Indexed OCR Text

Pages 561-580

قال مالكٌ: لا تصلُحُ المساقاةُ فى شىءٍ مِن الأُصولِ ممَّا تِلُّ فيه الموطأ
المساقاةُ ، إذا كان فيه ثمرٌ قد طاب وبدا صَلاحُه وحلّ بيعُه، وإنَّما
ينبغِى أن يُساقَى مِن العامِ المُقبِلِ، وإنَّما مساقاةُ ما قد خَلَّ بيعُه مِن
الثمار إجارةٌ ؛ لأنه إنَّما ساقی صاحبَ الأصل ثمرًا قد بدا صلاحه على
أن یکفیه إياه ويجدّه له ، بمنزلةِ الدَّنانیرِ والدّراهم يُعطِیه إيّاها ، وليس
ذلك بالمساقاة ، إنَّما المساقاةُ ما بينَ أن يجدَّ النخلَ إلی أن يطيب الثمرُ
واختلف الفقهاءُ فى مُساقاةِ البعل، فأجازها مالك وأصحابُه، الاستذكار
والشافعى، ومحمد بن الحسنِ ، والحسنُ بنُ حیٍّ . وذلك عندهم علی
التلقيح والزَّبْرِ والحفرِ ، وما يحتاج إليه من العملِ. وقال الليثُ : لا
تجوزُ المُساقاةُ فى البعلِ ، ولا تجوزُ إلا فيما يُسقَى.
قال مالكٌ : لا تصلُحُ المُساقاةُ فى شىءٍ مِن الأصولِ التى تصلُحُ فيها
المُساقاةُ ، إذا كان فیه ثمرٌ قد طاب وبدا صلاحه و خَلّ بيعه، وإنما ینبغِی
أن يُسَاقَى مِن العامِ المُقبلِ، وإنما مُساقاةُ ما قد حَلَّ بيعُه مِن الثمارِ إجارةٌ ؛
لأنه إنما ساقی صاحب الأصلِ ثمرًا قد بدا صلاحه على أن يكفيه(٢) إِيَّاه
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((عن مالك وأصحابهما))، وفى م: ((مالك والشافعى وأصحابهما)).
(٢ - ٢) فى م: ((والحضر والحفظ)).
(٣) فى الأصل: ((يعطيه)).
٥٦١
( موسوعة شروح الموطأ ٣٦/١٧ )

الموطأ ويحِلَّ بيعُه.
قال: ومَن ساقَى ثمرًا فى أصلٍ قبلَ أن يَبدوَ صلاحُه ويحِلَّ بِيعُه،
فتلك المساقاةُ بعينِها جائزةٌ .
الاستذكار ويَجُدَّه له ، بمنزلةٍ الدنانيرِ والدراهم يُعطِيه إِيَّها، وليس ذلك بالمُساقاةِ ،
وإنما المُساقاةُ ما بينَ أَن يَبُجدَّ النخلَ إلى أن يطيب الثمرُ ويحِلُّ بيعُه.
قال مالك : ومَن ساقَی ثمرًا فى أصلٍ قبلَ أن يبدوَ صلاحُه ويَحِلَّ بیعُه ،
فتلك المساقاةُ بعينِها جائزةٌ .
قال أبو عمرَ: قد كرّر هذا المعنى وهو مفهومٌ جدًّا، وكلَّ مَن أجاز
المُساقاةَ لم يُجِزْها إلا فيما لم يُخلقْ، أو فيما لم يبدُ صلاحُه مِن الثمارِ ،
ويعملُ العاملُ فى الشجرِ مِن الحفرِ والزَّبْرِ وسائرِ العملِ مما يحتاج إليه،
وتصلُحُ ثمرتُها به (١ على جزءٍ مما١) يُخرِجُه اللهُ فيها مِن الثمر(١) كالقِراضِ،
يعملُ العاملُ فى المالِ (١على جزءٍ مما١) يرزُقُه اللهُ فيه مِن الرِّبْحِ، وهذان
بابان(٧) مُخالِفان للبيوع وللإجارات، و کلّ عندنا أصلّ فی نفسِه یجبُ
التسلیم له والعملُ به .
وذكر ابنُّ عُبدوسٍ والعتبىُّ أيضًا عن سُحنونٍ ، أنه قال: لا بأسَ
القبس
(١ - ١) فى م: ((على حد ما)).
(٢) فى ب: ((الشجر)).
(٣) سقط من: م، وفى ب: ((أصلان)).
٥٦٢

الموطأ
قال مالكٌ: ولا ينبغى أن تُساقَى الأرضُ البيضاءُ، وذلك أنه يحِلُ
لصاحبها كِراؤُها بالدنانيرِ والدراهمِ، وما أشْبَه ذلك مِن الأثمانِ
المعلومةِ .
بمُساقاةٍ (« النخل بعد١َ) أن يبدوَ صلاحها؛ لأنها إجارةٌ بشىءٍ معلومٍ، الاستذكار
والعاملُ فى ذلك أجيرٌ بأجرةٍ معلومةٍ .
قال أبو عمرَ : إذا كان هذا فليست مُساقاً، وإنما الذى يُعطِیه فى عملِه
مِن الثمرِ الذى حَلَّ بيعُه بمنزلةٍ الدنانيرِ والدراهم، كما قال مالكٌ رحمه اللهُ .
وأما الشافعىُّ فاختلف قولُه؛ فمرةً قال(٢): تجوزُ المُساقاةُ فى الحائطِ
وإن بدا صلاحه. ومرةً قال : لا تجوزُ.
قال مالكٌ: ولا ينبغى أن تُساقَى الأرضُ البيضاءُ، وذلك أنه يَحِلُّ
لصاحبِها كراؤُها بالدنانيرِ والدراهم ، وما أشبه ذلك مِن الأثمانِ المعلومةِ .
قال أبو عمرَ: ظاهرُ هذا الكلامِ يدُلُّ على أنه يُجيزُ(٢) كراء(٤) الأرضِ
بکل ثمن معلوم، وليس ذلك بمذهب مالك ، وإنما هو قولُ الشافعىِّ ؛
جائزٌ عندَه أن تُكْرَى الأَرضُ بكلِ ما تُكْرَى به الدُّورُ والحوانيتُ مِن العينِ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((التى تعلم)).
(٢) بعده فى الأصل: ((مالك))، وفى م: ((مثل مالك)).
(٣) فى الأصل، م: ((يخير)).
(٤) ليس فى: الأصل، وفى م: ((أن تكری)).
٥٦٣

الموطأ
الاستذكار المعلوم وزنُها، والعُرُوضُ كلُّها الجائزُ بيعُها و(١) مِلْكُها على سُنَّتِها، طعامًا
كانت أو غيرَ طعام، (٢ وأمَّا أن تُکری٢) بجزءٍ مما تُخرجه، يَقِلُّ مرةً ويكثُو
أُخرى، وربما لم تُخرِجْ شيئًا فلا ، وهذا عندَه المُزارعةُ التى نهَى رسولُ اللهِ
رَّهِ عنها. وقال ابنُّ نافع: جائزٌ كِرَاءُ الأرضِ بشىءٍ مِن الطعامِ والإِدَامِ، وغيرِ
ذلك ما عدا الحِنْطةَ وأخواتِها . يعنى البُرَّ والشعيرَ والسُّلْتَ، فإنها مُحاقَةٌ . وقال
ابُ کنانةً : لا تُگری الأرضُ بشىءٍ إِذا أُعید فیھا نَبَتَ ، ولا بأس أن تُگری بما
سوى ذلك مِن الطعام وغيرِهِ مِن جميع الأشياءِ كلِّها ، مما يُؤْ كلُ ومما لا يُؤْ كلُ .
ذكر ذلك عنهما (١) ابنُ حبيب، قالَ: وأما مالكٌ وأصحابُه؛ ابنُ القاسم،
وأشهبُ ، وابنُ وهبٍ(٤)، ومُطَرِّفٌ، وعبدُ الملكِ؟) ، وابنُ عبدِ الحكم،
وأصبغُ، فإنهم قالوا: لا تُكْرَى الأرضُ بشىءٍ يخرجُ منها، أُكِل أو لم
يُؤْكلُ، ولا بشىءٍ مما يُؤْكلُ أو يشربُ ، خرَج منها أو لم يخرجُ منها .
وفى ((المدونة)) لابنِ القاسم عن مالكِ مثلُ ذلك؛ أن الأرضَ لا تُكْرَى
بشىءٍ مِن الطعامِ، كان مما يخرُجُ منها أو مما لا يخرج منها، كان مما يُزرعُ
فيها أو لا يُزرُ، ولا مِن الإدامِ كلّه؛ مثلِ العسلِ والسمنِ واللبنِ، وسائرِ الإدامِ
والطعام كلّه. وذكر ابنُّ سُحنونٍ عن المُغيرةِ، أنه كان يقولُ: "لا بأسَ) أنَ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((فى)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((أن تكری))، وفى م: (( أن تكون )).
(٣) فى الأصل، م: ((عنه)).
(٤) فی م: (حبيب)) .
(٥) فى الأصل، م: ((وعبد الله )).
(٦ - ٦) فى م: ((لابد من)).
٥٦٤

الموطأ
قال: فأمَّا الذى يُعطِى أرضَه البيضاءَ بالثُّلُثِ أو الرُّبُع ممَّا يخرُجُ
منها ، فذلك ممَّا يدخُلُه الغَرَرُ؛ لأن الزرعَ يقلُّ مرةً ويكثُرُ مرَّةً، ورُبَّما
هَلَك رأسًا، فيكونُ صاحبُ الأرضِ قد ترَك كراءً معلومًا يصلُحُ له أن
يُكرِىَ أرضَه به، وأخَذ أمرًا غَرَرًا لا يَدرى أيتِمُ أم لا؟ فهذا مكروهٌ ؛
وإنما مثَلُ ذلك مثَلُ رجلِ استأجرَ أجيرًا لسفرٍ بشىءٍ معلوم، ثُم قال
الذى استأجَرَ الأجيرَ: هل لك أن أَعْطِيَك عُشرَ ما أُربَحُ فى سَفَرى هذا
إجارةً لك؟ فهذا لا يجِلُّ ولا ينبغِى .
قال مالكٌ: ولا ينبغى لرجلٍ أن يُؤْاجِرَ نفسَه ولا أرضه ولا سفينتَه
تُكْرَى الأرضُ بطعام لا يخرجُ منها . وذكر يحيى بنُ عمرَ عن المغيرة ، أنه الاستذكار
لا يجوز ذلك .
قال مالكٌ فى ((الموطأُ)): فأما الذى يُعطِى أَرضَه البيضاءَ بالثُّلُثِ
والرُّجُعِ مما يخرُجُ منها، فذلك مما يدخُلُه الغَرَرُ؛ لأن الزرعَ يَقِلُّ مرةً ويكثُو
مرةً، وربما هلَك رأسًا، فيكونُ صاحبُ الأرضِ قد ترَك ◌ِرَاءً معلومًا
يصلُحُ له أن يُكْرِىَ به أرضَه، وأخَذ أمرًا غَرَرًا لا يدرِى أَيْتِمُ أم لا؟ فهذا
مكروة؛ وإنما مَثَلُ ذلك مَثَلُ رجلِ استأجر أجيرًا لسفرٍ بشىءٍ معلومٍ، ثم
قال الذى استأجر الأجيرَ: هل لك أن أُعطيَك ◌ُشْرَ ما أربَحُ فى سفرى هذا
إجارةً لك؟ فهذا لا يَحِلُّ ولا ينبغى .
قال مالكٌ: ولا ينبغِى لرجل أن يُؤْاجِرَ نفسَه ولا أرضَه ولا سفينتَه إلا
القبس
٥٦٥

الموطأ إلا بشىءٍ معلومٍ لا يزولُ إلى غيرِهِ.
قال مالكٌ: وإنَّما فرّق بينَ المُساقاةِ فى النخلِ والأرضِ البيضاءِ،
أن صاحب النخلِ لا یقدِرُ علی أن یبیعَ ثمرها حتی ییدوَ صلاحُه،
وصاحبَ الأرضُ يُكرِيها وهى أرضٌ بيضاءُ لا شىءَ فيها .
الاستذكار بشىءٍ معلومٍ لا يزولُ إلى غيرِه.
قال مالكٌ: وإنما فرّق بينَ المُساقاةِ فى النخلِ والأرضِ البيضاءِ، أن
صاحب النخلِ لا یقدِرُ علی ان يبيع ثمرتها حتى يبدوَ صلاحها ، وصاحبُ
الأرضِ يُكْرِيها وهى أرض بيضاء لا شىءَ فيها .
قال أبو عمرَ : الفرقُ بينَ المُساقاةِ وكراءِ الأرضِ البيضاءِ أن رسولَ اللهِ
بَّ نَهى عن المُزارعةِ، وهى إعطاءُ الأرضِ بالثُّثِ والرُّبُعِ، وساقَى أهلَ
خيبرَ على نصفٍ ما تُخرِجُ الثمرةُ؛ فروَى ثابتُ بنُّ الضحاكِ، أن النبيَّ وَه
نَهى عن المُزارعةِ(١).
وروَى يَعْلی بنُ حکیم ، عن سلیمانَ بنِ یسارٍ ، عن رافع بنِ خَدیجٍ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن كانت له أرضّ فليزرغها أو لِيزرعها أخاه،
ولا يُكرِيها بُلُثٍ ولا برئُعٍ))(٢).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣١٤/٢٦ (١٦٣٨٨)، والدارمى (٢٦٥٨)، ومسلم (١١٨/١٥٤٩، ١١٩).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٨٨.
٥٦٦

الموطأ
ورَوَى عطاءً وأبو الزبير)، عن جابر، قال: كنا فى زمانٍ رسولِ اللهِ الاستذكار
وَ لَ تُكرى الأرضَ - أو تُواجرُ الأرضَ - بالنصفِ والثلثِ والربعِ، فتھَى
رسولُ اللهِ وَِّ عن ذلك٢). وقد ذكّرنا الأسانيدَ فى ((التمهيدِ))(٢).
وفى حديثٍ جابرٍ ورافعِ ما يَدُلُّ على أن النهىَ عن ذلك كان بعدَ
خيبرَ؛ لأن رسولَ اللهِ وَ لِّ ساقاهم على نصفِ ما تُخرجُ الأرضُ والثمرةُ،
على حَسَبٍ ما كانوا عليه قبلَ النهي، ثم نَهى عن ذلك ونهى عن
المُخابرةِ. وقيل: إنما فعَله بخيبرَ. واللهُ أعلمُ. وقد قيل غيرُ ذلك على ما
ذكرناه فى ((التمهيدِ)). وما ذهَب إليه مالكٌ من(٤) كراهية كراءِ الأرضِ
بجزء مما تخرجه هو مذهب الشافعى . وقد تقدَّم ذکژذلك ، ولکنا کژَّرناه
كما كوّره مالكٌ.
واختُلِف عن الليثِ فى المُزارعةِ بالثلثِ والربعِ ونحوِ ذلك ؛ فرُوِى عنه
كرامتُها ، ورُوِى عنه إجازتُها . ورُوِى عن يحيى ، عن الليثِ بنِ سعدٍ ، أنه
قال: إنما " يُكرةُ أن) تُكْرَى الأرضُ بشىءٍ مما يخرُجُ منها إذا كان ذلك
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢ - ٢) فى م: ((خطينا رسول الله وَل﴿ فقال من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها ولا
بؤاجرها)). وينظر ما سیأتی ص ٥٨٢.
(٣) أخرجه الدارمى (٢٦٥٧)، ومسلم (٩٦/١٥٣٦) من طريق أبى الزبير به . وسيأتى طريق عطاء
ص٥٨٢، ٥٨٣.
(٤) فى الأصل، م: ((فى)).
٥٦٧

الموطأ
الاستذكار ضامنًا على ((المکترِی ربح أو لم يربخ١)؛ فأما أن يُکریھا(٢) ببعض ما يخرجُ
منها ويزرعَ فيها نصفًا أو ثُلُنَا أو ربٌعًا، فذلك حلالٌ.
قال أبو عمرَ : بقولِ الليثِ هذا، فى إجازتِه المُزارعةً بجزءٍ مما تُخرجُ
الأرضُ مما يُزرعُ فيها ، قال ابنُ أبی لیلَی ، والحسنُ بنُ حىٍ، والثورىُّ،
والأوزاعى، وأبو يوسفَ(٣)، ومحمدٌ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ () وغيرهم)
وحُجّتُهم فى ذلك حديثُ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أن
رسولَ اللهِ وَ لَهُ ساقَى أَهلَ خيبرَ على نصفٍ ما تُخرجُ الأرضُ والثمرةُ(٥).
قال أحمدُ : هذا حديثٌ صحيحٌ، وأحاديثُ رافعٍ (٦) مُضطرِبةُ الألفاظِ.
واحتجّ غيرُه على مالكٍ فى إجازتِه المُزارعةَ فى الأرضِ بينَ الشجرِ إذا كانت
الثُّلُثَ فأقلَّ، بأن ذلك لو لم يَجُزْ منفردًا ما جاز بينَ النخلِ().
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ب: ((المشترى ربح أو لم يربح))، وفى م: ((المشترى دفع أو لم يدفع)).
والمثبت يقتضيه السياق .
(٢) فى م: ((يلزمها)).
(٣) فى الأصل، م: ((يونس).
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل ، م .
(٥) تقدم تخريجه ص ٥٣٦ ، ٥٣٧.
(٦) الأصل: ((نافع)).
(٧) بعده فى الأصل، ب، م: ((وإذا لم يجز منفردًا لم يجز بين النخل)). ولعل ذلك تكرار.
٥٦٨

الموطأ
قال مالكٌ: والأمرُ عندَنا فى النخلِ أيضًا أنَّها تُساقَى السنين الثلاثَ
والأربعَ، وأقلَّ مِن ذلك وأكثَرَ، وذلك الذى سمِعتُ، وكلُّ شىءٍ مِثلُ
ذلك مِن الأصولِ بمنزلةِ النخلِ ؛ يجوزُ فيه لمَن ساقَى مِن السنينَ مِثلُ ما
قالوا: وتوقيتُ القُّلُثِ فما دونَه تحكمُ(١) بغيرِ حُجَّةٍ؛ لأن التوقيت الاستذكار
يحتاج إلى توقيفٍ (١) . قالوا: وليس فى أصولِ الشريعةِ ما يُبِيحُ العقدَ الفاسدَ
للضرورة لمن ادَّعى فى ذلك ضرورةً .
وأما قولُ مالكٍ: لا ينبغى لأحدٍ أن يُؤاجِرَ نفسَه ولا أرضَه ولا سفينتَه إلا
بشىءٍ معلومٍ . فهو قولُ الشافعىِّ والكوفيّ، وقد أجازت طائفةٌ مِن التابعين
ومَن بعدَهم أن يُعطِىَ الرجلُ سفينتَه ودابته، كما يُعطِى أرضَه بجزءٍ مما
يرزُقُه اللهُ تعالى فى العلاج(٢) بها، وجعلوا أصلَهم فى ذلك بالقِراضِ
المُجتمَعِ عليه .
قال مالكٌ: والأمرُ عندَنا فى النخلِ أيضًا أنها تُساقَى " السنتين
و٤"الثلاثَ والأربعَ، وأقلَّ مِن ذلك وأكثرَ، قال: وذلك الذى سمِعتُ.
قال: وكلُّ شىءٍ مِن الأصولِ بمنزلةِ النخلِ؛ يجوزُ فيها لمَن ساقَى مِن
القبس
(١) فی م: ((حکم)).
(٢) فى الأصل، م: ((توقيت)).
(٣) فى الأصل، م: ((الصلاح)). وعالج الشىء: زاوله ومارسه وكارى عليه. اللسان
(ع ل ج).
(٤ - ٤) فى م: ((السنين)).
٥٦٩

يجوزُ فى النخلِ .
الموطأ
الاستذكار السنينَ ما يجوزُ فى النخلِ .
قال أبو عمر : قد اختلف فى أجل المساقاة ، وقد ذكرنا ذلك عندَ قولِ
النبيِّ وَ ل﴿ل ليهودِ خيبرَ: ((أَقِرُّكم ما أقرّكم اللهُ))(١). وقد روى عنه وَّل أنه
قال لهم: ((أَقِرُكم ما شئنا))(١) . والمعنى واحدٌ، ونُعِيدُ هنا منها ذكرًا كما
أعاده مالكٌ رحِمه اللهُ، فنقولُ: إن مالكًا ، والشافعىَّ، ومحمدَ بنَ الحسنِ
مُتَّفِقون على إجازةِ المُساقاةِ سنينَ(٣) معلومةً، والمُساقاةُ إنما هى عندَهم
إلی الچدادِ . وقد ذكرنا اختلافهم فی الچدادِ والقِطافِ علی مَن هو ، من
العاملِ وربِّ الأرضِّ) فيما مضَى مِن هذا البابٍ(*). وإذا كان الأصلُ فى
المساقاةِ إلى الجِدادِ قبلَ أن يبدوَ فى الشجرِ شىءٌ مِن التمرِ، فحكمُ السنينَ
المعلومةِ فى ذلك مُحُكْمُ السَّنَةِ الواحدةِ ؛ لأنه كلَّه شىءٌ لم يُخلقْ أو لم
يظهر. وقد أجازت طائفةٌ من أهلِ العلمِ المُساقاةَ إلى غيرِ توقيتٍ مِن
السنين، منهم أهلُ الظاهرِ، واحتجُوا بأن رسولَ اللهِ وَ الَّ عامَل اليهودَ على
شَطْرِ النخلِ والزرع ما بدا لرسولِ اللهِ وَلٌ مِن غيرِ توقيتٍ، وقد مضى
القولُ عليهم فيما تقدَّم مِن هذا البابِ . والحمدُ للهِ .
القبس
(١) تقدم ص ٥٢٦، ٥٢٧ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٠٧ ، ٥٢٥.
(٣) فى الأصل، م: ((سنينًا)). وإلزام الياء وإظهار حركات الإعراب على النون فى كلمة
((سنين)) لغة. ينظر شرح ابن عقيل ٦٤/١، ٦٥.
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((عن العلماء ورب الأصل)).
(٥) ينظر ما تقدم ص ٥٥٢ - ٥٥٨.
٥٧٠

الموطأ
قال مالك فى المُساقِی : إِنه لا يأخذُ مِن صاحبِه الذی ساقاه شيئًا
مِن ذهبٍ ولا وَرِقٍ يَزْدادُه، ولا طعامٍ، ولا شىءٍ مِن الأشياءِ، لا يصلُحُ
ذلك، ولا ينبغى أن يأخُذَ المُساقَى مِن ربِّ الحائطِ شيئًا یزیدُه إِيَّاه ؛ مِن
ذهبٍ ولا وَرِقٍ ولا طعامٍ ، ولا شىءٍ مِن الأشياءِ، والزِّيادةُ فيما بينَهما لا
تصلُغ .
قال مالكٌ: والمُقارضةُ أيضًا بهذه المنزلةِ ، لا يصلُحُ ؛ إذا دخَلَتِ
فإن دفَع رجلٌ إلى رجلٍ نخلاً أو شجرًا مُعاملةً على جزءٍ معلوم، ولم الاستذكار
يذكُروا وقتًا معلومًا؛ فقالت طائفةٌ منهم أبو ثورٍ: ذلك سَنَّةٌ واحدةٌ . وهو
يُشْبِهُ مذهبَ ابنِ الماجشون. فمَن أُكرَى(١) دارًا مُشاهرةً أنه يلزمُه شھرٌ
واحدٌ . وقولُ أبى ثورٍ فيمَن ساقَى حائِطَه، ولم يذكر فى وقتٍ مساقاتِهِ(١)
مدةً معلومةٌ قولٌ حسنٌ .
قال مالكٌ فى المُساقِى : إنه لا يأخُذُ مِن صاحبِه الذى ساقاه شيئًا مِن
ذهبٍ ولا ورِق یزدادُه، ولا طعام، ولا شىءٍ مِن الأشیاءِ، لا يصلُح ذلك،
ولا ينبغى أن يأخُذَ المُسَاقی مِن ربِّ الحائطِ شيئًا یزیدُه إِيَّاه ؛ مِن ذهب أو
وَرِقٍ ولا طعامٍ ، ولا شىءٍ مِن الأشياءِ، والزيادةُ فيما بينَهما لا تصلُحُ .
قال مالكٌ: والمُقارضةُ أيضًا بهذه المنزلةِ، لا يصلُحُ؛ إذا دخلتٍ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((اكترى)).
(٢) فى الأصل: ((مساقاة))، وفى م: ((المساقاة)).
. ٥٧١

الزيادةُ فى المساقاةِ أو المُقارَضةِ صارتْ إِجارةً ، وما دخلتْه الإجارةُ فإنه
الموطأ
لا يصلُحُ، ولا ينبغى أن تقعَ الإجارةُ بأمرٍ غَرَرٍ، لا يُدْرِى أَيكونُ أو لا
يكونُ، أو يقلَّ أو يكثُرُ.
قال مالكٌ، فى الرجلِ يُساقِى الرجلَ الأرضَ فيها النخلُ والكَوْمُ،
أو ما يُشبِهُ ذلك مِن الأصولِ فتكونُ فيها الأرضُ البيضاءُ. قال
الاستذكار الزيادةُ فى المُساقاةِ أو المُقارضةِ صارت إجارةً، وما دخَلته الإجارةُ فإنه لا
يصلُحُ، ولا ينبغى أن تقعَ الإجارةُ بأمرٍ غَرَرٍ، لا يُدْرَى أَيكونُ أو لا يكونُ،
أو يَقِلُّ أو يكثُرُ.
قال أبو عمرَ: لا خلافَ بينَ مُجِيزِى المُساقاةِ أنه لا يجوزُ أن يكونَ
مِن واحدٍ منهما زيادةٌ يزدادُها على جزئه المعلوم ؛ لأنه حينئذٍ يعودُ الجزءُ
مجهولاً ، ولا يجوزُ أن تكونَ المعاملةُ على جزءٍ مجهولٍ ، وإنما تجوزُ على
جزءٍ معلوم؛ ثُلُثٍ أو نصفٍ أو رُبُع، أو نحو ذلك مِن الأجزاءِ المعلوماتِ
فيما يخرجُه اللهُ فى الثمرة. وقد ذكّرنا (١) هذا المعنى فى القِراضِ أيضًا .
قال مالكٌ ، فى الرجلِ يُسَاقِى الرجلَ الأرضَ فيها النخلُ أو الكَوْمُ ،
أو ما يشبهُ ذلك مِن الأصولِ فتكونُ فيها الأرضُ البيضاءُ.
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((ما فى)).
٥٧٢

الموطأ
مالكٌ: إذا كان البياضُ تبعًا للأصلِ، وكان الأصلُ أعظَمَ ذلك
وأكثَرَه، فلا بأسَ بمُساقاتِه؛ وذلك أن يكونَ النخلُ الثُُّثين أو أكثرَ
ويكونَ البياضُ الثُلُثَ أو أقلَّ مِن ذلك، وذلك أن البياضَ حينئذٍ تَبَعّ
للأصلِ.
قال مالكٌ : وإذا كانت الأرضُ البيضاءُ فيها نخلٌ أو كَوْمٌ أو ما يُشبِهُ
ذلك مِن الأصولِ، فكان الأصلُ الثُلُثَ أو أقلَّ والبياضُ الثُّلُثين أو أكثرَ،
جاز فى ذلك الكِراءُ وحرُمَتْ فيه المساقاةُ ؛ وذلك أنَّ مِن أمر الناس أن
قال مالك: إذا كان البَيَاضُ تَبَعًا للأصلِ، وكان الأصلُ أعظمَ ذلك الاستذكار
وأكثرَه، فلا بأسَ بمُساقاتِه؛ وذلك أن يكونَ النخلُ الثُّلُنَين أو أكثرَ،
ويكونَ البياضُ الثلثَ (١) أو أقلَّ مِن ذلك، وذلك أن البياضَ حينئذٍ تَبَعّ
للأصلِ.
ثم ذكر إلى آخرِ البابِ هذا المعنى مُكوّرًا، وشبَّهه بالسيف
والمصحف ، تکونُ فی أحدهما الحلیةُ مِن الوَرِقِ ، فيُبامُ بالوَرِقِ إذا كان
الوَرِقُ تبعًا (١) للنَّصْلِ والمصحفِ، وكذلك القِلادةُ والخَاتَمُ ، وذلك أن
القبس
(١) ليس فى: الأصل.
(٢) فى الأصل، م: ((بيعا)).
٥٧٣

يُساقوا الأصلَ وفيه البياضُ، وتُكرَى الأَرضُ وفيها الشىءُ اليسيرُ مِن
الموطأ
الأصلِ، أو يُباعَ المصحفُ أو السيفُ وفيهما الحِلْيةُ مِن الوَرِقِ
بالورقٍ ، أو القِلادةُ أو الخاتَمُ فيهما القُصوصُ والذهبُ بالدنانيرِ ، ولم
تَزَلْ هذه البيوعُ جائزةً يَتَّبايعُها الناسُ ويَبتاعونها، ولم يأتِ فى ذلك
شىءٌ موصوفٌ موقوفٌ علیه إِذا هو بلَغه كان حرامًا أو قَصُرَ عنه كان
خَلالًا ، والأمرُ فى ذلك عندَنا الذى عمِل به الناسُ وأجازوه بينَهم ، أنه
إذا كان الشىءُ من ذلك الورِقٍ أو الذهبِ تَبَعًا لما هو فيه جاز بيعُه ؛
الاستذكار يكونَ الثُّلُثَ فأدنى، على ما ذكر فى الأرضِ البيضاءِ مع الأُصولِ، وقد
مضَى القولُ فى ذلك فى البيوع، وذكرنا هنالك اختلافَ العلماءِ فى ذلك
المعنى بينَ السلفِ وما جرَى مَجْراه .
وأما مُساقاةُ الأرضِ البيضاءِ (١ مع الأصول) (٢فقد مضى) فى
هذا الباب ( فیه ما یغنی عن إعادته) .
والعلماءُ فى هذا البابِ طائفتان)؛ مَن أجاز المُزارعةَ جملةً،
ويجيزُها ( بينَ أضعافٍ) النخلِ والشجرِ؛ لأنه يُجيزُ المُساقاةَ ، وقد ذكرنا
القبس
(١ - ١) سقط من : م .
(٢ - ٢) فى م: ((فقد ذكرنا)).
(٣ - ٣) فى م: ((أصول أقوال)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((من أضعاف))، وفى م: ((من أصناف)).
٥٧٤

وذلك أن يكونَ الَّصلُ أو المصحفُ أو القُصوصُ قيمتُه الُّلُثان أو
أكثرٌ، والحِليةُ قيمتُها الثلثُ أو أقلُّ.
الموطأ
القائلين بذلك، ومَن لا يجيزُ المزارعةً .
الاستذكار
مالكٌ والشافعىُ قد اختلفا على ما ذكرناه عنهما فيما تقدَّم فى(١) هذا
البابِ؛ فقولُ مالكِ ما قد أوضَحه فى ((موطئِه))(٢)، وأما الشافعىُ، فأبطَل
المُزارعةً فى قليلِ الأرضِ البيضاءِ (" وكثيرِها)؛ لنهي النبيِّ بَِّ عن
المُخابرةِ(١) ، إلا أنه قال: وإذا ساقاه على نخلِ ، فكان فيه يَاضٍ لا يُوصِلُ
إلى عملِه إلا بالدخول على النخلِ، وكان لا يُوصلُ إلى سَفْيِهِ () إلا
بشَرْكِ النخلِ فى الماءِ، وكان غيرَ مُتميزٍ، جاز أن يُساقَى عليه مع النخلِ
لا مُنفرِدًا وحدَه، ولولا الخبرُ فيه عن رسولِ اللهِ() وَ لِ أنه دفَع إلى أهلِ خيبرَ
النخلَ، على أن لهم النصفَ مِن النخلِ والزرعِ وله النصفَ، فكان الزرعُ
كما وصفتُ بِينَ ظَهْرانَى النخلِ، لم يَجُزْ ذلك. قال: وليس للمُسَاقَی فی
النخلِ أن يزرعَ الأَرضَ إلا بإذنِ ربِّها، فإن فعَل كان كمَن زرَع أرضَ غيرِه.
القبس
(١) فى ب: ((من)).
(*) إلى هنا ينتهى السقط فى المخطوط ح، هـ، والمشار إليه ص ٥٥١.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
,٣) تقدم الخريجه فى ٣٧٤/١٦
(٤) فى ح، هـ: ((منفعته)) .
(٥) فى الأصل، م: ((بترك))، وفى الأم ١٢/٤: ((بشرب).
(*) من هنا خرم فى المخطوط ((ب) ينتهى ص ٥٩٨ .
٥٧٥

الموطأ
الشرطُ فى الرقيقِ فى المساقاةِ
١٤٤٥ - مالكٌ: إنَّ أحسنَ ما سُمِع فى عُمَّالِ الرَّقيقِ فى
المساقاةِ ، يَشتَرِطُهم المُساقَى على صاحبِ الأصلِ، أنه لا بأسَ
بذلك؛ لأنهم عمَّالُ المالِ ، فهم بمنزلةِ المالِ ، لا منفعةً فيهم للداخِلِ
إلا أنه تخِفُّ عنه بهم المَثُونةُ ، وإن لم يكونوا فى المالِ اشتدَّتْ مئونتُه ،
وإنَّما ذلك بمنزلةِ المساقاةِ فى العَيْنِ والنَّضح، ولن تجِدَ أُحدًا يُساقَی
فى أرْضَيْن سواءٍ فى الأصلِ والمنفعةِ، إحداهما بعَيْنٍ واثِنَةٍ غَزيرةٍ ،
والأخرَى بنَضح على شىءٍ واحدٍ؛ لِفّةٍ مؤنةٍ العينِ وشدَّةِ مؤنةٍ
التَّضحِ. قال: وعلى ذلك الأمر عندنا .
الاستذكار
بابُ الشرطِ فى الرقيقِ فى المساقاةِ
قال مالكٌ: أحسنُ ما سمِعتُ فى عمالِ الرقيقِ فى المُساقاةِ،
يشترطُهم المُساقَى على صاحبِ الأرضِ ، أنه لا بأسَ بذلك؛ لأنهم عمَّالُ
المالِ، فهم بمنزلةِ المالِ ، لا منفعةً فيهم للداخلِ إلا أنه تخِفُّ عنه بهم
المؤنةُ ، ولو لم يكونوا فى المالِ اشتدَّت مؤنثُه، وإنما ذلك بمنزلةِ المُساقاةِ
فى العينِ والتَّضحِ، ولن تجدَ أحدًا يُساقَى فى أرضَيْن سواءٍ فى الأصلِ
والمنفعة ، إحداهما بعينٍ واثنةٍ غزيرةٍ ، والأخرى بنَضْح على شىءٍ واحدٍ ؛
لخفَّةٍ مؤنة العينٍ وشدةِ مؤنةِ النضحِ. قال: وعلى هذا الأمرُ عندَنا. قال
القبس
٥٧٦

الموطأ
قال : والواثِنَةُ الثابتُ ماؤُها التى لا تَغورُ ولا تنقطِعُ .
قال مالكٌ: وليس للمُساقَى أن يعمَلَ بعُمَّالِ المالِ فى غيرِه، ولا أن
يشترطَ ذلك على الذى ساقاه .
قال مالكٌ: ولا يجوزُ للذى ساقَى أن يَشترِطَ على ربِّ المالِ رَقِيقًا
يعمَلُ بهم فى الحائطِ ليسوا فيه حينَ ساقاه إِيَّاه .
قال مالكٌ: ولا ينبغى لربِّ المالِ أن يَشترِطَ على الذى دخَل فى
مالِهِ بمساقاةٍ أن يأخُذَ مِن رَقِيقِ المالِ أحدًا يُخرِجُه مِن المالِ ، وإنما
مساقاةُ المالِ علی حالِه الذى هو عليه .
قال: فإن كان صاحبُ المالِ يريدُ أن يُخرِجَ مِن رَقِيقِ المالِ أحدًا ،
فليُخرِجْه قبلَ المُساقاةِ أو يريدُ أن يُدخِلَ فيه أحدًا، فليفعَلْ ذلك قبلَ
المساقاةِ ثُم ليُساقِ بعدَ ذلك إن شاءَ.
قال : ومَن مات مِن الوَّقيقِ أو غاب أو مرض، فعلى ربِّ المالِ أن
يُخلِفَه .
مالكٌ: والواثنةُ الثابتُ ماؤها التى لا تغورُ ولا تنقطعُ. إلى آخرٍ كلامِه فى الاستذكار
الباب .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١٤و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٤١٩).
٥٧٧
( موسوعة شروح الموطأ ٣٧/١٧ )

الموطأ
الاستذكار
ومعنَى كلامِه أنه لا يجوزُ للعاملِ أن يشترطَ أن يعملَ برقيقِ الحائطِ فى
غيرِهِ، ولا أن يشترطَ مِن (١) الرقيقِ ما ليس فيه، ولا لربِّ المالِ أن يُخرِجَ مِن
رقيقِ المالِ مَن كان فيه فى عقدِ المُساقاةِ ، وله ذلك قبلُ، وإنما يُساقيه
على حالِهِ، ومَن مات مِن الرقيقِ أو لَحِقته آفةٌ، فعلى ربِّ المالِ أن يُخلفَه .
هذا كلُّه معنَى قولِه إلى آخرِ البابِ .
وإنما لم يَجُزْ له أن يشترِطَ فى العقدِ على العاملِ أن يأخذَ مِن رقيقٍ
الحائطِ أحدًا كان فيه(٢) ، فيخرِجَه عنه بشرطِ العقدِ ؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد
ازداد عليه زيادةً، كما لو اشترط عليه (" نخلاً يعملُها٢) أو عملًا يعمَلُه له
خاصةً فى الحائطِ ، وأما إذا خرَّج الرقيقَ مِن الحائطِ قبلَ عقدِ المُساقاةِ ،
فقد فعَل ما كان له فعلُه فى مالِهِ، ويساقَى الحائطُ على حالِه(٤).
قال أبو عمر: كلامه رحمه اللهُ إنما هو فی اشتراطِ العاملِ علی ربِّ
الحائطِ ما كان فى الحائطِ مِن الرقيقِ، فهذا لم يختلفْ قولُه ولا قولُ
أصحابِه فيه ، فإن اشترط العاملُ رقيقًا لم يكونوا فى الحائط ، فقد اختلفوا
فى ذلك ؛ فقال ابنُ القاسم فى ((المدونةِ)): بلغنى أن مالكًا سهَّل فى الدابةِ
١
القبس
(١) فى الأصل، م: ((فى)).
(٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((نخلة بعينها)).
(٤) فى ح، هـ، م: ((ماله)).
٥٧٨

الموطأ
الواحدةٍ (١) يشترطُها العاملُ على ربِّ الحائطِ إذا لم تكنْ فيه، قال: وذلك الاستذكار
عندى إذا كان الحائطُ كبيرًا (٢) له قَدرٌ، فأما الحائطُ الصغيرُ فلا
يجوزُ. وفى ((العُتبيَّةِ)) روَى (٣عيسى عن٣) ابنِ القاسم، عن مالكِ مثلَ
ذلك. وقاله ابنُ القاسم . وروى يحيى بنُ يحيى عن ابنٍ (١) نافع، أنه قال :
لستُ آخذُ بقولِ مالكِ فى ذلك، ولا أرى بأسًا أن يشترِطَ العاملُ عددًا مِن
الرقيقِ، وإن لم يكونوا فى الحائطِ يومئذٍ. وأما الشافعىُّ فقال : لا بأسَ أن
يشترِطَ المُساقَى على ربِّ النخلِ غلمانًا يعملون معه لا يستعمِلُهم(٥) فى
غيرِهِ ، ونفقةُ الرقيقِ على ما يتشارطان عليه ، وليس نفقةُ الرقيقِ بأكثرَ مِن
أجرتِهم، فإذا جاز أن يعملوا للمُساقَى بغيرِ أجرٍ، جاز أن يعملوا له بغيرِ
نفقةٍ. وقال محمدُ بنُ الحسن: لا بأسَ أن يشترِطَ ربُّ المالِ فى المُساقاةِ
والمزارعةِ دُولابًا ودَوَابًّا ) يستقى عليها الزرعَ، ولو اشترَطه العاملُ على
ربِّ الأرضِ لم يَجُزْ.
القبس
(١) فى ح، هـ: ((الذى)).
(٢) فى الأصل: ((قليلا))، وفى ح، هـ، م: ((كثيرا)). والمثبت من المدونة ٤/٥.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل.
(٤) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ٢٠٨/١٦.
(٥) فى الأصل: «يستعملونه)).
(٦) فى الأصل، م: ((آلات)). والمثبت موافق لما فى مختصر اختلاف العلماء ٣١/٤. وقد
وردت الكلمة فى ح، هـ، والمختصر مصروفةً، والصواب المنع .
٥٧٩

الموطأ
کتابُ كِراءِ الأرضِ
ما جاء فى كراءِ الأرض
أ
التمهيد
القبس
بابُ كِراءِ الأرض
مسألةُ كراءِ الأرضِ مسألةٌ عَويصةٌ لها صورٌ وغَوائِلُ ، اخْتَلَف فيها العلماءُ مِن
لَدُنِ الصحابةِ إلى زماننا هذا، واضطَرَبَتْ فيها الأحاديثُ اضطرابًا كثيرًا،
وباحَثْتُ عنها قديمًا أثرًا ونَظَرًّا، فما وجدتُ مَن أَتْقَتَها إلا أبا عبد الرحمنِ
النَّسائيّ، فإنه جمَع أحاديثَها باختلافِها وطُرُقِها فى جزءٍ كبيرٍ، وجملةُ الأمرِ أن
علماءَنا قالوا: لا يجوزُ كِراءُ الأرضِ بطعامٍ وإن كان مِمَّا لا تُنبِتُه الأرضُ . وقال
الشافعىُّ: يجوزُ بحنطةٍ (١) فى الذِّمَّةِ . وقال أبو حنيفةً : يجوزُ بکلِّ ما كان ثمنًا فى
المَبيعِ . وقال الليثُ: يجوزُ بجزءٍ معلومٍ مِمّا يخرجُ منها. وقال غيره: يجوزُ بجزءٍ
مجهولٍ ، مثلَ أن يقولَ: ولى ما تُنبِتُه هذه البُقْعةُ منها. ويُعَيِّنُها. وقيل: لا يجوزُ
كِراؤُها بحالٍ. وفى كلِّ ذلك حديثٌ وأثرٌ؛ فأما قولُ النبيِّ وَلِّ فيها: ((مَن
كانت له أرضّ فَلْيَزْرَغْها، أو ليَمْنَخْها أخاه))(٢). وهو صحيحٌ، ويُعارِضُه مثلُه فى
الصحة؛ وهو أن النبىّ پے قال لرافعٍ: «ما تَضْتَعون بأرضکم؟)). قال : نُكْرِيها
بالربع وبالأُؤْسُقِ من التمرِ. قال: ((لا تَفْعَلوا، ازْرَعوها أو أزْرِعُوها))(١).
(١) فى م: ((بحقه)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٩٤ .
(٣) البخارى (٢٣٣٩)، ومسلم (١٥٤٨).
٥٨٠