Indexed OCR Text
Pages 461-480
الموطأ
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قِراءَةً مِنِّى عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ التمهيد
حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
بشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال :
سألتُ الحكَمَ وحمادًا عن رجلٍ أسلَم على ميراثٍ، فقالا : ليس له
(١)
شىءٌ(١).
وذكَر عبدُ الرَّزاقِ (١)، عن ابن جريج، عن عطاءٍ وابنٍ أبى ليلى :
إن "مات مُسْلِمٌ) وله ولدٌ نَصارَى، ثم أسلموا ولم يُقْسَمْ مِيراثُه حتى
أسلموا، فلا حقَّ لهم، وقعَتِ الموارِيثُ قبلَ أن يُسلِموا .
:
قال(٤): وأخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ سمِعه يقولُ: إِذا وَقَعتِ
المواريثُ ، فمن أسلم على ميراثٍ فلا شىءَ له.
ومِن حديثٍ شعبةً قال: أخبرنى حُصينٌ، قال: رأيتُ شيخًا يَتوكّأُ
على عَصًا ، فقيل لى: هذا وارثُ صفيةً بنتٍ مُتِىٌّ بنِ أخطبَ ، أسلَمَ على
ميراثِها بعدَ موتِها قبلَ أن يُقْسَمَ، فلم يُورَّتْ(١).
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٤/١١ من طريق شعبة به.
(٢) عبد الرزاق (٩٨٨٨، ٩٨٩١).
(٣ - ٣) فى ق: ((من مات مسلما)).
(٤) عبد الرزاق (٩٨٩٠).
٤٦١
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: على هذا مذهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبى حنيفةً،
والثورىٌّ، والأوزاعيّ، والليثِ، ومَن قال بقولهم. وقد جاء عن عمرَ
وعثمانَ رضِى اللهُ عنهما فى هذا البابِ شىءٌ مُوافِقٌ لقولٍ أبى الشعثاءِ،
ليس عليه العملُ عندَ الفقهاءِ فيما عَلِمتُ، وهو حديثٌ حدَّثناه أحمدُ بنُ
فتح، قال : حدَّثنا ابنُ أبى رافع، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال :
حدّثنا حجاج ، قال : حدثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، عن أيوب ، عن أبى قِلابةً ، عن
حسّانَ بنِ بلالٍ المزنيّ ، عن يزيدَ بنِ قتادةَ، أَنَّ إنسانًا مات مِن أهلِه وهو
على غيرِ دينِ الإسلامِ. قال : فورِتَتَه ابنتُه دونى ، وكانت على دينه، ثم إِنَّ
جَدِّى أسلَم وشَهِد مع رسولِ اللهِ وَلِّ محُنَينًا، فتُونِى وترَك نخلًا،
فَأَسلَمَت، فخاصَمتنى فى الميراثِ إلى عثمانَ بنِ عفانَ، فحدَّث
عبدُ اللهِ بنُ الأرقَمِ أنَّ عمرَ قضَى أَنَّه مَن أسلَم على ميراثٍ قبلَ أن
يُقْسَمَ، فإنَّه يُصِيئُه. فقضَى به (١) عثمانُ، فَذَهَبَت بالأُولى(٢)،
١٠
وشارَكَثْنِى فى الآخِرَةِ(٣) .
قال إسماعيلُ: هذا محكمٌ لا يُحتمَلُ فيه على مثلِ حسَّانَ بنِ بَلالٍ
ويزيدَ بنِ قتادةَ ؛ لأَنَّ فقهاءَ الأمصارِ مِن أهلِ المدينةِ والكوفةِ على خِلافِهِ،
القبس
(١) فى النسخ: ((له)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٢) فى ق: ((بالأول)).
(٣) فى ق: ((الآخر)).
والأثر أخرجه الطبرانى ٢٤٣/٢٢ (٦٣٥) من طريق حماد بن زيد به.
٤٦٢
الموطأ
ولأنَّ ظاهرَ القرآنِ يدُلَّ على أن الميراثَ يجبُ لأهلِه فى حين موتٍ التمهيد
الميت .
قال أبو عمرَ: كان عثمانُ رحِمه اللهُ يقولُ فى هذا البابِ بما علیه
الفقهاءُ اليومَ حتى حدَّثه عبدُ اللهِ بنُّ أرقمَ ، عن عمر بن الخطابِ ، أَنَّه وَرَّث
قومًا أسلَموا قبلَ قَسْم الميراثِ وبعدَ موتِ الموروثِ، فرجع إلى هذا
القولِ ، وقال به، وتابعه على ذلك ثلاثةٌ مِن فقهاءِ التابعين بالبصرةِ ؛ وهم.
الحسنُ ، وجابرُ بنُ زيدٍ ، وقتادةٌ . وقال الحسنُ: فإن قُسِم بعضُ الميراثِ
ثم أسلَم، وَرِث ممَّا لم يُقْسَمْ ولم تَرِثْ ممَّا قُسِمَ. وحُجّةُ مَن قال هذا
القولَ حدیثُ هذا البابِ .
وقد رَوَاہ سعیدُ بنُّ ابی عروبةً ، عن قتادةَ ، عن حسّانَ بنِ بلال ، عن
يزيدَ بن قتادةَ العَزِىِّ (١)، عن عبدِ اللهِ بنِ الأرقَمِ كاتبٍ عمرَ، أنَّ عمرَ بنَ
الخطابٍ قال: مَن أسلَم على ميراثٍ قبلَ أن يُقْسَمَ، صار الميراثُ له
پاسلامه واجبًا .
