Indexed OCR Text

Pages 521-540

الموطأ
عندَ جميع أهلِ السِّيرِ والأثرِ ، ولم يستثنِ اللهُ عزَّ وجلّ أرضًا مِن غيرِها مِن التمهيد
الغنائم، ولو جاز أنْ يُدَّعَى الخُصوصُ فى الأرضِ، جاز أنْ يُدَّعی فی غیرِ
الأرضِ، فيبطُلَ حكمُ الآيةِ. قالوا: ولا معنى لما احتجّ به مخالِفُنا مِن آيةٍ
سورةِ ((الحشرِ))؛ لأَنَّ ذلك إنَّما هو فى الفىءِ لا فى الغنيمةِ، وجملةُ الفيءِ
ما رجَع إلى المسلمينَ مِن المشركين بلا قتالٍ، مثلَ مَن(١) يتركُ بلادَه
ويخرجُ عنها لما لحقه مِن الُعبِ الذى به نُصِر رسولُ اللهِ وَرِ، قال
وَله: ((نُصِرتُ بالُعبِ مسيرةَ شهرٍ))(٢). ومثلَ ما صالَحَ عليه أهلُ
الكفرِ، وما يُؤْخذُ منهم مِن الجزيةِ، وما تأتى به الرِّيحُ مِن مراكبٍ العدوِّ
بغيرِ أمانٍ ، أو يموتُ منهم ميِّتْ فى بلادِ المسلمينَ لا وارثَ له، فكلُّ هذا
وما كان مثله مما یُفیُ اللهُ على المسلمین بغیرٍ قتالٍ ولا مئونةٍ حرب ، فهو
الفىءُ الذى قُصِد بالآيةِ التى فى سورةِ ((الحشرِ))؛ فيُقْسَمُ(١) على ما ذكِرَ
فيها، نحوَ قَسم خُمُسِ الغنيمةِ ، ولم يُقصَدْ بذلك إلى الأرضِ المغنومةِ .
قالوا: ولا دليلَ فى الآيةِ على ما ذهَب إليه مخالِفُنا؛ لأنَّ قولَه عزَّ وجلَّ
﴿وَلَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]. إنَّما هو استئنافُ كلامٍ
للدُّعاءِ لهم بدعائهم لمن سبقهم بالإيمان ، لا لغير ذلك. قالوا : وليس
القبس
(١) فى ص ٤: ((أن)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٧٦/٢ .
(٣) فى النسخ: ((فقسم)). والمثبت ما يقتضيه السياق .
٥٢١

الموطأ
التمهيد
يخلو فعلُ عمرُ رضِىَ اللهُ عنه فى توقيفِه الأرضَ مِن أحدٍ وجھَين؛ إِمَّا أن
تكونَ غنيمةً استطاب أنفسَ أهلِها، فطابَتْ بذلك، فوقَفها، وكذلك
روَى جريرٌ، أنَّ عمرَ استطاب نفوسَ أهلِها (١)، وكذلك صنَع رسولُ اللهِ
وَُّ فى سبى هَوازِنَ؛ استطابَ أنفسَ الغازِمين عمَّا كان بأيديهم ؛ على ما
نقله ثِقاتُ العلماءِ، وإِمَّا أن يكونَ ما وقَفه عمرُ فيئًا، فلم يحتَجْ فى ذلك
إلى مراضاةٍ أحدٍ» .
قال أبو عمرَ : القولُ فى هذه المسألةِ طويلٌ بينَ العلماءِ المختلفين
فيها ، وفيما ذكّرنا منها كفايةٌ لمن فهِم. فهذا ما أوجبه العلمُ مِن القول فى
فتحٍ خيبرَ، وما جرَى مَجراها مِن أرضِ الغنائمِ .
حدثنى سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا : حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ الصَّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ
سابقٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن أبى الزُّبيرِ، عن جابرٍ ، أَنَّه قال :
أفاء اللهُ على رسولِه خيبرَ، فأقرَّهم رسولُ اللهِ وَ لّر كما كانوا، وجعَلها
بينهم وبينَه ، وبعَث عبدَ اللهِ بنَ رواحةً فخرَصها عليهم (١).
القبس
(١) أخرجه الشافعى ٢٧٩/٤، والبيهقى ١٣٥/٩.
(٢ - ٢) سقط من: ص ٤.
(٣) أخرجه أحمد ٢١٠/٢٣ (١٤٩٥٣)، وأبو داود (٣٤١٤)، والطحاوى فى شرح المعانى
٢٤٧/٣، ١١٣/٤ من طريق محمد بن سابق به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى =
٥٢٢

الموطأ
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُّ التمهيد
عبد الواحد بن شريك، قال: حدّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أُوبَ، قال :
حدّثنا إبراهیمُ بنُ سعدٍ ، عن ابن إسحاق، قال : حدّثنی نافعٌ، عن ابنِ
عمرَ، قال: خرَجتُ أنا والزُّبِيرُ والمقدادُ بنُ الأسودِ إلى أموالِنا بخيبرَ
نتعهَّدُها، فلمَّا قدِمْنا تفرّقْنا فى أموالِنا، قال: فعدِى علىَّ تحتَ الليلِ وأنا
نائم ، فُدِعَتْ(١) يداىَ مِن مِرفَقَ، فلمَّا أصبحتُ استضْرخَ علىَّ صاحِبای
فأتيانى، فسألانى : مَن صنَع هذا بك؟ فقلتُ: لا أدرى. قال : فأصلَحا
مِن يدَىَّ، ثم قدِما بى على عمرَ، فقال: هذا عملُ يهودَ . ثم قام فى الناسٍ
خطيبًا، فقال: أيُّها الناسُ، إِنَّ رسولَ اللهِ ◌َّێ کان عامل يهود خيبرَ على
أنَّا نُخرِجهم إذا شِئنا ، وقد عَدَوْا علی عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، فقدَعوا يدَئِهِ كما
قد بلَغكم (١) ، مع عدوتِهم على الأنصارِىِّ قبلَه، لا نشكُ أنَّهم أصحابُه،
ليس لنا عدوٌّ غیرُهم، فمَن كان له مالٌ بخییرَ فلیلحقْ به، فإِنِّی مخرج
يهود . فأخرجهم(٢) .
القبس
= ٢ /٣٨، ٢٤٧/٣، ١١٣/٤ من طريق ابن طهمان به.
(١) الفَدَحُ: زيغ بين القدم وبين عظم الساق، وكذلك فى اليد، وهو أن تزول المفاصل عن
أماكنها . النهاية ٣/ ٤٢٠.
(٢) فى ص ٤: ((بلغهم)).
(٣) ابن إسحاق (٣٥٧/٢ - سيرة ابن هشام). وأخرجه أحمد ٢٥١/١ (٩٠)، وأبو داود
(٣٠٠٧)، والبيهقى ٥٦/٩ من طريق إبراهيم بن سعد به، وأخرجه البزار (١٥٤) من طريق ابن
إسحاق به .
٥٢٣

الموطأ
التمهيد
ورؤَى الحجاجُ بنُ أرطاةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ
حَلِّ دَفَع خيبرَ إلى أهلِها بالشّطرِ، فلم يزَلْ معهم حياةَ رسولِ اللهِ وَله
كلَّها، وحياةَ أبى بكرٍ كلَّها، حتى بعَثنى إليهم عمرُ لأَقاسِمَهم، فسحَرونی
فتكوَّعت(١) يداىَ، فانتزَعَها عمرُ منهم(١) .
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((أُقْؤُكم ما أقوّكم اللهُ)). فالمعنى فى
ذلك، واللهُ أعلمُ، أَنَّه وَلِهِ كان يكرّةُ أنْ يكونَ بأرضِ العربِ غيرُ
المسلمينَ ، وكان يحبُّ ألاّ يكون فيها دينانٍ ، كنحوٍ محبّته فى استقبالٍ
الكعبةِ ، حتى نزَلتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً
تَرْضَهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]. وكان لا يتقدَّمُ فى شىءٍ إلّ بوحي، وكان
پرجو ان یحقِّقَ اللهُ رغبته ومحبته، فذكر لليهودِ ما ذكّر، منتظرًا للقضاءِ
فيهم بإخراجهم عن أرضِ العربِ، فلم يوعَ إليه فى ذلك شىءٌ إلى أنْ
حضَرتْه الوفاةُ ، فأتاه فى ذلك ما أتاه ، فذكَر ألا يبقَی دینانِ بأرضِ العربِ،
وأوصى بذلك. وقد ذكرنا جملاً مِن هذا المعنى فيما سلَف مِن کتابِنا
هذا . وقد ذكّر معمرٌ، عن ابن شهابٍ فى هذا الحديثِ ما يدُلّ على نحو ما
قلْنا .
القبس
(١) الگوُ: أن تموجّ اليد قبل الكوع. النهاية ٢٠٩/٤.
(٢) أخرجه أحمد ٤٦٢/٨ (٤٨٥٤)، وابن شبة ١٨٤/١ من طريق الحجاج به .
٥٢٤

الموطأ
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١)، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن ابنِ التمهيد
المسيَّبِ، أنَّ النبيَّ وَ لَهِ دِفَع خيبرَ إلى اليهودِ على أنْ يَعمَلُوا فيها ولهم
شطئها . قال : فمضی علی ذلك رسولُ اللهِ ◌َٹے ، وأبو بكرٍ، وصدرًا مِن
خلافةٍ عمرَ ، ثم أُخبرَ عمرُ أنَّ النبيَّ ◌َێ قال فى وجعه الذى مات فيه: ((لا
يجتمعُ دينانِ بأرضِ الحجازِ)). أو قال: ((بأرضِ العربِ)). ففخَص عنه
حتى وجَد عليه القَّبْتَ، فقال: مَن كان عندَه عهدٌ مِن رسولِ اللهِ وَه
فليأتِ به ، وإلا فإنِّى مُخلِيكم. فأجْلاهم عمرُ.
قال عبدُ الرَّزَّاقِ (٢): وأنبأنا ابنُ جريجٍ، قال: أنبأنا موسى بنُ عقبةً،
عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ أجَلَّى اليهودَ والنصارَى مِن أرضٍ
الحجازِ، وكان رسولُ اللهِ وَ لِّ لما ظهَر على خيبرَ أرادَ أنْ يُخرِجَ اليهودَ
منها، وكانتِ الأرضُ حينَ ظهَر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، وأراد
إخراجَ اليهودِ منها، فسألتِ اليهودُ رسولَ اللهِ وَ لَّهِ أَنْ يُقِرَّهم بها على أنْ
يَكفوه عملَها ولهم نصفُ الثَّمرِ، فقال رسولُ اللهِ وَله: «نُقِرُّكم على
ذلك ما شئنا)). فقَرُّوا بها حتى أجْلاهم عمرُ إلى تَيْماءَ وأريحاءَ.
قال عبدُ الرَّزَّاقِ(١): وأخبرَنا ابنُ عيينةَ، عن عمرو بنٍ دينارٍ ، قال :
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٢٠٨، ١٤٤٦٨، ١٩٣٦٩).
(٢) عبد الرزاق (٩٩٨٩).
(٣) عبد الرزاق ( ٩٩٩١، ١٩٣٧٠).
٥٢٥

الموطأ
التمهيد سمِع عمرُ بنُ الخطَّابِ رجلًا مِن اليهودِ يقولُ: قال لى رسولُ اللهِ وَلِّهِ:
( كأنّى بكَ وقد وضَعتَ كُورَكَ(١) على بعيرٍكَ، ثم سِرتَ ليلةً بعدَ ليلةٍ )).
فقال عمرُ: إِنَّه واللهِ لا تُمُونَ بها . فقال اليهودىُّ: واللهِ ما رأيتُ كلمةً
كانت أشدَّ على مَن قالها ، ولا أهونَ على مَن قيلتْ له منها .
قال أبو عمرَ: ليس فى قوله فى هذا الحديث: ((أُقَؤُّكم ما أقوّكم
اللهُ)) . دليلٌ على جوازِ المساقاةِ إلى أجلٍ غيرِ معلومٍ، ومدَّةٍ غيرِ معيَّنةٍ ؛ لأنَّ
الشِنَّةَ قد أحكمَتْ معانىَ الإجاراتِ وسائرِ المعاملاتِ؛ مِن الشَّرِكةِ (٣)،
والقسمةِ، وأنواع أبوابِ الرِّبا، والعلَّةُ بيّنةٌ فى قصَّةٍ اليهودِ، وذلك
انتظارُ حكم اللهِ فيهم، فدَلْ على خصوصِهم فى هذا الموضع؛ لأنَّه
موضعُ خصوصٍ، لا سبيلَ إلى أنْ يشْرَكَهم فيه غيرهم، والذى عليه
العلماءُ بالمدينةِ أنَّ المساقاةَ لا تجوزُ إلّ إلى أجلِ معلومٍ، وسنينَ
معدودةٍ، إلَّا أَنَّهم يكرّهونَها فيما طالَ مِن السّنينِ، مثلَ العشرِ فما
فوقَها. وقد قيل: إنَّ رسولَ اللهِ،فَ لَهَ إِنَّما قال: ((أُقُكم ما أقرّكم
اللـهُ)). وكان يخرُصُ عليهم؛ لأنَّ اللهَ كان قد أفاءَها عليه بغيرِ قتالٍ،
أو ("بعضَها، على" ما تقدَّمَ وصفُنا له، وكان أهلُها له ولمنِ استحقَّ
القبس
(١) الكُور: هو رحل الناقة بأداته، وهو كالسرج وآلته للفرس. النهاية ٢٠٨/٤.
(٢) فى ص ٤: ((التركة)).
(٣ - ٣) فى ص ٤: ((بقتال على حسب)).
٥٢٦

الموطأ
شيئًا منها، ( كالعبيدِ؛ لأَنَّه سباهُم ومَنَّ عليهم، و" جائزٌ بينَ الشَّيِّدِ وعبدِه التمهيد
ما لا يجوزُ بينَه وبينَ غيرِه ؛ لأُنَّ مالَه له ، وله انتزاعُه منه ، ألا تَری أَنَّه لیس
بينَ العبدِ وسيِّدِه ربًا، وإنْ حُرِهَ ذلك لهما عندَنا. وأمَّا الخرصُ فى
المساقاةِ ، فإِنَّ ذلك غيرُ جائزٍ عندَ أكثرِ العلماءِ فى القسمةِ والبيوعِ، إِلَّ أنَّ
أصحابَنا يُجيزون ذلك عندَ اختلافٍ أغراضِ الشّر کاءِ، ولهم فى ذلك ما
نُوردُه بعدُ عنهم فى هذا البابٍ إن شاء اللهُ . وأكثر العلماءِ يُجیزون الخرصَ
للزكاة ، وإنَّما يجوزُ ذلك عندَهم فى الزكاةِ ؛ لأنَّ المساكينَ ليسوا شركاءَ
معيَّنِينَ، وإنَّما الزكاةُ كالمعروفِ، وأهلُها فيها أُمناءُ. وأمّا قسمةُ الثّمارِ
على(٢) رءوسِ الأشجارِ فى المساقاةِ أو غيرِها، فلا يصلُحُ عندَ أكثرٍ
العلماءِ، إلّا أنَّ لأصحابِنا فى إجازةٍ قسمةِ ذلك اختلافًا سنذكُرُه عنهم
وعمَّن سلَك سبيلَهم فى ذلك، بعدُ فى هذا البابِ إن شاء اللهُ تعالى ، وإنَّما
لم يُجِزْ أكثرُ العلماءِ القسمةَ فى ذلك إلَّا كيلاً فيما يكالُ، أو وزنًا فيما
يوزنُ؛ لنهْيِ رسولِ اللهِ وَّهِ عن المزابَةِ، وعن بيع التَّمرِ بالتَّمرِ، إلَّا مِثلًا
بِمِثلِ(٣) . وأمَّا حكايةُ قولٍ أصحابِنا فى ذلك، فكان ابنُ القاسمِ يقولُ،
القبس
(١ - ١) فى ص ٤: ((عليه أو)).
(٢) فى م: ((فى)).
(٣) ينظر ما تقدم فى الموطأ (١٣٤٤ - ١٣٤٩).
٥٢٧٠

الموطأ
-
التمهيد ويَرويه عن مالكِ: لا يجوزُ مِن قسمةِ الثِّمارِ فى رءوسِ النخلِ إذا اختلفت
حاجةُ الشَّريكين إلَّا الشَّمرُ والعنبُ فقط. وأمَّا الخوخُ، والرُّمَّانُ،
والسَّفرجلُ(١)، والقنَّهُ(٢) ، والبِطّيخُ، وما أشبه ذلك مِن الفواكهِ التى يجوزُ
فيها التَّفاضلُ يدًا بيدٍ ، فإنَّه لم يُجِزْ مالكٌ اقتسامَه على التَّحرِّى، وكان
يقولُ : المخاطَرةُ تدخُلُه حتى يَتْبَيَّنَ فضلُ أحدِ النَّصيبينٍ على صاحبِهِ .
حكّى ذلك ابنُ حبيبٍ ، عن ابنِ القاسمِ . قال ابنُ حبيبٍ: وقال مطرّفٌ،
٠
وابنُّ الماجشونِ ، وأشهبُ: ولا بأسَ باقتسامِه إذا تحرَّى وعَدَل ، أو كان
على التَّجاوزِ والرّضا بالتفاضلِ. قال: وهو قولُ أصبغَ، وبه أقولُ ؛ لأنَّ ما
جاز فيه التفاضلُ، جازَتْ قسمتُه بالتَّحرِّی. وذكّر سحنونٌ، عن ابنٍ
القاسم، عن مالك، أنَّه سأله غيرَ مرَّةٍ عن قسمةِ الفواكهِ بالخرصِ ، فأبى أنْ
يُرخِّصَ فى ذلك. قال : وذلك أنَّ بعضَ أصحابِنا ذكَر أنَّه سأل مالكًا عن
قسمة الفوا که بالخرص ، فأرخص فیه ، فسألته عن ذلك ، فأتی اُنْ يرخّصَ
لى فيه . قال أشهبُ : سألتُ مالكًا مراتٍ عن "ثمرةِ النَّخل٣ِ) وغيرِها من
الثّمارِ تُقْسَمُ بالخرصِ، فكلَّ ذلك يقولُ لى: إذا طابَتِ الثمرةُ مِن
-
القبس
(١) السفرجل: ثمر معروف، كثير فى بلاد العرب، مُشَةٌ للطعام، مسكن للعطش. ينظر التاج
(سفرجل).
(٢) القثاء: اسم لما يسميه الناس الخيار والعجور والفَقّوس. المصباح المنير (ق ث أ).
(٣ - ٣) فى ص ٤: ((ثمن النخيل)).
٥٢٨

الموطأ
النَّخلِ(١) وغيرِها، قُسِمَتْ بالخرصِ. واختار هذه الرّوايةَ يحيى بنُ عمرَ ، التمهيد
قياسًا على جوازٍ بيع العرايا فى غيرِ النَّخلِ والعنبِ، كما يجوزُ فى النَّخلِ
والعنبٍ ، ويجوزُ بيعُ ذلك كلِّه بخرصِه إلى الجدادِ . قال يحيى بنُ عمرَ :
أشهبُ لا يشترِطُ فى الثِّمارِ إِلَّ طيبها، ثم يقسِمُها بينَ أربابِها بالخرصِ.
ولا يلتفِتُ إلى اختلافٍ حاجاتِهم، ورَواه عن مالكِ. قال: وابنُ القاسم
يقولُ : لا يجوزُ أنْ يُقْسَمَ بينَهم بالخرصِ ، إِلَّ أنْ يختلِفَ غرضُ كلِّ واحدٍ
منهم، فيُريدَ أحدُهم أنْ يبيعَ، والآخرُ أنْ يَتِبَسَ(١) ويدَّخرَ، والآخرُ أنْ
يأكلَ، فحينئذٍ يجوزُ لهم قسمَتُها بالخرصِ إذا وجِد مِن أهلِ المعرفةِ مَن
يعرِفُ الخرصَ، وإنْ لم تختلِفْ حاجاتُهم لم يجُزْ ذلك لهم، وإن اتَّفقوا
على أن يبيعوا، أو على أنْ يأكُلوها(٣) رطبًا(٤أو تمرًا})، أو على أن يَجُدُّوها
تمرًّا، لم يقسموها(٥) بالخرصِ. وقال سائرُ أهلِ العلمِ: لا تجوزُ القسمةُ
فى شىءٍ مِن ذلك كلِّه إلّ على أصلِه. مع اختلافِهم فى ذلك أيضًا. وأمّا
الشافعىُّ فتحصيلُ مذهبِهِ أنَّ الشُّركاءَ فى النَّخلِ والشَّجرِ المثمرِ إذا
اقْتُسمَتِ الأَصولُ بما فيها مِن الثمرةِ، جاز؛ لأنَّ الثمرةَ تبعٌ للأصولِ،
القبس
(١) فى ص ٤: ((الفحل)).
(٢) فى ص ٤: ((يلبس)).
(٣) فى م: ((يأكلوا)).
(٤ - ٤) سقط من: ص ٤.
(٥) بعده فى م: ((ولا)).
٥٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٣٤/١٧)

الموطأ
التمهيد وكأنَّ كلّ واحدٍ منهم قد باعَ حصَّتَه مِن عراجينِ النَّخلِ وأغصانِ الشَّجرِ
بحصَّةٍ شريكِه فى الثَّمرِ، وكذلك الأرضُ إذا قسِمَتْ عندَه مزروعةً ، كان
الزَّرُ تبعًا للأرضِ فى القسمةِ ، والقسمةُ عندَه مخالفةٌ للبيوع ، قال: لأنَّها
تجوزُ بالقرعةٍ، والبيعُ لو وقَع على شرطٍ لم يجُزْ أيضًا، فإِنَّ الشَّريكَ يُجبّرُ
على القسم، ولا يجبّرُ على البيع، وأيضًا فإنَّ التَّحابىَ فى قسمةِ الثمرةِ
وغيرِها جائزٌ، وذلك معروفٌ وتطوُّعٌ ، ولا يجوزُ ذلك فى البيع . ولا يجوزُ
عندَ الشافعىِّ قسمةُ الثمرةِ قبلَ طيِها بالخرصِ على حالٍ ، ويجوزُ عندَه
قسمتُها مع الأُصولِ على ما ذكّرنا . وقد قال فى كتابٍ الصَّرفِ : يجوزُ
قسمتُها بالخرصِ إذا طابَتْ وحلَّ بيعُها . والأوَّلُ أشهرُ فى مذهبِهِ عندَ
أصحابِهِ. وقد قيل: إنَّ خرصَ رسولِ اللهِ وَلَه على اليهودِ كان مِن أجلٍ
الزكاة الواجبةِ فى تلك الثمرةِ ، لا لغيرِ ذلك ، واللهُ أعلمُ، فكان يبعَثُ مَن
يخرُصُ الثِّمارَ على أربابِها، توسعةً عليهم ورفقًا بهم؛ لأنَّهم لو مُنِعوا مِن
أجلٍ سهم المساكينِ مِن أكلِها رطبًا، ومِن التَّصرُّفِ فيها بالصِّلةِ والصَّدقةِ
والأكلِ، لِأَضَرَّ بهم ذلك، وكانت عليهم فيه مشقّةٌ كبيرةٌ، ولو تُرِكوا
والتَّصرُّفَ فيها بالأكلِ وغيرِه لأُضَرَّ ذلك بالمساكينِ، وأتلِفَ كثيرٌ ممَّا
تجِبُّ فيه الزَّكاةُ، ولهذا ما كان(١) توجيهُ رسولِ اللهِ وَّ للخارصِ،
القبس
(١) بعده فى م: ((من)).
٥٣٠

الموطأ
وإرسالُه إِيَّاه لذلك، واللهُ أعلم. والأصلُ أنَّ أربابَ الأموالِ أمناءُ، التمهيد
والخرصُ لا يُخرِمجهم عن ذلك؛ لأنَّهم لم يُخرَصْ عليهم إلَّ رفقًا بهم،
وإحسانًا إليهم، على حسب ما ذكرنا مِن إطلاقهم للتَّصُفِ فی ثمارِهم،
وحفظٍ ما يجبُ للمساكينِ فيها مِن حينٍ طيِها ، فإنْ تبيَّنَ لربِّ المالِ بعدَ
الخرصِ زيادةٌ على ما خرَص الخارصُ أدَّاها ؛ لأَنَّ الخرصَ حكمٌ على
الظّاهرِ والاجتهادِ ، فإذا جاءتِ الحقيقةُ بخلافٍ ذلك رُجع إليها . وفى هذا
اختلافٌ بينَ السّلفِ والخلفِ، والصَّوابُ ما ذكرتُ لك(١) ، والله أعلمُ.
ذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ(٢) ، أخبرنا ابنُ جريجٍ، عن أبى الزُّبيرِ، أنَّه سمِع جابرَ
ابنّ عبدِ اللهِ يقولُ: خرّص ابنُ رواحةً أربعينَ ألفَ وَسَقٍ، وزعَم أن اليهودَ
لما خيّرهم، أَخَذوا الثمرَ، وأدَّوا عشرينَ ألفَ وَسَقٍ .
قال ابنُ جريج (٢) : قلتُ لعطاءٍ: فحقٌّ على الخارصِ إذا استكثَر
سيِّدُ(٤) المالِ الخرصَ أن يخيّرَه، كما خيَّر ابنُ رواحةً اليهودَ . قال : إِى
لعمرى، وأُّ سنةٍ خيرٌ من سنةِ رسولِ اللهِ وَلقر؟
قال(٥) : وقلتُ لعطاءٍ: متى يُخْرَصُ النخلُ؟ قال: حينَ يُطعمُ.
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) عبد الرزاق (٧٢٠٥).
(٣) عبد الرزاق (٧٢٠٦).
(٤) فى م: ((رب)).
(٥) عبد الرزاق (٧٢١٧).
٥٣١

الموطأ
التمهید
قال (١) : وأخبرنا ابنُ جريج، عن ابنٍ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةً،
أنها قالت، وهى تذكُّرُ شأنَ خيبرَ: كان النبىُّ وَلِّ ببعَثُ عبدَ اللهِ بنَ
رواحةً إلى اليهودِ ، فيخرُصُ النخلَ حينَ يطيبُ (٢ أولُ الثمرٍ قبلَ(٣) أن يؤكلَ
منه، ثم يخيّرُ يهود أن يأخذوها بذلك الخرص أو يدفعوها إليه بذلك،
وإنما كان أمرُ النبى عليه السلامُ بالخرصِ، لكى تُحصَى الزكاةُ قبل أن
تؤكلَ الثمارُ وتفرَّقَ .
واختلف الفقهاءُ فى الخرصِ على صاحبِ النخلِ والعنبِ للزكاةِ ، بعدَ
إجماعهم علی أن الخرصَ لا یکونُ فی غیرِ النخلِ والعنب ، لحديثِ عتَّابِ
ابنِ أَسيدٍ .
حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ بنٍ علىٍّ ،
قال: حدَّثنا خالدُ بنُ النضرِ بالبصرةِ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ علىِّ ، قال :
حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع وبشرُ بنُ المفضَّلِ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
إسحاقَ، عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ بِنِ المسيَّبِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه بعَث
عتَّاب بن أَسیدٍ ، وأمره أن يخرُصَ العنب ، وتؤدّی ز كاتُه زبيبًا ، كما تؤدّى
زكاةُ النخلِ تمرّا، فتلك سنَّةُ رسولِ اللهِ وَ لِّ فِى النخلِ والعنبِ(١).
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٢١٩).
(٢ - ٢) فى ص ٤: ((أول الثمر))، وفى م: ((قبل)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) أخرجه النسائي (٢٦١٧) عن عمرو بن على به، وأخرجه ابن خزيمة (٢٣١٧)، =
٥٣٢

الموطأ
وقال بشرُ بنُ منصورٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ ، التمهيد
عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن عتَّابٍ بنِ أسيدٍ، قال: أمَرنى رسولُ اللهِ وَلِهِ .
فذگره(١) .
واستدلَّ بعضُهم على أنَّ الزيتونَ لا زكاةَ فيه؛ لأنَّه ممَّا اجتمِعَ على أنَّه
لا يُخرَصُ، ولو كانت فيه الزكاةُ لخرِصَ ؛ لأنَّ ثمرتَه باديةٌ، وما عَدا
النَّخلَ والعنبَ ممَّا اجتمِعَ على زكاتِهِ، فثمرتُه ليست بباديةٍ . وقد أجاز
بعضُ المتأخّرينَ الخرص فى الزیتون ، ودفع الإجماعَ فیما ذكرنا ، ورواه
عن الزهرىِّ(٢)، والأوزاعيِّ. ومعَّن أجاز الخرصَ فى النخلِ والعنب
للزكاة ؛ مالكٌ، والأوزاعىُ، والليثُ بنُ سعدٍ ، والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ
الحسن. قال(٢) الطحاوىُّ: وقال فى ((الإملاءِ)): إِنَّه قولُ أبى حنيفةَ. وقال
داودُ بنُ علىٍّ : الخرصُ للزكاةِ جائزٌ فى النَّخلِ، وغيرُ(٤) جائٍ فى العنبِ.
ودفَع حديثَ عتَّابٍ بنِ أَسيدٍ . وكرِه الثَّورُّ الخرصَ، ولم يُجزه بحالٍ،
وقال : الخرصُ غيرُ مستعملٍ. قال: وإنَّما على ربِّ الحائطِ أنْ يُؤدِّىَ عُشرَ
القبس
= والبيهقى ١٢٢/٤ من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٩٥/٣، ١٩٤/١٤
من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به .
(١) تقدم تخريجه فى ٤٦٢/٨.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٥٨/٨-٢٦٠.
(٣) فى ص ٤: ((و)).
(٤) فى م: ((غيره)).
٥٣٣

الموطأ
التمهيد ما یصیر فی یدِه للمسا کین إذا بلغ خمسةً أوسقٍ . وروى الثوریُّ وغیرُه ،
عن الشيبانىٌّ، عن الشعبىِّ، قال: الخرصُ اليومَ بدعةٌ(١).
قال أبو عمرَ: كأنَّه يرَى أَنَّه منسوخٌ بالنَّهي عن المزابنةِ ، واللهُ أعلمُ،
هذا على أنَّ الثورىَّ مع قوله: إنَّما على ربِّ الحائطِ أنْ يؤدِّىَ عُشرَ ما يصيرُ
فى يدِه للمساكينِ إذا بلَغ خمسةً أوسُقٍ. يقولُ: إنَّ صاحبَ الثمرةِ
والأرضِ يُحسَبُ عليه ما أُكَّله. وهو قولُ أبى حنيفةً، وزُفرَ، ومالكٍ
وأصحابِهِ. وقال أبو يوسُفَ: إذا أكّل صاحبُ الأرضِ وأطعَمَ جارَه
وصديقَه، أُخِذَ منه ◌ُشرُ ما بقِى إذا بلَغ خرصُه ما فيه الزكاةُ ، وإن أكَل
الجميعَ لم يكنْ عليه شىءٌ ، فإنْ بقِى منها قليلٌ أو كثيرٌ، فعليه عُشرُه أو
نصفُ عُشرِه. وقال مالكٌ: لا يتركُ الخرَّاصُ(٢) لأربابِ الثِّمارِ(١) شيئًا،
لمكانٍ ما يَأْكُلون، ولا يترَكُ لهم مِن الخرصِ شىءٌ. ذكره ابنُ القاسم
وغيرُه عنه . وقال الليثُ فى زكاةٍ الحبوبِ : يبدأ بها قبلَ النفقةِ، وما أگل
مِن فَرِيكِ هو وأهلُه ، فإنَّه لا يحسَبُ عليه، بمنزلةِ الرَّطِبِ الذى يترَكُ لأهلِ
الحوائطِ يَأْكُّلون ولا يخرَصُ عليهم. وقولُ الشافعيّ فى ذلك كلِّه كقولٍ
اللیث سواءً، فی خرص الثِّمارِ والتّرك لأهلها ما يأكلونه رطبًا ، ولا يُحسَبُ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٢١١) عن الثورى به.
(٢) فى ص ٤: ((الخارص)).
(٣) فى ص ٤: ((الأموال)).
٥٣٤

الموطأ
عليهم. والحجّةُ لمن ذهَب هذا المذهبَ ظاهرُ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿وَءَاتُوأ التمهيد
حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وهذا يوجِبُ مراعاةً وقتِ الحصادِ
والجدادِ لا ما قبلَه. وما رواه شعبةُ، قال: أخبرَنى خُبيبُ(١) بنُّ
عبدِ الرحمنِ، قال : سمِعتُ عبد الرحمنِ بنَ مسعودٍ بنِ نيارٍ(٢) يقولُ: جاء
سهلُ بنُ أبي حثمةَ إلى مسجدِنا، فحدَّثَ أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((إذا
خرّصتم فخُذوا ودَعوا الثُّلثَ، فإنْ لم تَدَعوا الثلُثَ فدعُوا الرُّبعَ)) . رواه عن
شعبةَ جماعةٌ مِن أصحابِهِ، وذكره أبو داودَ(١) وغيره. وهذا الحديثُ
حجّةٌ علی من أنگر الخرصَ للز كاة ، ومثلُ حدیثِ أبی حميد الساعدىِّ
فى خرصٍ رسولِ اللهِ وَآله وأصحابه على المرأةِ للزكاةِ - خرَصوا عليها
عامَ تبوكَ فى حديقتِها عشرةَ أوسقٍ (٤). وقد ذكّرنا الخبرَ فى غيرِ هذا
الموضع .
وروَى ابنُّ لهيعةً، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ قال:
(خفِّفوا فى الخرصِ، فإنَّ فى المالِ العربيَّةَ، والواطئةَ(٥)، والأكّلةَ،
القبس
(١) فى النسخ: ((حبيب)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢٧/٨، ٢٢٨.
(٢) فى م: ((دينار)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٩/١٧.
(٣) أبو داود (١٦٠٥).
(٤) أخرجه أحمد ١٦/٣٩ (٢٣٦٠٤)، والبخارى (١٤٨١)، ومسلم ١٧٨٥/٤ (١٣٩٢)،
وأبو داود (٣٠٧٩).
(٥) الواطئة: المارة والسابلة، سموا بذلك لوطئهم الطريق. وقيل: سقاطة التمر تقع فتوطأ =
٥٣٥

الموطأ
التمهيد والوصيّةً، والعاملَ، والنوائبَ)).
وروی سفيان ، عن یحیی بنِ سعیدٍ ، عن ◌ُشیرِ بنِ یسارٍ ، قال: كان
عمرُ بنُّ الخطّابِ يأمُرُ الخرَّاصَ أنْ يَخرُصوا ويرفعواُ ) عنهم قدرَ ما
يَأْكُلون(٢).
وقال الحسنُ: كان المسلمون يُخرَصُ عليهم، ثم يُؤخذُ منهم على
ذلك الخرصِ .
والآثارُ عن السّلفِ فى الخرصِ كثيرة جدًّا .
واختلَفَ الفقهاءُ فى المساقاةِ أيضًا، فممَّن أجازَها مِن فقهاءِ
الأمصارِ؛ مالكٌ، والشَّافعىُّ، وأصحابُهما، وجماعةُ أهلِ الحديثِ،
والثورىُّ، والأوزاعىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والحسنُ بنُ حَيٍّ، وابنُ أبى
ليلى، وأبو يوسفَ ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وكرِهها أبو حنيفةً، وزُفر.
والحجّةُ عليهما ثابتةٌ بسنَّةِ رسولِ اللهِ أَّهِ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسةً ، قال :
حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ حنبلِ، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ،
القبس
= بالأقدام. فاعلة بمعنى مفعولة. النهاية ٢٠٠/٥، ٢٠١.
(١) فى ص ٤: ((يدفعون)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٢٢١) عن الثوری به.
٥٣٦

الموطأ
عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّ عامِلَ التمهيد
أهلَ خيبرَ بشطرٍ ما يخرُجُ مِن ثمرٍ أو زرعٍ(١).
قال(٢): حدَّثنا قتيبةُ بنُّ سعيدٍ، عن الليثِ، عن محمدِ بنِ
عبدِ الرحمنِ بنِ غَنَج ١، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ بَلِ دفَع إلى
يهودِ خيبرَ نخلَ خيبرَ وأرضَها على أنْ يُعمِلوها مِن أموالهم، وأنَّ لرسولٍ(*)
اللهِ وَلِّ شَطْرَ ثمرِها .
لم يُذكَرْ فى هذا الخبرِ أنَّه أَخَذ مِن الأرضِ شيئًا، وإنَّما أخَذ مِن
الثمرةٍ، وهو حبّةٌ لمالكِ فى إلغائِه(٥) البياضَ للعاملِ، وقولِه: إِنَّ البياضَ
كان بخيبرَ بينَ النخلِ تبعًا لها . واللهُ أعلمُ .
والأحاديثُ فى المساقاةِ متواترةٌ ، والمساقاةُ عندَ مالكِ، والشافعىِّ،
جائزةٌ سنينَ؛ لأنَّ المساقاةَ لما انعقدَتْ فيما لم يُخلَقْ مِن الثمرةِ فى عامٍ،
القبس
(١) أبو داود (٣٤٠٨)، وأحمد ٢٨٩/٨ (٤٦٦٣) - وعنه مسلم (١/١٥٥١) - وأخرجه
البخارى (٢٣٢٩)، ومسلم (١/١٥٥١)، وابن ماجه (٢٤٦٧)، والترمذى (١٣٨٣)، وابن
ماجه (٢٤٦٧) من طريق يحيى بن سعيد به.
(٢) أبو داود (٣٤٠٩). وأخرجه النسائى (٣٩٣٩) عن قتيبة به، وأخرجه مسلم (٥/١٥٥١)،
والنسائی (٣٩٤٠) من طريق الليث به .
(٣) فى م: ((غنم)).
(٤) فى م: ((رسول)).
(٥) فى م: ((الغابة)).
٥٣٧٠

الموطأ
التمهيد كان كذلك ما بعدَه مِن الأعوام ما لم يظُلْ، على حسب ما ذكرناه فيما
تقدَّمَ ) مِن هذا البابٍ . وقد أجمعوا على أنَّه لا تجوزُ المساقاةُ فى ثمرٍ قد
بَدا صلاحه؛ لأَنَّه(٢) يجوزُ بيعُه، إلَّا قولةً عن الشافعيّ وفرقةٍ، والمشهورُ
عن الشافعىّ أنَّ ذلك لا يجوزُ .
وأجمعوا على أنَّه لا تجوزُ المساقاةُ إِلَّ على جزءٍ معلوم، قلَّ أَو كثُرَ،
واختلفوا فيما تجوزُ فيه المساقاةُ؛ فقال مالكٌ: تجوزُ المساقاةُ فى كلِّ
أصلٍ، نحوَ النَّخلِ، والرُّمَّانِ، والتِّينِ، والفِرِسِكِ (١) ، والعنبِ، والوردِ،
والياسمينِ، والزيتون، وكلّ ما له أصلٌ ثابتٌ يَبقى. قال: ولا تجوزُ
المساقاةُ فى كلِّ ما يُجْنَى ثم يخلُفُ ، نحوَ القصبِ ، والبقولِ، والموزِ؛
لأَنَّ بيعَ ذلك جائزٌ، وبيعَ ما يجْنَى بعدَه. وقال مالكٌ: كان بياضُ خيبرَ
يسيرًا بينَ أضعافٍ سوادِها ، فإذا كان البياضُ قليلًا فلا بأسَ أنْ يزرَعَه العاملُ
مِن عنده . قال ابن القاسم : فما نتت منه، كان بینَ المُساقِین علی حسبٍ
شرِكتهما فى المساقاةِ. قال : وأجلُ(٤) ذلك أنْ يُلْغَی البیاضُ الیسیرُ فى
المساقاةِ للعاملِ، فيزرَعَه لنفسِه، فما نبَت مِن شىءٍ كان له. وهو قولُ
القبس
(١ - ١) فى ص ٤: ((تقدم ذكرنا له)).
(٢) بعده فى ص ٤: ((لا)).
(٣) الفرسك : الخوخ، يمانية، وقيل: هو مثل الخوخ فى القدر، وهو أجرد أملس أحمر وأصفر.
اللسان (فرسك).
(٤) فى م: ((أحل)).
٥٣٨

الموطأ
مالكٍ . وقدرُ اليسيرِ أنْ يكونَ قدرَ الثُّلثِ مِن السوادِ . قال مالكٌ: وتجوزُ التمهيد
المساقاةُ فى الزرع إذا استقلّ، وعجَز صاحبُه عن سقيه) ، ولا تجوزُ
مُساقاةٌ إلَّا فى هذه الحالِ بعدَ عجزٍ صاحبِه عن سقيِه . قال مالكٌ: ولا بأسَ
بمساقاةِ القَّاءِ والبطيخ إذا عجَز عنه صاحبُه، ولا تجوزُ مُساقاةُ الموزِ ولا
القصبٍ . حكَى هذا كلَّه عنه ابنُ القاسم ، وابنُ عبدِ الحكمِ ، وابنُ وهپٍ .
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: تجوزُ المساقاةُ فى الطَّعِ ما لم يَتَنَاهَ عَظمُه ، فإذا
بلَغ حالًا لا يزيدُ بعدَ ذلك لم يجُزْ وإنْ لم يُرطِبْ . وقال فى الزرعِ: جائزٌ
مُساقاتُه ما لم يَستَحْصِدْ، فإنِ استَحصَدَ لم يجزْ. وقال الشافعىُّ : لا تجوزُ
المساقاةُ إلَّا فى النخلِ والكرم؛ لأَنَّ ثمرَها بائنٌ مِن شجرِهِ ، ولا حائلَ دونَه
يمنَغُ إحاطةً(١) النَّظر إليه، وثمرُ غیرِهما متفرّقٌ بین أضعافٍ ورقٍ شجرِه، لا
يُحاطُ بالَّظرِ إليه. وإذا ساقاه على نخلