Indexed OCR Text
Pages 121-140
الموطأ
ردَّ المُدَّعَى عليه اليمينَ على الطالبِ، فقلتُ له: احلِفْ. ثم بدا للمُدَّعَى الاستذكار
عليه، فقال: أنا أحلِفُ . لم أَجعَلْ ذلك له؛ لأنى قد أبطلتُ أن يحلِفَ،
وجعَلتُ اليمينَ (١ على صاحبه) .
قال أبو عمرَ: مُجَّةُ(٢) مَن رأى رَدَّ اليمينِ فى الأموالِ حديثُ القَسَامةِ ؛
لأَن رسولَ اللهِ وَ ﴿ رَدَّ فيها اليمينَ على اليهودِ إذ أتى الأنصارُ منها(٢) ،
وليس الأموالُ بأعظمَ حُرمةٌ من الدماءِ .
وهو قولُ الحجازيِّين، وطائفةٍ من العراقيين، وهو الاحتياطُ ؛ لأن مَن
لا يوجِبُ رَدَّ اليمينِ لا يُطِلُ الحكمَ بها مع التّكُولِ . وقال ابنُ أبی لیلی : إذا
قال(٤) المُدَّعَی علیه : أنا أُدُّ الیمین علیه. رددتُها علیه إذا كان يُتَّهمُ ، فإن
لم يُتَّهِمْ لم أرُدَّها عليه. ورُوِى عنه أنه يَرُدُّها بغيرِ تُهمةٍ . وأما أبو حنيفةً
وأصحابُه فقالوا: إذا نكل المطلوبُ عن اليمينِ محُكِم عليه بالحقِّ
للمُدَّعِى، ولا تُرَدُّ اليمينُ على المُدَّعِى.
ومِن مُجَّةٍ مَن ذهب إلى هذا ، أن عبد الله بن عمر إذ نگل عن اليمينِ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((قبله)). وينظر الأم ٣٨/٧، ومختصر اختلاف العلماء ٣٨٣/٣.
(٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٦٩٣، ١٦٩٤).
(٤) فى الأصل، م: ((نكل)).
١٢١
الموطأ
الاستذكار فى عَيْبِ الغلام الذى (١) باعه قضَى عليه عثمانُ بالتُّكُولِ ، وقضَى هو على
نفسِه بذلك(٢) . وهذا لا محُجَّةَ فيه؛ لأن ابنَ عمرَ يحتمِلُ فعلُه أنه لمّا
أوجَب عليه عثمانُ اليمينَ لقد باع الغلامَ وما به داءٌ ) يَعْلَمُه. كرِه اليمينَ
فاسترجع العبد ، فكأنه أقاله فیه کراهیةً للیمین ، ولیس فى الحديث تصريح
الُكْمِ بالتُّكُولِ .
واحتجّ بعضُ" من ذهب مذهب الکوفیین فی ذلك بحدیثِ ابنِ أُبی
مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، أنه جاوَبه فى المرأتين اللتين(٤) ادَّعَتْ إحداهما
على الأخرى أنها أصابَتْ يدَها بالإِشْفَى(٥) وأنكرتْ، فكتب إليه ابنُ
عباس، أن ادْعُها واقرأ عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ
ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]. فإن حلَفتْ فخَلَّ عنها، وإن لم تَحْلِفْ
(٦)
فضَمَّنْها(٦)
القبس
(١) فى الأصل، م: ((للذى)).
(٢) تقدم فى الموطأ (١٣٢٧).
(٣) فى الأصل، م: (أذى)).
(٤) ليس فى: الأصل، م.
(٥) الإشفى: مثقب الإسكاف. اللسان ( ش ف ی ).
(٦) سيأتى تخريجه ص ١٤١ .
١٢٢
الموطأ
قال أبو عمرَ : الاستدلالُ من الحديثِ المُسندِ أولى. واللهُ أعلمُ ، وبه الاستذكار
التوفيقُ لا شريكَ له .
ومن حُجَّتِهم أيضًا أن النبىَّ وَ لَهِ جعَل البينةَ على المُدَّعِى واليمينَ على
المُدَّعَى عليه، فلا سبيلَ إلى نقلِ البينةِ إلى المُدَّعَى عليه، ولا إلى نقلِ
اليمينِ إلى المُدَّعِى .
قال أبو عمرَ: هذا لا يلزَمُ؛ لأن النبيَّ وَ لِّ هو الذى سَنَّ رَدَّ اليمينِ على
المُدَّعِى فى القَسامَةِ ، واستعمالُ النصوصِ أولى من تأويل لم يُتَابَعْ صاحبُه
عليه، وهذا قياسٌ صحيحٌ، وهو أصلُهم جميعًا فى القول بالقياسِ .
قال مالكٌ: مضَت السُّنَّةُ فى القضاءِ باليمينِ مع الشاهدِ الواحدِ ،
يحلِفُ صاحبُ الحقِّ مع شاهدِه ويَسْتحِقُّ حقُّه، وإن نكَل وأتى أن يحلِفَ
أُحلِف المطلوبُ، فإن حلَف سقَط عنه ذلك الحقُّ، وإن أتَى أن يحلِفَ
ثبت عليه الحقُّ لصاحبه .
