Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٤٧١ - مالك، عن ابن شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ؛ أنّ الموطأ رسولَ اللهِ وَ قال: ((لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ)). قال يحيى: قال مالكٌ: وتفسيرُ ذلك فيما نُرَى، واللهُ أعلمُ ، أن يَرهَنَ الرجلُ الرَّهْنَ عندَ الرجلِ بالشىءٍ، وفى الرهنِ فضلٌ عَمَّا رُمِن به ، فيقولَ الرَّاهِنُ للمُرتَهِنِ: إن جئتُك بحقِّك - إلى أجل يُسمِّيه له - وإلا فالرهنُ لك بما فيه. مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ التمهيد قال: ((لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ))(١). الذى اختاره علماؤنا؛ لأن الله عزَّ وجلَّ جعَله رهنًا بصفةٍ، فإن اختلفت تلك القبس الصفةُ خرَج عمَّا حگم ،اللهُ به . حديثّ: أرسَل مالكٌ عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أن رسولَ اللهِ وَلّم قال: «لا يَغْلَقُ الرهنُ». وليس فى الرهنِ حديثٌ صحيحٌ إلا رهنَ النبيِِّ لِّعندَ اليهودىِّ، وما رواه البخارىُّ أن النبيََِّ لَه قال: ((الرهنُ مَوْكوبٌ ومحلوبٌ، تُركَبُ بنفقتِه ويُحْلَبُ بنفقتِه))(٢) . وهذا الحديثُ الذى أرسَلَه مالكٌ عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ لاتفاقٍ الفقهاءٍ على القول به، وإن اختلف فى ذلك علماء الحديث، وقد زاد الدارقطنىُ فى حديثٍ سعيدٍ وأسنده فقال: عن النبيِّ وَلِ أنه قال: ((لا يَغْلَقُ (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٤٨)، وبرواية يحيى بن بكير (١٢/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٥٧)، عوالى مالك (٥٧ - رواية الحاكم)، وابن المظفر فى غرائب مالك (٩٩)، والخطيب ٢٤٢/٢٢ من طريق مالك به. (٢) البخارى (٢٥١١) من حديث أبى هريرة، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٨٨١) من الموطأ . ١٨١ قال: فهذا لا يصلُحُ ولا يَحِلُّ، وهذا الذى نُهِى عنه، وإن جاء الموطأ صاحبُه بالذى رهَن به بعدَ الأجلِ فهو له، وأُرَى هذا الشرطَ مُنفَسِخًا . التمهید هكذا روَاه كلُّ مَن رَوَى ((الموطأَ)) عن مالكِ فيما عَلِمْتُ، إلَّا مَعْنَ بنَ عيسَى، فإِنَّه وصَلَه، فجعَله عن سعيدٍ ، عن أبى هريرةَ . ومَعْنٌ ثقَّةٌ، إِلَّا أَنِّى أَخْشَى أن يكونَ الخَطَأَ فيه مِن علىِّ بنِ عبدِ الحميد الغَضَائِرِئِّ . حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسِم ، حدَّثنا علىُّ بنُ الحسنِ بنِ عَلَّانَ وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ يزيدَ الحَلَيِىُّ ، قالا: حدَّثنا علىُ بنُ عبدِ الحميدِ الغَضَائِرِىُّ، حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى ، عن مالك ، عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (( لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، وهو لصاحبه))(١) . القبس الرهنُ مِن راهنِه الذى رهَنه، له غُتْمُه وعليه غُرْمُه))(١) . وهذا يعارضُه حديثُ البخارىِّ بقوله: ((الرهنُ مركوبٌ ومحلوبٌ بنفقتِه)). وقد اتفق العلماءُ على أن منافعَ المرهونِ للراهنِ ، ليس للمُؤْتَهِن فيها حقٌّ، وإنما له حقُّ الحبسِ والتوثُّقِ، فأمَّا منافتُه فقال أبو حنيفةَ قولًا غريبًا لا يُشْبِهُ فطنتَه: تبقَى منافعُ الرهنِ عَطَلًا لا سبيلَ للمُؤْتَهِن إليها؛ لأنها ليست له، ولا سبيلَ للراهنِ إليها؛ لأن الرهنَ قد (١) عوالى مالك (٥٨ - رواية الحاكم). وأخرجه الحاكم ٥١/٢ من طريق على بن عبد الحميد به، وذكره الدارقطنى فى العلل ١٦٧/٩ من طريق مجاهد بن موسى به، وسقط من إسناد الحاکم: «معن بن عیسی) ومكانها بياض فيه . (٢) الدارقطنى ٣٢/٣. ١٨٢ الموطأ حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ خالِدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ التمهيد " عبدِ اللهِ بنِ صالح الأَبْهَرِىُّ)، قال: حدَّثنا علىُ بنُ عبدِ الحميدِ، وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ القرشىُّ، قال: حدَّثنا(٢) محمدُ بنُ العباسِ بنِ يحيى الحَلَيِىُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ جَعْفَرٍ وعلىُ بنُ عبدِ الحميدِ ، قالا : حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى ، القبس حُزِل(٣) عن يدِه. وقال الشافعىُّ: يَسْتوفى الراهنُ عندَ نفسِه منافعَ الرهنِ؛ لأن الرهنَ قد صحَّ ولزِم بالقبضِ الأُوَّلِ ، فلا يحتاجُ إلى الاستدامةِ. فأما قولُ أبى حنيفةً فخالَف الحديثَ والأصولَ والنظرَ ؛ أما الحديثُ فمن ثلاثةِ أوجهٍ : أحدُها : وهى القاعدةُ، أن النبيُّ وَ لِّ نهَى عن إضاعةِ المالِ. وأما الثانى: فما روَى البخارىُّ أن الرهنَ محلوبٌ ومركوبٌ، وهذا يناقِضُ قولَه: إن الرهنَ عَطَلٌ. وأما الحديثُ الثالثُ: فهو قولُه: (له غُثْمُه وعليه غُوْمُه)) . وأما الأصولُ فكلُّ مالكٍ أحقُّ بملکِه، و کلُّ ذی حقِّ لا یحالُ بينَه وبينَ حقِّه فى مسائلِ الشريعةِ كلِّها . وأما النظرُ فليس من المصلحةِ للخلقِ، ولا مِن شكرِ نِعَم الخالقِ أن تُتْرَكَ النِّعمُ سُدّى حتى تَتْوَى (٤) . وأما قولُ الشافعىِّ: إن الرهنَ تَرْجِعُ إلى صاحبِه . ففى ذلك إبطالٌ لحقِّ المرتهنِ، أو تغريرٌ به، أو تعريضُه للآفاتِ ، وذلك لا يجوزُ، (١ - ١) فى م: ((العباس بن يحيى الحلبى). (٢) سقط من: م. (٣) خزله عن حاجته يخزله ، عوقه وحبسه . التاج (خ ز ل). (٤) فى م: ((تقوى)). وتَوِى: هلك . اللسان (ت وى) . ١٨٣ الموطأ الشهيد قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزهرىِّ، عن سعيد بن المسيبِ ، عن أبى هريرةً ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، وهو مِن صاحِبِهِ)). وزاد فيه أبو عبدِ اللهِ بن١ُ) عُمرُوسِ، عن الأُبْهَرِىِّ، بإسنادِه: ((له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه)). وهذه اللفظةُ قد اختَلَف الرواةُ فى رَفْعِها؛ فرفَعها ابنُ أَبِى ذِئْبٍ(٣)، ومعمرٌ، وغيرهما فى هذا الحديث، لكنَّهم رَوَزْه مُؤْسَلًا ، على اختلاف القبس والصحيح ما قاله مالكٌ مِن أن المنافعَ تبقَى فى يد المرتهنِ مع الأصلِ؛ فإن شاء الراهنُ أن يستوفتها تحت يدِ المرتهن بنفسه (٢) اشْتوفاها، وإن شاء ◌ُن يُنیب مَن يستوفيها له، فعلى هذا يَصِلُ كلُّ ذى ملكِ إلى ملْكِه ، ويَبْقَى كلُّ حقِّ محفوظًا على صاحبِه. وأما قولُه: ((الرهنُ محلوبٌ ومركوبٌ)). فهو إشارةٌ إلى ما قلنا مِن أن المنافعَ لا تبقی معطّةً. وأما قولُه: « يُؤْگبُ بنفقتِه ويُحلّبُ بنفقتِه)) . فإن ذلك محمولٌ على عادةٍ كانت عندهم، أو على تراضٍ بذلك مِن المتراهِنَيْن، فأمَّا أن يأخُذّ ذلك المرتهِنُ بشرع فلا يصِحُ ذلك، فإنه كان يكونُ زيادةً فى حقُّه، وأَخْذَ مالِ الراهنِ بغيرِ رضاه. وأما قولُه: ((لا تَغْلَقُ الرهنُ)). فإن معناه : لا يذهبُ هذّرًا؛ (٥) قال العربي: (١) سقط من: ص ٤. (٢) سيأتي تخريجه ص ١٨٩ - ١٩١، ١٩٥ . (٣) سيأتى تخريجه ص ١٨٦. (٤) سقط من : م . (٥) البيت لزهير بن أبى سلمى، وهو فى ديوانه ص٣٣، واللسان (غ ل ق) . ١٨٤ الموطأ س فى ذلك عن ابن أبى ذئبٍ نذْكُرُه إن شاء اللهُ . وروايةُ معنِ عن مالكِ مُوافِقَةٌ التمهيد لذلك، وقد رَوَى ابنُّ وهب هذا الحديثَ فَجَوَّدَه، وَيَّنَ أَنَّ هذا اللُّغْظَ لیس مرفوعًا . روَى سُحْنُونٌ، ويُونُسُ بنُ عبدِ الأعلَى ، ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ ، عن ابنٍ وهبٍ ، قال : سمِعتُ مالِكًا ، ويُونُسَ بنَ یزیدَ ، وابن أبى ذِئْبٍ، يُحَدِّثُونَ عن ابنِ شهابٍ، عن ابنِ المسيبِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَهـ قال: ((لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ)). وقال يونسُ: قال ابنُ شهابٍ: وكان سعيدُ بنُّ المسئَّبِ يقولُ: الرهنُ معَّن رهَنَه؛ له غُنْمُه، وعليه غُوْمُه(١). يومَ الوداع فأَمْسَى " الرهنُ قد غَلِقاً" القبس وفارَقَتْكَ برَهْنٍ لا فِكَاكَ له ففشر الغَلَقَ وهو ذهابُه بغيرِ شىءٍ، وفواتُه مِن غیرِ جُبْرٍ ، وفى ذلك أحوالٌ؛ الحالةُ الأُولى : ما فسره مالكٌ. الحالةُ الثانيةُ: أن يموتَ الرهنُ عندَ المرتِهِنِ، أو يتلَفَ بوجهٍ مِن وجوهِ التَّلَفِ ، فقال الشافعىُّ: يذهَبُ هدَرًا ويأخُذُ صاحبُ الحقِّ حقَّه. وقال أبو حنيفةً: يُقاصّه بقيمتِه مِن