Indexed OCR Text

Pages 381-400

الموطأ
وأما أبو حنيفةَ فمذهبه أن كلِّ أرضٍ يملِكَها مسلمٌ أو ذميّ، لا يزولُ الاستذكار
ملكُه عنها بِخَرَابِها ، وكلَّ ما قَرْب مِن العُمْرانِ فليس بمَواتٍ ، وما بَعُد منه
ولم يُملَكْ قبلَ ذلك فهو مَوَاتٌ . وهذا كلُّه قولُ أبى حنيفةً ، وأبى يوسفَ ،
ومحمدٍ. وذكر أصحابُ (الإملاءِ)) عن أبى يوسفَ، أن المَوَاتَ هو الذى
إذا وقف رجلٌ علی أدناه مِن العامر ، فنادی بأعلى صوته، لم يسمعه من فى
أقرب العامرِ إليه .
واختلفوا هل يُحتاجُ فى إحياءِ المَواتِ إلى إذنِ الإمام أم لا يَصِحُ الإحياءُ للمواتِ()
القبس
ولا یصُ أن يكونَ للذمىّ فى(٢) إحياء المواتِ حقٌّ؛ لثلاثةِ أُوجهٍ ؛ أحدُها ،
أن أبا حنيفةً يقولُ : إن الكفارَ لا يخاطَبون بفروع الشريعةِ . فليس لهم دخولٌ فى
الأمرِ والنهي من بابٍ نفي التكليف بالأحكامِ، وهذا ما لا جوابٌ لهم عنه .
الثانى، قولُ النبيَِِّ﴿ قال: ((مَن أعمَر أرضًا ليست لأحدٍ فهو بها أحقُّ))(١).
وهذه الأرضُ للمسلمين؛ لقولِ النبيِّ وَ له: «مَوَتَانُ الأرضِ للهِ ولرسوله، ثم هی
لكم منّى أَيُّها المسلمون)»(٤) . الثالثُ، أن الذمى ليس مِن أهلِ الأرضِ، إنما هو
فيها مُكْترَى بأجرةٍ معلومةٍ، فأىُّ حقٍّ له فى الإشاعةِ حتى يُعينَه بالإحياءِ؟ وفى
مسائلِ الإحياءِ تفريعٌ فابنُوه على هذه الأصول .
(١ - ١) سقط من: ح، هـ ، م.
(٢) سقط من : ج .
(٣) البخارى (٢٣٣٥) من حديث عائشة .
(٤) أخرجه البيهقى ١٤٣/٦، وتقدم ص ٣٦٨ .
٣٨١

الموطأ
الاستذكار إلا بإقطاع الإمام؟ فقال مالكٌ: أمَّا ما كان قريبًا مِن العُمْرانِ فلا يحازُ ولا
يُعْمَرُ إلا بإذن الإمام، وأما ما كان فى فيافى (١) الأرضِ ، فلك أن تُخْبِتِه بغیرِ
إذنِ الإمامِ. وقال أبو حنيفةً: ليس لأحدٍ أن يُحْيِىَ مَوَاتًا مِن الأرضِ إلا بإذنِ
الإمام، ولا يملِكُ منه شيئًا إلا بتمليكِ الإمام له إيَّاه .
قال أبو عمرَ : التمليكُ مِن الإمامِ هو إقطاعُه مَن أقطَعه إِيَّاه .
وقال أبو يوسفَ ، ومحمدٌ ، والشافعىُّ: مَن أَحْيا مَوَاتًا مِن الأرضِ فقد
ملكه؛ أذِن الإِمامُ له فى ذلك أو لم يأْذَنْ . قال الشافعىُّ : وعطيةُ رسولِ اللهِ
نَّ عامةٌ لكلِّ مَن أحْيَا مَوَاتًا أثبتُ مِن "عطيةٍ مَن٢) بعدَه مِن سلطانٍ أو
غيرِه. وهو قولُ أحمدَ ، وإسحاقَ، وأبى ثورٍ ، (٢ وداود٢َ) ، وقولُهم فى هذا
البابِ كلِّه نحوُ قولِ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: مَن مَّكه الإمامُ مَوَاتًا فأَحياه ، وأخرجه مِن
المَوَاتِ إلى العُمرانِ (١) فيما بينَه وبينَ ثلاثٍ سنينَ، تمَّ(٤) مِلْكُه فيه، وإن
ترَكه ولم يَعمُّرْه حتى مضَت ثلاثُ سنينَ، بطَل إِقطاعُ الإمامِ إِيَّاه ذلك،
وعاد إلى ما كان عليه قبلَ إقطاعِ الإمامِ إياه ذلك .
القبس
(١) ليس فى: الأصل، م.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) فى الأصل: ((الأوطان)).
(٤) فى الأصل، هـ، م: (ثم)).
٣٨٢

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : ليس عندَ مالكٍ، ولا الشافعيّ، ولا أصحابِهما، ولا مَن ١
ذگرنا معهم ، فى ذلك حدٍّ، وإنما هو اجتهادُ الإمام يؤجّلُه على حسب ما
يَراه ، فإن عمَره، وإلا يُقطِعُه غيرَه ممن يَعْمُرُه .
قال أبو عمرَ: ذهبت طائفةٌ مِن التابعين ومَن بعدَهم إلى أن مَن حجّر
على مَوَاتٍ فقد ملكه، (١ وأن ذلك کالإحياء له) .
واحتجُوا بما رواه شعبةُ وغيرُه ، عن قتادةَ، عن الحسنِ ، عن سَمُّرةَ،
أن رسولَ اللهِ وَ له قال: ((مَن أحاط حائطًا على أرضٍ فهى له))(١).
وروَى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ و(٣) ابنِ عيينةً، عن ابنِ شهابٍ، عن
سالم، عن ابنِ عمرَ، قال: کان الناسُ يتحجّرون على عهد عمرَ فی
الأرضِ التى ليست لأحدٍ، فقال عمرُ: مَن أحْيَا أرضًا فهى له (٤).
وهذا يدلُّ، واللهُ أعلمُ، على أن التحجيرَ غيرُ الإحياءِ على ما قاله أكثرُ العلماءِ.
وروَى ابنُّ عبينةً، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن عمرو بنِ شُعَيبٍ(*)، أن النبىّ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م، وفى هـ: ((وأن ذلك كان إحياء له)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٧٦، ٣٧٧.
(٣) فى الأصل، م: ((عن)).
(٤) تقدم تخريجه ص ٣٧٧ .
(٥) بعده فى ح، هـ، م: ((عن أبيه عن جده)).
٣٨٣

الموطأ
القضاءُ فى المیاهِ
﴿﴿ أقطع ناسًا من جهينةَ («أو مُزَينَة١َ) أرضًا فعَطَّلوها، فجاء قوم فعَمَروها ،
الاستذ کار
فخاصّمهم أصحابُ الأرضِ إِلى عمر بن الخطّابِ. فقال عمر: لو كانت
قطيعةً من أبى بكرٍ أو منى لم أرُدَّها إِليكم، ولكنَّها قَطيعةٌ من رسولِ اللهِ
وَإِ، "لا نَسْتَطِيعُ إِلا أَنْ نَؤُدَّها٢) . فَرَدَّها إليهِم، ثم قال: من أُقْطِع(٣)
أرضًا ، فعطّلها صاحبها ثلاثَ سنينَ ثم أحياها غيرُه، فهو أَحَقُّ بها(٤).
التمهید
القبس
القضاءُ فى المیاهِ
الأصلُ فى المياهِ وأحكامِها حديثُ الزبيرٍ، وهو متفقٌ عليه بينَ(٥) الأئمةِ
والأَّمةٍ ؛ روَى أنه خاصَمه رجلٌ مِن الأنصارِ فى شِرَاجِ الحَرَّةِ ، فترافعا إلى رسول
اللهِ وَّهِ، فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((اشْقِ يا زبيرُ، وأرسِلْ إلى جارٍك)). فقال
الأنصارىُّ : أن کان ابن عمتك؟ فتلوّن وجهُ رسول الله پلے ثم قال للزبيرِ:
((أَمْسِكِ الماء حتى يبلُغَ الجَدْرَ(٧) ثم أَزْسِلْه). وفى ذلك نزلت: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((فلا أستطيع إلا أن أردها)).
(٣) فى ح، هـ: ((اقتطع)).
(٤) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (١٠٦٢) من طريق ابن عيينة به.
(٥) فى ج، م: ((من )).
(٦) الشراج واحدتها الشرجة: وهى مسيل الماء من الحرة إلى السهل . النهاية ٤٥٦/٢.
(٧) الجدر : هو هنهنا المسناة ، وهو ما رفع حول المزرعة كالجدار . وقيل: هو لغة فى الجدار.
وقيل: هو أصل الجدار. وروى: الْجُدُر. بالضم، جمع جدار. النهاية ٢٤٦/١ .
٣٨٤

الموطأ
التمهید
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآيةُ [النساء: ٦٥]. وقد فات القبس
الإيمانُ الأنصارىَّ بهذه الكلمةِ، ولكن النبيُّ وَّهِ سكت عنه؛ لأنها كانت فَلْتَةً
اثْتِلافًا، وقد كان يسكُتُ عن المنافقين الذين يُصَرِّحون بالكفرِ ، فإقالةُ العَثْرةِ أَقْلُّ
مِن ذلك وأولى؛ ولذلك قال النبىُّ وَّهِ : ((إنها صفيةُ بنتُ حتِىٌّ، وإنى خشِيتُ أن
يقذِفَ الشيطانُ فى قلوبِكما شيئًا فَتَهْلِكًا))(١). فكلُّ مَن أَنَّهَم رسولَ اللهِ وَهـ
بباطلٍ فهو كافرٌ، وحكمُه(٢) ما ذكرناه، وهذا رجلٌ خاصَم الزبيرَ فى الماءِ،
والماءُ على قسمين؛ مملوكٌ ومباحٍ، فأما المملوكُ فلا كلامَ لأحدٍ فيه إلا
لصاحبِهِ، ومن أسبابٍ ملكِ الماءِ ملكُ محِلِّه، كمَن احتفَر بئرًا أو أَنْتَط عينًا() ،
فإن ذلك سببٌ تَقْضِی له بالاختصاص به دون غيره، على تفصيل معلومٍ فی کتبٍ
المسائلِ، يأتى الآنّ منه شىءٌ إن شاء الله. ولم يكنِ الماء الذى اختصم فيه الزبيرُ
والأنصارىُّ مملوكَ الأصلِ، وإنما كان ماءً سماءٍ يَجْرِى فى المسيلِ، فَيَجْذِبُ(٥).
كلّ جارٍ يُؤ عليه مِن أحدٍ جانبي المسيلِ ما يحتاج إليه، وكان الأنصارىُّ تحتَ
الزبيرِ فى جانبِه أو من الجانبِ الآخرِ ، ولو كان فوقّه لكان أحقّ به إلا بملكِ ثابت
باتفاق ، أو باحتیازٍ" قدیم باختلاف ، فإن ساواه فى الجانب الثانی فالحكم لمن
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٨٩، ٣٩٠.
(٢) البخارى (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥) .
(٣) فى ج، م: ((الحكمة).
(٤) أنبط عينا : أى استخرج ماءها . ينظر القاموس المحيط (ن ب ط) .
(٥) فى ج: ((فيجدب))، وفى م: ((يجتذب).
(٦) فى ج، م: ((باختيار)).
٣٨٥
(موسوعة شروح الموطأ ٢٥/١٨)