قال مالكٌ: وإنما يكونُ ذلك فى الأموالِ خاصةٌ ، ولا يَقَعُ ذلك فی
شیء من الحدودِ ، ولا فی نكاح ، ولا فی طلاق ، ولا فی عتاقةٍ ، ولا فی
سرقةٍ، ولا فى فِرْيةٍ .
قال أبو عمر: هکذا قال عمرو بنُ دینارٍ ، (١ وهو راوِیةُ) حدیثِ ابنِ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((وهى رواية)).
١٢٣
الموطأ
الاستذكار عباس ، عن النبى ێ انه قضی باليمينِ مع الشاهد ، قال عمرو: وذلك فى
الأموالِ . وأجمَع القائلون باليمينٍ مع الشاهدِ من الحجازيِّين وغيرِهم ، بأنه
لا " يُقضَى باليمينِ مع الشاهدِ إلا فى الأموالِ؛ الديونِ وغيرِها مما يُقضَى
فيه بشهادة النساء مع الرجالِ دونَ ما عداها ، على ما ذكره مالك رحمه
اللهُ .
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىِّ قراءةً منِّى عليه ، قال:
حدَّثنى الميمونُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنى الطحاوىُّ، قال: حدَّثنی
المُزنيُّ ، قال: حدَّثنى الشافعىُّ، وحدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال:
حدَّثنى قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنى ابنُ وَضَّاحِ، قال: حدَّثْنى
عبدُ الرحمنِ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ أبى عبَّادٍ ، قالا: حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ
الحارث ، قال : حدّثنی سیفُ بنُ سلیمانَ ، عن قیسٍ بنِ سعدٍ ، عن عمرو
ابنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ وَ لِّ قَضَى باليمينِ مع الشاهدِ.
قال عمرُو: فى الأموالِ خاصةً(٢).
وحدّثنی إبراهیمُ بنُ شا کرٍ ومحمدُ بنُ إبراهیم ، قالا : حدّثنی محمدُ
ابنُّ أحمدَ بنٍ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب ، قال: حدَّثنى أحمدُ
ابنُ عمرو بنِ عبدِ الخالقِ البَزَّارُ، قال: حدَّثنی عَبْدُ بنُ عبدِ اللهِ ورزقُ اللهِ
المقبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) تقدم تخريجه ص ٩٠ .
١٢٤
الموطأ
ابنُ موسى، قالا: حدَّثنا زيدُ بنُ المُبَابِ (١) ، قال: حدَّثنى سيفُ بنُ الاستذكار
سليمانَ ، عن قيسٍ بن سعدٍ ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، عن ابن عباسٍ ، عن النبيِّ
﴿﴿، أنه قضَى باليمينِ مع الشاهدِ. قال عمرُو بنُّ دينارٍ: فى الأموالِ
=(٢)
خاصة
قال البزارُ: سيفُ بنُ سليمانَ وقيسُ بنُ سعدٍ ثِقَتان، ومَن بعدَهما
يُستغنى عن " ذكرِه؛ لِشُهْرتِه" فى الثقةِ والعدالةِ.
قال أبو عمرَ : روى هذا الحديثَ عن سيفٍ بن سليمانٌ جماعةٌ ،
وعن زيدِ بنِ المُبَّابِ جماعةٌ؛ منهم أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، وأبو كُرِيبٍ
محمدُ بنُ العلاءِ، والحسنُ بنُ شَاذَانَ. وقد ذكرنا الأسانیدَ عنهم فی
(( التمهيدٍ))(*).
وذكره عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ مسلم الطائفىُّ ، عن عمرو
ابنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ وَلَه، أنه قضَى باليمينِ مع
(٥)
الشاهدِ .
القبس
(١) فى الأصل: ((الحارث)). وينظر تهذيب الكمال ٤٠/١٠.
(٢) تقدم ص ٩٠، ٩١ ..
(٣ - ٣) فى م: ((ذكرهما لشهرتهما)).
(٤) تقدم تخريجها ض ٨٩ - ٩١ .
(٥) تقدم تخريجه ص ٩١، ٩٢ .
٣٠
١٣٥
الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ: رأَى مالكٌ رحِمه اللهُ أن يحلفَ الرجلُ مع شهادة امرأتين
فى الأموالِ ، ويستحِقَّ حقَّه كما يحلِفُ مع الشاهدِ الواحدِ ، فكأنه جعَل
اليمينَ مقامَ الشاهدِ والمرأتين معه، فكأنه قضى برجلٍ وامرأتين .
قال الشافعىُّ: لا يحلفُ مع شهادةِ امرأتين؛ لأن شهادةَ النساءِ دونَ
الرجالٍ لا تجوزُ فى الأموالِ ، وإنما يحلفُ الرجلُ مع الشاهدِ الواحدِ كما
جاء فى الحديثِ . قال : وفى معنى الشُنَّةِ أن تحلفَ المرأةُ مع شاهدِها كما
يحلفُ الرجلُ، فلو أجَزْنا شهادةَ المرأتين مع يمينهما كنا(١) قد قضَينا
بخلافٍ السُّنَّةِ المجتمَع عليها فى شهادةِ النساءِ دونَ الرجالِ فى الأموالِ ،
ويَلزَمُ مَن قال هذا أن يُجِيزَ أربعًا من النساءِ فى الأموالِ . فأتى فى هذا بكلامٍ
كثيرٍ حسنٍ كِلَّه، ذكّره المُزنىُّ والربيعُ عنه. وقال الشافعىُّ: وكلَّ ما كان
من الأموالِ المنتقِلةِ من مِلْكِ مالكِ إلى مِلْكِ مالكِ قُضِى فيه باليمينٍ مع
الشاهدِ ، وكذلك كلُّ ما وجَب به مالٌ من قتل لا قِصاصَ فيه ، أو جراحٍ
لا قصاصَ فيها . قال: ولو أقام شاهدًا واحدًا على سارقٍ أنه سرَق له متاعًا
من حِرْزٍ يساوى ما يُقطَّعُ فيه اليدُ ، حُلِّف مع شاهدِهِ واستَحَقَّ ما سُرِق له،
ولا يُقطَعُ السارقُ؛ لأن الحدَّ ليس بمالٍ. وكذلك لو قال: امرأتى طالقٌ
وعبدى حرَّ إن كنتُ غصَبتُ فلانًا هِذا العبدَ. فشَهِد له عليه بغصبِهِ شاهدٌ )
القبس
(١) فى ب، ط، م: (( كما)).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
١٢٦
الموطأ
واحدٌ، مُلُّف مع شاهدِه واستَحَقَّ المغضوبَ، ولا يَتْبُتُ عليه طلاقٌ ولا الاستذكار
عتقٌ؛ لأن حكمَ الحِنثِ غيرُ حكم المالِ .
وفى هذا الباب(٢) قال مالك: الشّنةُ عندَنا أن العبدَ إذا جاء بشاهدٍ على
عَتاقتِه ، استُحلِف سيدُه ما أُعتَقَه، وبطَل ذلك عنه .
قال مالكٌ: وكذلك السُّنةُ عندَنا أيضًا فى الطلاقِ ، إذا جاءت المرأةُ
بشاهدٍ أن زوجَها طَلَّقها، أَحلِف زوجُها ما طَلَّقها، فإذا حلَف لم يقَعْ عليه
الطلاقُ .
قال مالكٌ : فشنَّةُ الطلاقِ والعَتاقةِ فى الشاهدِ الواحدِ واحدةٌ ، إنما
يكونُ اليمينُ على زوج المرأةِ أو على سيدِ العبدِ، وإنما العَتاقةُ حدٌّ من
الحدودِ ، لا تجوزُ فيها شهادةُ النساءِ؛ لأنه إذا عتَق العبدُ ثَبَتت محُزْمتُه،
ووقَعت له الحدودُ ووقَعت عليه، وإن زنَى وقد أُحصِنْ رُجِم ، وإِن قُتِل قُتِل
به قاتلُه ، ويَثْبُتُ له الميراثُ بينَه وبينَ من ◌ُوارِثُه.
قال أبو عمرَ: خالَفَه الشافعىُّ، وأحمدُ ، وأبو ثَوْرٍ، وأكثرُ القائلين
باليمينِ مع الشاهدِ، فلم يُوجِبوا اليمينَ على زوج المرأةِ بالشاهدِ
الواحدٍ ؛ لأنه لا مدخلَ لليمينِ مع الشاهدِ عندَهم فى طلاقٍ ولا عتقٍ ولا
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) فى ب: ((الحديث)).
(٣) سقط من: ط .
١٢٧
الموطأ
الاستذكار فيما عدا الأموالَ، على ما وصَفْنا. وأما مَن لا يقولُ باليمينِ مع الشاهدِ فهو
أحرَى بذلك، ولكن الشافعىَّ ومَن قال بقولِه مُوجِبون اليمينّ ورَدِّها فى
كلِّ دَغوى مالٍ وغيرٍ مالٍ ، طلاقًا كان أو عتقًا أو نكاحًا أو دمًا ، إلا أن
يكونَ مع مُدَّعِى الدم دلالةٌ كدلالةِ الحارثِينُ(١) على يهودٍ خيبرَ، فيبدَّأَ
حينئذٍ المُدَّعون بالأيمانِ وتكونَ قَسامةً ، وإن لم تكنْ دلالةٌ حَلَفِ المُدَّعَى
عليه كما يحلِفُ فيما سوى الدمٍ .
وقولُ أبى حنيفةَ (٢ وأصحابه٢) فى دَعْوى المرأةِ الطلاقَ ودَغْوى (١)
العبدِ العتقَ كقولِ الشافعىِّ، يُستحلفُ السيدُ والزوج لهما، إلا أنه يُقضَى
عليهما بالتُّگول دون یمینٍ علی مذهبهم فى ذلك. وقال الشافعىُّ : ولو
ادعى أنه نگح امرأةً لم أقبل دعواه حتی یقول : نگحثُها بولی وشاهِدَیْ
عدلٍ ورِضَاها . فإن حلَفتْ برِئتْ ، وإن نكَلتْ حلَف وقُضِى له بأنها زوجةٌ
له
واختلف الفقهاءُ فى تحليفِ زوج المرأةِ المُدَّعيةِ للطلاقِ عليه،
وتحليفٍ سيدِ العبدِ المُدَّعِى للعتقِ على سيدِه، هل تجبُ اليمينُ على
السيدِ أو الزوج بمجردِ الدَّعْوى من المرأةِ أو العبدِ أم لا؟ فقال مالك: لا
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الجاريتين)). وسيأتى فى الموطأ (١٦٩٣، ١٦٩٤).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) فى الأصل، م: ((قول)).
