Indexed OCR Text

Pages 41-60

الموطأ
التمهيد
وأمّا شرطُ العدالةِ فى التقسيم الأصلىِّ، فإن علماءَنا مَدُّوا أَطْنابَ) القولِ القبس
فيها، فَكَثَّروا بالقولِ وشَعَّبوا الأحوالَ، والضابطُ لها نُكْنَةٌ يَسْعَدُ بها(١) مَن يَعِيها،
وذلك أن اللهَ نَوَّر العبدَ بالعقلِ وهو نورُ الطاعةِ، وأَظْلَمَه بالشهوةِ وهى حَبَالَةٌ (٣)
المعصيةِ، فصار العبدُ مُتردّدًا بينَهما، والمَلَكُ يَعْضُدُ جانبَ العقلِ، والشيطانُ
يُغْوِى فى جانبٍ الشهوةِ ، والتوفيقُ والخِذْلانُ على قمةِ الرَّأْسِ مُحَلِّقان، والقضاءُ
والقدرُ فوقَ ذلك كلِّه، فإن سبق القضاءُ بالتوفيقِ انْتَصَر حِزِبُ اللهِ، وإن سبق
القضاءُ بالخِذْلانِ نفَذٌ) حكمُ اللهِ تعالى، ولذلك قال النبيُّ وَله: ((إن الله كتب
على ابنِ آدمَ حظّه مِن الزِّنى، أدْرَك ذلك لا محالةَ)) (٥) الحديثَ إلى آخرِهِ. فلم
تَكُنِ العصمةُ إلا للأنبياءِ خاصَّةً(١) ، كما سَبَق، وسائرُ الخَلْقِ وإِن آمَنوا وطَهَّر اللهُ
قلوبَهم بالتوحيدِ عن وَضَرِ الشركِ ، فلا بُدَّ أن تتدَّسَ أبدانُهم بأرحاضِ المعاصى ،
فلو لم يُقْبَلْ إِلا مطيع، ما وجَدتَ أحدًا تُسلِّم عليه، ولكنْ بَتِ الشريعةُ الأمرَ على
المُمكِنِ فی الوجود، الغالب فى الأحوال، وهو الشُّّهُ عن الكبائرِ ، فإِذا صان العبدُ
بفضلِ اللهِ نفسَه عن الكبائرِ - قال بعضُهم: وأكثرِ الصغائرِ - كان عدلًا .
(١) الأطناب واحدها الطَّئُّب ، بضمتين : حبل طويل يشد به شُرادق البيت أو الوتد . القاموس
المحيط (ط ن ب) .
(٢) سقط من : ج ، م.
(٣) فى ج، م: (( خبالة)). والحبالة هى المصيدة. القاموس المحيط (ح ب ل).
(٤) فى م: ((فقد)).
(٥) البخارى (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧) من حديث أبى هريرة .
(٦) ليس فى : د .
٤

الموطأ
التمهيد
القبس
نكتةٌ بديعةٌ: وهى أن هذا العِيارَ(١) فى الدنيا يُخْرِجُ الخالصَ فى الآخرةِ،
وهو اعتدالُ الميزانِ فى ألا تكونَ فى (٢) الكِفَّةِ كبيرةً، فإن كِفَّةَ السيئاتِ إِن
تفرَّغت عن الكبائرِ، عُلِم قطعًا أن الميزانَ لا يميلُ إليها؛ فإما أن يعتدِلَ، وإما
أن يَخِفَّ بها ويكونَ الرُّجْحانُ للكِفَّةِ الأخرى، وإلى هذا وقَعتِ الإشارةُ بقولِه :
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا﴾ الآيةَ [البقرة: ١٤٣]. معناه(١): دنيا وآخرةً(٤).
ولذلك شرَّط العلماءُ اجتنابَ الدناءاتِ بحفظِ المروءةِ، وهو الشرطُ
الخامسُ ؛ لأن المروءةَ ستر الدينِ والحجابُ بينَه وبينَ المعاصى، كالثوبٍ سِتْوٌ
يُكِنُّ البدنَ عن الخَزُورِ والزمهريرِ، وضبطُ المروءةِ مما عشر على العلماءِ، ولم
يَنْطِقْ فيه فقهاؤنا بكلمةٍ، وقد بيَنَّه فى ((المسائلِ)) على الإيضاحِ، والضابطُ
لكم الآنَ فيه ألا يأتىَ (أحدٌ منكمْ) ما يُعتذَرُ منه مما يَتْخَشُه عن مرتبتِه عندَ
أهلِ الفضلِ .
تكملةٌ : فإذا تحصَّل ضبطُ الشهادةِ ، فلها حالان؛ الحالُ الأولُ: حالةٌ
التحمُّلِ . والثانيةُ : حالةُ أداءٍ .
واختلف العلماءُ فى التحمُّلِ هل هو فرضٌ أو نَذْبٌ؟ مبنيًّا على قولِ اللهِ عزَّ
﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقد بيَّنَّا فى كتابٍ
وجلَّ: ﴿وَلَا يَأْبَ الثُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾
(١) فى ج، م: ((العيان)).
(٢) سقط من : م .
(٣) بعده فى م: ((ويكون الرسول عليكم شهيدا. معناه أيضًا)).
(٤) بعده فى د: ((ويكون الرسول عليكم شهيدا معناه دنيا وآخره )).
(٥ - ٥) ليس فى : د .
٤٢