وروَى عبدُ الوارثِ، عن كثيرِ بنِ شِنْظِيرٍ، عن عطاءٍ، أنَّ رجلًا أسلَم
على ميراثٍ على عهدِ النبىِّ عليه السلامُ، قبلَ أن يُقْسَمَ ، فأعطاه رسولُ اللهِ
القبس
(١) فى ق: ((الفهرى)). وينظر التاريخ الكبير ٣٥٣/٨.
٤٦٣
الموطأ
٠
◌َاللے نصيبه منه .
التمهید
ورؤَى يزيدُ بنُ زُريع، عن خالدِ الحذَّاءِ، عن أبى قِلابَةً ، عن یزیدَ(١) بنِ
قتادةَ، قال: تُوفِّيت أُمُّنا مسلمةً ولى إخوَةٌ نَصارى، فأسلموا قبلَ أن يُقْسَمَ
الميراثُ، فدخَلنا على عثمانَ، فسأل: كيف قَضَى فى ذلك عمرُ؟
فَأُخْبِرٍ، فَأَشْرَك بيتَنا (٢).
وروَى وُهَيْبٌ(٢)، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: مَن أسلَم على
ميراثٍ قبلَ أن يُقْسَمَ ، فهو أحقُّ به(٤) .
قال أبو عمرَ: حُكمُ مَن أُعْتِقِ عندَهم قبلَ القَسْمِ كحُكْمٍ مِن أسلَمَ ،
واختُلِفَ فى ذلك عن الحسنِ(٥)؛ فقال مرَّةً: هو بمَنزِلةِ مَن أسلَم . وقال
مرّةً أُخرى: مَن أسلَم وَرِث، ومَن أُعْتِق لم تَرِثْ؛ لأنَّ الحديثَ إِنَّما جاء
فيمَن أدرَكه(٦) الإسلام. وهو قولُ إِياسٍ بنِ مُعاويةً، ومحميدٍ .
وروَى أبو زُرعةَ الرَّازِىُّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال :
القبس
(١) فى النسخ: ((زيد)). وينظر التاريخ الكبير ٣٥٣/٨، والجرح والتعديل ٢٨٤/٩.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (١٨٥)، وابن أبى شيبة ٤٢٥/١١ من طريق خالد به.
(٣) فى ق: ((وهب)). وينظر تهذيب الكمال ١٦٤/٣١.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور (١٨٦)، وابن أبى شيبة ٤٢٥/١١ من طريق يونس به.
(٥) فى الأصل: ((الحُكْم)). بضم الحاء وسكون الكاف.
(٦) فى الأصل، م: ((أدرك)).
٤٦٤
الموطأ
حدَّثنا حمادٌ، عن محُميدٍ، عن الحسن، قال : العبدُ إذا أعتِق على ميراثٍ التمهيد
قبلَ أن يُقسَمَ ، فهو أحَقُّ به . وبه قال أبو زُرعةً(١) فيمَن أسلَم على ميراثٍ
قبلَ أن يُقْسَمَ، أَنَّه له. وخالَفه أبو حاتم(١) ، فقال: ليس له مِن الميراثِ
شىءٌ .
وروى أبو نعيم، عن محمد بن راشدٍ، عن مكحولٍ فى المملوك
يموتُ ذو قَرابته ، ثم يَعْتِقُ قبلَ أن يُقْسَمَ الميراثُ ، فإنَّه يرِثُه .
وروَى ابْنُّ أبى شيبةً(٣)، عن عبدِ الأعلى، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، فى
العبدِ يَعتِقُ على الميراثِ ، قال: ليس له شىءٌ .
وروَى حَمَّادُ بنُ سلَمةً، عن حُميدٍ ، قال: كان إِياسُ بنُ معاويةَ يقولُ :
أمّا النَّصرانىُ يُسلِمُ فنعم، وأمّا العبدُ يَعتِقُ فلا . قال : وبه قال حُميدٌ فیمَن
أَعْتِق أو أسلَم على ميراثٍ قبلَ أن يُقسَمَ . يعنى أنَّه فرَّق بينَ العِثْقِ والإسلامِ
فى ذلك .
القبس
(١) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازى، سيد الحفاظ، قال محمد بن
إسحاق الصاغانى : أبو زرعة يشبه بأحمد بن حنبل. وقال إسحاق: كل حديث لا يعرفه
أبو زرعة الرازى، فليس له أصل. توفى سنة أربع وستين ومائتين. سير أعلام النبلاء ٦٥/١٣.
(٢) محمد بن إدريس بن المنذر أبو حاتم الرازى، شيخ المحدثين، كان من بحور العلم، طوف
البلاد، وبرع فى المتن والإسناد، وجمع وصنف، وجرح وعدل، وصحح وعلل، من نظراء
البخارى ومن طبقته، توفى سنة سبع وسبعين ومائتين. سير أعلام النبلاء ٢٤٧/١٣.
(٣) ابن أبى شيبة ٤٢٤/١١.
٤٦٥
(موسوعة شروح الموطأ ٣٠/١٨)
الموطأ
التمهید
قال أبو عمر : لا حّةً فی هذا الحدیثِ لمن قال بقول جابرِ بنِ زیدٍ ؛
لأنَّه إنَّما ورد فی کیفیَّةِ قِسْمَةِ مَن أسلم علی میراثٍ ، لا فی تؤریثِ مَن لا
يجبُ له ميراثٌ، وقدٍ قال وَلّ: (( لا يرِثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافر
المسلمَ )). وعلى هذا الحديثِ العملُ عندَ جماعةِ الفقهاءِ بالحجازِ،
والعراقِ ، والشَّامِ، والمغرب. وسیأتی ذِ کژ هذا الحديثِ فی بابِ ابنِ
شهاب، عن علىّ بنٍ حسينٍ مِن هذا الكتابِ(١) إن شاء اللهُ .
وذكَر إسماعيلُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المنهالِ ، قال: حدّثنا يزيدُ
ابنُ زُريع، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن أبى معشرٍ، عن إبراهيمَ، قال : مَن
أسلَم على ميراثٍ قبلَ أن يُقسَمَ ، أو أُعْتِقَ على ميراثٍ قبلَ أن يُقْسَمَ ، فليس
لواحدٍ منهما شىءٌ، وجَبتِ الحقوقُ لأَهلِها حيثُ مات(٢).
قال: وحدَّثنا حجاجُ بنُ منهالٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال:
حدَّثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: إذا مات الميِّتُ يُرَدُّ الميراثُ
لأهله .
قال أبو عمرَ: وحُكمُ العَينِ والمتاعِ وسائرِ الأموالِ محُكمُ العَقَارِ
المذكورِ فى حديثٍ مالكٍ؛ الدارِ والأرضِ ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ أَپ قال فی
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٤٧٣/١٣، ٤٧٤، ٤٨٤.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٤/١١، والدارمى (٣٠٤٢) من طريق سعيد به.
٤٦٦
الموطأ
قال يحيى: سمِعتُ مالكًا يقولُ فيمَن هلَك وترَك أموالًا بالعالِيَّةِ
والسّافِلَةِ : إن البَعْلَ لا يُقْسَمُ مع النَّضْحِ، إلا أن يرضَى أهلُه بذلك، وإن
البعلَ يُقْسَمُ مع العيْنِ إذا كان يُشبهُها ، وإن الأموالَ إذا كانتْ بأرضِ
غيرِ حديثٍ مالكٍ ممَّا قد ذكرناه فى هذا البابِ: ((وَأَيُّما شىءٍ))، و: ((أَيُّما التمهيد
ميراثٍ مِن ميراثِ الجاهليَّةِ » . وذلك عامّ فى كلِّ ما وقَع عليه اسمُ شيءٍ
واسمُ ميراثٍ، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ العلماءِ، فأُغنَى ذلك(١) عن الكلام
فيه .
"واختلف الفقهاءُ فی ورثة الکافرِ يُسلمون علی میرائِھم حاشا واحدٍ
منهم ؛ فقال أصحابنا : القِسمةُ بينَهم على دينِهم الأُوَّلِ؛ لأنه لا يُظْهِرُ لهم
الذِّميُّ، ولا يُجبَرُ على قَشْمِ الإسلامِ، إِلَّ أَن يَرْضَى بِقَسْمِ الإسلامِ مع
شُر كائِه، فإنه تَلْزُمُهم حينئذِ القِسْمةُ على سُنَّةِ الإسلام . وقال غيرهم: إنْ أتی
الكافرُ من قِسمةِ الإسلام(٣) دُفِع إليه نصيئه على مِلَّتِه، واقْتَسم الباقون بعدَ ذلك
ميراثَهم على سُنَّةِ المسلمين، لا يَسَعُهم غيرُ ذلك. واللهُ الموفِّقُ للصوابٍ(٢).
قال مالكٌ فِيمَن هلَك وترَك مالًا بالعاليةِ والسافلةِ: إن الاستذكار
القبس
(١) سقط من: ق.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) سقط من : ق . ويقتضيه السياق.
(٤) العالية: اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها إلى تهامة، وما كان
دون ذلك من جهة تهامة فهى السافلة. معجم البلدان ٣/ ٥٩٢.
٤٦٧
الموطأ
واحدةٍ ، الذى بينَها مُتقارِبٌ ، فإنه يُقامُ كلُّ مالٍ منها ثم يُقْسَمُ بينَهم،
والمساكنُ والدُّورُ بهذه المنزلةِ .
الاستذكار البعلَ(١) لا يُقسمُ مع النَّضْح، إلا أن يرضَى أهلُه بذلك، وإن البعلَ يُقسمُ مع
العينِ إذا كان يُشبِهُها ، فإن الأموالَ إذا كانت بأرضٍ واحدةٍ والذى بينَهما
مُتقارِبٌ ، فإنه يُقامُ كلّ مالٍ منها ثم يُقسمُ (١) بينَهم، والمساكنُ والدُّورُ
بهذه المنزلةٍ(٢) .
قال أبو عمرَ: اختلف فقهاءُ الأمصارِ فى قسمةِ الأَرَضِينَ والدُّورِ على
ما أُصِفُ لك ؛ فمذهبُ مالكِ ما ذكره ابنُ القاسم وغيرُه عنه ، أنه قال : إذا
كانت الدُّورُ مُتَقارِبةً والغرضُ فيها مُتقارِبًا، قُسِمت قَسْمًا واحدًا، وإن
افترَقتِ البقاعُ واختلَفتِ الأغراضُ، قُسِمت كلُّ دارٍ على حِدَةٍ ، وكذلك
الأَرَضون والقُرى. وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما: تُقسمُ كلَّ
دارٍ وكلُّ ضَيْعةٍ على حِدَةٍ ، ولا يُقسمُ بعضُها مع (٤) بعضٍ. وحُكَّتُهم أن
كلّ بقعةٍ ودارٍ تُعتبرُ ( بنفسِها دونَ غيرِها)؛ لأنه(١) تتعلقُ بها الشفعةُ دونَ
القبس
(١) البعل: هو ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض من غير سقى سماء ولا غيرها. النهاية
١٤١/١.
(٢) فى ح، هـ، ط: ((يسهم).
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٩٠٣)، وبرواية يحيى بن بكير (٤/١١و- مخطوط).
(٤) فى الأصل، م: ((على)).
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((بها على نفسها)).
(٦) فى م: ((لا)).
٤٦٨
الموطأ
الاستذكار
غيرِها .
واختلفوا فيما لا ينقسمُ مِن الدُّورِ إلا على ضررٍ بأحدِ الشریگیْن أو بهما
معًا؛ فقال مالكٌ: ما لا يَتْقَسِمُ مِن الدُّورِ والمنازلِ ولا يُنتفعُ بما يُقسمُ
منه ، أَجيِرا جميعًا على البيع إذا أحبًّا القسمةَ واقتسَما الثمنَ . قال: وكذلك
الثيابُ والحيوانُ . وقال أبو حنيفةَ والشافعىُّ: إن اتفقا على قسمةٍ ما لا
ينتفِعان به مِن كلِّ شيءٍ يَمْلِكانه، قُسِم بينَهما، فإن أبيا مِن قسمةِ ما فيه
عليهما جميعًا ضَرَرٌّ فى القسمةِ لم يُجْبَرا(٢) على البيع (" ولا على القسمةِ،
إن شاءا احتبسا، وإن شاءا باعا، وإن شاءا قسما، ولا يُجبران على
البيع٣)، (٤لا فى هذا)، "ولا فى الحيوانٍ*)، ولا فى الثيابٍ، ولا فى
شىءٍ؛ لأن اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تَحَكَرَةً عَن تَرَاضٍ
مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
واختلفوا إن انتفَع أحدٌ منهم بنصيبه من الدارِ والحانوتِ وسائرِ العقارِ ،
ولم ينتفع الآخرُ، وطلَبوا جميعًا القسمةَ؛ فاتفَق مالكٌ، وأبو حنيفةَ،
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) فى م: ((يجبر).
(٣ - ٣) سقط من: ح.
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((ولا على القسمة)).
(٥ - ٥) فى الأصل: ((إن شاءا حبس وإن شاءا باعا)).
٤٦٩
الموطأ
الاستذكار والشافعىُّ، أنه يُقسمُ بينَهم. وقال ابنُ القاسم: لا يُقسمُ حتى يكونَ
لكلِّ واحدٍ منهما ما ينتفِعُ به. وقال(١) أبو حنيفةً: إذا طلَب مَن ينتفِعُ
بنصيبِه القسمةَ قُسِم وإن لم ينتفع الآخرُ. وتُقسمُ العَرْصةُ عندَ مالك
وإن لم ينتفِعْ بنصيبِه واحدٌ منهما، إذا طلَب واحدٌ منهما القسمةَ،
خلافَ المنزلِ. قال: ولا يُقسمُ الطريقُ إلا بالإجماع مِن الشركاءِ
على ذلك. وقال مالكٌ فى الحقَّامِ(١) بينَ الشركاءِ: إنه يُقسمُ. قال
ابنُّ القاسم: وأرى الحائطَ يُقسمُ. قال: وقال مالك: لا يُقسمُ
الحائطُ والطريقُ إلا أن يَتراضَى الورثةُ على قسمتِهِ، فأما الحمَّامُ، فهو
عَرْصةٌ كالبيتِ الصغيرِ. وقال الليثُ: ماكان ينقسمُ فإنه يُقسمُ ولا
يامُ، وما كان مِن دارٍ لا تنقسمُ، والحمَّامُ والحانوتُ، فإنه يُمائُ
ويُقسمُ الثمَنُ، إلا أن يشتريَه "بعضُ الشركاءِ بأعلى٣) ما يُوجدُ مِن
الثمنٍ، فيكونَ أَولِی .
قال أبو عمرَ : روَى ابنُ الماجشونِ عن مالكٍ، أن الحمَّامَ لا يُقْسَمُ ؛
لأنه يصيرُ غيرَ حمَّامٍ . وروى ابنُ القاسمِ وأشهبُ عنه أنه يُقْسَمُ . وهو قولُ
القبس
(١) بعده فى ح، هـ، م: ((مالك و)).
(٢) فى الأصل: ((الحمال)).
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((من الشركاء على))، وفى ط: ((بعض الشركاء بأغلى)).
٤٧٠
الموطأ
الاستذ کار
أشهبَ . وقال ابنُ القاسم: لا يُقسمُ .
وقال الشافعىُّ : إذا كان واحدٌ منهم ينتفِعُ بنصيبِهِ قَسَمْتُه وإن لم ينتفعِ
الباقون بما يصيرُ إليهم - يعنى إذا تَراضَوا على ذلك - فإن لم يَتراضَوا
بالقسمةِ لِما عليهم فيها مِن الضَّرَرِ، وطلَبها أحدُهم ممن له فى القسمةٍ )
نفعّ بنصيبِه أو لا نفعَ له، لم يُجْبَرُوا، إلا أن يكونوا إذا اجتمع الذين لا
يُريدون القسمةَ انتفَعُوا بنصيبهم، "فيجمعُهم، فيُتْرِزُ للطالبِ نصيبَه.
قال أبو عمرَ: احتجَّ مَن رأى قسمةَ العَقَارِ كلِّه وإن غَيَّرته القسمةُ عن
اسمِه وحالِهِ، إذا دعاً ) أحدُ الشركاءِ إلى ذلك، بظاهرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ:
﴿مِّمَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضَا﴾ [النساء: ٧]. واحتجُّ مَن خالَفه فى
ذلك بقوله وَ له: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ " فى الإسلام))). وهو لفظً محتمِلٌ
للتأويلِ لا حجّةَ فيه. وأحسنُ منه وأوضحُ ما رواه ابنُ جريجٍ، عن صُدَيقٍ
ابنِ موسى بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبير، عن محمدِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو
ابنِ حزمٍ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لا تَعْضِيَةَ على أهلِ
الميراثِ، إلا ما حمَل القَسْمَ)) (٥).
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((بالشفعة))، فى ح، هـ، م: ((بالقسمة)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((بتجمعهم فيبرز الطالب))، وفى ط: ((لتجمعهم فيبرر للطالب)).
(٣) فى ح، هـ: ((عاد)).
(٤ - ٤) ليس فى: الآصل
والحديث أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٥١٩٣) من حديث جابر بهذا اللفظ .
(٥) أخرجه الدارقطنى ٢١٩/٤، والبيهقى ١٣٣/١٠ وابن الجوزى فى التحقيق فى أحاديث =
٤٧١
١
الموطأ
والتعضِيَةُ التفرقةُ فى اللغةِ ، يقولُ: لا قسمةَ بينَهم إلا فيما احتمَل
الاستذ کار
القَسْمَ . واللهُ أعلمُ .
وأما اختلافُ أصحابٍ مالكٍ فى قسمةِ الأرضِ؛ البَعْلُ منها،
والسَّقْىُ، فذكر ابنُ عُبْدُوسٍ، عن سُحنونٍ فى قولِ مالكِ فى ((موطئِه)) : لا
يُقسمُ النضح مع البعلِ ، إلا أن يرضَى أهلُه بذلك. قال سُحنونٌ: مَحْمَلُ (٨)
هذه اللفظةِ على أن الشركاءَ تَرَاضَوْا بذلك، وأما بالسهم فلا ينبغى . قال
ابنُ عُبْدُوسِ : وأصحابُ مالكٍ على ذلك إلا أشهبَ ، فإنه يقولُ : يُجمعُ
لمَن أراد الجمعَ، ويُفرّقُ لمَن أراد التفرقةَ. وهو خلافٌ لقولِ مالكِ حيثُ
يقولُ : لا يُجمعُ بينَ رجلين فى القَسْمِ. قال ابنُ عُبْدُوسٍ: ومعنى كلامٍ
أشهبَ ، أنه يُجعلُ سهم الذين أرادوا الجمعَ سهمًا واحدًا، وسهمُ الذین
أرادوا التفرقةً ("سهمًا واحدًا) . وهو خلافُ جميع أصحاب مالك . وذكّر
شُحنونٌ، عن ابنِ القاسمِ، قال: إذا كانت المواضعُ مختلفةً وكانت
قريبةٌ، قُسِمت كلَّ أرضٍ على حِدَتِها، وإن كانت المواضعُ قريبًا بعضُها
القبس
= الخلاف (٢٠٣٦) من طريق ابن جريج به .
(١) فى م: ((فحمل )).
(٢) فى الأصل، ط، م: ((بينهما).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((بينهما خلاف))، وفى ط: ((بينهما واحدا)).
٤٧٢
الموطأ
القضاءُ فى الضَّوارى والحَريسَةِ
الاستذكار
مِن بعضٍ، وكانت "فى الكَرَمِ) سواءً، مجمِعت فى القَسْم. قال
سُحنونٌ : لا نعرِفُ هذا، والذى نعرفُه مِن قولٍ مالكِ أن الأرضَ إذا تقارَبت
مواضعُها، وكانت فى نَمَطٍ واحدٍ، قُسِمت قَسْمًا واحدًا وإن اختلفت فى
القيمةِ(١) . وقال أشهبُ: إذا تقارَبت المواضعُ قُسمت قَسْمًا واحدًا، وإن
اختلَفت فى الكَرَمِ .
قال أبو عمرَ : اختلافُهم فى قِشمةِ الأموال على اختلافٍ أصنافِها كثيرٌ
جدًا ، وقد ذكرنا ذلك فى كتاب القسمة من « دیوانِ اختلافهم)» . والحمدُ
للهِ کثیرًا .
التمهيد
القضاءُ فى الضَّوارى والحَرَيسَةِ
القبس
أما قولُه : الضوارى . فيريدُ المعتادةَ للإذايةِ. وأما قولُه: الحريسةُ. فيَحتمِلُ
التى(٢) تُخْرَسُ ويكونُ معها حافظُها، ويحتمِلُ أن تكونَ ((حريسة)) أى : يُخْتَرسُ
منها . فأما الضوارى، وهى التى اعتادت الفسادَ، فاختلَفتِ الروايةُ فيها عن
(١ - ١) سقط من ح، هـ. وأرضّ حَرَمٌ: كريمة طيبة، والكرّم: أرض مثارة منقاة من الحجارة.
اللسان (ك ر م).
(٢) فى ح، هـ: ((القسمة)).
(٣) فى د: ((أن يريد الذى)).
٤٧٣
٠٠
الموطأ
التمهيد
القبس علمائِنا ما بينَ تغريبٍ وبيع، وهذا الاختلافُ إنما هو اختلافُ حالٍ، ( إن أمكن
تغريئها فبها ونِعْمَتْ ، وإلا قُضِى على صاحبها ببيعِها)، وقد جعَل علماؤنا مِن
الضوارى نَخْلَ الجباحِ(١)، وحمامَ الدُّورِ والأبراجِ إذا آذتْ ، ما عدا أصبغَ ، وربما
عضَد قولَ أصبغَ الحديثُ الصحيحُ : ((ما مِن مسلمٍ يغرِسُ غرسًا أو يزرَعُ زرعًا)) .
إلى أن قال فيه : ((فيأكُلُ منه طائرٌ أو بهيمةٌ)(٢) الحديث. ولأنه حيوانٌ(٤) لَم يكنْ
عليه يدٌ وكان مسترسِلًا مع نفسِه، فلا بدَّ له من رزْقِه، لكن تَبْقى هلهنا نكتةٌ هى
فائدةُ الحالةِ، وهى أنها إذا كانت مسترسِلةً احتَرس صاحبُ الزرعِ منها، أو
صادها، أو عقَرها، وفى المملوكةِ لا يتأَنَّى ذلك، فلا بدَّ أن يقالَ له: قُصَّها.
أو (٥) : أشْبِغها. أو: ذكِّها وكُلُها. وأما الحريسةُ فإن ما كان منها ضاريًا وتُقَدِّم
فيها إلى أربابِها(١) فتركوها باقيةً وأَرْسَلوها فاشيةً، فقد قال مالكٌ وكثيرٌ مِن
العلماءِ: يضمَنُ أربابُها ما أفسَدتْ . ودليلُه ظاهرٌ، ومنها الفحلُ الصائلُ، فإنه إذا
صال على أحدٍ ودفَعه عن نفسِه فقتله، كان هذْرًا عندَنا، وبه قال الشافعىُّ، ولم
(١ - ١) سقط من: ج .
(٢) فى ج، م: ((الجناح)). والجبح: حيث تُعَسَّلُ النحل إذا كان غير مصنوع، والجمع أجبح
وجُوح وجِباح، وقيل: هى مواضع النحل فى الجبل وفيها تُعَسَّلُ. ينظر اللسان (ج ب ح).
(٣) البخارى (٢٣٢٠)، ومسلم (١٥٥٣) من حديث أنس .
(٤) بعده فى ج: ((إن)).
(٥) فى ج، م: (( و)).
(٦) فى ج، م: ((أهلها)).
٤٧٤
الموطأ
التمهيد
القبس
يختلِفْ فيه أحدٌ مِن علمائِنا، وقال أبو حنيفةً: إذا دفَعه عن نفسِه فقتله ضَمِن قیمته
لمالكِه؛ لأن العجماءَ لا يُعْتَبِرُ فِعْلُها؛ لقولِ النبيِّ وَلِّ: ((جَرْحُ العَجْمَاءِ مُجْبَارٌ)) ".
ولم تُخْتَرمِ البهيمةُ بحرمةِ نفسِها حتى يقالَ : إنها إذا صالت سقطت حرمتُها .
وإنما احترمت بحرمة المالكِ، فوجب أن يغرم قيمتها له؛ لأنه لم یکنْ مِن جهته
جنايةٌ . قلنا: قد مهَّدْنا هذه المسألةَ فى كتابٍ ((التلخيصِ))، وبيَّنَّا مقاطعَ القول
فيها، ومن مُمَّدِها أن المالكَ وإن لم تكنْ مِن قِبَلِه جنايةٌ ، فإنه لو كان حاضرًا
لوجب عليه قتلُ فحلِه؛ لأنَّ دفْعَ الفحلِ فرضُ كفايةٍ على جميعِ المسلمين ، مَن
حضَره وقام به منهم أسقَطه عن الباقين، فهذا الذى حضَره وقتله(١) قد أسقَط
فرضًا عن المالكِ الغائبِ، وكيف يُسقِطُ عنه فرضًا ويتكلَّفُ له ضمانًا؟! فهذا لا
يتمكِّنُ عقلًا ولا يسوُ شرعًا، ومن فروع هذا البابِ ما جعَله مالكٌ فاتحةً له؛ وهو
حديثُ البراء بن عازبٍ ، أزْسَله مالك عن حرامٍ بن مُحيِّصةً، والحدیثُ مسندٌ عن
حرامِ بنِ مُخَيِّصةَ، عن أبيه مُحَيِّصةَ، أن ناقةً للبراء بن عازبٍ . وذكر الحديثَ إلى
آخرِهُ(١) . واختلف فيه العلماءُ؛ فقال أبو حنيفةً: لا ضمانَ على أربابِ الماشية فيما
نفَشت فيه ليلًا أو نهارًا؛ لقولِ النبيِّ وَلِّ: ((جَرْعُ العَجْماءِ مجبارٌ)) . وما قلناه
أصح؛ لحديثِ البراءِ، وهو خاصّ يَقْضِى على ذلك العامّ، كما قضَى على
(١) سيأتى فى الموطأ (١٦٨٥).
(٢) فى ج، م: (( قبله )).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٤٨٦ .
(٤) سقط من : ج ، م .
٤٧٥
الموطأ
١٥٠١ - مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حَرامِ بنِ سعدِ بنِ
مُحيِّصةَ ، أن ناقةً للبَراءِ بن عازِبٍ دخَلَتْ حائطَ رجلٍ فَأَفْسَدَت فيه ،
فقضَى رسولُ اللهِ وَلَّهِ أَن على أهلِ الحوائِطِ حِفظَها بالنهارِ ، وأن ما
أفسدَتِ المَواشى بالليلِ ضامِنٌ على أهلِها .
التمهيد
مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن حَرامِ بنِ سعدِ بنِ مُحيِّصةً، أنَّ ناقةً للبراءِ
ابنِ عازبٍ دخَلت حائطَ رجلٍ فأفسدت فيه، فقضَى رسولُ اللهِ وَلَهِ أَنَّ
على أهلِ الحوائطِ حِفْظَها بالنهارِ ، وأنَّ ما أفسدتِ المواشِى بالليلِ ضامِنٌ
القبس خُصُوصةِ الشَّوْقِ والقَوْدِ (١) والوكوبِ، واختلَف علماؤُنا فى فرع مُتَرَكِّبٍ على
هذه المسألةِ، وهو إذا نفَشت فى زرعٍ مُخْظَرٍ(٢) أو مطلَقٍ؛ فمنهم من قال : إنما
يكونُ الضمانُ إذا كان الزرعُ مُحْظَرًا). ونزَع فى ذلك بنكتةٍ بديعةٍ وهو
قولُه : حائطًا للبراءِ. والحائطُ إنما يكونُ مُخظَرًا ، ولعَمْرِى إنه لمتعلِّقٌ ، إلا أنه فاته
أن يمشِىَ إلى آخرِ الحديثِ فيظهَرَ له البَحِيثُ(٤) ، وهو قولُه: فقضَى رسولُ اللهِ
وَ ل و على أربابِ المواشى. إلى آخرِه.
تمامٌ: وقد قال علماؤنا رحمةُ اللهِ عليهم: إن قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَدَاوُدَ
(١) القَوْد: نقيض السَّوْق ، فهو يقود الدابة من أمامها ويسوقها من خلفها . اللسان (ق ود).
(٢) فى ج: ((مخضر)).
(٣) فى ج: ((مخضرًا)).
(٤) فى د: ((النحيث)). وفى م، وأشار فى حاشية د إلى أنه فى نسخة: ((البحث)).
والبحيث: السّرّ. التاج (ب ح ث).
٤٧٦
الموطأ
على أهلِها(١).
التمهيد
هكذا رَوَاه جميعُ رواةِ ((الموطأُ))، فيما عَلِمتُ، مرسلًا. وكذلك
رَوَاه أصحابُ ابنِ شهابٍ، عن ابنِ شهابٍ أيضًا هكذا مرسلاً . إلّا أنَّ ابنّ
عيينةَ رَواه عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ وحرامِ بنِ سعْدِ بنِ
وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْخَرَثِ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٨]. قالوا: إن قضاءً سليمانَ القبس
الذى كان فيه التفهيمُ، ووقَع له التصويبُ، كان على مثلٍ قضاءِ النبيِّ بَّهِ فِى
حديث البراءِ، أن على أهلِ الحوائطِ حِفْظَها بالنهارِ ، وأنَّ ما أفسَدتِ المواشى
بالليلِ فهو ضامنٌ على أهلِها ، فأما قصةُ سليمانَ على الجملةِ ، فإن ما ذكر اللهُ منها
مقطوعٌ به، وكيفيةُ قضاءٍ سليمانَ لا تُعْلَمُ أبدًا؛ لأن النبيَّ وَِّ لم يَبلُغْنا عنه فيه
شىءٌ، وطريقُ كعبٍ ، ومحمدِ بنِ كعبٍ، ووهبِ بنِ منبهٍ(٢)، لا علمَ "فيها ولا٢ً)
اهتداءَ، وعليهم عوَّل المفسّرون، فسؤَّدوا القراطيسَ بما لا تقومُ به حجةٌ،
ويكفينا قولُ النبيِِّ وَ﴿ للسلوكِ(٤) محبّةٌ .
تبيينٌ: وقد اختلف علماؤنا، هل هذا الذى قضَى به النبيُّ وَّرَ فى حديثٍ
البراءٍ حكْم مبتدأً فى الشرع، أو هو مبنىٌّ على عادةِ الناسِ؟ فإن كان حكمًا مبتدأً
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٧٨)، وبرواية يحيى بن بكير (٤/١١و، ٤ظ- مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٩٠٤)، وأخرجه الشافعى ٢١٥/٢ (٣٥٨ - شفاء العی)، وأحمد ٩٧/٣٩
(٢٣٦٩١)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٠٣/٣، والدارقطنى ١٥٦/٣، والبيهقى ٢٧٩/٨،
٣٤١ من طريق مالك به .
(٢) بعده فى ج، م: ((بهما)). وضرب عليها فى د.
(٣ - ٣) فى د: ((فيهما ولا))، وفى ج: ((ولا فيها)).
(٤) فى ج: ((للمسلوك)).
٤٧٧
٠
هـ
الموطأ
التمهيد مُحيِّصةَ، أَنَّ ناقةً للبراءِ دخَلت حائطَ قوم. فذكر مثله بمعناه، وجعل مع
حَرامِ بنِ سعدٍ سعيدَ بنَ المسيَّبِ(١).
ورَوَاه ابنُ أبي ذئبٍ ، عن ابن شهابٍ ، أَنَّه بلَغه أنَّ ناقةً للبراءِ بنِ عازپٍ
دخَّلت حائطَ قوم. مثلَ حديثِ مالكِ سواءً. ولم يصنَعِ ابنُ أَبى ذِئبٍ
شيئًا؛ لأنَّه أَفسَدَ إِسناده .
ورواه عبدُ الرزاقٍ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن حَرَامِ بنِ مُحيِّصةً ،
عن أبيه، عن النبيّ وَليه١) . ولم يُتَابَعْ عبدُ الرزاقِ على ذلك ، وأَنگروا عليه
قوله فيه : عن أبيه .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ بکرِ
ابنِ عبدِ الرزاقِ الثََّّارُ، قال: سمِعتُ أبا داودَ يقولُ: لم يُتابع أحدٌ
عبدَ الرزاقٍ على قولِه فى هذا الحديثِ : عن أبيه .