١٢٨
الموطأ
يمينَ على الزوج ولا على السيدِ حتى تُقِيمَ المرأةُ شاهدًا واحدًا عدلًا بأنه الاستذكار
طلَّقها، ويقيمَ العبدُ شاهدًا عدلًا بأن سيدَه أعتقه ، فإذا كان ذلك وجَبت
اليمينُ على السيد للعبدِ فى دَعْوى العتقِ، وعلى الرجلِ للمرأةِ فى دَعْوى
الطلاقِ. وهذا نحوُ قولِه رحِمه اللهُ فى الخُلْطَةِ؛ لأنه لم يُوجِبْ يمينًا
للمُدَّعِى على المُدَّعَى عليه بمجردِ الدَّعْوى حتى تثبتَ الخُلْطَةُ بينَهما .
وقال أبو حنيفةً، والشافعىُ، وجمهورُ العلماءِ: إن اليمينَ واجبةٌ على زوج
المرأةِ المُدَّعيةِ للطلاقِ (١) ، وعلى سيدِ العبدِ المُدَّعِى للعتقِ بمجردٍ
الدَّغْوَى، ولا تجِبُّ عندَ الشافعىِّ يمينٌ مع شاهدٍ فى غيرِ الأموالِ. وأما (٥).
الكوفيون ، فلا يقولون باليمينٍ مع الشاهدِ فى الأموالِ ولا فى غيرِها، على
ما تقدَّم عنهم.
واختلف أصحاب مالك فی معنی هذه المسألة فی الذی شهِد علیه
شاهدٌ واحدٌ لزوجته أنه طلَّقها ، أو لعبده أنه أعتقه ، فیأتی من اليمين ؛ فقال
ابنُ القاسم عن مالكِ: يُحبّسُ حتى يحلِفَ .
قال : وكان مالكٌ يقولُ: يُعتَقُ عليه العبدُ ، وتُطلَّقُ عليه الزوجةُ إذا أتى
ونكّل عن اليمينِ. ثم رجع إلى ما قلتُ لك. قال ابنُ القاسم: وبقولِه(١)
القبس
(١) فى م: ((بالطلاق)).
(*) هنا ينتهى السقط فى المخطوط ح، هـ، والمشار إليه ص ١٢٠.
(٢) فى ح، هـ، م: ((يقول)).
١٣٩
(موسوعة شروح الموطة ٩/١٨)
الموطأ
القضاءُ فيمن هلَك وله دَیْنٌ
وعلیه دینُ له فيه شاهدٌ واحدٌ
١٤٦٥ - قال يحيى: سمِعتُ مالكًا يقولُ فى الرجل يهلِكُ وله
دَيْنٌ عليه شاهدٌ واحدٌ، وعليه دَينٌّ للناسِ لهم فيه شاهدٌ واحدٌ ، فِيَأْتِى
الاستذكار الآخرِ أقولُ. قال أشهبُ : إذا أتى من اليمينِ طُلِّق عليه وأُعتق عليه.
وعن ابنِ القاسم أيضًا أنه قال : إذا طال سَجْنُه أَطلِقَ ورُدَّ إلى زوجته .
قال : وأرى أن الطَّولَ فى سجنه عامٌ . وقال ابنُ نافع : يُسجنُ ويُضرَبُ له
أجلُ الإيلاءِ.
ولمالك فی هذا الباب تنظیر مسائلَ علی ما ذهب إليه فیه احتجاجًا
المذهبِه، يَرِدُ الاختلافُ عليها، ومذاهبُ العلماءِ فيها فى مواضعِها ، إن
شاء اللهُ عزَّ وجلَّ .
بابُ القضاءِ فيمَن هلَك وله دَیْنٌ
له فيه شاهدٌ واحدٌ وعلیه دَیْنٌ
" هذا بابٌ ليس عندَ غيرِ يحيى، والمسألةُ عندَ أكثرِهم.
قال١) مالكٌ فى الرجل يهلِكُ وله دَيْنٌ(٢) عليه شاهدٌ واحدٌ، وعليه دَيْنٌ
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) بعده فى ح، هـ: ((له)).
١٣٠
وَرَثْتُه أن يَحلِفوا على حُقُوقِهم مع شاهدِهم، قال: فإنَّ الغُرَماءَ يَحلِفون الموطأ
ويأخذون حقوقَهم، فإن فضَل فضلٌ لم يكنْ للوَرَثةِ منه شىءٌ، وذلك
أنَّ الأيمانَ عُرِضتْ عليهم قبلُ فترَكوها، إلا أن يقولوا: لم نَعلَمْ
لصاحبِنا فضلًا. ويُعلَمُ أنهم إنّما ترَكوا الأيمانَ مِن أجلِ ذلك، فإنى أَرَى
أن يَحلِفوا ويأخذوا ما بقِى بعدَ دَينِه .
للناس، فيأتَى وَرَثتُه أن يحلِفوا على حقوقِهم مع شاهدِهم، قال: فإن الاستذكار
الغرماءَ يحلِفون ويأخذون حقوقَهم، فإن فضَل فضلٌ لم يكنْ للورثةِ منه
شىءٍ، وذلك أن الأَيْمانَ مُرِضت عليهم قبلُ فترَكوها ، إلا أن يقولوا : لم
نعلَمْ لصاحبِنا فضلًا. (١ ويُعلمُ(١) أنهم إنما ترَكوا الأيمانَ مِن أجلِ ذلك،
فإِنِى أَرَى أن يحلِفوا ويأخذوا ما بقِى بعدَ دَيْنِه (١) .
قال أبو عمرَ: خالَفه فى هذه المسألةِ طائفتان؛ إحداهما ، مَن يقولُ
باليمينِ مع الشاهدِ . والأخرى ، الدافعةُ لليمينِ(٢) مع الشَّاهدِ. وهى بذلك
أحرى . وأما الشافعىُّ فيحلِفُ عندَه الوارثُ مع الشاهدِ الذى لموروثه على
دَيْنِه ، ولا يجوزُ عندَه أن يحلِفَ الغَرِيمُ، ولكن إذا حلَف الوَرَثةُ كان الغُرماءُ
أحقَّ بالمالِ ؛ لأنه لا ميراثَ إلا بعدَ أداءِ الدَّئِنِ.
ذكَر المُزنىُ ، عن الشافعىِّ قال: ولو أَتَّى قومٌ بشاهدٍ واحدٍ أن لأبيهم
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((فاعلم)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٢٣).
(٣) فى الأصل، م: ((باليمين)).
١٣١
الموطأ
الاستذكار على فلانٍ حقًّا، أو أن فلانًا (١) أوصَى لهم، فمَن حلَف منهم مع شاهدِه
استحَقَّ مُوَرِّثَهُ(٢) ووصيتَه دونَ مَن لم يحلِفْ، وإن كان بعضُهم غائبًا أو
صغيرًا، حلَف الحاضرُ(٣) البالغُ وأخَذ حقُّه، وإن كان مَغْتُوهًا ، فهو على
حقِّه حتى يعقِلَ فيحلِفَ ، أو يموتَ فيقومَ وارثُه مقامه ؛ يحلِفُ ويستحقُّ ،
ولا يستحِقُّ أحدٌ بيمينٍ لأخيه؛ لأن كلَّا إنما يقومُ مقامَ الميتِ فيما ورِث
عنه، كما لو كان "لرجلين على رجلٍ" ألفًا درهم وأقاما عليه جميعًا(١)
شاهدًا، فحلَف أحدُهما) ، لم يستحِقَّ إلا الألفَ وهى التى يملِكُ ، ولا
يحلِفُ أحدٌ على مِلْكِ غيرِه؛ لأن رسولَ اللهِ وَله إنما قضَى باليمينِ
لصاحبِ الحقِّ. قال الشافعىُّ: فإن كان الوَرَثَةُ بالغِين وأبَوْا أن يحلِفوا،
" فإن غرماءَ الميتِ يحلِفون) ويأخذون حقوقَهم، ولا يأخُذُ مَن أتَى
القبس
(١) فى الأصل: ((أباهم)).
(٢) فى ح، هـ، م: ((موروثه)).
(٣) سقط من: ح، هـ، ط .
(٤ - ٤) فى الأصل: ((لرجل على رجلين)).
(٥ - ٥) فى الأم ٢٥٨/٦: ((فأقام أحدهما شاهدا بها وحلف أحدهما)).
(٦) سقط من: ح، هـ، ب، ط، م.
(٧ - ٧) فى الأصل، ب، ط، م: ((فإن صاحبنا قال يحلف غرماء الميت)). وقوله: ((فإن
صاحبنا)). غير واضح فى الأصل.
١٣٢
٨
الموطأ
اليمينَ مِن الورثةِ شيئًا إلا أن يقولوا. فذكَر كلامَ مالك إلى آخره فى الاستذكار
((الموطأ). قال الشافعى: وهذا مذهبُه(١)١). وأحسَبُه ذهَب إلى أن الغريمَ
أحقُّ بالمالِ مِن الوَرَثةِ، فيحلِفُ ويأخُذُ حقَّه. قال الشافعىُ: (ولستُ
أقولُ بهذا٢)؛ وذلك أن رسولَ اللهِ وَّهِ قِضَى لمَن(٤) أقام شاهِدًا بحقٍّ (٥) له
على آخرَ بيمينِه وأخَذ حقَّه ، فإنما أُعطِىَ باليمينِ مَن شُهِد له بأصلِ الحقِّ ،
وإنما تُجُعِلت للوارثِ اليمينُ ؛ لأن الله تبارك وتعالى نقَل مِلْكَ الميتِ إلى
الوارثِ، فجعَله يقومُ فيه مقامَه بقَدْرٍ ما فُرِض له . قال: وليس المُوصَى له
ولا الغريمُ مِن الوارثِ بسبيلٍ، ألا ترى أن الغريمَ لا يلزَمُه مِن نفقةِ العبيدِ
الزَّمْنَى(٤) الذين ترَكهم المُتوفَّى شىءٌ، وأن الغريمَ لو حلَف وطرَأَ للميتِ
مالٌ ، كان للوارثِ أن يقضىَ دَيْنَ الغريمِ من غيرِ المالِ الذى حلَف عليه .
قال أبو عمرَ : أكثَرَ الشافعىُّ من الكلام فى هذا البابِ ، فنقلتُ منه ما
للناظر فی هذا الكتاب من الحاجة إليه . وقول أحمد وإسحاق وأبی ثورٍ فى
هذه المسألةِ كقولٍ الشافعىِّ .
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) فى الأصل، ط، م: ((مذهب)).
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ ،.
(٤) فى ح، هـ: ولما)).
(٥) فى م: ((الحق)).
(٦) سقط من: ح، هـ، م.
١٣٣
الموطأ
القضاءُ فى الدَّعوى
١٤٦٦ - مالكٌ، عن جميلٍ بنِ عبدِ الرحمنِ المُؤْذِّنِ ، أنه كان
يحضُرُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ وهو يَقْضى بينَ الناسِ، فإذا جاءه الرجلُ
يَدَّعى على الرجلِ حقًّا، نظَر؛ فإِن كانت بينَهما مُخالَطةٌ أو مُلَابَسةٌ
أَخْلَف الذى ادُّعى عليه، وإن لم يكنْ شىءٌ مِن ذلك، لم يُحْلِفْه .
الاستذ کار
قال أحمدُ(١): وإذا هلَك رجلٌ (٢ عن ابنٍ وله شاهدٌ واحد٢ٌ) وعليه دَيْنٌ
يغترِقُ مالَه، فأَتَى الوارثُ أن يحلِفَ مع الشاهدِ ، لم يكنْ للغريم أن يحلفَ
مع شاهدِ الميتِ ويستحِقَّ، وإن حلَف الوارثُ مع الشاهدِ محُكِم بالدَّئْنِ
ودُفِع إلى الغريمِ .
بابُ القضاءِ فى الدَّعوى
مالكٌ، عن جميلِ بنِ عبدِ الرحمنِ المُؤذُّنِ ، أنه كان يحضُرُ عمرَ بنَ
القبس
القضاءُ فى الدعوى
قد تقدَّم مِن قولِنا التصديرُ(١) بالأحاديثِ الواردة فيها؛ كقولٍ النبيِّ وَله:
((البينةُ على المدَّعِى، واليمينُ على مَن أنكَر))(٤). وقال ◌َ: ((شاهداك أو
(١) فى ح، هـ، م: ((مالك)). وينظر المغنى ٢١٤/١٤.
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ، م.
(٣) فى نسخة على حاشية د: ((التحرير)).
(٤) سيأتى تخريجه ص ١٤٠، وفى شرح الحديث (١٦٩٤) من الموطأ .
١٣٤
قال مالكٌ: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا؛ أنه مَن ادَّعى على رجلٍ الموطأ
بدَعْوَى، نُظِرِ؛ فإن كانت بينَهما مُخالَطةً أو مُلابَسةٌ أُحلِفِ المُدَّعَى
عليه، فإن حلَف بطَل ذلك الحَقُّ عنه، وإن أتَى أَن يَحلِفَ ورَدَّ اليمينَ
على المُدَّعِى، فحلَف طالبُ الحقِّ، أَخَذ حقَّه .
عبدِ العزيزِ وهو يقضِى بينَ الناسِ، فإذا جاءَه الرجلُ يدَّعى على الرجل الاستذكار
حقًّا، نظَر؛ فإن كانت بينَهما مخالطةٌ أو ملابسةٌ أحلَف الذی ادُّعی علیه،
وإن لم يكنْ شىءٌ مِن ذلك لم يُحلِفْه(١).
قال مالكٌ: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا ؛ أنه مَن ادَّعى على رجل بدعوَى ،
نُظِر؛ فإن كانت بينَهما مخالطةٌ أو ملابسةٌ أَحلف المُدَّعَى عليه، فإن
حَلَف بطَل ذلك الحقُّ عنه، (" وإن أتَى٢) أن يحلِفَ و(٢)رَدَّ اليمينَ على
القبس
یمینُه ))(١) . وروى مسلمٌ فى ((صحيحه)): (( الیمینُ علی نیة المستحلِفِ )) . وفى
لفظٍ آخرَ: ((على ما يُصَدِّقُك فيه صاحبك)»(٥) .
فأما البينةُ فهى لإثباتِ الحقِّ، وأما اليمينُ فهى لرفعِ التهمةِ ورفعِ النزاعِ
بينَ المتخاصِمَيْن، فاستُمِدَّت مِن أصلين؛ المصلحةِ والتهمةِ، حسَبَ ما يَنَّاه
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/١١ظ، ١٠و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٢٤).
وأخرجه البيهقى ٢٥٣/١٠ من طريق مالك به .
(٢ - ٢) فى ح: ((وأرى))، وفى هـ: ((وأراد)).
(٣) لیس فی: الأصل، ح، هـ، ب، ط.
(٤) تقدم تخريجه ص ٧٩ .
