يكونُ عارفًا بِحُكمِ اللهِ، وإنما
يَنْبَغِى أَن يُعرَضَ بعضُها على بعضٍ، وتُرَدَّ البنتُ منها إلى الأمّ، وبالجملةِ فَآخِرُ
الحالِ أن إثباتَ الشفاعةِ لمحمدٍ وَلِّ فيها تحقيقُ الوعدِ والوعيدِ، وأن المرجئةَ
(١) الشافعى ٣٤/٧، ومن طريقه البيهقى ١٧٦/١٠.
(٢) فى ج: ((لذلك)).
(٣ - ٣) سقط من : م .
١٥٣

الموطأ
التمهيد دم؟ قيل: لا . قال: أفعلى عظيم مِن الأمرِ؟ قيل: لا . قال : لقد خشِيتُ
أن يتهاونَ الناسُ بهذا المَقامِ .
هكذا رَواه الزَّعْفرانىُ، عن الشافعىِّ: يتهاونَ الناسُ. ورَواه المُزَنِىُّ
والربيعُ فى كتابٍ اليمينِ مع الشاهدِ، فقالا فيه (١): خَشِيتُ أن يَتْهَأَ الناسُ
بهذا المَقامِ. وهو الصحيحُ عندَهم. ومعنى: يَتِهَا(٢) : يأَنَشُ الناسُ به،
يقالُ: بَهَأْتُ به. أى: أنِسْتُ به. ومِنْبرُ النبيِّ وَِّ فى التعظيم مثلُ ذلك؛
لِما ورَد فيه مِن الوعيدِ على مَن حلَف عندَه بيمينٍ آثمةٍ، تعظيمًا له .
القبس لا تَرَى لمحمدٍ فَِّ شفاعةً؛ لأنَّ لا إلهَ إلا اللهُ تُغْنى عنها، والخوارجُ والقَدَرِيَّةُ
لا تَرَاها أيضًا؛ لأن الخلودَ عندَهما يَمْنَعُ منها، فالحمدُ للهِ الذى وَفَّق ◌ُصْبَةً
الحقِّ للإِقْرارِ بحقِّ اللهِ، والعِلْمِ بصفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والاعترافِ بمنزلةٍ
رسولِ اللهِ أَلته .
إِذا ثَبَت هذا، فقولُه: ((فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعدَه مِن النارِ)). مُطلَقٌ مُقِيَّدٌ بالمغفرةِ،
وقولُه فى الحديثِ الثانى: ((حرَّم اللهُ عليه الجنةً وأوْجَب له النارَ))(١). عموم
عارضَه: ((مَن كان آخِرُ كلامِه لا إلهَ إلا اللهُ، حَرَّم اللهُ عليه النارَ))(٤) . فتقَابَل
الخبران، فوجَب الرُّجومُ إلى الآيةِ المُحكَمةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ،
(١) بعده فى ص١٧، م: ((لقد)).
(٢) بعده فى ص ٢٧: ((الناس)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٦٩).
(٤) تقدم تخريجه ص ١٥٢ .
١٥٤

الموطأ
وذكَر حديثَ مالكِ، عن هاشم بنِ هاشم، وحديثَ مالكٍ (١ ، عن التمهيد
داودَ بنِ الخُصَينِ، أنه سمِع أبا غَطَفانَ بنَ طَرِيفٍ المُرِّيَّ ، قال : اختَصم
زيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ مُطِيعٍ إلى مروانَ بنِ الحكمِ فى دارٍ ، فقضَى باليمينِ على
زيدِ بنِ ثابتٍ على المنبرِ، فقال زيدٌ: أَخْلِفُ له مكانى. فقال (٢) مروانُ: لا
واللهِ إلا عندَ مَقاطع الحقوقِ . فجعَل زيدٌ یحلِفُ إِنَّ حقَّه لَحَقٌّ ، ویأتی
أن يحلِفَ على المنبرِ، فجعَل مروانُ يعجَبُ مِن ذلك. قال مالكٌ: كرِه
زيدٌ صَبْرَ اليمينِ(4) .
وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨، ١١٦]. فهى أَمُ الوعِد القبس
والوعيدِ، ووجَب النظرُ إلى الشفاعةِ، وإلى هذا المعنى أشار بعضُ الناسٍ فى
قولِه فى هذا الحديثِ ونَظائِرِهِ ، مَعْناه: حَرَّم اللهُ عليه النارَ فى وقتٍ دونَ وقتٍ .
وفَوَ بعضُ علمائِنا إلى أن قال: مَعنى ذلك: إذا كان مُسْتَحِلًا. فَردَّه إلى الكفرِ،
وهذا رجوعٌ منهم إلى قولِ المُبْتَدِعَةِ مِن حيثُ لم يشعرُوا، على ما بيَّاه فى
موضعِه، وإسقاطٌ لأحكامِ المُذْنِين، وإخراجٌ لهم عن القرآنِ والسُّنَّةِ ، وذلك
باطلٌ قطعًا .
(١) سيأتى فى الموطأ (١٤٧٠).
(٢) بعده فى الأصل، ص١٧، م: (له)).
(٣) بعده فى الأصل، م: ((لا والله)).
(٤) صبر اليمين: أى التى تلزم صاحبها ويحبس عليها. ينظر النهاية ٨/٣.
(٥) فى د: ((فى أمران )).
(٦) فى ج، م: ((لا)).
١٥٥