الدَّينِ. ولمالكٍ قولان؛ أحدُهما : الفرقُ بین أن یکون مما يُغابُ علیه أو ما لا يُغابُ علیه ؛ فإن كان مما يُغابُ عليه كان كما قال أبو حنيفةً، وإن كان مما لا يُغابُ عليه كان كما قال الشافعىُّ . (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٠/٤ من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب به . (٢ - ٢) فى ج، م: ((الراهن قد غلقا))، وفى الديوان: ((رهنُها غَلِقًا)). والمثبت موافق لما فى اللسان . ١٨٥ الموطأ التمهيد فَتَبَّيَّن بروايةِ ابنِ وهب، عن يُونُسَ بنِ يزيدَ ، أنَّ هذا مِن قولِ سعیدِ بنِ المسيبِ، فاللهُ أعلمُ ، إلّا أنَّ معمرًا قد ذكَره عن ابن شهابٍ مرفوعًا(١). ومعمٌ مِن أثبتِ الناس فی ابن شهاب ، وقد تابعه علی ذلك یحیی بنُ أبی أَنَیْسَةَ ، فرفَع هذا اللفظَ ، ووصل الحديثَ عن أبى هريرةً ( ١) . ویحیی لیس بالقوىِ، وقد ژُوِی مِن حديث محمد بن کثیرٍ، ومِن حديث زيد بنِ الخُبَابِ ، عن مالكِ، عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ ، عن أبى هريرةً قال: قضَى القبس القولُ الثانى : أن الحكمَ فيه كما قال أبو حنيفةً فى كلِّ حالٍ ، زاد مالكٌ : إلا أن تقومَ بينةٌ على تلفِه مِن غيرِ جهةِ المرتهنِ، فإنه يكونُ مِن الراهنِ. وهى مسألةٌ عظيمةٌ أخَذت شَبَّهًا مِن الأماناتِ لأنه قبضه بإذنِ صاحبِهِ ، وأَشبَهت المُستامَ مِن جهةِ أنه قبضه على جهةٍ المعاوضةِ، ومِن حكم الفرع إذا تجاذَبه أصلان أن يُوفرَ عليه مِن حكم كلِّ واحدٍ منهما٣) ، ولأجله قال مالكٌ مرّةً : إنه أمانةٌ. وقال أخرى: إنه مضمونٌ. ومآلُ(٤) الحالِ فيه أنه أمانةٌ عندَه؛ لأنه لم يقبِضْه على العِوَضيةِ، وإنما قبضه على التوثَّقِ مِن الأماناتِ، والدَّينُ مستقِرٌّ فى الذمةِ، بخلافِ المُستامِ ، فإنه قبضه على معنى الاعتياضِ ، فحقَّق ذلك فيه . (١) أخرجه ابن عدى ٢٤٩٩/٧، والدار قطنى ٢٣٣/٣، والحاكم ٥١/٢، ٥٢ من طريق معمر به . (٢) أخرجه الشافعى ٣٤٠/٢ (٥٦٩، ٥٧٠ - شفاء العى ) من طريق يحيى بن أبى أنيسة به . (٣ - ٣) سقط من : ج . (٤) فى م: ((قال)). ١٨٦ الموطأ رسولُ اللهِ وَِّهِ أَلَّا يَغْلَقَ الرَّهْنُ؛ له غُتْمُه، وعليه غُوْمُه. ذكَرَ ذلك شيخُنا التمهيد ابنُّ قاسِم، عن شيوخِه، عنهما. وذكره الدارقطنىُ وغيرُه(١). وقد حدَّثنى إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال : حدّثنا محمدُ بنُ العباسِ الحلبىُّ ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرانَ العابِدِىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُبينةً، عن زِيَادِ بنِ سعدٍ(١) ، عن الزهرىِّ، عن ابنِ المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ : (( لا يَغْلَقُ الرهنُ، له غُثْمُه، وعليه غُرْمُه))(٣). ٤ وفيما أخبرنى أبو عبدِ اللهِ إجازَةً، عن علىِّ بنِ عمرَ الحافظِ ، قال : القبس ومِن غَلَقِ الرهنِ مسألةُ إعتاقِ الراهنِ، فإن علماءَ الإسلامِ اختلفوا فيه على ثلاثةِ أقوالٍ؛ أحدُها : أنه مردودٌّ. قاله الشافعىُّ. الثانى: أنه نافذٌ . قاله أبو حنيفةً . الثالثُ: أنه ينفُذُ إن كان مُوسِرًا، ويُرَدُّ إن كان مُعِرًا. قاله مالكٌ، والمسألةُ مشكِلةٌ إلا أن كلامَ مالكٍ يظهرُ فيها مع الاعتبارِ جدًّا؛ لأنه مِن غَلَقِ الرهنِ، والصحيحُ فى اشتقاقِه أن يذهَبَ باطلًا لقول الشاعر: * وفارَقَتْكَ برهنٍ لا فِکاكَ له * (١) الدارقطنى فى العلل ٩/ ١٦٧، وأخرجه ابن المظفر فى غرائب مالك (٩٨)، والخطيب ١٦٥/٦ من طریق محمد بن کثیر به . (٢) فى النسخ: ((سعيد)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٤٧٤، وسيأتى على الصواب الصفحة التالية . (٣) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣١٥/٧، والدار قطنى ٣٢/٣، وفى العلل ١٦٨/٩، والحاكم ٥١/٢، والبيهقى ٣٩/٦ من طريق عبد الله بن عمران به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٢/٤، وابن حبان (٥٩٣٤) من طريق ابن عيينة به . ١٨٧ الموطأ التمهيد حدَّثنا علىُّ بنُ أحمدَ بنِ الفتح الوَرَّاقُ، حدَّثنا محمدُ بنُّ إبراهيم بن يعقوبَ الأنطاكيُ، حدَّثنا محمدُ بنُّ المباركِ الأنبارِىُّ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أَبِى سَكِينَةَ الحلبىُّ (١)، حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ وأبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (( لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مَّن رهَنه؛ له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه))(٢) . وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُّ أصبغَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُّ أحمدَ بنِ زُهَيْرِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرانَ بنِ تزین(٣) المگئُ ، قال: حدثنا سفيان ، عنزياد بن سعدٍ ، عن الزهرئِّ ، عن القبس فهو الذى قد قال فيه : قد غَلِق. ويكونُ حينئذٍ الهلاكُ مِن جهةٍ الراهنِ، وكما لا يَغْلَقُ الرهنُ على الراهنِ فأولى وأحرَى الَّ يَعْلَقَ الرهنُ على المرتهنِ، وأما الشافعىُ فقال : إن الرهنَ حقٍّ يتعلَّقُ باليدِ ، والعِتقَ حقٍّ يتعلَّقُ بالمِلكِ، فمحِلُ العتقِ غيرُ محِلِّ الرهنِ. قلنا له: لكنه يُتِطِلُه، وكلُّ ما أدّى إلى إبطالِه فإنه يَتْطُلُ فى نفسِه، وهذا فصلٌ عسيرٌ لا يستقِيمُ على أصولِنا؛ لأن مالكًا قد قال فى عدَّةٍ مسائلَ : إنه ينفُذُ العتقُ مِن الموسرِ والمُغْسِرِ، وإن أدَّى إلى إبطالٍ حقٌّ الغيرِ . فإذا (٥) طولِب بالفرقٍ لم يقدِرْ عليه . ويَقُولُ الكلام إلى تشغيبٍ فى الفروع وتشغيب (١) فى م: ((الحبلى)). وينظر ميزان الاعتدال ٨٠/١. (٢) أخرجه الخطيب ٣٠٣/٣، ٣٠٤ من طريق محمد بن المبارك به بدون ذكر أبى سلمة. (٣) فى النسخ: ((زريق). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٨/١٥. (٤) فى ج، د: ((الدين)). والمثبت كما فى نسخة على حاشية د. (٥) فى م : ((تشعيب)). ١٨٨ الموطأ التمهيد سعيد بن المسيبِ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَِّقال: ((لا يَغْلَقُ الرهنُ)). وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ ، قال : حدَّثنا أبو بكرٍ (١) محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الطائئ بحِمْصَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خالِدٍ بنٍ خَلِيٍّ ، قال: حدَّثنا بَقِيّةُ ، عن إسماعيل بنِ عَيَّاشٍ، عن عَبَّادٍ ، يَعْنِى ابنَ كَثيرٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، يعنى ابنَ أَبی ذِئْبٍ ، عن الزهرىِّ، عن ابنِ المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال: (( لا يَغْلَقُ الرهنُ؛ لصاحبِه غُتْمُه، وعليه غُرْمُه))(٢) . فى الأصول، و(٢) لعلَّه إلى أن يُحكَمَ على الراهنِ بأداءِ المالِ يذهَبُ مالُه، وليس القبس العِتَقُ ( بضَريةٍ لازم٢ حتى يستحِيلَ ردُّه شرعًا، فكم مِن عِقٍ نُقِض، وكم مِن أمّ ولدِ رُدَّت للبيعِ، والصحيح عندى أن عِتَقَ الراهنِ لا ينفُذُ إلا أن يؤدِّىَ المالَ ، فإذا حصَل فى يدِ المرتهِنِ حينئذٍ يُحكَمُ عليه بنفوذِ العِقِ، ويكونُ فى أثناءِ ذلكِ موقوفًا، والعجَبُ مِن علمائنا الذين يريدون أن يُضَعِّفوا الرهنَ ويُتطلوه بالعِتقِ، وهو عندَنا حقٍّ ثابتٌ يَشْرِى إلى الولدِ كما يَشْرِى العِقُ، والشافعىُّ يقولُ : لا يَشْرِى إلى الولدِ. ولذلك ردَّه، والدليل على صحةٍ سِرَاتِه أنه حقٌّ ثابتٌ فى رقبةٍ الأمُّ فَتَشْرِى إلى الولدِ كالاستيلادِ، ومسائلُ الرهنِ فى التفريع كثيرةٌ، وموضعُها قد بيّنت فيه . (١) فى ص٤: ((بكرة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣/١٢، ٢٣٩/٢٦. (٢) أخرجه الدارقطنى فى العلل ١٦٨/٩، ١٦٩ من طريق إسماعيل بن عياش به. (٣) فى م: (( أو)). (٤ - ٤) فىج: ((يضربه لا رب))، وفى م: ((بضربة لازب)). والعرب تقول: ليس هذا بضربة لازب ولازم ، يبدلون الباء ميمًا ؛ لتقارب المخارج، ومعناه: ما هذا بواجب لازم. ينظر اللسان (ل ز ب). ١٨٩ الموطأ التمهيد قال أبو عمر : أمّا حدیثُ إسماعيلَ بنِ عَیَّاشِ ، فهذا أضْلُه، وقد ژُوِی عن إسماعيلَ بنِ عَيَّاشٍ، عن ابنِ أبى ذئبٍ(١) . ولم يَشْمَعْه إسماعيلُ من ابْنِ أبى ذئبٍ ، وإنَّما سَمِعه مِن عَبَّادِ بنِ كثيرٍ، عن ابنِ أبى ذئبٍ ، وعَبَّادُ بنُ كثيرٍ عندَهم ، ضعيفٌ لا يُحْتَجُ به، وإسماعيلُ بنُ عَيَّاشِ عندَهم أيضًا غیرُ مقبولِ الحديثِ إذا حدَّث عن غيرِ أهلِ بَلَدِهِ، فإذا حدَّثَ عن الشاميِّينَ فحديثُه مُسْتَقِيمٌ ، وإذا حدَّث عن المدنِّين وغيرِهم ما عدا الشَّامِيِّين ، ففى حديثِه خَطَأْ كثيرٌ واضْطِرَابٌ، ولا أعلَمُ بينَهم خِلافًا أنَّه ليس بشىءٍ فيما روَى عن غيرِ أهلِ بلدِهِ، وقد اخْتَلَفوا فيه إذا رَوَى عن أهلِ بَلَدِه، والصوابُ ما ذكَوْتُ لك إنْ شاءَ اللهُ. وقد رُوِى هذا الحديثُ عن إسماعيلَ بنِ عِيَّاشِ، عن الزُّبَيْدِىِّ، عن الزهرىِّ، عِن سعيد بن المسيبٍ، عن أبى هريرة، عن النبيِّ وَلَّه(١) . ولو صَعَّ عن إسماعيلَ، لكان حسنًا ، لكنَّ أهلَ العِلْمِ بالحديثِ يقولونَ : إِنَّه إِنَّما رواه عن ابنٍ أبى ذْبٍ، ولم يَرْوِهِ عن الزَّيَتِدِىِّ. وقد أَوْضَحْتُ لك أصلَ روايته فى هذا الحديثِ عن ابنِ أبى ذئبٍ ، إلا أنَّه قد رُوِى عن ابن أبى القبس (١) أخرجه الدارقطنى ٣٣/٣، وفى العلل ١٦٩/٩، والحاكم ٥١/٢، والبيهقى ٣٩/٦، وابن عساكر ١٦٧/٥ من طريق إسماعيل بن عياش به . (٢) سقط من: ص ٤. (٣) أخرجه الدارقطنى ٣٣/٣، والحاكم ٥١/٢ من طريق إسماعيل بن عياش به. ١٩٠ الموطأ التمهيد ذئبٍ مِن وجهٍ صالح حسنٍ غيرِ هذا الوجهِ . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنى يحيى بن أبى (١) طالِبٍ الأنطاكِىُّ وجماعَةٌ مِن أهْلِ الثقةِ ، قالوا: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ نصرِ الأَصَمُّ الأنطاكىُّ، قال : حدَّثنَا شَبابَةُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى ذئبٍ ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبٍ وأبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبى هريرةَ ، قال : قال رسولُ اللهِ وَّهُ: ((لا يَغْلَقُ الرهنُ، الرهنُ لمَن رهَنه؛ له غُتْمُه، وعليه غُرْمُه))(٢). ورَوَاه عن شَبابَةً هكذا جماعَةٌ . وأمَّا روايةُ ابن عيينةً لهذا الحديثِ مُتّصِلًا عن زیادِ بنِ سَعْدٍ ، فإنَّ الأثباتَ مِن أصحاب ابن عيينةَ يَژؤُونَه عن ابنِ عيينةَ لا يَذْكُرونَ فيه أبا هريرةَ، ويجْعَلُونه عن سعيدٍ مُؤْسَلًا. وأصلُ(١) هذا الحدیثِ عند أهلِ العلم بالنقلِ مُوسَلٌ، وإن كان قد وُصِل مِن چِهَاتٍ کثیرةٍ ، فإنَّھم یُعَلِّلونها ، وهو مع هذا حديثٌ لا يْفَتُه أُخَدٌ منهم ، وإن اخْتَلَفوا فى تأوِيلِه ومعناه . وباللهِ التوفيقُ . قال أبو عمرَ: الرّوايةُ فى هذا الحديثِ: ((لا يَغْلَقُ الرهنُ)». برَفْع القبس (١) سقط من: ص ٤. وينظر ميزان الاعتدال ٣٦٧/٤. (٢) أخرجه ابن حزم ٥٠٠/٨٠ من طريق قاسم بن أصبغ به، وأخرجه الدارقطنى ٣٣/٣ من طريق يحيى بن أبى طالب به، وأخرجه ابن عدى ١٥٤٦/٤، والحاكم ٥١/٢ من طريق عبد الله بن نصر به، ووقع عند ابن حزم ((نضر بن عاصم)) وهو خطأ . (٣) سقط من: م. ١٩١ الموطأ التمهيد القاف على الخبرِ، أى: ليس يَغْلَقُ الرهنُ، ومَعْنَاه: لا يَذْهَبُ ويَثْلَفُ باطِلًا، والأضْلُ فى ذلك الهلاكُ، والنحوِتُونَ يقولونَ: غَلِقِ الرهنُ. إذا لم يُوجَدْ له تَخَلَّصٌ. قال امْرُؤُ القيسِ(١) : غَلِقْنَ بِرَهْنِ مِن حبيبٍ به ادَّعَتْ سَلَيْعَى فأمسى حبلُها قد تَبَتَرًا(٢) وقال زُھیٌ() : يوم الوداع فأمسى الرهنُ(٤) قد غَلِقًا وفارَقَتْكَ برَهْنِ لا فِكَاكَ له وقال آخَرُ، وهو قَعْتَبُ ابنُ أُمّ صاحِبٍ، وهو أَحَدُ المنسوبِين إلى أَمَّهاتِهم، وهو قَعْتَبُ بنُّ حمزةَ أحَدُّ بنى عبدِ اللهِ بنِ غطّفانَ: وغِلِقَتْ عندَها مِن قلبِكُ®) الُهُنُ بانت سُعَادُ وأمسَى دونَها عدنُ وقال آخَرُ(١): بليلى العامِرِيَّةٍ أو مُرَّاح كأن القلبَ ليلةَ قيلَ يُغْدَی القبس (١) ديوانه ٦٠. (٢) تبتر: تقطع. التاج ( ب ت ر ). (٣) تقدم ص ١٨٤، ١٨٥ . (٤) فى ص ٤: ((حبلها)). (٥) فى النسخ: ((قبلك)). والمثبت من الاستذكار ٩٦/٢٢ من النسخة المطبوعة ونسخه الخطية. (٦) اختلف فى نسبة البيتين؛ فنسبا إلى قيس بن الملوح، وهما فى ديوانه ص ٩٠، ونسبا إلي نصيب، وهما فى شعره ص٧٤، ونسبا إلى توبة بن الحمير، كما فى الزهرة لابن أبى داود = ١٩٢ الموطأ التمهيد