(٥) مسلم (٢٠/١٦٥٣، ٢١).
١٣٥
الموطأ
الاستذكار المُدَّعِى، فحلَف طالبُ(١) الحقِّ، أخَذ(٢) حقَّه.
قال أبو عمرَ: قد مضَى القولُ فى رَدِّ اليمينِ، واختلف الفقهاءُ فى
اليمينِ على المُدَّعَى عليه؛ هل تجِبُ بمجرَّدِ الدَّعْوى دونَ خُلطةٍ أو
ملابسةٍ تکونُ بین المُتداعیین أم لا ؟ فالذی ذهب إليه مالك وأصحابُه ، ما
ذكره عن(١) عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فى ((الموطأ))، أن اليمينَ لا تجبُ إلا(٤)
القبس فى البيوع، ووفَّى هذه القاعدةَ مالكٌ - رحمهُ اللهِ عليه - وحدّه حقَّها دونَ
سائرِ العلماءِ ، فقال: إن اليمينَ لا تتوجَّهُ لمجردٍ الدعوى حتى تقترِنّ بها
شبهةٌ. وذلك مستمَدٍّ مِن قاعدةٍ صيانةٍ الأعراضِ؛ لأن الرجلَ يدَّعِى على
الرجلِ ليُلوّثَهُ(٢) باليمينِ، وصيانةُ العرضِ على الحقيقةِ(١) والتهمةٍ واجبةٌ كما
هى فى الدمٍ والماليٍ، ولهذا تفطّن عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وخُصَّ بذلك زمانُه،
لأنه كان ابتداءُ الفسادِ بذَهابِ المروءاتِ وكثرةِ الحرصِ والجشعِ، فإذا
وُجِدت الخُلْطَةُ قَوِيت التهمةُ، ( ومَن تعرّض للتهمةِ) فلا يلومَنَّ مَن أساء به
الظنّ، وقد قال علماؤنا: إن ("الخُلطةَ معاملةٌ لم يُعْرَفْ لها أصلًا()
(١) فى ح، هـ: ((صاحب)).
(٢) فى الأصل، ح، هـ، ب: ((وأخذ)، وفى ط: ((ويأخذ)).
(٣) سقط من: ط، م.
(٤) سقط من: هـ.
(٥) فى م: ((ليونة)).
(٦) الحقيقة: ما يحق عليك أن تحميه . يقال: فلان حامى الحقيقة. التاج (ح ق ق).
(٧ - ٧) فى ج: ((معاملة)).
(٨ - ٨) فى ج، م: ((التهمة)).
(٩) سقط من : ج ، م .
١٣٦
الموطأ
بالخُلطةِ. وهو قولُ جماعةٍ مِن علماءِ المدينةِ .
الاستذكار
ذكَّر إِسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنی سليمانُ بنُ حربٍ ، قال :
حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةً، عن إياسٍ بنِ معاويةً، عن القاسمِ بنِ
محمدٍ، قال: إذا ادَّعى الرجلُ الفاجر على الرجلِ الصالحِ شيئًا ،
يَعلمُ الناسُ أنه فيه كاذبٌ، ولا يُعلمُ أنه كان بينَهما أخذٌ ولا عطاءٌ،
لم يُستحلفْ .
قال: وحدَّثنا ابنُ أبى أُويسٍ، عن ابنٍ(١) أبى الزنادِ، (٢ عن أبيه) قال:
كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يقولُ: إنَّا واللهِ لا نُعطِى اليمينَ كلَّ مَن طلَبها، ولا
نوجبُها إلا بشبيهٍ بما يُوجَبُ به المالُ. قال أبو الزنادِ: يريدُ بذلك المخالطةَ
واللَّطخَ(٣) والشُّبَةَ.
القبس
انفصالٌ. ذكّره ابنُ حبيبٍ، وهذا تقصيرٌ بما أصَّله(٤) مالكٌ فى ((الموطأُ))
فإنه قال: فإن كانت بينَهما مُخَالَطةٌ أو ملابسةٌ. فالمُخالطةُ هى الاجتمائُ
والتآلفُ، والملابسةُ هى الالتزامُ والتشبُثُ، ولذلك قال علماؤنا: إن أهلَ
السوقٍ لا يُرَاعَى فيهم ذلك؛ لأن الخُلطةَ بينَهم موجودةٌ، والملابسةَ فيهم
مظنونةٌ ظنًّا غالبًا .
(١) سقط من: ح، هـ، ب)) م. وينظر تهذيب الكمال ٩٥/١٧.
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ، م.
(٣) اللطخ: الرمى بأمر قبيح والتدنس به. التاج (ل ط خ).
(٤) فى م: ((أحله)).
١٣٧
الموطأ
قال مالكٌ(١): وذلك الأمر عندنا.