الموطأ
التمهيد
قال الشافعىُّ (١) : وبلَغنى أن عمرَ بنَ الخطابِ حلَف على المنبرِ فى
خصومةٍ كانت بينَه وبينَ رجلٍ ، وأن عثمانَ رضِى اللهُ عنه رُدَّتْ عليه
اليمينُ على المنبرِ، فافتَدَى منها، وقال: أخافُ أن تُوافِقَ قَدَرَ بلاءٍ،
فيقالَ: بيمينه. قال الشافعىُّ: واليمينُ على المنبرِ ما لا اختلافَ فيه
عندَنا بالمدينةِ ومكةَ فى قديم ولا حديثٍ . قال الشافعىُّ: فعابَ قولَنا
هذا عائبٌ، ترَك فيه موضعَ حُجَّتِنا بسُنَّةِ رسولِ اللهِ بِه والآثارِ بعدَه عن
أصحابِهِ، وزعم أن زيدَ بنَ ثابتٍ كان لا يَرى اليمينَ على المنبرِ، وأنَّا
روَينا ذلك عنه، وخالَفْناه إلى قولٍ مروانَ بغيرِ حُجَّةٍ. قال الشافعىُّ : هذا
فقةٌ : اخْتَلَف العلماءُ فى كيفيَّةِ اليمينِ وفى موضعِها؛ فقال الشافعىُ: تُغَلَّظُ
القبس
اليمينُ بالألفاظِ العَشْرِ. وقال بعضُ أصحابِنا: تُغلَّظُ باللهِ الذى لا إلهَ إلا هو.
فأمّا قولُ أصحابِ الشافعىِّ فى الألفاظِ العَشْرِ، فدَغْوَى عريضةٌ؛ لأن منها ما
ليس مِن أسمائِه الحُسنَى، وهو قولُه: الطالبُ. ونحوُه، وإن كان التَّحْلِيفُ(٢)
بأسمائِه الحُسنَى، فما معنى عَشَرةٍ دونَ تسعٍ وتسعين؟! هذا تَحَكِّمٌ. وأمَّا مَن
زاد من أصحابنا: الذى لا إله إلا هو. فله وجة؛ لقول النبيِّ وَلّفى الحديثِ
الصحيح: (( يا معشرَ اليهودِ، واللهِ الذى" لا إله إلا هو، لَتَعْلَمون أنى
رسولُ اللهِ))(٤).
(١) الشافعى ٣٦/٧.
(٢) فى د: ((الحلف)).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((والذى)).
(٤) البخارى (٣٩١١) من حديث أنس .
١٥٦

