Indexed OCR Text

Pages 61-80

الموطأ
وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنى القاسمُ، قال: حدَّثنى الخُشَنِىُ، الاستذكار
قال: حدّثنی ابنُ أبی عمرَ العَدَنُ ، قال: حدّثنی سفيان ، عن إدریسَ بنِ
يزيدَ الأُؤْدِىِّ، عن سعيدِ بنِ أبى بُؤْدةَ بنِ أبى موسى الأشعرىِّ، عن أبيه
قال: كتَب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبى موسى الأشعرىِّ: أما بعدُ، فإن
القضاءَ فريضةٌ محكمةٌ وسنّةٌ متَّبعَةٌ ، فافهمْ إذا أُدلِى (١) إليك، فإنه لا ينفعُ
تكلُّم بحقِّ لا نفاذً له، وآسٍ بینَ الناسِ فى مجلسِك ووجهك وعدلِك ؛
حتى لا يطمَعَ شريفٌ فى حَيْفِك، ولا يبأسَ ضعيفٌ مِن عدلِك، الفهم
الفهمَ فيما(٢) يَتلجْلَجُ فى نفسِك(٣) مما ليس فى الكتابِ ولا فى السُّنَّةِ، ثم
قِسِ الأُمورَ بعضَها ببعضٍ، ثم انظُرْ أشبهَها بالحقِّ وأحَبَّها إلى اللهِ تعالى
فاعمَلْ به، ولا يمنَعُكَ قضاءٌ قضيتَه(٤) بالأمسِ(*) راجعتَ فيه نفسَك،
وهُديتَ فيه لرُشدِكَ أن تُراجعَ الحقَّ ؛ فإن الحقَّ قدیمٌ لا يُبطلُه شىءٌ ، وإن
مراجعةَ الحقِّ خيرٌ مِن التمادى فى الباطلِ ، اجعَلْ لمَن ادَّعى حقًّا غائبًا أو
بَيِّنةً - أمَدًا ينتهى إليه، فإن أحضَر بيّنتَه إلى ذلك أخَذتَ له حقَّه، وإلا
أوجَبتَ عليه القضاءَ، فإِنه أبلغُ للعُذْرِ، وأجلَى للعَمَى . الصُّلحُ جائزٌ بينَ
القبس
(١) فى م: ((أولى)).
(٢) فى الأصل: ((عندما)).
(٣) فى م، وعند الدارقطنى: ((صدرك)).
(٤) فى الأصل، م: ((قضيت به) .
(٥) فى ح، هـ، م: ((اليوم).
٦١

الموطأ
الاستذكار المسلمين، إلا صلحًا حرَّم حلالاً أو أحلَّ حرامًا ، الناسُ عدولٌ بعضُهم
على بعضٍ ، إلا مجلودًا فى حدٍّ، أو مجَرَّبًا عليه شهادةُ زورٍ ، أو ظَنينًا فى
وَلاءٍ أَو قَرَابةٍ(١)؛ فإن اللهَ قد تولَّى منكم السرائرَ ودفَع عنكم بالبيناتِ ، ثم
إِيَّاكِ والغَلَقَ(٢) والضَّجرَ والتأَذِّىَ بالناسِ، والتنكَّ للخصومِ (٣ فى
المجالس٣ِ) التى يُنزِلُ(٤) اللهُ فيها الأجرَ وَيَحسُنُ فيها الذِّكْرُ، فمن
خَلَصت نيَتُه كفاه اللهُ ما بينَه وبينَ الناسِ ، ومَن تَزِيَّن للناسِ بما يعلمُ اللهُ منه
غيرَه شانَه اللهُ، فما ظنُّك بثوابٍ غيرِ (٥) اللهِ فى عاجلٍ رزقِه وخزائنٍ
رحمتِه ، والسلامُ عليك ورحمةُ اللهِ() .
وهذا الخبر ژوی عن عمر بن الخطاب رضى اللهُ عنه من وجوهِ کثیرة ؛
مِن روايةِ أهلِ الحجازِ، وأهلِ العراقِ ، وأهلِ الشامِ ومصرَ، والحمدُ للهِ.
القبس
. (١) فى ح، هـ: ((نسب)). والظنين فى الولاء: هو الذى ينتمى إلى غير مواليه، لا تقبل شهادته
للتهمة . النهاية ١٦٣/٣.
(٢) فى هـ، م، والدارقطنى: ((القلق)). والغلق: الضجر وضيق الصدر، ورجل غلق الخلق:
ضيق عسر. القاموس المحيط (غ ل ق).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فى ح، هـ، م: ((يرى))، وعند البيهقى: ((يوجب)).
(٥) ليس فى: الأصل، م.
(٦) أخرجه الدارقطنى ٢٠٧/٤، والبيهقى ١٠٦/١٠، ١٣٥، والخطيب ٤٤٩/١٠، وابن
عساكر ٧٢/٣٢ من طريق سفيان به .
٦٢
٣٠