القبس فى الشرع فيها ونعمتْ، إنه لأصلٌ، وإن كان هو مبنىٌّ على العادةِ، فإن
أربابَ المواشى بالنهارِ معها، فهم يتولَّون حفظَها، فعلى هذا إن وُجِد
خلافَ العادة بأن يُهْمِلوها، أو يكونوا معها، ويغفُلوا عنها، فإن الضمانَ
. واجبٌ عليهم؛ لأن محلَّ الحكم قد عُدِم حسَبَ ما رتَبه عليه النبيُّ وَه
وانعدم الحكم.
(١) سيأتى تخريجه ص ٤٨٧، ٤٨٨.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤٨٦.
٤٧٨
الموطأ
هكذا قال أبو داود: لم يُابَعْ عبدُ الرزاقٍ. قال محمدُ بنُ يحيى التمهيد
الذَّهلِئُ : لم يُابغ معمرٌ علی ذلك. فجعَل محمدُ بنُ یحیی الخطأ فيه مِن
معمرٍ، وجعَله أبو داودَ مِن عبدِ الرزاقِ ، على أنَّ محمدَ بنَ يحبى لم يَزْوِ
حديثَ معمرٍ هذا، ولا ذكره فى كتابِهِ فى («عَلِ حديثٍ الزهرىِّ))، إلّا
عن عبد الرزاقِ لا غيرُ. ثم قال محمدُ بنُ يحيى: اجتمَع مالكٌ،
والأوزاعىُ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ ، وصالحُ بنُ کیسانَ، وابنُ عيينةً، علی
رواية هذا الحديثِ عن الزهرىِّ، عن حَرامِ، لم يقولوا: عن أبيه . إلّا
معمرًا، فإنه قال فيه : عن أبيه . فيما حدَّثنا عنه عبدُ الرزاقٍ، إِلَّا أَنَّ ابن عيينةً
جمَع إلى حَرَامٍ سعيدَ بنَ المسيَّبِ . قال: وأمَّا حديثُ كَسْبِ الحجّامِ
فمحفوظٌ فيه : عن أبيه . وقال فيه محمدُ بنُّ إسحاقَ ، عن أبيه، عن جدِّه .
هذا کلُّه کلام محمد بنِ یحیی .
قال أبو عمر : هذا الحدیثُ وإن کان مرسلا فهو حديثٌ مشهورٌ،
أُرسَله الأئمةُ، وحدَّث به الثِّقاتُ، واستَعمَلَه فقهاءُ الحجازِ وتَلَقَّوه
بالقبول، وجَرَى فى المدينةِ به العمَلُ، وقد زعَم الشَّافعىُّ أنَّه تَتَبَّعَ مراسيلَ
سعيدِ بنِ المسيَّبِ فألفَاها صِحاحًا، وأكثرُ الفقهاءِ يحتَجُون بها . وحسبُكَ
باستعمالِ أهلِ المدينةِ وسائرِ أهلِ الحجازِ لهذا الحديثِ .
حدَّثنی عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيم بن جامعٍ ،
قال : حدَّثنا المِقْدامُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الحكم ، قال :
القبس
٤٧٩
الموطأ
التمهيد قال مالكٌ: وما أَفسَدَتِ المواشِى والدَّوابُ مِن الزروع والحوائطِ بالليلِ
فضمانُ ذلك على أهلِها، وما كان بالنهارِ فلا شىءَ على أصحابٍ
الدَّوابٌ، ويُقَوَّمُ الزرعُ الذى أَفسَدت بالليلِ على الرَّجَاءِ والخوفِ. قال:
والحوائطُ التى تُحرَسُ والتى لا تُحرَسُ سواءٌ، والمُحظَرُ عليه وغيرُ المحظَرِ
سواءٌ؛ يَغْرَمُ أهلُها ما أصابَت بالليلِ بالغًا ما بَلَغ وإن كان أكثَرَ مِن قِيمَيِّها .
قال مالك: فإذا انفَلتَت دابةٌ بالليلِ، فوَطِئَت على رجلٍ نائمٍ، لم يَغَمْ
صاحِبُها شيئًا ، وإنما هذا فى الحوائط والزرع والحرثِ. قال: وإذا تقدَّم
إلى صاحبِ الكلبِ الضَّارِى أو البعيرِ أو الدَّابةِ ، فما أفسَدَت ليلًا أو نهارًا ،
فعليهم غُزْمُّه . وقال ابنُّ القاسم: ما أفسَدتِ الماشيةُ بالليلِ فهو فى مالٍ
ربّها، وإن كان أضعافَ قيمتِها؛ لأنَّ الجِنايةَ مِن قِبَلِه إذ لم يَرَبُطُها ،
وليستِ الماشيةُ كالعبيدِ. حكاه سخنُونٌ ، وأصبغُ ، وأبو زيدٍ ، عن ابنِ
القاسم .
وحدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: حدَّثنى أبى،
قال: حدَّثنا أسلَمُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنى المزَنىُّ، قال: قال
الشافعىُّ: والضَّمانُ عن البهائم بوجهينٍ؛ أحدُهما، ما أفسَدَت مِن الزرع
بالليلِ ضَمِنَه أهلُها، وما أفسدت بالنهارِ لم يَضمَنوا. واحتَجَّ بحديثٍ
مالكِ، عن ابنِ شهابٍ ، عن حرامٍ بنِ سعدِ بنِ مُحَيِّصةَ المذكُورِ فى هذا
البابٍ ، وبحديثٍ ابنٍ عُيينةَ فيه على حسَبٍ ما أورَدناه عنه. قال: والوجهُ
القبس
٤٨٠