الموطأ
مروانُ يقولُ لزيدٍ - وهو عندَهُ(١) أحظَى أهلِ زمانِه وأرفعُهم منزلةً - لا التمهيد
واللهِ إلا عندَ مقاطع الحقوقِ. قال: فما منَع زيدَ بنَ ثابتٍ، لو لم ١ يعلَمْ
أن اليمينَ على المنبرِ حقٌّ، أن يقولَ: مقاطع الحقوقِ مجلسُ الحكم؟
كما قال أبو حنيفةً وأصحابُه: ما كان زيدٌ لِيمْتَنِعَ مِن أن يقولَ لمروانَ
ما هو أعظمُ مِن هذا، وقد قال له : أَتُحِلَّ الرِّبا يا مروانُ؟ فقال مروانُ:
أعوذُ باللهِ، وما هذا؟ قال: فالناسُ يَتَبايَعون الصُّكُوكَ قبلَ أن
يَقْبِضُوها. فبعَث مروانُ الحَرَسَ يَنْتزِعونها مِن أيدِى الناس (١) . فإذا كان
القبس
وأمَّا الصحيحُ مِن المذهبِ فقولُه: باللهِ. خاصَّةٌ ؛ لقولِ اللهِ تعالى : ﴿فَيُقْسِمَانِ
بِلَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٧]. ولقوله: ﴿ِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الضََّدِقِينَ﴾ [النور: ٦]. ولقولٍ
النبيِّ وَلَ:(( مَن كان حالِفًا فَلْيَخْلِفْ باللهِ أو ليَصمُتْ))(٤). ولقوله: (°وإنىْ
واللهِ، إن شاء اللهُ))(١). وأمَّا تأكيدُ النبيِّ وَلَّ بيمينه فى موضعٍ، وقولُه فى
آخَرَ: ((والذي نفسي بيده)» ١٢. ونحو ذلك، فإنما هو لتعليم الخَلْقِ النَّصُّفَ فى
ذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ بجميع صفاتِه العُلَى وأسمائِه الحُسنَى .
وأمَّا موضعُها، فقال الشافعىُّ: موضعُها حيثُ تَجِبُ . وقال علماؤنا :
(١) بعده فى ص ١٧، م: ((من).
(٢) سقط من: ص ١٧.
(٣) تقدم فى الموطأ (١٣٦٩).
(٤) تقدم فى الموطأ (١٠٤٧).
(٥ - ٥) سقط من : م .
(٦) تقدم تخريجه فى ٦٢٨/١٢ .
(٧) تقدم فى الموطأ (٢٩٠، ٤٨٧، ٦٩٧، ١٠٠١، ١٠٠٤، ١٠٠٦، ١٠٠٨)، وسيأتى فى الموطأ
( ١٥٩٤، ١٩٥٢).
١٥٧

الموطأ
التمهيد مروانُ لا يُتْكِرُ على زيدٍ هذا (١) ، فكيف يُنْكِرُ عليه فى نفسِه أن يقولَ : لا
تلزَمُنى اليمينُ على المنبرِ؟ لقد كان زيدٌ مِن أعظم أهلِ المدينةِ فى عينٍ
مروانَ وآثرِهم عندَه، ولكن زيدًا علِم أن ما قضَى به مروانُ هو الحقُّ،
وكرِه أن يصيِرَ يمينَه على المنبرٍ. قال الشافعىُّ: وهذا الأمرُ الذى لا
اختلافَ فيه عندَنا، والذى نقَل الحديثَ فيه كأنه تَكلَّف، لاجتماعِنا
على اليمينِ عندَ المنبرِ. قال: وقد روى الذين خالَفونا فى هذا حديثًا
يُثْبِتونَه عندَهم عن منصورٍ، عن الشعبىِّ، وعن عاصم الأحولِ، عن
الشعبىِّ، أن عمرَ جَلَب قومًا مِن اليمنِ، فأدخَلهم الحِجْرَ فأحلَفهم(١).
القبس موضعُها فى اليَسيرِ حيثُ وَجَبَت ، وموضعُها فى الكثيرِ موضعُ التَّعْظيم، وهو
المَسجِدُ. قالوا: وهذا مُتَزَعُ مِن قولِ النبيِّ وَّهِ: ((مَن حَلَف على مِنْبرى)).
فمعناه: فى الحقوقِ التى يُلْجأ إليها، إذ ليس بموضع خَلِفِ الناسِ ابتداءً على
الإطلاق، فمِن هلهنا أُخِذَتِ المسألةُ، وبَوَّب مالكٌ بعدَ هذا عليها، وأُدْخَلَ
حديثَ قضاءٍ مَؤوانَ على زيدٍ (١) ، واسْتِسْلامُ زيدٍ لذلك؛ لكونِه أمرًا مشهورًا
عندَهم، ولو كان الحُكمُّ كما قال الشافعىُّ مِن اقتضاءِ اليمينِ حيثُ وَجَبَت ،
لَمَا اسْتَسْلَم إلى ذلك زيدٌ، ولأُنْكِر عليه ائتِدائعُ(٤) مَرْوانَ له، وقد قال علماؤنا :
(١) فى الأصل، م: ((بهذا).
(٢) الشافعى ١٣/٧.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٧٠).
(٤) فى م: ((أبتداء)).
١٥٨