الموطأ.
قال أبو عمرَ : قد كان الليثُ بنُ سعدٍ يذهبُ تحوَ مذهبٍ الحسن. الاستذكار
قال الليثُ: أدركتُ الناسَ ولا يُلتمسُ مِن الشاهدَينُ) تزكيةٌ، إنما كان
الوالى يقولُ للخَصْم: إن كان عندَك (٢مَن يجرَعُ) شهادتهم فأتِ بهم،
وإلا أجزنا شهادتهم عليك .
قال أبو عمرَ: فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ
مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾.
[البقرة: ٢٨٢].
دليلٌ على أنه لا يجوزُ أن يُقبلَ إلا العدلُ الرَّضِىُّ، وأن مَن ◌ُجُهِلت عدالتُه لم
تجُزْ شهادتُه حتى تُعلمَ الصفةُ المشترَطَةُ (١) . وقد اتفَقوا فى الحدودِ
والقصاصٍ، وكذلك كلَّ شهادةٍ . وبالله التوفيقُ .
واختلف الفقهاءُ فى المسألةِ عن الشهودِ الذين لا يعرفُهم
القاضى ؛ فقال مالكٌ: لا يقضِى القاضى بشهادتهم حتى يَسألَ عنهم
فى السرّ. وقال الشافعىُّ: يَسألُ عنهم فى السّرِّ، فإذا حُدِّلوا سأل عن
تعديلهم علانيةً؛ ليعلمَ المُعدَّلَ سرًّا أهو ذاك أم لا؛ لأنه ربما وافَق
اسمُ اسمًا ونَسَبْ نَسَبًا. وقال أبو حنيفةً: لا يَسألُ عن الشهودِ(٤)،
القبس
(١) فى ح، هـ، م: ((الشاهد)).
(٢ - ٢) فى الأصل، ح، هـ: ((بمن تجرح))، وفى م: ((من تجرح))، والمثبت من أحكام القرآن
للجصاص ٢٣٨/٣، ومختصر اختلاف العلماء ٣/ ٣٣١.
(٣) سقط من: ح، هـ،.م.
(٤) بعده فى الأصل، م: ((فى السر).
٦٣

الموطأ
الاستذكار إلا أن يَطْعَنَ فيهم الخصمُ، إلّا فى الحدودِ والقصاصِ. وقال أبو
يوسفَ : يَسألُ عنهم فى السرِّ والعلانيةِ، ويُزكيهم فى العلانية، وإن
لم يطعَنْ عليهم الخصمُ .
ورُوِى عن علىٌّ بنِ عاصم، عن ابنِ شُبْرُمَةَ قال: أولُ مَن سأل فى السرّ
أنا (١)؛ كان الرجلُ يأتى القومَ(٢) إذا قيل له : هاتٍ مَن يُرْكِّيك. فيشتَحى
القومُ منه فيُزَكُّونه، فلما رأيتُ ذلك سألتُ(٢) فى السرّ، فإذا صَحَّت
شهادتُه، قلتُ : هاتِ مَن يُكِّيك فى العلانيةِ .
() وأجمعَ العلماءُ على أن شاهدَ الزورِ إذا لم يكنْ له مخرجٌ مِن
شهادتِه ؛ لغفلةٍ أو خطأ أو نسيانٍ ، أنه يجبُ أدبُه؛ فمنهم من قال : يُعَزَّرُ
بأسواط ویطاف به، ويُشھَّر أمره فی مسجده أو فى سوقِه أو فى جماعته ؛
فأما مالكٌ رحِمه اللهُ ، فقال فى شاهدِ الزورِ : أَرَى أن يُفضحَ ويُشھَّرَ
ويُحلَقَ(٥) ويوقفَ، وأرى أن يُضرّبَ ويُساءَ به. وقال الشافعىُّ: إذا علِم
القاضى يقينًا أنه قد شهِد بزورٍ عزَّره، ولا يَبلُغُ بالتعزيرِ أربعين سوطًا،»
القبس
(١) فى الأصل، م: (إذا)، وفى ح، هـ: ((أن)).
(٢) فى ح، هـ، م: ((بالقوم)).
(٣) سقط من: م.
(٤ - ٤) سقط من: ح، هـ، م.
(٥) فى الأصل: ((يغلب به))، وفى ب: ((يعلق)). والمثبت يقتضيه السياق.
٦٤