الاستذ کار
قال أبو عمرَ : المعمولُ به عندَنا أن مَن ◌ُرِف بمعاملةِ الناسِ مثلَ التجارِ
بعضِهم لبعضٍ، ومَن نصَب نفسَه للشراءِ والبيعِ مِن غريبٍ وغيرِه وعُرِف
به ، فاليمينُ عليه لمَن(٢) ادَّعى معاملتَه ومداینتَه فيما يمكِنُ، وما كان
بخلافٍ هذه الحالِ مثلَ المرأةِ المستورةِ(١) المحتجبةِ، والرجلِ المستورِ
المُنقبض عن مداخلة المدَّعَی علیه وملابسته، فلا تجِبُ الیمینُ علیه إلا
بخلطةٍ ، وفى الأصولِ أن مَن جاءَ بما لا يُشبِهُ ولا يمكِنُ فى الأغلبِ ، لم
تُقْبَلْ منه(٤) دعواه .
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفیانَ ، قال : حدثنا قاسم ، قال: حدَّثنی مُضرُ
ابنُّ محمدٍ ، قال: حدَّثنی قَبيصةُ بنُ عقبةَ، قال: حدَّثنی سفيانُ الثوریُّ ،
القبس
وقال بعضُ علمائِنا: الاجتماعُ فى المسجدِ خُلطةٌ. وأنكره بعضُهم ؛
لأن ذلك إنما هو مَوْطنُ دينٍ، والأُوَّلُ أقوى، وقد بيَّّ ذلك فى كتبٍ
المسائلِ .
(١) سقط من: م.
(٢) فى هـ، م: ((بمن).
(٣) فى ح، هـ، م: ((المشهورة)).
(٤) سقط من: ح، هـ، ب، ط، م.
١٣٨
الموطأ
عن سماكِ (١) بنِ حربٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: لمَّا أُتِى الاستذكار
يعقوبُ بقميصٍ يوسفَ ولم يَرَ فيه خَرقًا ، قال: كذبتُم، لو أكَله السبُغُ
(٢)
لخرق قميصه(٢).
وحدَّثنی عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنی قاسمٌ، قال: حدَّثنی مُضرُ بنُّ
محمدٍ ، قال : حدَّثنى الفضلُ بنُ دُكينٍ ، قال أخبرنا زكريا بنُ أبى زائدةَ ،
عن عامرٍ الشعبىِّ قال: كان فى قميصٍ يوسفَ ثلاثُ آياتٍ(٤)؛ حينَ قُدَّ
قميصُه مِن دُبرٍ، وحينَ أَلقِى على وجهِ أبيهِ فارتدَّ بصيرًا، وحينَ جاءوا بالدمِ
عليه وليس فيه شَقٌّ، عَلِم أنه كذبٌ؛ لأنه لو أكله الذئبُ(٥) لخّق
(٦)
قميصه(٦).
ومما يَشْهِدُ لهذا قولُ اللهِ تعالى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلِ
فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ (®) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ
القبس
(١) فى ح، هـ: ((سالم).
(٢) فى الأصل، م: ((الذئب)).
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٦/١٣، ٣٨، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١١١/٧
(١١٣٩٠) من طريق الثورى به .
(٤) سقط من: هـ، وفى ح: ((سنن).
(٥) فى ح، هـ، ب، ط: ((السبع)).
(٦) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٨/١٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٩٦/٧ (١١٩٥٤) من
طريق زكريا بن أبى زائدة، عن سماك، عن الشعبى. وينظر تهذيب الكمال ٣٥٩/٩، ٣٦٠.
١٣٩
الموطأ
الاستذكار مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧،٢٦].
وهذا أصلٌ فيما ذكرنا و(١) فى كلِّ ما يُشبِهُه، واللهُ أعلمُ، وباللهِ
التوفيقُ. وقال ابنُ القاسم: لا يُستحلفُ المدَّعَى عليه القصاصُ ولا
الضربُ بالسوطِ وما أشبهَه، إلا أن يأتىَ بشاهدٍ واحدٍ عدلٍ(٢) فيُستحلفَ
له ؛ كالطلاقِ والعتقِ، إذا جاءت المرأةُ أو العبدُ بشاهدٍ (١) عدل، استُحلفَ
الزوجُ أو السيدُ ؛ ما طلَّق، ولا أعتَق .
قال أبو عمرَ: قال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما، والثورىُّ،
وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ: كلَّ مَن ادَّعى حقًّا على غيرِه ولم يكنْ له
بينةً، استُحلف له المدَّعَى عليه فى كلٌّ ما يستحِقُّ من الحقوقِ كلِّها .
ومُحُجَّتُهم حديثُ ابنِ أبى مليكةً، عن ابنِ عباس، أن رسولَ اللهِ وَالإِه قال:
(لو أُعطِى قومٌ بدَعواهم لادَّعى قوم دماءَ قومٍ وأموالَهم، ولكنَّ البيَّةَ على
المُدَّعِى، واليمينَ على المُدَّعَى عليه))(١) . ومن رواةِ هذا الحديثِ مَن لا
يَذْكُرُ فيه البيّنةَ على المدَّعِى، وإنما يقولُ: ((اليمينَ على المُدَّعَى عليه)).
حدَّثنى أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيان ، قالا : حدثنى قاسمُ
القبس
(١) سقط من: ح، هـ، م.
(٢) سقط من: ح، هـ.
(٣) بعده فى ح، هـ، م: ((واحد)).
(٤) أخرجه البيهقى ٢٥٢/١٠ من طريق ابن أبي مليكة به بهذا اللفظ .
١٤٠