١٤٥٧ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بن الموطأ
حزم، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن عثمانَ، عن أبى عَمْرَةَ
الأنصارىِّ، عن زيدٍ بنِ خالدِ الجُهَنىِّ، أن رسولَ اللهِ وَلَّه قال: ((ألا
أخبِرُكم بخيرِ الشُّهَداء؟ الذى يأتى بشَهادتِه قبلَ أن يُسألَها، أو يُخبِرُ
بشهادتِه قبلَ أن يُسألَها)) .
مالكٌ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حزمٍ، عن التمهيد
أبيه (١) ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ عثمانَ، عن أبى عَمْرَةَ الأُنصارىِّ، عن
القبس
((الأحكام)) أنها فرضٌ على الكفاية(١) ؛ ولذلك يجبُ على الإمامِ أن يَنْصِبَ لها
عدولا يرزُقُهم من بيتِ المالِ، ويتفرَّغون لإحياءِ حقوقِ الناسِ، ويتوجَّهُ إليهم
الخطابُ حينئذٍ بالفرضيةِ بإجماعٍ .
الحالةُ الثانيةُ: حالةُ الأداء؛ وهى فرضٌ إجماعًا إذا وقَفت (١) على عَدْلَين،
فإن زادوا التحقَتْ بفروضِ الكفايةِ، هذا إذا عَلِم بها صاحبُها ، فإن لم يَعْلَمْ وعَلِم
الشاهدُ أنه يحتاج المتحاكِمُ إلى أدائِها ، فإنه فرضٌ عليه أن يُعْلِمَه بها ، وهلهنا ورَد
حديثُ زيدِ بنِ خالدِ الذى رواه مالك: ((خيرُ الشهداءِ) الذى يأتى بشهادته قبلَ
أن يُسْألَها)). "فإن كان" الحقُّ للهِ تعالى تعيَّن على الشاهدِ فرضًا أن يقوم بها عندَ
(١) بعده فى م: ((عن عبد الله بن عمرو بن حزم).
(٢) الأحكام ٢٤٨/١ - ٢٦٣ .
(٣) فى ج، م: ((وقعت)).
(٤) فى د، م: ((الشهود)).
(٥ - ٥) فى م: ((كأن)).
٤٣

الموطأ
التمهيد زيدِ بنِ خالِدِ الجُهَنِيِّ، أن رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((ألا أَخْبِرُكم بخيرِ
الشهداءِ؟ الذى يَأْتِى بشَهادَتِهِ قبلَ أن يُسْألَها، أو يُخْبِرُ بشَهادَتِه قبلَ أن
(١)
يُسْألَها)»(١).
هكَذا قال يحيى عن مالِكِ فى إسْنادِ هذا الحديثِ : عن أبى عَمْرَةَ
الأنصارىِّ. وكذلك قال فيه عن مالِكٍ؛ ابنُ القاسِمِ(٢) ، وأبو مُضْعَبٍ
الزهرىُّ(٢) ، ومصعبٌ الزُّبَيْرِىُّ(٤). وقال القَعْنَبِىُ، ومَعْنُ بنُ عيسى،
القبس الحاكم، إلا أن يكونَ من الحدودِ، فالأفضلُ له أن يستُرَ على المنتهِكِ ، قال
علماؤنا : إلا أن يستشرِىَ فى الناسِ فحينئذٍ يكونُ الأفضلَ رفعُ الأمرِ إلى الحاكم
حاشا الزِّنى فإنه يلزَمُ رفعُه بصفتِه؛ لأن الشاهدَ يعرّضُ نفسَه لجُرْحتِه، أما إنه
يشهَدُ بأنه فى الجملةِ مؤذٍ للناسِ، متشبّثٌ بالمعاصى ، متعرِّضٌ للحُرَمِ؛ ألفاظًا
توجبُ كفَّه وتقتضِى أدبَه . وإن كان الحقُّ لآدمىٌّ، فإن عَلِم به الآدمىُّ فلا يلزمُ
الشاهد أن يقوم بها عندَ الحاكم ، أما إنه يَلْزَمُه أن يعرّفَ به صاحبه ، فإن سكت ،
فاختلَف علماؤنا؛ فمنهم من قال: هى مجرحةٌ فيه. ومنهم مَن قال وهم الأكثرُ :
ليست بجُرْحةٍ. والصحيحُ أنها مجرحةٌ؛ لأن كِئْمانَ الشهادةِ فى الإثم بمنزلةٍ
(١) أخرجه أحمد ٢٧١/٢٨ (١٧٠٤٠) من طريق مالك به.
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (٦٠٢٩) من طريق ابن القاسم به .
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٩٣١) - ومن طريقه ابن حبان (٥٠٧٩)، والبغوى فى شرح السنة (٢٥١٣).
(٤) ذكره الجوهرى فى مسند الموطأ عقب الحديث (٥٠٧) عن مصعب به .
(٥) أخرجه الترمذى (٢٢٩٦)، والطبرانى (٥١٨٢)، والجوهرى فى مسند الموطأ (٥٠٧) من طريق
القعنیی به .
(٦) ذكره الجوهرى فى مسند الموطأ عقب الحديث (٥٠٧) عن معن به، وأخرجه الترمذى (٢٢٩٥) من
طريق معن به ، وعنده : عن أبى عمرة .
٤٤

الموطأ
وسعيدُ بنُ عُفَيْرٍ (١) ، ويحيى بنُ عبدِ اللهِ بنِ بُكَيْرٍ ()، عن مالِكِ بإسنادِه: التمهيد
ابنِ أبِى عَمْرَةَ. وكذلك قال ابنُ وهبٍ وعبدُ الرَّزَّاقِ ، إلّا أنَّهما سَمَّيَاه،
فقالا : عبدُ الرحمنِ بنُ أبى عَمْرَةَ .
أخبرنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: أخبرنا (٣عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال:
حدثنا٢) أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ محمدِ الكشْوَرِىُّ(٤)، قال:
الكَذِبِ فيها فى العلانيةِ ، ولا فرقَ بينَ شهادةِ الزورٍ أو كتمانٍ شهادةِ الحقِّ ، وقد القبس
عظّم اللهُ عزَّ وجلَّ كتمَها ووصَف أنها مِن معاصى القلوبِ وماتمِها ، وإثمُ القلبِ
أعظمُ مِن إثمِ الجوارحِ؛ لأن كِبَرَ المعصيةِ على قدرٍ فاعلِها ومحلِّها .
وقد عظم النبيُّ مَ ﴿ شهادة الزورِ، ونزَّلها فى المنزلةِ الثالثةِ من الكبائرِ،
وكثّرها تعظيمًا لعقوبتها، وتحذيرًا عن الوقوع فيها، فقال: ((الكبائرُ؛ الإشراك
باللهِ، وعقوقُ الوالدين، وشهادةُ الزورِ، ألا وقولُ الزورٍ(*)). فما زال يكرّرُها
حتى قلنا: ليتَه سكَت(١) . وقد ربَط اللهُ عزَّ وجلَّ الشهادةَ بوصْفَين، فقال: ﴿إِلَّا
مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِ﴾ [الزخرف: ٨٦]. وقال عزَّ مِن قائل: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِّمْنَا
وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ﴾ [یوسف: ٨١]. ولذلك قال علماؤنا : إن شاهدَ الزورِ
(١) ذكره الجوهرى فى مسند الموطأ عقب الحديث (٥٠٧) عن ابن عفير به.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/١١ ظ - مخطوط).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م. وهو إسناد دائر.
(٤) فى ص: ((السورى)). والكشورى بفتح الكاف وكسرها. ينظر الأنساب ٧٧/٥، وسير
أعلام النبلاء ٣٤٩/١٣.
(٥) بعده فى ج: ((ألا وقول الزور)).
(٦) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٢٣) من الموطأ .
٤٥
٠
أ

الموطأ
"التمهيد أخبرنا محمدُ بنُّ يُوسُفَ الحُذَاقُِ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال:
أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بن أبی بکرٍ، عن عبدِ الله بن عمرو بنِ
عثمانَ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبِى عَمْرَةَ، عن زيدِ بنِ خالدٍ
الجُهَنِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((ألا أُخْبِرُكم بخيرِ الشهداءِ؟
الذى يُؤَدِّى شَهادَتَه قبلَ أن يُسْألَها - أو يُسْأَلَ عنها))(١).
القبس يؤذَّبُ الأدبَ الوجيعَ، ويشهَّرُ حتى يكونَ ذلك ردًا لغيرِهِ، ولا تُحْلَقُ له
لحيةٌ؛ فإن الله سبحانَه لم يَشْرَعْ فى الحدودِ تغييرَ الهيئةِ والخِلْقَةِ، وقال أبو
حنيفةً : لا أدبَ عليه، وإنما عقوبتُه ردُّ شهادته؛ لأنه قائلُ كذبٍ وزورٍ ، فلم
يَجِبْ عليه أدبّ ولا تعزيرٌ، أصلُه المُظاهِرُ. وعلى هذه النكتةِ عوَّل علماؤه(١)
مِن أهلِ العراقِ وخُراسانَ، وقد بيَّاها فى ((مسائل الخلافٍ))، وقلنا: إن الله
عزَّ وجلَّ جعَل جزاءَ الظهارِ الكفارةَ؛ لأنه لم يضُرَّ بذلك إلا نفسه، وهو ذنبٌ
لا يتعدَّى إلى غيرِهِ دنيا وآخرةً، وكان فى الأصلِ طلاقًا، فأرْخَص اللهُ عزَّ وجلَّ
فيه فصار ظهارًا، فافترَقا .
تعديلٌ (٤): إذا ثبَت أن الشهادةَ تقِفُ على العلم، فإن اللهَ عزَّ وجلَّ جعَل
الحواسَّ طريقًا إليه ، فأما البصرُ فهو أخو البصيرة يكشِفُ لُجمَلًا مِن المشاهداتِ،
ويُلْقِى إلى القلبِ فنونًا مِن المعلوماتِ بواسطةِ الألوانِ، ويعضُدُ السمعَ كما
(١ - ١) فى ص: ((عبد العزيز)).
(٢) عبد الرزاق (١٥٥٥٧).
(٣) فى م: ((علماؤنا)).
(٤) فى د: ((تعزير)). والمثبت موافق لنسخة على حاشيتها .
٤٦

الموطأ
هكذا فى كتابى فى هذا الإسْنادِ : عبدُ اللهِ بنُّ أبى بكرٍ، عن عبدِ اللهِ التمهيد
ابن عمرو بن عثمانَ . لیس فیه: عن أبيه. والصوابُ : عن عبدِ اللهِ بنِ أُبی
بكرٍ ، عن أبيه . وقد جَوَّدَ ابنُ وَهْبٍ فى إسنادٍ هذا الحديثِ ولفظه، وجاء
عن مالكِ بتَفْسِيرِه.
أُخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ بکرٍ ، قال : أخبرنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا ابنُ السَّرْح وأحمدُ بنُّ سعيدِ الهَمْدَانُ ، قالا: حدَّثنا
ابنُّ وهب ، قال : أخبرنى مالِكُ بنُ أنسٍ ، عن عبدِ اللهِ بن أبى بكرٍ ، أن أباه
أَخْبَره ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرو بن عثمانَ أخبَرَه، أن عبدَ الرحمنِ بنَ أبی
يعضُدُه، ويسترفِدُ(١) كلُّ واحدٍ منهما أخاه فيُرفِدُه، فإن عُدِمِ أحدُهما؛ فإن القبس
كان المعدومُ هو السمعَ، فلا خلافَ فى جوازِ الشهادةِ بما يُلْقِيه البصرُ، وإن
تعُدِمِ البصرُ، فاختلَف الناسُ فى شهادةِ ما يُلْقِيه السمعُ؛ فجمهورُ العلماءِ على
أن شهادةَ الأعمى جائزةٌ، وقال أبو حنيفةً : لا تجوزُ شهادةُ الأعمى لاشتباهِ
الأصواتِ ووجودِ المحاكاةِ التى يعشُرُ الفصلُ فيها إلا على مَن عايَن
المحاكِىَ " والمُحاكَى). وهى مسألةٌ عسيرةٌ جدًّا تهاوَن العلماءُ بها، وهى
(٣)
معضِلةٌ، وقد بيَنَّاها فى ((مسائل الخلافِ))، واعتضَد العلماءُ من القدماءِ"
والمحدثين بقولِ النبيِّ وَلِ: ((فَكُلُوا واشرَبُوا حتى ينادِىَ ابنُ أمّ مكتومٍ)) .
(١) استرفدته: طلبت رِفده، من رفده رفدًا؛ أى أعطاه أو أعانه . المصباح المنير (رف د).
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣) فى ج، م: ((الفقهاء)).
(٤) تقدم فى الموطأ (١٥٩، ١٦٠).
٤٧