الموطأ
القضاءُ فى شهادةِ المحدودِ
١٤٦٠ - مالكٌ، أنه بلَغه عن سُليمانَ بن يسارٍ وغيرِهِ ، أَنَّهمِ سُئِلوا
عن رجلٍ جديدٍ الحدَّ، أتجوزُ شهادتُه؟ فقالوا: نعم، إذا ظهَرتْ منه
لتَّوْبَةُ .
" ويُشهِّرُ به فى سوقِه أو فى مسجدِه أو فى قبيلتِه، ويقالُ: إنا وجدنا هذا الاستذكار
شاهدَ زورٍ فاعرِفوه واحذَروه. وقولُ أبى حنيفةً فى ذلك نحوُ قولٍ
الشافعىِّ. ورُوِى عن عمرَ وشريحٍ وسؤَّارٍ نحوُ ما تقدَّمَ للفقهاءِ. وكان
أحمدُ بنُ حنبلٍ يقولُ: يقام للناسِ ويُضربُ ويؤذَّبُ . وبه قال إسحاقُ .
وقال أبو ثورٍ: يُعاقبُ . ولم يَجعلْ للعقوبةِ حدًّا ).
بابُ القضاء فى شهادة المحدودِ
مالكٌ، أنه بلّغه عن سليمانَ بنِ يسارٍ وغيرِه ، أنهم سُئِلوا عن رجلٍ مجلد
الحدَّ، هل تجوزُ شهادتُه؟ فقالوا: نعم، إذا ظهرت منه التوبةُ(١).
4*
ترجمةٌ: قد قال مالك: القضاءُ فى شهادةِ المحدودِ . وإنما خصَّ هذه القبس
الترجمةَ والتى بعدّها - وهى القضاءُ باليمينِ مع الشاهدِ - دونَ سائرٍ مسائلٍ
(١ - ١) سقط من: ح، هـ، م.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٩٣٤). وأخرجه البيهقى ١٥٣/١٠ من طريق مالك به.
٦٥
(موسوعة شروح الموطأ ٥/١٨)

١٤٦١ - مالكٌ، أنه سمِع ابنَ شهابٍ يُسألُ عن ذلك، فقال مثلَ
الموطأ
ما قال سلیمانُ بنُ یسارٍ .
قال مالكٌ: وذلك الأمرُ عندَنا؛ وذلك لقول الله تبارك وتعالى:
مالكٌ ، أنه سمِع ابنَ شهابٍ يُسألُ عن ذلك ، فقال مثلَ ما قال سليمانُ
الاستذكار
ابنُ يسارٍ(١) .
قال مالكٌ: وذلك الأمرُ عندَنا؛ وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يَرَّمُونَ
القبس الشهادةِ ؛ لمكابرةٍ أهل العراقِ فيهما القرآن والسنةَ، وتعلَّق أهلُ العراقِ فى ذلك
بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]. واعتمد مالكٌ رَحِمه اللهُ
فى ((الموطأُ)) وغيرِه على قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ
وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥]. قال أبو حنيفةَ: إنما تُفيدُ التوبةُ(٢)
المغفرة والرحمةَ التى وعَد اللهُ عزَّ وجلَّ بها، فأما ردُّ الشهادةِ فلا تُسقِطُه التوبةُ
كما لم تُسقِطِ الجَلدَ، ولو رجَع قولُه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. إلى ما تقدَّم
لأسقطتِ التوبةُ الحدّ والردَّ معًا ، والبارئُّ تعالی قد جعَل الردّ مؤَّدًا . قلنا له : يا أبا
حنيفةً، أنت أوَّلُ مَن نقَض هذا، فلا يمكِّئُك أن تتفؤَّهَ به؛ قال النبيُّ وَّهِ:
((المتلاعِنان لا يجتمعان أبدًا))(٢). وقلتَ أنت: إذا أُكْذَب نفسَه ردَّها . فكيف
راعَيْتَ الأبديةَ فى القذفِ وردَدْتَها فى اللِّعانِ، واللفظُ واحدٌ؟! وهذا ما لاجوابَ
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٩٣٥). وأخرجه البيهقى ١٥٣/١٠ من طريق مالك به.
(٢) بعده فى د ، م : (( و)).
(٣) أخرجه الدارقطنى ٢٧٦/٣، والبيهقى ٤٠٩/٧.
٦٦

﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا الموطأ
نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ
[النور: ٤، ٥].
ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
قال مالكٌ: والأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا، أن الذى يُجلَدُ
الحدَّ ثُمَّ تاب وأصلَحَ، تجوزُ شهادتُه، وهو أحبُّ ما سَمِعتُ إلىّ فى
ذلك .
اٌلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً الاستذكار
أَبَدَّا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قال مالكٌ: والأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا ، أن الذى يُجلدُ الحدَّ
ثم تاب وأصلَح ، تجوزُ شهادتُه، وهو أحبُّ ما سمِعتُ إلىَّ.
قال أبو عمرَ : هذا يَدُلَّ على أنه قد سمِع الاختلافَ فى هذه المسألةِ .
ذكَر ابنُ وهبٍ فى ((موطئِه)) عن مالكٍ ما ذكّره مالكٌ فى ((موطئِهِ))
على حَسَبٍ ما ذكرتُه هنا ، ثم قال: أخبرنى مَخْرمةُ بنُ بُكيرِ بنِ الأَشَجِّ،
عن أبيه، عن سليمانَ بنِ يسارٍ وابنٍ قُسَيطِ مثلَه فى شهادةِ المُفتِى ، فدَلَّ
ما ذكره ابنُ وهب على أن مالكًا أخَذ ذلك، واللهُ أعلمُ، عن مَخْرمةً بنِ
القبس
له عنه، وقد مهَّدْنا ذلك فى «مسائل الخلافٍ)).
٦٧