تُجَاذِيُه وقد غلِقَ الجنائحُ قَطَةٌ غَرُّهَا شَرِكُ فِهَاتَتْ (٢) وقال آخر (١): أَجَارَتَنا مَن تَجْتَمِعْ بِتَفَرَّقِ وقال أَعْشَى تَقْلِبَ: ومَن يَكُ رَهْنًا للحوادِثِ يَغْلَقِ واسْتَيْقَنوا أنَّنِى فى حَيْلِها غَلِقُ لما رأَى أَهْلُها آتِّ عَلِقْتُ بها فما دُلُوفِى(٢) مَيْشُورًا ولا رفَقُ بانَتْ نواهم شطُونًا عن حَوَاىَ لهم قال أبو عُنئدٍ() : لا يجوزُ فى كلام العرب أن يُقال للؤهن إذا ضاعَ : قد غَلِقٍ . إِنَّما يقالُ: قد غَلِقَ. إذا اسْتَحْقَّه المُؤْتَهِنُ فذهَب به. قال: وهذا كان مِن فِعْلِ أهلِ الجَاهِلِيَةِ، فأبطَلَه النبىُ وَلَهبقولِه: «لا تَغْلَقُ الرَّهْرُ)). ثم ذكَر نحوَ قول مالكِ وسفيانَ فى تفسيرِ هذا الحديثِ. وفشَر مالك هذا القبس = ١٥٩/١، ١٦٠، ونسبا إلى قيس بن ذريح، كما فى سمط اللآلى ٦٩٦/٢، وينظر الكامل ٣٧/٣، ومحاضرات الأدباء ٣٧/٢. (١) فى ص ٤: ((علق). (٢) نسب البيت إلى زميل بن أبير، ينظر الأمثال لأبى عبيد ص ٤٢، والعقد الفريد ١٢٠/٣، ٢٦٥، ونسب إلى عمارة بن صفوان الضبى، كما فى معجم الشعراء ص٧٦، وأمالى القالى ٥٥/٢، ونسب إلى البحترى، كما فى مجموعة المعانى ص٥، وبلا نسبة فى جمهرة الأمثال للعسكرى ٢٧٣/٢، وينظر سمط اللآلى ٦٨٨/٢. (٣) فى ص٤: (أنوفى). والدلوف: المشى الرويد. التاج (د ل ف ). (٤) غريب الحديث لأبى عبيد ١١٥/٣. ١٩٣ (موسوعة شرح الموطأ ٢٣/١٨) الموطأ التمهيد الحديثَ بأن قال: وتفسيرُ ذلك فيما نرَى، واللهُ أعلمُ، أَن يَوْهَنَ الرجلُ الرهنَ عندَ الرجلِ بالشىءٍ(١) ، وفى الرهنِ فَضْلٌ عمَّا رُهِن به، فيقولَ الرَّاهِنُ للمُؤْتَهِنِ: إِن جِئْتُك بحَقِّكَ إِلى أَجْلِ كذا، يُسَمِّيه له، وإلّ فالرَّهْنُ لك بما فيه . قال مالكٌ: فهذا لا يَصْلُحُ ولا يَحِلُّ، وهذا الذى نُهِىَ عنه، وإن جاء صاحِبُه بالذى رهَن فيه بعدَ الأجلِ فهو له، وأرَى(٢) هذا الشرطَ مْفَسِخًا. وعلى نحوِ هذا فشّره الزهرىُّ، وسفيانُ الثورىُّ، وطاوسٌ، وإبراهيم النَّخَعِىُ، وشُرَيْخ القاضى(٣) . أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ یحیی ، قال : حدثنا محمدُ بنُ یحیی بنِ عمرَ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةً، عن عمرٍو، عن طاوسٍ ، قال: إذا رَهَن الرجلُ الرهنَ ، فقال لصاحِبِه(٤) : إن لم آتِكَ إلى كذا وكذا، فالرَّهْنُ لك. قال: ليس بشىءٍ، ولكنْ يُباعُ فيأْخُذُ حَقَّه، وَيَؤُدُّ ما فضَل(٥). وذكَرَ عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن ابنِ المسيبِ ، أَنَّ القبس (١) فى ص ٤: ((ما يشاء)). (٢) فى ص٤: ((ورأى)). (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠٣٥) عن شريح. (٤) فى ص ٤: ((صاحبه)) . (٥) أخرجه عبد الرزاق (١٥٠٣٦) عن ابن عيينة به. (٦) عبد الرزاق (١٥٠٣٣). ١٩٤ الموطأ رسولَ اللهِ وَهِ قال: ((لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ممَّن رهَنه)). قال معمرٌ: قلتُ التمهيد للزهرىِّ: أَرَأيْتَ قولَه: ((لا يَغْلَقُ الرهنُ)). أهو الرجلُ يقولُ: إن لم آتِكَ بمالِك فهذا الرهنُ لك؟ قال: نعم. قال معمرٌ: ثم بلَغنى عنه أَنَّه قال: إِن هَلَك لم يَذْهَبْ حَقُّ هذا، إِنَّما هلَك مِن رَبِّ المالِ(١)؛ له غُنْمُه، وعليه غُومُه . ورَوَى عبدُ الرَّزَّاقِ (١) وعبدُ الملِكِ بنُ الصَّبَّاحِ جميعًا، عن الثورىِّ، عن ابنٍ أبى ذِئْبٍ ، عن الزهرىِّ، عن ابنِ المسيبِ ، قال : قال رسولُ اللهِ وَلَه: ((لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِمَّنْ رهَنه؛ له غُنمُه، وعليه غُرْمُه)). زاد عبدُ الملكِ ، عن الثورىِّ، قال: إن لم يَأْتِه بمالِهِ فلا يَغْلَقُ الرَّهْنُ. قال أبو عمرَ: فعلى هذا تفسيرُ أهلِ العلم فى قوله: (( لا يَغْلَقُ الرَّهْزُ)). أنَّ ذلك إِنَّما قُصِد به الرهنُ القائِمُ، أى: لا يَسْتَغْلِقُه المُرْتَهِنُ فيأْخُذُه بشرطِه المذكورِ ، إذ قد أَبْطَلَت ذلك الشرطَ السُّنةُ ، وليس ذلك فى الرهنِ يَثْلَفُ عندَ المُؤْتَهِنِ؛ لأنَّ الذى تَلِف لا يَغْلَقُ، لأَنَّه قد ذهَب ، وإنَّما قيل فيما كان باقيًا موجودًا: لا يَغْلَقُ. أى: لا يَأْخُذُه