الموطأ
التمهيد عَمْرَةَ الأَنصارِىَّ أُخْبَرَه، أن زيدَ بنَ خالدِ الجُهَنِىَّ أُخْبَرَه، أن رسولَ اللهِ
وَال﴾ قال: ((ألا أخبر كم بخير الشهداءِ؟ الذی یأتی بشهادته، أو يُخْبِرُ
بِشَهَادَتِه ، قبلَ أن يُسْألَها)). شَكَّ عبدُ اللهِ بنُ أبى بكرِ أيَّتَهما قال. قال
مالكٌ: هو الذى يُخْبِرُ بشَهادَتِه ، ولا يَعْلَمُ بها الذى هى له . زاد الهَمْدَانئُ:
ويَرْفَعُها إلى السلطانِ. قال ابنُ السَّرْحِ: أو يأْتِى بها إلى الإمامِ . واللفظُ
لحديثِ الهَمْدَانِيٌّ. وقال ابنُ السَّرْحِ: ابنَ أبى عَمْرَةَ. ولم يَقُلْ:
عبد الرحمنِ. قال أبو داودَ : والتفسيرُ من قِبَلِ مالكٍ(١).
القبس فربَط النبيُّ وَلِّ الحِلّ والحرمةَ بسماع الصوتِ المعهودِ، وفَّق علماءُ الحنفيةِ
بينَهما بفرقٍ عظيم؛ وهو أن الأذانَ ليس بموضعٍ للتلبيسِ والحيلةِ ، والشهادةُ
مَعْدِنُ ذلك. وقال علماؤنا : إن المحاكاةَ التى يعشُرُ الفرقُ فيها إنما تكونُ فى
الكلمةِ أو فى الكلمتين، فأما سَرْدُ القولِ فلا يكادُ يَخْفَى الفرقُ بينَ التحكية
والحقيقةِ ، ولذلك يقالُ للأعمى : لا تَقْنَعْ فى تحمُّلِ الشهادةِ بقول : نعم. حتى
يَصِفَ المسألةَ بأن يقولَ: بايَعتُ، ونكحتُ. وليسؤدها ، فحينئذٍ يرتفعُ
اللَّبْسُ ويظهَرُ الفرقُ.
وأما شهادةُ السماع فهى معلومةٌ، وهى على ضربين؛ خاصةً فيما تسمَعُه
وتشاهِدُه، وعامَّةٌ فيما تسمَعُه ولا تشاهِدُه، وقد اختلف العلماءُ فى هذا القسم
مِن شهادة السماع اختلافًا کثیرًا بیتَّاه فى (( مسائل الخلاف))، كما اختلفوا فى
(١) أبو داود (٣٥٩٦). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٥٢/٤، والبيهقى ١٥٩/١٠ من
طريق ابن وهب به .
(٢) فى م: ((ليرددها)).
٤٨

الموطأ
أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ خالدٍ، قال: حدَّثنا تميمُ بنُ التمهيد
محمدٍ ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسْكِينٍ، وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ،
حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح، قالا : أخبرنا سُحْنُونٌ ،
قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ ، قال: حدَّثنى مالِكُ بنُ أنس ، عن عبدِ اللهِ
ابنِ أبى بكرٍ، أن أباه أخْبَرَه، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرو بن عثمانَ أخبره،
أن ( عبد الرحمن١) بنَ أبى عَمْرَةَ الأنصارىَّ أُخْبَرَه، أن زِيدَ بنَ خالدٍ
الجُهَنِيَّ أخبره، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((ألا أُخْبِرُكم بخيرِ الشهداءِ؟
الذى يَأْتِى بِشَهَادَتِهِ، أو يُخْبِرُ بِشَهَادَتِه، قبلَ أن يُسْألَها)). يشُكُّ عبدُ اللهِ
الأحكام التى ثبتَت بشهادةِ السماعِ، وما توسَّع فيها أحدٌ توسّعَ المالكيةِ، وقد القبس
جمَعْناها على آرائِهم فألفَتِناها كثيرةً، الحاضرُ الآنَ منها فى الخاطرِ خمسةٌ
وعشرون حكْمًا؛ الأحباسُ، الملكُ المتقادِيمُ، الولاءُ، النسبُ، الموتُ،
الولايةُ، العزلةُ، العدالةُ، المُجُرْحةُ - وقال سُحنونٌ فيهما: لا يجوزُ. وقال
علماؤنا : وذلك إذا لم يُدْرِكْ زمانَ المجرّحِ والمعدَّلِ، فإن أُدْرَك زمانَه لم يَقَتْ
ذلك إلا على العلم - الإسلام، الكفرُ، الحملُ، الولادةُ، الترشيدُ ، التسفيهُ،
الصدقةُ، الهبةُ، البيعُ فى حالةِ الرضاعِ، النكاح، الطلاقُ، الضررُ،
الوصايا، إباقُ العبدِ، الحِرَابةُ. زاد بعضُهم: البُنْوَّةُ، والأَخوَّةُ. وذلك
يَدْخُلُ فى النسبِ" ، وقد مهَّدنا ذلك تأصيلاً وتفصيلاً وتفريعًا ودليلًا فى
کتبٍ المسائلِ.
(١ - ١) فى م: (عبد الله)).
(٢ - ٢) ليس فى : د .
٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٤/١٨ )