الموطأ
الاستذکار بُکیر ، أو ) من گُتُب أبیہ بُکیرٍ، وقد كان مالكٌ يستعيرُها منه کثیرًا،
ويقولُ: كان بُكيرٌ من علماءِ الناسِ.
قال ابنُ وهب : وأخبرنى مالكٌ ، واللیثُ ، ویونش، عن ابن شهاب
بمثلِه . يعنى ما ذكره مالكٌ عنه . قال : وأخبرنى الليثُ أنه سأل يحيى بنَ
سعيدٍ وربيعةً عن المحدودِ إذا تاب ، أتجوزُ شهادتُه؟ فقالا : إذا تاب
جازت شهادتُه .
قال: وأخبرنى الليثُ أن توبةً بنَ نَمِرٍ الحضرمىَّ القاضىَ بمصرَ كان
يَرُدُّ شهادةَ القاذفِ وإن تاب . قال الليثُ : فذكرتُ ذلك ليحيى بنِ سعيد
وابنٍ شهابٍ وربيعةً ، فكلُّهم رأى أن مَن تاب من الحدودِ كلِّها جازَتْ
شهادتُه . قال الليثُ : وهو أحبُّ إلىّ.
قال ابنُ وهبٍ: وحدَّثنى خالدُ بنُ يزيدَ، عن ابنٍ قُسَيطِ ، أنه قال :
شهادةُ الزانى والسارقِ جائزةٌ وإن أُقيم عليهما الحدُّ ، إذا رُئِىَ منهما إقبالٌ
على الخيرِ وتوبةٌ حسنةٌ .
قال أبو عمرَ: قد قال مالكٌ، أن ذلك(٢) أحسنُ ما سَمِع فى شهادةٍ
المحدودِ . والمحدودُ فى القذفِ وسائرِ الحدودِ عندَه سواءٌ؛ تُقبَلُ شهادتُه
القبس
(١) فى ح، هـ: ((أن))، وفى م: ((أنه)).
(٢) سقط من: ح، هـ، م.
٦٨

الموطأ
إذا تاب وحَسُنت توبتُه. وقد تقدَّم من قولِه أنه لا اختلافَ فيه عندَهم. الاستذكار
وقال الشافعىُّ: لا أعلَمُ خلافًا بينَ أهلِ الحرمين فى أن القاذفَ إِذا تاب
قُبلت شهادتُه .
قال أبو عمرَ : قولُ مالكِ هلهنا فى شهادة المحدودِ أنها تقبلُ إذا تاب
معناه عندَه فى المشهورِ مِن مذهبِه أنها لا تُقبلُ فيما حُدَّ فيه؛ قَذْفًا كان أو
غيرَه، وتُقَبلُ فيما سوى ذلك إذا كان عدلًا قد حَسُنت توبتُه . هذه روايةٌ
ابنِ القاسمِ وغيرِه عنه . وهو قولُ ابنِ الماجشونِ ، ومُطَّف ، وسُحنونٍ ؛
لأنه ینَّهمُ فى ذلك .
وروَى عنه عبدُ اللهِ بنُ نافع، أنه إذا حَسُنت حالُه، قُبِلتْ شهادتُه
فی کل شیءٍ. وبه قال ابنُ نافع وابنُ کِنانةً. وذكره ابنُ عبدِ الحكم عن
مالك. وبه يقولُ سائر أئمة الفُتْیًا ، أن المحدود إذا تاب قُبِلت شهادتُه فى
کلِّ ما شَهِد به .
وممن قال: إن القاذفَ إذا تاب وأصلَح قُبِلت شهادتُه . عبدُ اللهِ
ابنُ عباسٍ، وطاوس١ٌ)، وعطاءٌ(٢). وروايةٌ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ،
ذكّرها ابنُ المباركِ، عن يعقوبَ، عن محمدِ بنِ زيدٍ، عنه قال :
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ، م.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣٥٦١، ١٣٥٦٢)، وتفسير ابن جرير ١٧/ ١٧٢، وسنن
البيهقى ١٥٣/١٠.
٦٩

الموطأ
الاستذكار تجوزُ شهادةُ القاذفِ إذا تاب(١) . وروايةٌ عن مجاهدٍ، ذكر الشافعىُّ،
قال: أخبرنا إسماعيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عن ابن أبى نَجِيح، فى القاذفِ : إذا
تاب قُبِلت(٢) شهادتُه. وقال: كلُّنا نقولُه. قلتُ: مَن؟ قال: عطاءٌ،
وطاوسٌ، ومجاهدٌ(٢) .
وروايةٌ عن عكرمةَ () رواها يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن يونسَ بنِ عییدٍ ، عن
عكرمة٤ً) ، أنه كان يقولُ فى القاذفِ: إذا تاب قُبِلت شهادتُه(٥) . وهو قولُ
عمر بن عبد العزیز ، وبه کان یقضِی ویکتبُ إلی البلدان (١) . وقال به من
أهلِ العراقِ مسروقٌ ، وعبدُ اللهِ بنُ عتبةَ، والشعبىُّ، ومُحاربُ بنُ دِثارٍ (١) .
وإليه ذهب مالكٌ، والشافعىُ، وأصحابُهما، وأحمدُ، وإسحاقُ،
وأبو عبيد ، وأبو ثورٍ .
القبس
(١) أخرجه ابن جرير ١٦٦/١٧ من طريق ابن المبارك به .
(٢) بعده فى الأصل: ((توبته و)).
(٣) الشافعى ٢٦/٧، ٤٦ - ومن طريقه البيهقى ١٥٣/١٠.
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل .
(٥) أخرجه البغوى فى الجعديات (١٣٢٩)، وابن حجر فى تغليق التعليق ٣٨٠/٣ من طريق يونس
به .
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٣٥٦٠، ١٣٥٦٩)، وابن جرير ١٦٧/١٧.
(٧) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٦٩/٦، وتفسير ابن جرير ١٦٣/١٧ - ١٦٧، وتغليق التعليق
٣/ ٣٨٠.
٧٠
١٠٠