١٤٩٣ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أیی بکر بن محمد بن عمرو بنِ
الموطأ
حزم، أنه بلَغُه، أن رسولَ اللهِ وَ لَّهِ قال فى سَيْلِ مَهْزُورٍ ومُذَيْنِبٍ :
(يُمسَكُ حتى الكَعْبَيْن ثم يُرسِلُ الأعلَى على الأسفَلِ)) .
مالكٌ ، عن عبدِ الله بن أبی بکرِ بنِ محمدِ بن عمرو بن حزمٍ ، أنه بلغه ،
التمهید
أن رسولَ اللهِ وَّه قال فى سيلٍ مَهْزورٍ ومُذَيْنبٍ(١): ((يُمسكُ حتى
الكعبين، ثم يُرسلُ الأَعلَى على الأسفلِ))(٢).
القبس سبق، وإن اختلَفا قبلَ الاختصاصِ فإما أن يَقْتسِما وإما أن (١) يَسْتَهِما، فلما سبَق
الزبيرُ كان له أن يأخُذَ حاجته حتى إذا استغْنى أرْسَل الفاضلةَ، فأشار عليه (١) النبى
وَ لَه بأن يأخُذَ وأن يتركَ من حقّه، فلما تعدَّى الأنصارىُّ فى القولِ استوعی
(٥)
النبىُّ وَلّ للزبيرِ حقَّه، وقال له: (أَمْسِكْ ماءَك حتى يبلُغَ الجَدْرَ)). يعنى: حتى
يستوِىَ مع حائطِ الحوضِ . واختلَف علماؤنا لمن يكونُ ؟ فقيل : ذلك لصاحبٍ
الشجرِ باتفاقٍ ؛ لأنها تحتاجُ إلى رَىِّ كثيرٍ، فإن كان زَرْعًا أمْسَك حتى يستُرَ
الأرضَ؛ لأن الزرعَ إنما يحتاجُ إلى قليلٍ، وقضاءُ النبىِّ وَّهِ أُحقٌّ.
مَرْجِعٌ: والدليلُ على مِلكِ الماءِ أحاديثُ كثيرةٌ وأصولٌ متعدِّدةٌ، ومِن
الأحاديثِ مِلكُ هاجر لمائها ، ومنثُه مِن مُرْهُم ، وسامحَتْهم پاباحة الشربِ على
(١) فى الأصل، ص، م، هنا وفيما سيأتى ((مذينيب)). وينظر الاقتضاب فى غريب الموطأ
٢٦٠/٢، ٢٦١.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٣٥)، وبرواية يحيى بن بكير (٥/١١و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٢٨٩٩).
(٣) ليس فى : د .
(٤) سقط من : ج ، م .
(٥) فى م: ((استرعى)). واستوعى النبى وَّل﴿ للزبير حقَّه: أى: استوفاه كُلَّه. ينظر النهاية ٢٠٨/٥.
٣٨٦

الموطأ
قال أبو عمرَ: لا أعلمُ هذا الحديثَ فى سيلِ مَهْزورٍ ومذينب هكذا التمهيد
يَتَّصلُ عن النبيِّ وَال﴿ من وجهٍ من الوجوهِ، وأرفُ أسانيدِه ما حدَّثناه خلفُ
ابنُّ القاسم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ محمدٍ أبو محمدٍ (١)
العطارُ بمصرَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ بنِ صالح بنِ صفوانَ ، قال :
حدَّثنا أبو صالح الحَرَّانُ عبدُ الغفارِ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
سلمةَ ، عن محمدٍ بن إسحاقَ ، عن أبى مالكِ بنِ ثعلبةً ، عن أبيه ، أن النبىّ
ألّا يكونَ لهم فيه حقٌّ، فجاوَرَتْها على ذلك الشرطِ (١) ، والحديثُ الصحيحُ ؛ قال القبس
النبىُّ وَّهِ: ((مَن يشترى بثرَ رُومَةَ فيجعَلُ دَلوَه فيها كدِلاءِ المسلمين فله
الجنةُ))(٣). إلا أن مالكًا "لما روى" الحديث الذى أدخل فى ((الموطأ)): ((لا يُمنغُ
نَفْعُ°) بثٍ )) . وهو مؤسَلٌ مِن طريقٍ عمرةَ، ولا يُسنَدُ من طريقٍ صحيحةٍ ، وأُدخَل
حديثَ أبى هريرةَ: ((لا يُمْنَعُ فضلُ الماءِ لِيُمْنَعَ به الكلاً)(١) - تردّد قولُه فى بيع
البئرِ؛ فتارةً منَعه وقال: لا يجوزُ. وهو فى ((المجموعة))، وبه قال أبو حنيفةً،
وتارةً كَرِهه ، وبه قال الشافعىُّ ، واختار الكراهيةَ ابنُّ القاسم ، وهذا إنما يكونُ فى
بثرٍ لا تُحفَرُ فى مِلكِ، ومَن كَرِه بيعَها حمَله على أنه من المروءاتِ والآدابِ.
(١) سقط من: م.
(٢) البخارى (٣٣٦٤).
(٣) البخارى معلقا، فتح البارى ٥٢/٧، والترمذى (٣٧٠٣)، والنسائى (٣٦٠٨).
(٤ - ٤) فى ج: ((لما رأى))، وفى م: ((رأى)).
(٥) فى ج: ((نفع)).
والحديث سيأتى فى الموطأ (١٤٩٥).
(٦) بعده فى م: (( و)).
والحديث سيأتى فى الموطأ (١٤٩٤).
٣٨٧