الموطأ
التمهيد ابنُّ أبى بكرٍ أَيَّتَهما قال. قال ابنُ وهب : وسَمِعْتُ مالكًا يقولُ فى تَفْسِيرِ.
هذا الحديثِ : إنه الرجلُ تكونُ عندَه الشهادَةُ فى الحقِّ يكونُ للرجلِ لا
يَعْلَمُ بذلك قبلُ، فَيُخْبِرُ بشَهادَتِهِ ويَرْفَعُها إلى السلطانِ .
قال ابنُ وهبٍ : وبلَغَنى عن يحيى بن سعيدٍ أنه قال: مَن دُعِى لِشَهَادَةٍ
عندَه ، فعليه أن يجيبَ إذا علِمٍ أنه يَنتفِعُ بها الذى يَشهَدُ له بها ، وعليه أن
يُؤَدِّيَها، ومَن كانت عندَه شَهادَةٌ لا يَعْلَمُ بها صاحِبُها، فَلْيُؤَدِّها قبلَ أن
يُسْألَ عنها ، فإنَّه كان يُقالُ : من أفضل الشهاداتِ شھَادَةً أُدَّاهَا صاحِبُها
قبلَ أن يُسْألَها .
قال أبو عمرَ : تَفْسِيرُ مالِكِ ويحيى بنِ سعيدٍ لهذا الحديثِ أوْلَی ما قيل
به فیه ، ولا یَسَعُ الذى عندَه شَهادةً لغيره أن يَكْتُمَها ، ولا أن يَسْكِتَ عنها ،
إلّا أن يَعْلَمَ أن حقّ الطالِبِ يثْبُتُ ، أو قد ثبت ، بغيره ، فإن كان كذلك فهو
فى سَعَةٍ، وأداؤُها مع ذلك أفضَلُ، وسَوَاءٌ شَهِد أحَدٌ قبلَه أو معه أو لم
يَشْهَدْ، إذا كان الحَقُّ مالًا؛ لأن اليَمِينَ فيه مع الشاهدِ الواحِدِ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا دَلِيلٌ على جَوَازٍ شهادَةِ السماع وإنْ لم يقلٍ
المشهودُ له : أَشْهِدُكَ على هذا. ولا قال المشهودُ عليه: اشْهَدْ علَىَّ. فمَن
سَمِع شيئًا وعَلِمه، جاز له أن يَشْهَدَ به، ومثلُ هذا يَأْتِى بالشهادَةِ قبلَ أن
يُسْأَلَها؛ لأن صاحِبَها لا يَعْلَمُ بها ، فكُلُّ مَن عَلِم شيئًا یجوزُ أداؤه ، جاز له
.
القبس
٥٠

الموطأ
التمھید
أَن يَشْهَدَ به ؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].
وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]. وقوله: (والذين هم
بشهادتهم قائمون)(١) .
قال أبو عمرَ: قد جعَل رسولُ اللهِ وَلِّ ظُهُورَ شَهادَةِ الزُّورِ، وكِتْمانَ
شَهادَةِ الحَقِّ ، من أشراطِ السَّاعَةِ ، عائبًا لذلك، ومُوَبِخًا عليه، فإذا كان
كِتْمانُ شَهادَةِ الحَقِّ عَيْبًا وحَرَامًا، فالبِدارُ إلى الإخبارِ بها قبلَ أن يُشْأَلَ عنها
فيه الفَضْلُ الجَسِيمُ، والأُجْرُ العَظِيمُ، إن شاء اللهُ .
حدَّثنا يُوسُفُ بنُ محمدِ بنِ يُوسُفَ، ومحمدُ بنُ إبراهيمَ،
وعبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الرحمنِ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، حدّثنا
سعيدُ بنُ عثمانَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ صالِحٍ، حدَّثنا أبو
نُعَيْمٍ، حدَّثنا بَشِيرُ بنُ سلمانَ(٢)، حدَّثْنَا سَيَارٌ أبو الحَكَمِ، عن طارِقٍ
ابنِ شهابٍ، عن ابن مسعودٍ، عن النبيِّ وَّ قال: ((إن بينَ يَدَي
الساعةِ التَّسْلِيمَ على الخاصَّةِ، وَفُشُؤَّ التِّجارَةِ ، حتى تُعِينَ المرأةُ زَوْجَها
على التِّجَارَةِ، وقَطْعَ الأرحامِ، وَفُشُوَّ القَلَمِ، وَظُهُورَ شَهَادَةِ الزُّورِ،
القبس
(١) الآية ٣٣ من سورة المعارج. وقرأ حفص عن عاصم ويعقوب بالجمع، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو
وابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائى وخلف وأبو جعفر بالإفراد . النشر ٢٩٢/٢ .
(٢) فى النسخ: (إسماعيل)). والمثبت من مصادر التخريج - ووقع عند الحاكم: سليمان -
وینظر تهذيب الكمال ١٦٨/٤.
٥١

الموطأ
التمهيد وكِثْمانَ شَهادَةِ الحقِّ))(١).
قال أبو عمرَ: أَمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((وَفُشُوَّ القَلَم)) . فإِنَّه
أراد " ظُهُورَ الكتابِ)، وكَثْرَةَ الكتَّابِ، روَى المباركُ بنُ فَضَالَةً، عن
الحسن، قال: قال رسولُ اللهِ وَّله: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يُمْفَعَ العِلْمُ،
ويَفِيضَ المالُ، وَتَظْهَرَ القَلَمُ، ويَكْثُرَ التَّجَّارُ))(٣). قال الحَسَنُ: لقد أَتَّى
علینا زمانٌ ، إنّما يقال : تاچِرُ بنی فلانٍ ، و کاتِبُ بنى فلانٍ . ما يكونُ فى
الحَيّ إِلَّ التاجِرُ الواحِدُ، والكاتِبُ الواحِدُ. قال الحسنُ: واللهِ إنْ كان
الرجلُ ليَأْتِى الحَىَّ العَظِيمَ فما يجدُ به كاتِبًا .
وقد روى ابنُّ إدريسَ، عن محمدِ بنِ عُمَارَةً ، عن أبى بكرٍ بنِ محمدٍ
ابنِ عمرو بن حزمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن عثمانَ، عن زيدِ بنِ خالِد
الجُهَنِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((ألا أَنَبُكم بخيرِ الشُّهَدَاءِ؟ هم
الذين يَبْدُرُون بشَهَادَتِهم قبلَ أن يُسْأَلُوا عنها)) . هكذا قال فى إسنادِه، لم
يَذْكُرْ أبا عَمْرَةَ، ولا ابنَ أبى عَمْرَةَ. ذكره ابنُّ أبى شيبةَ، عن ابنٍ
القبس
(١) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (١٠٤٩)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٥٩٠)،
والحاكم ٤٤٥/٤، ٤٤٦ من طريق أبي نعيم به، وأخرجه أحمد ٤١٥/٦، ٤١٦ (٣٨٧٠)،
والشاشى (٧٦٥) من طريق بشير بن سلمان به .
(٢ - ٢) فى ص: ((به ظهور الكتابة)).
(٣) أخرجه الطيالسى (١٢٦٧) من طريق المبارك، عن الحسن، عن عمرو بن تغلب مرفوعًا بنحوه.
٥٢