الموطأ
واختلف القائلون بهذه المقالةِ فى توبةِ القاذفِ إذا حُدَّ ، ما هى؟ فقال الاستذكار
مالكٌ: إذا تاب وأصلَح وحَشنت حالُه قُبِلت شهادتُه ، أُكذَب نفسه أو لم
يُگذِب.
( وقال الشافعى : توبتُه أن يُگذِبَ نفسَه . وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ،
وإسحاقُ، وأهلُ الحديثِ ؛ قالوا : إن لم يُكْذِبْ نفسَه لم تُقبلْ شهادتُه .
وإلى هذا ذهَب إسماعيلُ بنُ إسحاقَ واختاره) .
وقال الشافعىُ : توبته إ کذابه نفسه بلسانه ، کما کان القذفُ بلسانِه ،
وكذلك المُرتدُّ كان كفرُه بلسانِهِ، فلا تُقبلُ توبتُه(٢) بالإِيمانِ حتى يَنطِقَ
بها لسانُه .
وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ : إِنما تفترقُ توبةُ المحدودِ فى القَذْفِ وتوبةٌ
غيرِهِ مِن المَحْدُودِين؛ لأن توبةَ القاذفِ لا تكونُ حتی یُكْذِبَ نفسَه،
وإكذابُه كلامٌ يتكلَّمُ به ، فإذا تكلَّم به وأصلَح فى حالِهِ قُبِلت شهادتُه ،
ولیس سائر المحدودِین كذلك.
قال أبو عمرَ : قولُ إسماعيلَ هذا كقولِ الشافعىِّ سواءً، وهو قولُ عمرَ
ابنِ الخطابٍ فى جماعةِ الصحابةِ من غيرِ نكيرٍ .
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ، م.
(٢) بعده فى ح، هـ، م: ((إلا)).
٧١

الموطأ
روَى سفيانُ بنُ عُيينةً، عن الزهرىِّ، عن (١سعيدٍ - ومرّةً شكَّ فى
الاستذكار
سعيدٍ ، فَثَبَّته غيرُه أن الحديثَ للزهرىِّ عن سعيد بن المسيَّبِ - عن عمر
ابنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه أنه قال لأبى بكرةَ : إِن تُبْتَّ قبِلتُ شهادتَك .
فأتی أبو بكرة أن يُكذِبَ نفسه(٢) .
وروَى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أن
عمرَ بنَ الخطابِ جلّد أبا بكرةً، ونافعَ بنَ الحارثِ، وشِئْلَ بنَ مَعْبَدٍ ، فأما
هذان فتابا وقَبِل عمرُ شهادتهما ، واستتاب أبا بكرةَ فأتى، وأقام على قولِه ،
فلم يَقبَلْ شهادتَه ، وكان أفضلَ القومِ(٣) .
وروَى الزهرىُّ وإبراهيمُ بنُ ميسرةً ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ قال : شهِد
على المغيرةِ ثلاثةُ رجالٍ ونكّل زيادٌ ، فجلَد عمرُ الثلاثةَ وقال لهم: تُوبوا
تُقبَلْ شهادتُكم. فتاب رجلان وأتى أبو بكرةً، فلم تُقبَلْ شهادتُه حتى
مات. قال إبراهيمُ بنُّ ميسرةَ فى حديثه: وكان قد عاد مثلَ النَّصلِ من
العبادة . وفی حدیث الزهریّ، قال: و کان أبو بكرةً أخا زیادٍ لأمّه ، فلما
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ، م.
(٢) أخرجه الشافعى ٢٦/٧، والبيهقى ١٥٢/١٠ من طريق سفيان بن عيينة به.
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٦٣/١٧، وابن عساكر ٢١٥/٦٢، ٢١٦ من طريق ابن
إسحاق به .