المُؤْتَهِنُ إذا حَلَّ الأجْلُ بما له عليه، ولا يكونُ أوْلَی به مِن صاحِبِه . القبس (١) كذا فى النسخ، وأثبتها ناشر المطبوعة: ((الرهن)). كما فى مصدر التخريج. (٢) عبد الرزاق (١٥٠٣٤). ١٩٥ الموطأ وروَى هُشَيْمٌ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ قال: إذا أَقْرَض الرجلُ قَرْضًا، التمهيد ورهَنه رَهْنًا، وقال: إن أتَيْتُكَ بحَقِّكَ إلى كذا وكذا، وإلّا فهو لك بما فيه. فقال: ليس هذا بشىءٍ، هو رَهْنٌ على حالِهِ لا يَغْلَقُ. قال أبو عمرَ : اختَلَف العلماءُ قديمًا وحديثًا ، مِن الصحابَةِ والتابِعِينَ ، ومَن بعدَهم مِن الخالفِين، فى الرهنِ يَهْلِكُ عندَ المُرْتَهِنِ ويَتْلَفُ مِن غيرِ جِنايَةٍ منه ولا تَضْبِيع ؛ فقال مالكُ بنُ أنسٍ ، والأوْزَاعِىُّ، وعثمانُ البِّئُ: إن كان الرّهْنُ ممَّا يَخْفَى هلاكُه؛ نحوَ الذهبِ، والفِضَّةِ، والحُلِىِّ، والمتاع، والثّيابِ، والشُيوفِ، ونحوِ ذلك مِما يُغَابُ عليه، ويَخْفَى هَلاكُه، فهو مَضْمُونٌ إِذا خَفِى هَلاكُه، ويتَرَادَّانِ الفضلَ فيما بينَهما، و(١) إن كانت قيمةُ الرهنٍ أكثرَ مِن الدَّيْنِ، ذهَب الدَّيْنُ كلُّه، ورجَع الراهنُ على المرتهِنِ بفضلٍ قيمةِ الرهنِ ، وإن كانت قيمةُ الرهنِ مثلَ الدينِ، ذهَب بما فيه ، وإن كانت قيمته(٢) أقَلَّ مِن الدينِ، رجَع المرتهِنُ على الرَّاهِنِ بباقى دينِه . إلّا أنَّ مالِكًا وابنَ القاسم يقولان : إن قامَتِ البينةُ على هَلاكِ ما يُغابُ عليه، فليس بمَضْمُونٍ ، إِلَّا أن يَتَعَدَّى فيه المرتِهِنُ أو يُضَيُّعَه، فِيَضْمَنَ. وقال أشهبُ: كلُّ ما يُغابُ عليه مَضْمُونٌ على المرتهنِ ، خَفِی هَلاكُه أو ظهَر. وهو قولُ الأوزاعىِّ والبِّىِّ. القبس (١) سقط من النسخ . والمثبت من الاستذكار ٩٨/٢٢ من النسخة المطبوعة . (٢) فى ص٤: ((قيمة الرهن)). ١٩٦ الموطأ قال أبو عمرَ: فإنِ اخْتَلَف الراهنُ والمرْتَهِنُ فى قيمةِ الرهنِ، فهو بابٌّ التمهيد غيرُ هذا، ولا يَجْمُلُ بنا ذكرُ مسائلِ الرهونِ كلِّها؛ لخُرُوجِنا بذلك عن تأْلِيفِنا، وإنَّما نذْكُرُ مِن المسائل فى كتابِنا ما كان فى معنى الحديثِ المَذْكُورِ لا غيرُ. وقد جوَّد مالكٌ مَذْهَبَه فى اخْتِلافِ الراهِنِ والمُرْتَهِنِ فى قيمة الرهنِ، وفى مِقْدَارِ الدينِ جميعًا ، فى كتابه ((المُوَطّاً))، وقد ذكرنا ما للعلماءِ مِن خِلافِه ومُوافَقَتِهِ، ووَجْهَ قولِ كلِّ واحدٍ منهم فى كتابٍ ((الاسْتِذْكارِ))(١). والحمدُ للهِ. فإن كان الرَّهْنُ ممَّا يَظْهَرُ هَلاكُه؛ نحوَ الدارِ، والأَرَضِينَ، والحيوانِ ، فهو مِن مالِ الراهِنِ، ومُصِيبَتُه منه ، والمرتهِنُ فيه أمينٌ، ودَينُ المرتهنِ فيه ثابتٌ على حاله . هذا كلُّه قولُ مالكِ، وعثمانَ التِّيّ، والأوزاعىِّ . وروَى هذا القول الأوزاعُ ، عن یحیی بنِ أبی کثیرٍ ، عن علىِ بنِ أبی طالِبٍ رضِی اللهُ عنه(٢) . وقال ابنُ أبي ليلى، وعبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ، وإسحاقُ بنُ راهُويَه، وأبو عبيدٍ : يتَرَادَّانِ الفضلَ بينَهما. مثلَ قولِ الأوزاعِىّ، ومالك، والبِى ، سواءً، إلّا أنّه لا فرقَ عندهم بین ما یظھرُ هَلاكُه وبينَ ما يُغابُ عليه، والرهنُ مَضْمُونٌ عندَهم على كلِّ حالٍ ؛ حيوانًا كان أو غيرَه، هو عندَهم مَضْمُونٌ بنفسِه، يتَرَادَّانِ الفضلَ فيه إن نَقَصَت قيمَتُه عن الدَّينِ القبس (١) الاستذكار ٩٨/٢٢ - ١٠٥ من النسخة المطبوعة . (٢) ذكره محمد بن نصر فى اختلاف العلماء ص٢٦٨ عن الأوزاعى به . ١٩٧ الموطأ. التمهيد أو زادَتْ ، والقولُ قولُ المُرْتِهِنِ فى ذلك إن لم تَقُمْ بَيْنَةٌ . ويُزْوَى هذا القولُ أو معناه عن على بن أبى طالبٍ، مِن حدیث قتادةً، عن خِلَاسِ، عن علىَّ(١) . ويُؤْوَى أيضًا عن ابنِ عمرَ، مِن حديثٍ إدريسَ الأُؤْدِىِّ، عن إبراهيمَ بنِ عُمَثٍ(٢)، وهو مَجْهُولٌ، عن ابنِ عمرَ(). وقال الثورىُّ ، وأبو حنيفةً وأصحابُه ، والحسنُ بنُّ حَىٍّ : إن كان الرهنُ مثلَ الدَّينِ أو أكثرَ منه، فهو بما فيه، وإن كان أَقَلّ مِن الدينِ، ذهَب مِن الدينِ بقدرِه، ورجَع المرْتَهِنُ على الراهِنِ بما نقَص. والرهنُ عندَهم