الموطأ
(١)
إدريس
التمهيد
ورواه حاتِمُ بنُ إسماعِيلَ، عن محمدِ بنِ عُمَارَةً، عن أبی بکرِ بنِ
محمدٍ، عن زيدِ بنِ خالِدٍ. فأفسَدَ إِسْنادَه، وأمَّا لَفْظُه، فلم يُخْتَلَفْ فى
مَعْناه، وهو مَغْنَى صحيحٌ؛ لأن أداءَ الشَّهَادَةِ فعلُ خيرٍ، ومَعْلُومٌ أن مَن بَدَر
إلى فِعْلِ الخيرِ مُحمِد له ذلك، ومُدِح به(١) وفُضِّل. واللهُ يُوَفِّقُ مَن يشاءُ، لا
شَرِيكَ له .
وقد رُوِى عن النبيِِّ نَّهِ مِن حديثِ العِرَاقِيِّينَ حديثٌ يُعارِضُ(١) ظاهرُه
هذا الحدیث ، وليس كذلك .
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال :
حدّثنا أحمدُ بنُ زُھیْرِ ، قال : حدّثنا أبی ، قال: حدّثنا وَ کِیٹ، قال: حدَّثنا
الأَعْمَشُ، قال: حدَّثنا هِلَالُ بنُ بِسافٍ، عن عمرانَ بنِ محُصَيْنٍ ، قال :
قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: (( خيرُ الناسِ قَرْنِى، ثم الذين يَلُونَهُمْ، ثم الذين
يُلُونَهم، ثم يَجِىءُ قومٌ يَتَسَمَّنُونَ، " ويحُّون السّمَنَ"، يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ
قبلَ أن يُسْأَلُوها)»(٥) .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٥٥٢)، والطبرانى (٥١٨٥) من طريق ابن أبى شيبة به.
(٢) فى م: ((له)).
(٣) فى ص: ((يخالف)).
(٤ - ٤) فى م: (((يحيون)).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٦/١٢، وأحمد ٥٣/٣٣ (١٩٨٢٠)، والترمذى عقب الحديث =
٥٣

الموطأ
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ ،
التمهيد
قال : حدّثنا ابنُ قُضْلٍ، عن الأعمش ، عن على بنِ مُدْرِكٍ ، عن هِلالِ بنِ
يِسَافٍ، عن عِمرانَ، عن النبيِّ وَلِّ نحوَهُ(١).
قال أبو عمرَ: أَدْخَل ابنُ فُضَيْلٍ بينَ الأعمشِ وبينَ هِلالٍ فى هذا
الحديثِ علىَّ بنَ مُدْرِكٍ، وتابَعَه على ذلك عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، ومنصورُ
ابنُ أبي الأسودِ (١) . وهو الصوابُ، وهذا عندى، واللهُ أعلمُ ، إنَّما جاء
من قِبَلِ الأعمشِ ؛ لأَنَّه كان يُدَلِّسُ أحيانًا ، وقد يُمْكِنُ أن يكونَ من قِلِ
حِفْظٍ وكيع لذلك، وإن كان حافِظًا، أو من قِبَل أبى خَيْثَمَةَ؛ لأن فيه :
حدَّثْنَا هِلَالُ بنُّ بِسَافٍ . وليس بشىءٍ، وإنَّما الحديثُ للأعمشِ، عن
علىٌّ بنِ مُدْرِكٍ، عن هِلالٍ. واللهُ أعلمُ. وقد روَى الأَعْمَشُ، عن هِلَالٍ
ابنِ يِسافٍ غيرَ ما حديثٍ . وقد روَى هذا الحديثَ شعبةُ، عن علىٍّ بنِ
مُذْرِكٍ، عن هِلالِ بنِ يِسافٍ، عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ وَلَّهِ، لم
يَقُلْ: عن عمرانَ بنِ مُصَيْنٍ .
أخبرناهُ محمدُ بنُ إِبراهِيمَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ معاويةً، قال :
أخبرنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ
القبس
=(٢٢٢١، ٢٣٠٢)، وابن حبان (٧٢٢٩)، والطبرانى ٢٣٥/١٨ (٥٨٥) من طریق و کیع به .
(١) أخرجه الترمذى (٢٢٢١، ٢٣٠٢)، وابن أبى عاصم فى السنة (١٤٧١) من طريق محمد
ابن فضيل به .
(٢) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (١٤٧٠)، والطبرانى ٢٣٤/١٨ (٥٨٣) من طريق منصور به.
٥٤