الموطأ
كان من أمرِه ما كان، حلَف أبو بكرةَ ألا يكلِّمَه أبدًا، فلم يكلِّمْه حتى الاستذكار
مات. قال الزهرىُّ : توبتُه أن يُكَذِبَ نفسه .
ذكَّر الخبرين عبدُ الرزاقِ ، عن محمدٍ بن مسلم الطائفى، عن إبراهيم
ابنِ ميسرةَ، عن سعيدٍ بنِ المسيَّبِ ، وعن معمرٍ، عن الزهرىٌّ، عن سعيد
ابنِ المسئَّبِ" .
وروى ابن وهب ، عن يونسَ بنِ یزیدَ ، عن ابن شهابٍ قال : وقد أجاز
عمرُ شهادةَ مَن تاب من الذين شهدوا على المغيرةٍ ، وأبطل شهادةَ مَن لم
(٢)
يُبْ(٢) .
وممن قال : إن توبةَ القاذفٍ إذا مجلد أن يُگذِبَ نفسه. طاوسٌ،
وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ ، والشعبىُّ، وابنُ شهابِ الزهرىُّ(٣).
قال معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ قال : توبتُه أن يُكْذِبَ
(٤)
نفسه
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
والخبران عند عبد الرزاق (١٣٥٦٤، ١٣٥٦٥، ١٥٥٤٩، ١٥٥٥٠).
(٢) أخرجه سحنون فى المدونة ١٥٩/٥ من طريق ابن وهب به.
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٦/ ١٧٢، ١٧٣، وتفسير ابن جرير ١٦٤/١٧.
(٤) عبد الرزاق (١٥٥٤٨).
٧٣
ـو

الموطأ
وقاله الزهرىُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأبو عبيدٍ. وقال
الاستذكار
سفيانُ الثورىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه، وأكثرُ أهلِ العراقِ: لا تُقبَلُ
شهادةُ القاذفِ أبدًا، تاب أو لم يَتُبْ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ
لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. وقالوا : توبتُه فيما بينَه
وبينَ ربِّه. والاستثناءُ عندَهم فى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾. راجعٌ إلى
قولِه: " ﴿وَأُوْلَيْكَ هُمُ اَلْفَاسِقُونَ﴾(١)، لا إِلى قَبولِ الشهادةِ.
وممن قال: لا تُقبَلُ شهادةُ القاذفِ المجلودِ أبدًا . شريخ القاضى ،
رُوِى ذلك عنه مِن وجوهٍ. وبه قال إبراهيمُ النَّخَعیُّ(١)، وحمادُ بنُ أبی
سليمانَ ، والحكمُ بنُ عُتيبةَ، ومعاويةُ بنُ قُرَّةَ، ومكحولٌ .
وروایٌ عن سعیدِ بنِ المسئَّبِ والحسنِ، رواها حمادُ بنُ سلمةً ، عن
قتادةَ، عنهما(١) . وما تقدَّم عن سعيدٍ من روايةِ الزهرىِّ وإبراهيم بنٍ ميسرةَ
أثبتُ . واللهُ أعلمُ .
القبس
(١ - ١) فى النسخ: ((فإن الله غفور رحيم)). والمثبت صواب التلاوة . وينظر تفسير ابن جرير
١٦٨/١٧.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣٥٧٢، ١٣٥٧٣، ١٣٥٧٥، ١٥٥٥١)، ومصنف ابن أبى
شيبة ٦/ ١٧٠، ١٧١، وتفسير ابن جرير ١٦٨/١٧ - ١٧١.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧١/٦ من طريق حماد بن سلمة به .
٧٤

الموطأ
وقد روَى سعيدُ بنُ أبى عروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسن قال: لا تُقبَلُ الاستذكار
شهادةُ القاذفِ أبدًا، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه(٢) .
ورواية(١) عن عكرمةَ خلافُ ما تقدَّم عنه ، رواها يَعْلی بنُ حكيم عنه .
وروايةٌ عن ابنٍ شهاب الزهريِّ، رواها ابنُ وهب، عن يونسَ،
عن ابن شهابٍ قال: إذا جُلِد قاذفُ الحرِّ أو الحرّةِ لم تُقْبَلْ له
شهادةٌ حتى يموتَ .
وقد يَحتمِلُ قولُ ابن شهابٍ أن يكونَ أراد : لم تُقبَلْ أبدًا حتى يُكْذِبَ
نفسَه، لا ينفعُه غيرُ ذلك من حالِه . وبهذا تتفِقُ الرواياتُ عنه؛ لأن الثقاتِ
قد نصُّوا عنه أنه لا تُقبَلُ له شهادةٌ حتى يُكْذِبَ نفسه .
وقد ژُوی من حدیث عمرو بن شعیبٍ ، عن أبيه، عن جدِّه قال: لا
تجوزُ شهادةُ محدودٍ ولا محدودةٍ فى الإسلامِ. وقد رُوِى هذا الحدیثُ
مرفوعًا(١)، لكنه لم يرفعه مَن فى روايته محبّةٌ .
وذكر أبو يحيى الساجىُّ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ المُثنَّى، قال :
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٧١/١٧ من طريق سعيد بن أبى عروبة به .
(٣) أخرجه أحمد ٥٣١/١١ (٦٩٤٠)، وأبو داود (٣٦٠٠، ٣٦٠١)، وابن ماجه
(٢٣٦٦)، والبيهقى ١٥٥/١٠ من طريق عمرو بن شعيب به بنحوه.
٧٥