الموطأ
فإن كان هذا ثابتًا عن عمرَ، فكيف أنكروا علينا أن يحلِفَ مَن بمكةً بينَ التمهيد
الركنِ والمَقامِ، ومَن بالمدينةِ على المنبرِ، ونحن لا نَجْلِبُ أحدًا مِن
بلدِه ؟! ولو لم يُخْتَجَّ علیھم بأکثر مِن روایتھم، أو بما اختُوا به علينا
عن زيدٍ ، لكانت الحُجَّةُ بذلك لازمةً، فكيف والحُجَّةُ فيها ثابتةٌ عن
رسولِ اللهِ وَله، وعن أصحابِهِ بعدَه، وهو الأمر الذى لا اختلافَ فيه
- عندَنا .
وذكَر(١) حديث أبى بكر الصدِّيقِ فى قصةٍ قيسٍ بنٍ مَكشوح، فقال :
أخبرنى مَن أَثِقُ به، عن الضحاكِ بنِ عثمانَ، عن المقْبُرِىِّ، عن نوفلِ بنِ
مُساحِقٍ العامرىِّ، عن المُهاجرِ بنِ أبي أميةً قال: كتَب إلىَّ أبو بكرٍ أن
ابعثَ إلیه بقیسٍ بنِ مکشوح فی وثاقٍ ، فبعثْتُ به إليه ، فجعَل قیس یحلِفُ
تُغَلَّظُ بالزمانِ فى غليظِ الأحكام كاللِّعانِ، فَيُقْصَدُ به بعدَ الصلاةِ، وأشهرُها(١) القبس
العصرُ، وقد اخْتُلِف فى صحيحِ الحديثِ فى الصلاةِ التى قضَى النبيُّ وَّل على
المُتلاعِنَيْن باليمينِ بعدَها؛ هل هى الظهر أو العصرُ؟ وأصَحُّ الروايتين سندًا أنها
العصرُ)، وهى أقْواها نظرًا؛ لأن الوقتَ بعدَ العصرِ أعظمُ منه مِن الوقتِ بعدَ
الظهرِ، لأنه وقتٌ تَجْتَمِعُ فيه الملائكةُ المُتَعاقِبَةُ بالليل والنهارِ ، والذين يكتُبون
(١) الشافعى ٣٦/٧ بدون ذكر المقبرى.
(٢) فى د: ((أشرها)).
(٣) تقدم تخريجه فى ١٣١/١٥.
١٥٩

الموطأ
التمهيد ما قتَل ذادَوَيهُ(١) ، فأحلَفه أبو بكرٍ خمسينَ يمينًا مُرَدَّدَةٌ عندَ منبرِ رسولِ اللهِ
وَُّ باللهِ ما قتله، ولا علم له قاتلًا، ثم عَفا عنه .
وذگر حدیث مالك، عن هاشم بن هاشم، المذ کور فی هذا الباب
بِمِثْلِ لفظِ ابنِ بُكَيرٍ ، وابنِ القاسمِ، والقَعْنَبِىِّ، سواءً.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُّ قاسم، قالا : حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُّ سعدٍ ،
قال: حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، قال: حدَّثنى هاشمُ بنُّ هاشم بنِ عتبةَ الزهرىُّ،
عن عبدِ اللهِ بنِ نِسْطاسٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: قال
رسولُ اللهِ وَ﴾: ((لا يَخْلِفُ رجلٌ على يمين آئِمَةٍ عندَ هذا المنبرِ إِلا تَبَوَّا(١)
مَْعَدَه مِن النارِ، ولو على سِواكٍ أخضرَ))(٢)
القبس أعمالَ العبادِ؛ فإن كَتَّبها ملائكةُ أهلِ النهارِ كانت خاتمةُ صحيفتِّه (٤) كبيرةً،
وإِن كَتَبها ملائكةُ الليلِ كان افْتِتاح صحيفتِّه(٢) كبيرةً، وإن كتباها معًا كان
اخْتِتَامُ الأولى وافْتِتاحُ الثانيةِ شيئًا عظيمًا، وما بعدَه أعْظَمَ منه، إلا إن عفا اللهُ
عنه .
(١) فى الأصل: ((داذويه))، وفى م: ((دادويه))، وفى مصدر التخريج: ((ذا دوى)). وهو يقال.
ذادويه وداذويه. ينظر الإصابة ٣٩٧/٢، ٤٢٥.
(٢) فى الأصل، م: ((يتبوأ)).
(٣) ابن سعد ٢٥٣/١، ٢٥٤. وأخرجه البيهقى ٣٩٨/٧ من طريق أبى ضمرة به .
(٤) فى ج، م: ((صحيفة)).
١٦٠