الموطأ
أبى عَدِئٍّ، عن شعبةَ، عن علىِّ بنِ مُدْرِكٍ، عن هِلالِ بنِ يِسافٍ قال: التمهيد
قَدِمْتُ البصرةَ، فإذا رجلٌ من أصحابِ النبيِّ وَلِّ ليس أنسَ بنَ مالِكٍ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (( خيرُ الناسِ قَزْنِى، ثم الذين يَلُونَهم، ثم يَجِیُ
قومٌ سِمَانٌ، يُعْطُونَ الشَّهادَة ولا يُسألُونها))(١) .
قال أبو عمر: هذا الحدیثُ فى إسْناده اضْطِرابٌ ، وليس مثلُه يُعَارَضُ
به حديثُ مالِكِ ؛ لأَنَّه من نقلِ ثِقاتِ أهلِ المدينةِ ، وهذا حديثٌ كوفئِّ لا
أصلَ له، ولو صَحَّ كان معناه کمعنى حديثِ ابنِ مسعودٍ، على ما فَشَّرَه
إبراهيمُ النخعىُّ فَقِيةُ الكوفةِ .
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثْنا قاسِمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال :
حدّثنا أحمدُ بنُ زُھیْرٍ ، قال : حدّثنا أبی ، قال : حدثنا جرير، عن منصورٍ ،
عن إبراهيمَ، عن عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، عن عبدِ اللهِ ، قال: سُئِل رسولُ اللهِ
وَالّ : أىُّ الناسِ خيرٌ؟ قال: «قَرْنِى، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَھم،
ثم يَجِىءُ قَوْمٌ تَبْدُرُ شَهادَةُ أُحدِهم يَمِينَه، ويَمِينُه شَهادَتَه)) . قال إبراهيمُ :
كانوا يَنْهَوْننا ونحن صِبيانٌ عن العهدِ والشَّهاداتِ(٢).
قال أبو عمرَ: معنى هذا عندَهم ، النَّهْىُ عن قولِ الرجلِ : أَشْهَدُ باللهِ،
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (٦٠٣٠).
(٢) أخرجه أبو يعلى (٥١٤٠)، وابن حبان (٤٣٢٨) من طريق أبي خيثمة زهير بن حرب به ، وأخرجه
مسلم (٢١١/٢٥٣٣)، وابن ماجه (٢٣٦٢)، والنسائى فى الكبرى (٦٠٣١) من طريق جرير به .
٥٥

٠
الموطأ
التمهيد وعلَىَّ عَهْدُ اللهِ. ونحوِ ذلك، والبدارِ إلى ذلك وإلى اليمينِ فى كلِّ ما لا
يَصْلُحُ وما يَصْلُحُ، واللهُ أعلمُ ، وليس هذا الحديثُ من بابٍ أَدَاءِ الشَّهادَةِ
فى شىءٍ، وقد سَمَّى اللهُ عزَّ وجلَّ أيمانَ اللِّعانِ شَهاداتٍ ، فقال:
﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتِ بِلَّهُ﴾ [النور: ٦]. وهذا واضِحٌ يُغْنِى عن
الإِكْثارِ فيه، وحديثُ أهلِ المدينةِ فى هذا البابِ حديثٌ صحيحٌ
مُسْتَعْمَلٌ، لا يَدْفَتُه نَظَرٌ ولا خَبَرٌ. واللهُ المستعانُ.
وذكَرَ عبدُ الوَزَّاقِ (١) ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ مسلم، عن عمرو بنٍ
دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: إذا كان عندَك لأحَدٍ شَهادَةٌ ، فسَأَلَك عنها ،
فأخبره بها ، ولا تقلْ: لا أُخْبِرُك إِلَّ عندَ الأميرِ. أَخْبِرْه بها لعَلَّه أَنْ تَرْجِعَ أو
يَرْعَوِىَ .
قال(٢) : وأخبرنا محمدُ بنُ مسلم، عن إبراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةً، قال:
بلَغَنى أن رسولَ اللهِ وَه قال: ((خَيْرُ الشُّهَدَاءِ مَن أدَّى شَهادَتَه قبلَ أن
يُسْألَ عنها)) .
قال أبو عمرَ : أبو عَمْرَةَ الأَنصارِىُّ والِدُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبِى عَمْرَةً هذا،
اسمُه ثعلبةُ بنُ عمرو بنِ مِحْصَنٍ .
القبس
(١) عبد الرزاق (١٥٥٥٩).
(٢) عبد الرزاق (١٥٥٥٨).
٥٦
٠٠

١٤٥٨ - مالكٌ، عن ربيعةَ بن أبى عبد الرحمنِ، أنه قال: قدم الموطأ
على عمرَ بنِ الخطابِ رجلٌ مِن أهلِ العراقِ ، فقال: لقد جئتُك لأمرٍ ما
له رأسٌ ولا ذَنّبٌ. فقال عمر: ما هو؟ قال: شَهادةُ الزُّورِ ظهَرتْ
بأرضِنا. فقال عُمَرُ: أوَ قد كان ذلك؟ قال: نعم. قال عمر: واللهِ لا
يُؤْسَرُ رجلٌ فى الإسلامِ بغيرِ العُدُولِ .
مالكٌ، عن ربيعةً بن أبى عبد الرحمن، أنه قال: قَدِم على عمر بن الاستذكار
الخطابِ رجلٌ مِن أهل العراقِ ، فقال: لقد جئتُك لأمرٍ ما له رأسٌ ولا
ذنبٌ . فقال عمرُ: ما هو ؟ قال : شهادةُ الزورِ ظهرت بأرضِنا. فقال عمرُ:
أوَ (١) قد كان ذلك؟ قال: نعم. فقال عمرُ: واللهِ لا يُؤْسَرُ رجل فى الإسلام
إلا بالعدولِ(٢) .
قال أبو عمر : أما شاهدُ الزُّورِ فقد جاء فيه ما يطول ذکژه ؛ مِن ذلك ما
ذكره البزارُ ، عن عبَّادِ بن يعقوب ، عن محمد بن قُراتٍ ، عن محاربِ بنِ
دِثارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَلَ قال: ((شاهدُ الزورِ لا تزولُ قَدَماه عن
موضعِه الذى شهد فيه حتى يَتَبوَّأَ مَقعدَه مِن النارِ))(٣).
القبس
(١) فى ح، هـ: ((و).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/١١ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٣٢).
وأخرجه البيهقى ١٦٦/١٠ من طريق مالك به .
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٢٣) من الموطأ .
٠
٥٧