الموطأ
الاستذكار حدَّثنى الوليدُ، عن الأوزاعىِّ، وابنِ جابرٍ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن
مكحولٍ قال: الحرّ إذا مجلِد الحدَّ فى الفِرْبةِ لم تُقبَلْ له شهادةٌ أبدًا ،
والعبدُ إذا مجلد حدًّا فى فزيةٍ على حرِّ أو حرَّةٍ لم تُقْبَلْ له شهادةٌ
أبدًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا نَقْبَلُوْ لَمْ شَدَةً أَبَدًا﴾. قال): وأما
اليهودىُّ والنصرانىُ إذا جُلِدا حدَّ الفِرْبةِ "على الحرّ المُسلمِ) ثم
أسلَما، قُبِلت شهادتُهما .
واختلفوا فى شهادة القاذف إذا شهد قبلَ أن يُجلدَ ؛ فروَی ابنُ وهپ
وغيرُه، عن مالكِ، أنه تُقبلُ شهادتُه ما لم يُجلَدْ. وبه قال ابنُ القاسم
وأشهبُ ، وهو قولُ أبى حنيفةً وأصحابِهِ .
قال أبو عمرَ: لأنه على أصلٍ عدالته، وربما أقام البينةَ بما قال ، أو
اعترَف له مقذوفُه، وهو حقٌّ لا يجِبُ إلا حينَ يطلُبُه صاحبُه، فلا وجه
لإسقاط شهادته . واللهُ أعلمُ .
وقال الليثُ ، والشافعىُّ وأصحابُه، وهو قولُ عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيزِ
ابنِ الماجشونِ : لا تُقبَلُ شهادةُ القاذفِ قبلَ الجلدِ ولا بعدَه إذا قذَف حرًّا
مُسلِمًا، إلا أن يتوبَ . وقال ابنُّ وهبٍ: سمِعتُ الليثَ بنَ سعدٍ يُسألُ عن
القاذفِ يَشْهَدُ قبلَ أن يُضربَ الحدَّ، هل تجوزُ شهادتُه؟ فقال: إذا قذَف
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
٧٦

الموطأ
لم تُقْبَلْ (١) له شهادةٌ حتى يتوبَ، ضُرِب(٢) الحدَّ أُو عُفِى عنه، ذلك سواءً. الاستذكار
قال ابنُ وهبٍ: وخالَفه مالكٌ فقال: شهادتُه جائزةٌ ما لم
يُضرَبِ الحدَّ، فإن ضُرِب سقطت شهادتُه حتى يتوبَ توبةً ظاهرةٌ .
قال الشافعىُّ: هو قبلَ أن يُحَدَّ شرٌّ منه بعدَ الحدِّ(٢)؛ لأن الحدود
كفاراتٌ، فكيف تُقبَلُ شهادتُه فى شرٌّ حالتَيْه، وتُرَدُّ فى أحسنِ
حالَتْه !
قال أبو عمرَ: إنما جعَل اللهُ الذين يَرِمُون المُحصَناتِ فاسقِين
برَمْيِهم(٤) لهن لا بجَلْدِهم، والمحصَنون فى محكْمِ المُحصَناتِ يإجماعِ،
وكلَّ مؤمنٍ محمولٌ على العفافِ حتى يَصِحَّ غيرُه، وقذفُ المؤمنِ مِن
الكبائرِ، فمَن قذَفه سقطت شهادتُه حتى تَصِحَّ براءتُه . واللهُ أعلمُ، وباللهِ
التوفيقُ .
القبس
(١) فى ح، هـ: ((تجز)).
(٢) فى ح، هـ: ((جلد)).
(٣) ليس فى: الأصل، ب، م.
(٤) فى ح، هـ: ((بقولهم)).
٧٧

الموطأ
القضاءُ باليمين مع الشاهد
١٤٦٢ - مالكٌ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ
وَُِّ قضَى باليمينِ مع الشاهِدِ.
مالكٌ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قضَى
التمهيد .
بالیمِينِ مع الشاهدِ() .
وهذا الحدیثُ فی (( الموطأُ)) عن مالك مرسلٌ عند جماعة رواته، وقد
ژُوی عنه مسندًا .
القبس
وأما القضاءُ باليمينِ مع الشاهدِ، فعوَّل فيها مالكٌ على حديثٍ أبى جعفرٍ
محمدِ بنٍ علىِّ المرسَلِ - وخصَّه لاتفاقٍ أبى حنيفةً معنا على قَبولِ المُؤْسَلِ -
وعلى قضاءِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ (١) الذى عَهِد به وخصوصًا إلى الكوفةِ التى كانت
موضعَ نفيه (١) ، وما أطنَب مالكٌ فى مسألةٍ إطنابَه فى هذه، فلقد سلَك فيها طريقَ
الجدالِ ، وأكثَر مِن الأُسْوِلةِ(٤) والأجوبةِ ، وأفاض فى ضربِ الأمثالِ والتفريقِ بينَ
مثالٍ ومثالٍ ، وتحقيقِ الفرق بينٍ الأصول والتوابع، وظهر له فى ذلك علمٌ عظيمٌ
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٤٦)، وبرواية يحيى بن بكير (٨/١١ و - مخطوط )،
وبرواية أبى مصعب (٢٩١١). وأخرجه الشافعى ٢٥٥/٦، ١٩٦/٧، وأبو عوانة (٦٠٢٣)،
والطحاوى فى شرح المعانى ١٤٥/٤، والبيهقى ١٦٩/١٠ من طريق مالك به.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٤٦٣).
(٣) فى م: (( فقيه)).
(٤) فى م: ((الأسئلة)). والأسولة: جمع سُوّال، وهى الأسئلة، من: سلْت أسالُ سُوالًا،
لغة فى سألت . ينظر اللسان (س و ل) .
٧٨