الموطأ
وَِّّ أتاه أهلُ مَهْزورٍ، فقضَى أن الماءَ إذا بلغ إلى الكعبينِ لم يَحبِسٍ
(١)
التمهيد
الأعلى(١) .
وذكَر عبدُ الرزاقٍ(١)، عن أبى حازم القُرّظىّ(١)، عن أبيه، عن جدِّه ،
أن رسولَ اللهِ وَ ﴿ قضّى فى سيلِ مَهْزورٍ أن يُحبسَ فى كلِّ حائطٍ حتى يبلُغَ
الكعبينِ ثم يُرسَلَ، وغيره من الشیول كذلك .
قال(٤): وأخبرنا معمرٌ، قال: سمِعتُ الزهرىَّ يقولُ: نظّرنا فى قولٍ
النبىِِّ لَّهِ: ((ثم احبسِ الماءِ حتى يبلُغَ إلى الجَدْرِ)). فكان ذلك إلى
القبس والصحيح عندى من هذا الاختلاف كلِّه أنه يجبُ عليه إعطاء الفضل،
وإذا ثبت هذا فلا يجوزُ حينئذٍ البيعُ؛ لأن المبيعَ(٥) يكونُ حينئذٍ مجهولًا ،
فإن قيل: فلِم(١) منعت هاجر؟ قلتُ: لأن الله ملكها الماء والموضعُ،
واختطَّه لها جبريلُ، وجعَلها أرضًا متملكةً موروثةً، مقدَّمةٌ لخيرٍ البريةِ،
ومنشأ له.
:
(١) أخرجه يحيى بن آدم فى الخراج (٣١٠، ٣١١، ٣١٢)، وابن قائع فى معجم الصحابة
١٢٢/١ من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه أبو داود (٣٦٣٨)، والبيهقى ١٥٤/٦ من طريق
أیی مالك به .
(٢) عبد الرزاق - كما فى التلخيص الحبير ٦٦/٣.
(٣) فى ص ١٦: ((القرطبى)).
(٤) عبد الرزاق = كما فى فتح البارى ٠٤٠/٥
(٥) فى د: ((البيع)).
(٦) سقط من : ج .
٣٨٨
٠٠

الموطأ
الكعبين .
التمهيد
قال أبو عمرَ: سئل أبو بكرِ البزَّارُ(١) عن حديثِ هذا البابِ، فقال:
لستُ أحفظُ فيه بهذا اللفظِ عن النبيِّ وَ لَّ حديثًا يثبُتُ .
قال أبو عمرَ: فى هذا المعنَى، وإن لم يكنْ بهذا اللفظِ ، حديثٌ
ثابت مجتمع علی صحّتِه، رواه ابنُ وهب، عن الليث بن سعدٍ ويونسَ
ابنِ يزيدَ، جميعًا عن ابنِ شهابٍ، أن عروةَ بنَ الزبيرِ حدَّثه، أن عبدَ اللهِ
ابنَ الزبيرِ حدَّثه، عن الزبيرٍ، أنه خاصَم رجلاً من الأنصارِ قد شهِد بدرًا
مع رسولِ اللهِ وَلَه إلى رسولِ اللهِ فى شِرَاج الحَرَّةِ، كانا يسقيان به
كلاهما النخلَ، فقال الأنصارىُّ: سرِّح الماءَ. فأتَى عليه، فقال رسولُ
اللهِ وَّهُ: ((اسْقِ يا زبيرُ، ثم أرسلْ(٢) إلى جارٍكَ)). فغضِب الأنصارىّ
فقال: يا رسولَ اللهِ، أَنْ كان ابنَ عمَّتِكَ؟ فتلوَّنَ وجهُ رسولِ اللهِ
وَل﴾، ثم قال: ((يازبيرُ، اسْقٍ، ثم احبسٍ الماءَ حتى يرجعَ إلى
الجَدْرِ)). قال الزبيرُ: لا أحتَبُ هذه الآيةَ أَنزلَت إلا فى ذلك:
فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجُرَ بَيْنَهُمْ﴾
القبس
(١) فى ص ١٦: ((المروزى)).
(٢) بعده فى م: ((الماء)).
٣٨٩
٠٠.

الموطأ
التمهيد الآية(١)
.(١)
[النساء: ٦٥].
ومعنَى هذا الحديثِ أن رسولَ اللهِ وَّلَهِ كان قد أشار على الزبيرِ بما
فيه الشَّعةُ للأنصارىِّ ، فلما كان منه ما كان من الجفاءِ، استوعَبَ للزُّبیرِ
حقَّه فى صريحِ الحكمِ . واللهُ أعلمُ .
وقد حدَّثنا محمدٌ، حدَّثنا علىُ بنُ عمرَ الحافظُ ، (٢ عن أبى٢) محمدٍ
ابنِ صاعدٍ وعلىٍّ بنِ محمدِ الإسكافىّ، قالا: حدَّثنا أبو الأحوص محمدُ
ابنُ الهيثم القاضى ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ صالح المصرىُّ ، حدَّثنا إسحاقُ
ابنُّ عيسى، حدَّثنا مالكٌ، عن أبى الرِّجالِ، عن عمرَةَ(١)، عن عائشةَ، أن
رسولَ اللهِ وَلّ قَضَى فى سيلٍ مَهْزورٍ ومُذَينٍ أن يُمسِكَ الأعلَى إلى
الكعبينِ ثم يُرسِلَ الأَعلَى إلى الأسفلِ(٤).
وهذا إسنادٌ غريبٌ جدًّا عن مالكِ، لا أعلَمه يُروَى عن مالكِ بهذا
الإسنادٍ من غيرِ هذا الوجهِ .
القبس
(١) أخرجه النسائى (٥٤٢٢)، وابن الجارود (١٠٢١)، وابن جرير فى تفسيره ٢٠١/٧،
٢٠٢، والطحاوى فى شرح المشكل (٦٣٢)، وابن منده فى الإيمان (٢٥٣) من طريق ابن
وهب به .
(٢ - ٢) فى ص ١٦: ((وحدثنا يحيى بن)). وهو يحيى بن محمد بن صاعد بن كاتب أبو
محمد الهاشمى البغدادى. سير أعلام النبلاء ١٤/ ٥٠١.
(٣) فى ص ١٦: ((عروة)).
(٤) أخرجه الحاكم ٦٢/٢ من طريق إسحاق بن عيسى به .
٣٩٠

الموطأ
قال أبو عمرَ: حديثُ سيلِ مَهْزورٍ ومُذَينبٍ حديثٌ مدنيٌ مشهورٌ عندَ التمهيد
أهلِ المدينةِ، مستعمَلٌ عندَهم، معروفٌ، معمول به، ومَهْزورٌ وادٍ
بالمدينةِ، وكذلك مُذَينبٌ وادٍ أيضًا عندَهم، وهما جميعًا يُسقَيانِ
بالسيلِ، فكان هذا الحديثُ مُتوارثًا عندَهم العملُ به. وذكَر عبدُ الملكِ
ابنُ حبيبٍ (١) ، أن مَهْزورًا ومُذَينًا واديانٍ من أوديةِ المدينةِ يسيلانِ بالمطرِ ،
ويتنافسُ أهلُ الحوائطِ فى سيلهما، فقضَى به رسولُ اللهِ وَلَ للأعلَى
فالأَعلَى، والأقرب فالأقربِ إلى ذلك السيلِ؛ يُدخِلُ صاحبُ الحائطِ
الأعلَى اللاصقِ به السّيلُ جميعَ الماءِ فى حائطِه، ويصرِفُ مجراه إلى
بيبتِهُ(٢) ، فيسيلُ فيه (٣) ويَسقِى به، حتى إذا بلغ الماءُ من قاعةِ الحائطِ إلى
الكعبينِ من القائم ، أغلَق البيئَةَ وصرّف ما زاد من الماءِ على مقدارِ الكعبينِ
إلى من يَليه لحائطِه، فيصنعُ فيه مثلَ ذلك، ثم يصرِفه إلى من يَليه أيضًا ،
هكذا أبدًا؛ يكونُ الأُعلَى فالأعلَى أولَى به على هذا الفعلِ، حتى يبلُغَ ماءُ
السيلِ إلى أقصى الحوائطِ. قال: وهكذا فشّره لى مُطَرِّفٌ وابنُ الماجِشونِ
عندَ سؤالِهما عن ذلك، وقاله ابنُ وهبٍ. قال: وقد كان ابنُ القاسم
يقولُ : إذا انتهى الماءُ فى الحائطِ إلى مقدارِ الكعبينِ من القائم ، أرسلَه كلَّه
القبس
(١) تفسير غريب الموطأ ٢/ ١٩، ٢٠.
(٢) البيبة: مجرى الماء إلى الحوض. اللسان ( ب ی ب ).
(٣) فى الأصل، ص ١٦، م: ((فيها)).
٣٩١

الموطأ
التمهيد إلى من تحتَه، وليس يحبِسُ منه شيئًا فى حائطِه. وقولُ مُطَرّفٍ وابنٍ
الماجشونِ أحبُّ إِلىَّ فى ذلك، وهما أعلمُ بذلك؛ لأن المدينةَ دارُهما ،
وبها كانت القصةُ(١)، وفيها جرَى العملُ بالحديثِ.
وروَى زيادٌ عن مالكِ، قال: تفسيرُ قسمةِ ذلك أن يُجرىَ الأولُ الذى
حائطُه أقربُ إلى الماءِ، يُجرى الماءَ فى ساقيتِه إلى حائطِه بقدرٍ ما يكونُ
الماءُ فی الشّاقیةِ إلى حدِّ کعبیهِ، فیجری کذلك فی حائطِه حتى يُرويه ، ثم
يفعلُ الذى يليه كذلك، ثم الذى يَليه كذلك، ما بقى من الماءِ شىءٌ .
قال: وهذه السُّنَّةُ فيهما وفيما يُشبِهُهما مما ليس لأحدٍ فيه حقٌّ معيَّنٌ؛
الأُولُ أحقُّ بالتَّبدئةِ ، ثم الذى يليه ، إلى آخرِهم رجلًا .
قال أبو عمرَ : ظاهر الحديثِ یشھَدُ لما قاله ابن القاسم ؛ لأن فيه: (( ثم
يُرسِلُ الأَعلَى على الأسفلِ)). ولم يقلْ: ثم يُرسِلُ بعضَ الأعلَى. وفى
الحديثِ الآخرِ: ((ثم يحبِشُ الأُعلَى)). وهذا كلُّه يشهدُ لابنِ القاسمِ.
ومن جهةِ النظرِ أيضًا، أن الأعلَى لو لم يُرسِلْ إلا ما زاد على الكعبينِ
لانْقَطَع ذلك الماء فى أقلٌّ مدةٍ ، ولم ينتهِ حيثُ يَنتهى إذا أرسلَ الجميعَ،
وفى إرسالِ الجميع بعدَ أخذِ الأُعلَى منه ما بلَغ الكعبينَ ، أعم فائدةً ، وأكثرُ
نفعًا، فيما قد نجعِل الناسُ فيه شركاءَ، فقولُ ابنِ القاسم أولَى على كلِّ
القبس
(١) فى تفسير غريب الموطأ: ((القضية)).
٣٩٢

الموطأ
١٤٩٤ - مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ ، أن
رسولَ اللهِ وَ لّه قال: ((لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ ليُمنَعَ به الكَلُ)).
حالٍ ، وفى المسألةِ كلامٌ ومعارضاتٌ لا معنَى للإتيانِ بها، والصحيحُ ما التمهيد
ذكّرنا . وباللهِ توفيقُنا .
قال أبو عمرَ: محُكمُ الأَرْحاءِ(١) وسائرِ المنافع من النباتِ والشّجراتِ،
فیما كان أصلُ قوامِه وحیاتِه من الماءِ الذى لا صُنعَ فيه لآدمىٌّ ؛ كماءٍ
السيول(٢) وما أشبھھا() ، کحكم ما ذكرنا ، لا فرق بين شىءٍ من ذلك فی
أثرٍ ولا نظَرٍ، وأما ما استُحِقَّ بعملٍ، أو بملكٍ صحيحٍ و(6) استحقاقٍ قديم
وثبوتٍ مِلكِ ، فكلٍّ على حقِّه على حسبٍ ما (٩) مِن ذلك بيده، وعلى أصلٍ
مسألته. والله الموفّقُ للشّدادِ ، لا شريكَ له .
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ
{ِّ قال: ((لا يُمْنَعُ فَضْلُ الماءِ لِيُمْتَعَ بِهِ الكَلَأُ)(٦).
القبس
(١) فى م: ((الأرحى)). والأرحاء: قطع من الأرض غلاظ دون الجبال، تستدير وترتفع عما
حولها . اللسان ( ر ح ی ).
(٢) فى ص ١٦: ((السيل)).
(٣) فى ص: ((أشبهه))، وفى م: ((أشبههما)).
(٤) فى ص: ((أو)).
(٥) بعده فى ص ١٦: ((مر).
(٦) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٠٠).
وأخرجه البخارى (٢٣٥٣، ٦٩٦٢)، ومسلم (١٥٦٦)، والنسائى فى الكبرى (٥٧٧٤) من
طريق مالك به .
٣٩٣

الموطأ
التمهيد
قد مضى القول فی معنی هذا الحدیث مبسوطًا مُمَھَّدًا ، فی بابِ أبِی
الرِّجَالِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، مِن كتابِنا هذا، عند قولِ رسولِ اللَّهِ
وَهُ: ((لا يُمْنَعُ نَفْعُ بِثْرٍ))). ( وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الناسَ
شُرَكَاءُ فى الكَلَاُّ، وهو فى معنى الحديثِ الآخَرِ: ((النَّاسُ شُركاءُ فى المَاءِ
والنَّارِ والكَلَأُ))(٢). إلَّا أنَّ مالكًا رحِمه اللهُ ذهَب إلى أنَّ ذلك فى كَلَّاً
الفَلَواتِ والصَّحارَى، وما لا تُمْلَكُ رقَبَةُ الأرضِ فيه، وجعَل الرجلَ أُحقّ
بكلاً أرضِه، إِن أحبَّ المنعَ منه فإِنَّ ذلك له. وغيرُه يقولُ: الكلأُ حيثُ
كان(٤) غيرُ مملوكٍ، ومَن سبق إليه بالقطعٍ كان له، فى أرضٍ مملوكةٍ أو
غيرِ مملوكةٍ .
قال أبو عمرَ : لما نُهِى الرجلُ عن منع فضلٍ ماءٍ قد حازَه بالاخْتِفارِ لئلّا
يمنَعَ ما ليس له منعُه، دلّ على أنَّ ذلك، واللهُ أعلمُ، كما قال مالكٌ أَنَّه
فيما لا يُملَكُ مِن الفَلَواتِ، وأَنَّ ذلك الماءَ ماءُ الآبارِ المُحتَفَرةِ هناك )
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ٤٠٠ - ٤١٠.
(٢ - ٢) فى ص، ص ١٧: ((فلا معنى لإعادة ذلك هلهنا)).
(٣) أخرجه أحمد ١٧٤/٣٨ (٢٣٠٨٢)، وأبو داود (٣٤٧٧) من حديث رجل من أصحاب
النبى * بلفظ: ((المسلمون)). بدلا من: ((الناس))، وأخرجه ابن ماجه (٢٤٧٢)، والطبرانى
٨٠/١١ (١١١٠٥) من حديث ابن عباس بلفظ: ((المسلمون)) أيضا.
(٤) فى الأصل، م: ((صار)).
٣٩٤

الموطأ
«السَقْي المواشِى فى أرضٍ غيرِ مملوكةٍ مِن المَواتِ دونَ الفلَواتِ ، فيكونُ التمهيد
لحافرِ البئرِ هناك حقُّ التَّدِئةِ ، ولا يَمنعُ فضلَ ذلك الماءِ ؛ لأُنَّ فى منعِه ذلك
حِمَى ما ليس يَمْلِكُه من الكلاُّ هنالك. وقد مضَى ما للعلماءِ فى هذا
المعنَى فى بابٍ أبى الرِّجالِ. والحمدُ لله١ِ) .
وقد ذكَر عبدُ الملكِ بنُّ حبِيبٍ(٢) ، عمَّن لقِىَ مِن أصحابٍ مالكِ أَنَّ
تأويلَ قولِهِ وَ الّ: ((لا يُمْنَغُ نقعُ بثرٍ)) (١). وتأويلَ الحديثِ الآخَرِ: ((لا يُمنَغُ
(٤)
رَهُ بشٍ»(٤) .
وقولِهِ وَالثّ: ((لا يُمْنَعُ فضلُ الماءِ ليُمْنَعَ به الكلُّ)). معنى هذه الثلاثةِ
الأحاديثِ واحدٌ. قال: فأمَّا تأويلُ قولِهِ وَلِّ: ((لا يُمنَعُ نَفْعُ بثٍ)) . فهو أن
يحتَفِرَ الرجلُ البئرَ فى الفلاةِ من الأرضِ التى ليسَتْ ملكًا لأحدٍ ، وإنَّما هى
مرعّى للمواشى، فيريدُ أن يمنعَ ماشيةً غيرِه أن تُشْقَى بماءٍ تلك البِثْرِ. قال :
وفيها قال رسولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((لا يُمْنَعُ فضلُ الماءِ ليُمْتَعَ بِهِ الكَلَأُ». قال:
يقولُ : إِذا منَع حافرُ تلك البئرِ فضلَ مائها بعدَ رِىِّ ماشِيته، فقد منَع الكلَأَ
الذى حولَ البئرِ؛ لأنَّ أحدًا لا يرعَى حيثُ لا يكونُ لماشيتِه ماءٌ تشربُه .
قال: ويجبُ على حافرِ البئرِ أُلّ يمنعَ مَن له ماشيةٌ ترعَى فى ذلك الكلاَ
القبس
(١ - ١) سقط من: ص ، ص ١٧ .
(٢) تفسير غريب الموطأ ٢/ ٢٢، ٢٣.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٩٥).
(٤) أخرجه أحمد ٣١٦/٤١ (٢٤٨١١) من حديث عائشة.
٣٩٥

الموطأ
التمهيد والفلاةِ أن يَسقُوا ماشيتَهم مِن فضلٍ ماءِ تلك البئرِ التى انفرَد بحفرِها
دونَهم . قال: ويُجبَرُ على ذلك وإن لم يكونوا أعانوه على حفرٍ تلك البئرِ،
إِلَّا أَنَّه المُبَدَّأُ بِسَقْىِ ما شِهِ؛ لأنَّ رسولَ اللّهِ بِّهِ جَعَلَه المُبَدَّأَ فى ذلك الماءِ
أن يَسقىَ ماشيته قبلَ غيرِه ، ولا يَمنعُ فضلَه غيرَه. قال: وذريَّتُه وذريَّةُ ذرَّتِه
على مثلِ حالِه فى تقديمهم على غيرِهم ، ولا بيعَ لهم فى ( تلك البئرِ) ولا
ميراثَ ، إلّا التَّدِئَةُ بالانتفاع فى مائِها. قال: وأمَّا الرجلُ يَحتفِرُ فى أرض
نفسِه ومِلكِه بئرًا ، فله أن يمنعَ ماءَها أوَّلَه وَآخِرَه، ولا حقَّ لأحدٍ فيها معَه إلَّا
أنْ يتطوَّعَ. كذلك فسَّرلى فى جميع ذلك مَن لَقِيتُ مِن أصحابِ مالكٍ .
قال أبو عمرَ: أَمَّا قولُه: إنَّ معنى حديثِ النبيِّ وَلَهُ: ((لَا يُمنَعُ نقْعُ
بئرٍ)). وحديثهِ الآخَرِ: ((لَا يُمنَعُ فضلُ المَاءِ ليُمنَعَ به الكلأُ)). تأويلُهما
ومعناهما واحدٌ. فهو كما(١) قال، ولكنَّ قولَه وَلّهِ: ((لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ
ليُمنَعَ به الكَلَُّ)) .(٢لم يختلِفْ قولُ مالكِ أَنَّها آبارُ الماشيَةِ فى الفلَواتِ
ومواضع الكلّاً. قال: لأَنَّه إذا منَع فضلَ ماءِ بئرِ الماشيةِ لم يستطع أحدٌ أن
تَرعَى فى الكلاَّ بغيرِ ماءٍ يَسْقِى به ماشيْتَه، ولو منَع مِن فضلٍ ذلك الماءِ منَع
فضلَ الكلاُ الذى حولَه. قال مالكٌ: ولا أرى أن يَحِلَّ بيعُ ماءِ بثرِ الماشيةِ .
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ص ١٦، م: ((ذلك)).
(٢) فى الأصل: ((نحو ما)).
(٣ - ٣) فى ص، ص ١٧: ((أبين وأبسط معنى)).
٣٩٦

الموطأ
" قال: وأَمَّا بئرُ الزَّرع فلا بأسَ ببيعِ مائها. وقال فى بئرِ الزرع، وبئر التمهيد
النخلِ: إِنَّه لا يُكرَّهُ رَبُّها على أن يَسقىَ فضلَ مَائِه(١) غيرَه، وإِنَّه لحسَنٌّ أن
يفعلَ ، إلّا ("أن تَهُورَ" بئرُ جارِه، فهو يُكرَّهُ على أن يَسقيَه فضلَ مائِه ، لئلّا
يَهْلِكَ زرعُه ونخلُه حتى يُصْلِحَ بثرَه . قال ابنُ وهبٍ : وسمِعتُ مالكًا وسُئِل
عن تفسِيرٍ قولِ النبيِّ بَله: ((لا يُمْنَعُ نقعُ بئرٍ». فقال مالكٌ: بئرُ الرَّجلِ
تنهارُ، فیقل ماؤها ، فلا يمنعه جاژه أن يسقِیَ أرضه من بئرِه حتى يُصلِحَ
بئرَه. قال: وهذا تفسيره فى رأيى. قال: وسُئِل مالكٌ عن قول النبيِّ وَلِيل:
((لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ ليُمنَعَ به الكَلَُّ)). فقال مالكٌ: يكونُ الكلَّّ بالموضعِ،
ويكونُ فيه الماءُ للرَّجلِ ، فيأتِى آخَرُ بغنمِه لِيَرعَى فى ذلك الكَلَأَ، فيمنعُه ذلك
أن يَسِقِىَ مِن مائِه. قال: ولو قَدَر الناسُ على هذا لَحَمَوا بلادَهم، ولم يدَعُوا
أحدًا يَدخلُ عليهم فى الكَلَأُ) . وقد تقدَّم القولُ فى معنى ذلك كلِّه بما
لفقهاء الأمصار فیه من المذاهب والأقوالِ والاعتلالِ والاعتبار ، فی بابِ أبی
الرّجالِ مِن كتابنا هذا) ، فمن تأمَّله هناك اكتفَى به إن شاء اللهُ.
" قال ابنُ وهب: قال مالكٌ: لا تُباعُ مياهُ الماشيةِ، إِنَّما تَشربُ بها(٥)١)
القبس
(١ - ١) سقط من: ص، ص١٧ .
(٢) فى م: ((مائها)).
(٣ - ٣) فى م: ((إن تعذر)). ومثله فى الأصل لكن بغير نقط، وفى ص ١٦: ((تغور)). والمثبت
موافق لما سيأتى، وينظر ص ٤٠٩.
(٤) سيأتى ص ٤٠٤ - ٤١٠ .
(٥) غير واضحة فى: ص ١٦، وفى م: ((منها)).
٣٩٧

١٤٩٥ - مالك، عن أبى الرّجالِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أُمِّه
الموطأ
عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمن، أنها أخبرتْه، أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((لا
يُمنَعُ نَقْعُ بئٍ)) .
التمهيد
«الماشيةُ وأبناءُ السبیل، ولا يُمنغُ من(٢) أحدٍ ، وقد کان یُگتَبُ علی مَن
احتفَرها أنَّ أَوَّلَ مَن يَشربُ منها أبناءُ السَّبيلِ . قال: وكذلك جِبَابُ الباديةِ
التى تكونُ للماشيةِ. فقيل لمالكٍ: أفرأيتَ الجِبابَ التى تُجعَلُ لماءٍ
السماءِ؟ قال: فذلك أبْعَد١ُ) .
مالكٌ، عن أبى الرِّجَالِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ (٣)، عن أُمِّه عَمْرَةَ بنتٍ
عبد الرحمنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْه، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((لا يُمْنَعُ نَفْعُ بِثْرٍ ))(٤).
القبس
(١ - ١) سقط من: ص ، ص ١٧ .
(٢) فى م: ((منها)).
(٣) قال أبو عمر: «محمد بن عبد الرحمن أبو الرجال ، یکنی أبا عبد الرحمن، وإنما قيل له : أبو
الرجال، وغلب ذلك علیه، لولده، كانوا عشرة رجالا ذكورا، فکنی أبا الرجال ، وهو محمد بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصارى ، من بنی مالك بن النجار . وقد ذكرنا حارثة بن
النعمان فى كتابنا فى ((الصحابة)» بما يغنى عن ذكره ههنا . وأم محمد هذا عمرة بنت عبد الرحمن بن
سعد ابن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، أنصارية أيضا، تابعية، ثقة،
وابنها أبو الرجال هذا مدنی ثقة، روى عنه مالك، وابن عيينة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم،
وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصارى. ولأبى الرجال ابن محدث أيضا يسمى حارثة بن أبى
الرجال، وهو ضعيف فيما نقل عن أبيه وعن غيره، وأما أبو الرجال فثقة. لمالك عنه فى
(الموطأ) أربعة أحاديث مراسيل كلها تتصل من وجوه)). تهذيب الكمال ٦٠٢/٢٥.
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٣٨)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/١١ظ - مخطوط)،=
٣٩٨

الموطأ
قال أبو عمرَ: زاد بعضُهم عن مالك فى هذا الحديثِ بهذا الإسنادٍ : التمهيد
يَعْنِى فَضْلَ مائِها. وهو تَفْسِيرٌ لم يُخْتَلَفْ فى مجمْلَتِه، واخْتُلِف فى تَفْسِيرِهِ،
ولا أَعْلَمُ أَحَدًا من رُوَاةِ ((المُوَطَّأُ)) عن مالكِ أَسْتَدَ عنه هذا الحديثَ ، وهو
مُرْسَلٌ عندَ جميعِهم فيما عَلِمْتُ هكذا.
وذگره الدَّارقُطْنِئُ ، عن ابن(١) صاعدٍ ، عن أبى على الجزمِئِّ ، عن أبى
صالِحٍ كاتِبِ الليثِ ، عن الليثِ بنِ سعدٍ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ
الجُمَحِىِّ، عن مالِكِ بنِ أنسٍ، عن أبى الرِّجَالِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
حارِثةَ، عن أُمَّه عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةً، أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ
نَھَی ان یُمْنَعَ نَفْئُ بِثْرٍ .
وهذا الإسنادُ وإن كان غريبًا عن مالكِ، فقد رَوَاه أبو قُوَّةَ موسى بنُ
طارِقٍ ، عن مالكِ أيضًا كذلك (٢)، إِلَّ أَنَّه فى ((المُوَطَّأُ)) مُؤْسَلٌ عندَ جميعٍ
رُوَاتِه . واللهُ أعلمُ .
وقد أُسْتَدَه عن أبى الرِّجَالِ ؛ محمدُ بنُ إسحاقَ وغيرُه(١).
أخبرنا قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا خالِدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدثنا
القبس
= وبرواية أبى مصعب (٢٩٠١). وأخرجه البيهقى ١٥٢/٦ من طريق مالك به .
(١) فى م: ((أبى)).
(٢) أخرجه ابن المظفر فى غرائب مالك (١٠٥) من طريق أبى قرة به .
(٣) بعده فى م: ((وقال ابن وهب فى تفسير قول النبى وص له: لا يمنع نقع بثر. هو ما تبقى فيها
من الماء بعد منفعة صاحبها)). وسيأتى ص ٤٠٢.
٣٩٩
:

الموطأ
التمهيد أحمدُ بنُ عمرو (١)، وحدثنا عُبَيْدُ بنُ محمدٍ (١) ومحمدُ بنُ عبدِ الملكِ،
قالا : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسْؤُورٍ، قال: حدثنا عيسى بنُ مسكينٍ، قالا
جمیعًا" : حدثنا محمدُ بنُ عبد الله بن سنجرَ الجرجانِئُ ، قال : حدثنا
أحمدُ بنُ خالِدِ الوَهْپِئُ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ إسحاق ، عن محمدِ بنِ
عبد الرحمنِ، عن أَمِّه عَمْرَةَ، عن عائشةَ، قالت: نَهَى رسولُ اللهِ وَلَّهِ أَنْ
◌ُمْنَعَ نَفْعُ بْرٍ. یعنی فضلَ مائِها .
هكذا جاء هذا التَّفْسِيرُ فى نَسَقِ الحديثِ مُسْتَدًا، وهو كما جاء فيه ،
لا خِلافَ فى ذلك بينَ العلماءِ فیما عَلِمْتُ ، علی ما قال ابنُ وهبٍ وغیرُه .
وفيما أذِنَ لنا أبو الحسن محمدُ بنُّ أحمدَ بنِ العباسِ الإِحْمِيمِىُّ أن
نزوِیه عنه ، وأجازلنا ذلك ، وأخبرنا به بعض أصحابنا عنه ، قال : حدثنا أبو
الحسنِ محمدُ بنُّ موسى بن أبى مالكِ المَعافِىُّ ، قال: حدثنا إبراهیمُ بنُ
أبی داود الُوُلُّسِئُّ(٤) ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ خالِدِ الوَهْپِئُ ، قال : حدثنا
ء
محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أَمِّه عَفْرَةَ، عن
عائشةَ، قالت: نَهَى رسولُ اللهِ وَّرِ أن يُمْتَعَ نَقْعُ الماءِ(٥). يعنى فضلَ
القبس
(١) فى م: ((عمر)).
(٢) فى م: ((عمرو)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فى النسخ: ((البرنسى)). وينظر الأنساب ٣٢٨/١.
(٥) فى م: (( بئر)).
٤٠٠