مَضْمُونٌ بقيمةِ الدينِ فما دُونَ، وما زاد على الدينِ فهو أمانَةٌ . ورُوِى مثلُ هذا القولِ كلِّه أيضًا عن علىِّ بن أبى طالبٍ، مِن حديثِ عبدِ الأعلى ، عن محمد ابنِ الخَنَفِيَّةِ، عن علئ (٤) . وهو أخسنُ الأسانیدِ فی هذا البابِ عن علىّ . وتَأْوِيلُ قولِه: ((له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه)). عندَ هؤلاء؛ أبى حنيفةً وأصحابِهِ، ومَن قال بقولِهم، أنَّه لا يكونُ للمُؤْتَهِنِ، ولكنْ(٥) يكونُ القبس (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٣/٤، والبيهقى ١٤٣/٦ من طريق قتادة به . (٢) فى النسخ، ونسخ ابن أبى شيبة: ((عميرة)). والمثبت من اختلاف العلماء ص٢٦٩، والمحلى ٤٩٩/٨، وينظر الثقات لابن حبان ١٤/٤. (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٨٥/٧ من طريق إدريس الأودى به. (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٨٥/٧، ١٨٦، والبيهقى ٤٣/٦ من طريق عبد الأعلى به. (٥) سقط من: م. ١٩٨ الموطأ ٠ للراهِنِ، وغُنْمُه عندَهم ما فضَل مِن الدينِ، ((وعليه غُرْمُه)): ما نقَصَ مِن التمهيد الدَّيْنِ. وهذا كلُّه عندَهم فى سَلَامَةِ الرهنِ لا فى عَطَبِهِ(١) ، على ما تَقَدَّمَ ذِكْرُنا له، فالرهنُ عندَ هؤلاء فى الهلاكِ مَضْمُونٌ بالدینِ لا بنفسِه وقیمتِه . ومِن حُجَّتِهم أنَّ المرْتَهِنَ لما كان أحَقَّ به مِن سَائِرِ الغُرَمَاءِ عندَ الفَلَسِ ، عُلِمَ أَنَّه ليس كالوَدِيعَةِ ، وأَنَّه مَضْمُونٌ؛ لأَنَّه لو كان أمانَةً لم يكنِ المرْتَهِنُ أحَقَّ به . وقال شريح، وعامِرٌ الشعبىُّ، وغيرُ واحدٍ مِن الكُوفِتِينَ: يَذْهَبُ الرهنُ بما فيه؛ كانت قِيمَتُه مثلَ الدينِ، أو أكثرَ منه، أو أَقَلَّ، ولا يَرْجِعُ واحِدٌ منهما على صاحِبِهِ بشىءٍ. وهو قولُ الفقهاءِ السبعةِ المدنيين ، إلّا أنَّهم إنَّما يجْعَلُونَه بما فيه إذا هَلَك وعَمِيَت قيمَتُه، ولم تَقُمْ بَيِّنَةٌ على ما فيه، وإن قامَتْ بَيْنَةٌ على ما فيه ، تَرَادًا الفضلَ. وهكذا قال الليثُ بنُ سعدٍ ؛ مذْهَبُه فى هذا ومذْهَبُ السبعةِ سَواءٌ، قال الليثُ : وبلَغنى ذلك عن علىّ بن أبى طالِبٍ . والحيوانُ عندَ الليثِ لا يُضْمَنُ ، إلَّا أن يُتَّهَمَ المُؤْتَهِنُ فى دَعْوَى الموتِ والإباقِ . وقال الليثُ : يكونُ بالموتِ ظاهِرًا مَعْلُومًا. قال: فإن أعْلَمَ المرتهِنُ الراهِنَ بإباقِه أو موتِه، أو أعْلَم السلطانَ ، إن كان صاحِبُه غائبًا ، حَلَف وبرِئ . القبس (١) العطب: الهلاك. اللسان ( ع ط ب ). ١٩٩ الموطأ وقالت طائفةٌ مِن أهلِ الحجازِ ، منهم سعيدُ بنُ المسيبِ ، والزهرىُّ، التمهید وعمرُو بنُ دينارٍ ، ومسلمُ بنُ خالِدٍ ، والشافعىُّ، وهو قولُ أحمدَ بن حنبلٍ، وأبى ثورٍ ، وعامَّةٍ أَهلِ(١) الأثرِ، وداودَ بنِ علىَّ: الرهنُ كلُّه أمانةٌ ، قليلُه وكثيرُه، ما يُغابُ عليه منه، وما يظْهَرُ، إذا ذهَب مِن غيرِ جِنايَةِ المرْتَهِنِ، فهو من مالٍ الراهِنِ ، ولا يُضْمَنُ إلَّا بما تُضْمَنُ به الودائِعُ وسائرُ الأماناتِ، ودينُ المرتِهِنِ ثابتٌ على حالِهِ. قالوا: والحيوانُ فى ذلك، والعقارُ، والحُلِيُّ، والثيابُ، وغيرُ ذلك، سَواءٌ. وحُجَّتُهم فى ذلك حديثُ سعيدِ ابنِ المسيبٍ، عن النبيِّ وَ لّقال: ((الرَّهْنُ ممَّن رَهَنَه؛ له غُتْمُه، وعليه غُرْمُه)). وقد وصَلَه قوم عن سعيد بن المسيبِ ، عن أبى هريرةَ. قالوا : وهو مَرْفُوعٌ صحيحٌ عن النبيِّ ◌َهِ ومَراسِيلُ سعيدٍ عندَهم صِحاحٌ. ومعنى قوله: ((له غُنْمُه)). أى: له غَلَّتُه ورقبْتُه وفائدَتُه كلُّها، ((وعليه غُرْمُه)): فَكَاكُه ومُصِيبَتُه. فعلى هذا معنَى هذا القولِ عندَهم: غُنْمُه لصاحِبِهِ، وغُرْمُه عليه . قالوا: والمُوْتَهِنُ ليسَ بمُتَعَدِّ(٢) فى حَبْسِه فيَضْمَنَ، وإنَّما يَضْمَنُ مَن تَعَدَّى، والأمانَةُ لا تُضْمَنُ بغيرِ التَّعَدِّى. فهو عندَ هؤلاء كلُّه أمانةٌ ، وعندَ أبى حنيفةً وأصحابِهِ، ما زاد على قِيمَتِهِ خأمانةٌ، وعندَ مالكِ، ما لا يُغَابُ عليه أمانةٌ ، لا تُضْمَنُ إِلَّا بما تُضْمَنُ به الأماناتُ مِن القبس (١) فى م: ((أصحاب)). (٢) فى م: ((بمعتد)). ٣٠٠ :