الموطأ
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ القاضى، التمهيد
حدَّثنا حامدُ بنُ محمدِ بنِ هارونَ الحضرميُّ، حدَّثنا الحسينُ بنُ منصورٍ
الدََّّاغُ، حدَّثنا عثمانُ بنُّ خالدِ المدنىُ(١) العثمانىُّ، حدَّثنا مالكُ بنُ أنسِ،
عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلـ
قضی بشاهدٍ ویمینٍ)) .
هكذا حدَّث به عثمانُ بنُ خالدِ المدَنىُ، عن مالكِ بإسنادِهِ هذا
مِن الأصولِ والأحكامِ ، به تفقَّهت جميعُ الطوائفِ .
القبس
فأما متعلَّقُ الخصم فى إسقاطِ اليمينِ والشاهدِ فظاهرُ البدايةِ؛ قال اللهُ عزَّ
وجلّ: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال النبيُّ ◌َله:
( شاهداك أو يمينُه))(١) . وهذا مما لا غُبارَ عليه قرآنًا وخبرًا، ونحنُ لا نُنكِرُ هذا
ولكنَّا ندَّعِى زيادةً فعلينا الدليلُ، وقبلَ أن نخوضَ فيه نجادلُ أبا حنيفةَ مجادلةٌ
حاقّةً فنقولُ: إِنك ذكَرتَ أنت وأصحابُك أن الله تعالى ورسوله () ذكَر
الشاهدَين ولم يَذْكُرٍ الشاهدَ واليمينَ، فمُثِْتُهما مدَّع وزائدٌ على اللهِ ورسوله
(١) فى ق: ((المدينى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٣/١٩.
(٢ - ٢) فى ق: ((باليمين مع الشاهد)).
والحديث فى عوالى مالك (١٠٢ - رواية الحاكم الكبير ) من طريق الحسين بن منصور به ،
وأخرجه ابن عدى ١٨٢٢/٥ من طريق عثمان بن خالد به .
(٣) البخارى (٢٥١٥، ٢٥١٦)، ومسلم (٢٢١/١٣٨) من حديث الأشعث بن قيس .
(٤ - ٤) فى م: ((ذكرا الشاهد ولم يذكرا)).
٧٩

الموطأ
التمهيد مستَدًا، والصحيحُ فيه عن مالكِ أنَّه مرسلٌ فى روايتِه .
وقد تابَع عثمانَ بنَ خالِدِ العُثْمانىَّ على روايَتِه هذه فى هذا الحديثِ
عن مالك ، إسماعيلُ بنُ موسى الكوفى ، فرَوَاه أيضًا عن مالك ، عن جعفرٍ
ابن محمدٍ ، عن أبيه، عن جابر (١).
ورواه محمدُ بنُ عبد الرحمنِ بنِ رگّادٍ ومسکینُ بن ◌ُکیرٍ ، كلاهما عن
مالكٍ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن علىٍّ، أنَّ النبيَّ وَلِّ قضَى
باليمِينِ مع الشاهِدِ. والصحيح عن مالكِ ما فى ((الموطًَّ)).
القبس ما لم يقولا . قلنا له: خَفِّضْ عليك أبا حنيفةً، فقد جئتَ بأطَمَّ مِن هذا فقلتَ :
إنه إذا ادَّعى زيدٌ على عمرٍو حقًّا فأنكره عمرّو و(٢) لم يكنْ لزيدٍ بينةٌ، فإن اليمينَ
تجِبُّ على عمرٍو وتَبْقَى الدعوى. فإِن حلَف برِىٌّ، وإن نكَل قلتَ أنت : يَغْرَمُ
المدَّعِى بنُكولِه(١) . فجعَلتَ التَّكولَ حجّةً تُوجِبُ القضاءَ بالشاهدَين اللَّذين أمَر
اللهُ بهما ورسولُه، هذا وعندَك أن الزيادةَ على النصِّ نسخٌ، ونسخُ القرآنِ لا
يجوزُ إلا بقرآنٍ مثلِه أو بخبرٍ متواترٍ، فأما نسخُه بالقياسِ فلا يجوزُ إجماعًا ، ولا
يمكِّنُه بعدَ هذه المجادلةِ ممانعةٌ، وأما نحنُ فلنا فى ذلك ثلاثةُ طرائقَ :
الطريقةُ الأولى، وهى أقواها : إجماُ أهلِ المدينةِ على نقلٍ ذلك سُنةً عن
(١) العوالى (٧٧/١٠١ - رواية الحاكم الكبير) من طريق إسماعيل، عن جعفر بن محمد،
عن أبيه مرسلاً .
(٢) ليس فى : د .
(٣) فی د : ( کله )) .
٨٠٠٠
٨٠