١٤٥٩ - مالكٌ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطابِ قال : لا تجوزُ
الموطأ
شَهادةُ خَصْمٍ ولا ظَنِينٍ .
وثبت عن النبيِّ مَ ﴿ مِن حديثِ خُريم بنِ فاتكِ وغيرِه، عن النبيِّ وَله
الاستذكار
قال: ((عُدِلَتْ شهادةُ الزورِ بالشركِ باللهِ)). وقرأ: ((﴿فَاجْتَنِبُواْ
الرّحْسَ مِنَ اْلْأَوْثَنِ وَأَحْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾)) [الحج : .
(١)
وأجمَع العلماءُ أن شهادةَ الزورِ مِن الكبائرِ .
مالكٌ ، أنه بلَغه أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: لا تجوزُ شهادةُ خَصْم ولا
(٢)
ظَنِينٍ (٢) .
قال أبو عمرَ : حديثُ ربيعةً عن عمرَ وإن كان منقطعًا فقد قلنا : إن
أكثرَ العلماءِ مِن السلفِ قَبِلوا المُرسلَ مِن أحاديثِ العُدُولِ .
وقدٍ وجَدنا خبرَ ربيعةً هذا مِن حديثٍ المسعودىِّ، عن القاسمِ بنِ
عبد الرحمنِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ : لا يؤسَرُ رجلٌ فى الإسلامِ
بشُهداءِ الزورِ () .
ومعنَى يُؤْسَرُ أى يُحبسُ ؛ لنفوذِ القضاءِ عليه . فهذا الحديثُ عن عمرَ
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٢٣) من الموطأ .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٣٣).
وظنين: أى: متهم فى دينه، فعيل بمعنى مفعول، من الظنة: التهمة. النهاية ١٦٣/٣.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٨/٧ من طريق المسعودى به .
٥٨
٠

الموطأ
عندَ المدنيّين والكوفيّين ( والبصريّين). والمسعودىُّ هذا مِن ثقاتٍ الاستذكار
محدِّثی الكوفةِ، وهو عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
مسعودٍ، يقولون : إنه كان أعلمَ الناسِ بعلم ابن مسعودٍ . واختلَط فى آخرٍ
عمره، وروَى عن جماعةٍ مِن جِلَّةِ أهلِ الكوفةِ؛ منهم الحكمُ بنُ عُتيبةَ ،
وحبيبُ بنُ أبي ثابتٍ ، وعلىُ بنُ مدركٍ، وروَى عنه جماعةٌ ؛ منهم شعبةٌ ،
والثورىُّ، ووكيعٌ، وأبو نعيم، وأخوه أبو الغُميسِ ، واسمُه عتبةُ بنُ عبدِ اللهِ
ابنِ مسعودٍ ، ثقةٌ أيضًا .
وحديثُ ربيعةَ هذا يدُلَّ على أن عمرَ رجَع عن قولِه ومذهبه الذى
كتَب به إلى أبى موسَى وغيرِهِ مِن عُمَّالِه، وهو خبرٌ لا يأتى إلا عن أهلِ
البصرةِ نُخرجُه عنهم، وهو قولُه: المسلمون عدولٌ بينَهم - أو قال :
عدولٌ بعضُهم على بعضٍ - إلا خصمًا أو ظَنِينًا .
وقد كان الحسنُ البصرىُّ وغيرُه يذهَبُ إلى هذا مِن قولٍ عمرَ ، فيقبَلُ
شهادةً كل مسلم على ظاهرٍ دينه، ويقولُ للمشهودِ علیه : دونك ، فتخرج
إن وجَدتَ مَن يشهَدُ لك، فإنى قد قبلتُهم فيما شهدوا به عليك . وهذا
المذهبُ عن عمر مشهورٌ.
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
٥٩

الموطأ
الاستذ کار
قرأت على أبى عبدِ اللهِ محمدِ بنِ إبراهيمَ ١١، حدَّثكم محمدُ بنُ
أحمدَ بنٍ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ أيوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ
عمرو بنِ عبدِ الخالقِ البزَّارُ، قال : سمِعتُ أبى يقولُ: حدَّثنَى فُضيلُ بنُ
عبد الوهاب ، قال : حدّثنی ابو معشرٍ ، عن سعيد بنِ أبی بُردً ، عن أبيه أبی
بردةَ بنِ أبی موسى الأشعرىِّ ، قال: کتب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبى موسى
الأشعرىِّ: اعلَمْ(٢) أن القضاءَ فريضةٌ محكمةٌ، وسنَّةٌ متَّبعةٌ، فالفهمَ الفهمَ
إذا اختُصِم إليك، فإنه لا ينفعُ تكلُّمٌ بحٌّ لا نفاذً له، آسٍ بينَ الناسِ فی
وجهِك ؛ حتى لا ييأسَ ضعيفٌ من عدلِك، ولا يطمَعَ شريفٌ فى جَوْرِك،
والمسلمون عدولٌ بعضُهم على بعضٍ، إلا خصمًا أو ظَنِينًا متَّهَمًا، ولا
يمنعك قضاءٌ قضيتَه أمسٍ (٢) راجعتَ فيه نفسَك غدًا أن تعودَ(٤) إلى الحقِّ؛
فإن الرجوعَ إلى الحقِّ خيرٌ مِن التَّمادى فى الباطلِ، واعلَمْ أنه مَن تزيَّن
للناسٍ بغيرِ ما يعلمُ منه(٥) شانَه اللهُ، ولا يَضيعُ عاملُ اللهِ ، فما ظنُّك بثوابٍ
اللهِ فى عاجلٍ رزقِه وخزائنٍ(٦) رحمته .
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((ابن عبد الله)).
(٢) في م: ((اعلموا)).
(٣) فى م: ((اليوم)).
(٤) فى ح، هـ: «ترجع فيه)).
(٥) ليس فى : الأصل ، ح ، هـ ، م .
(٦) فى الأصل، م: ((جزاء) .
٦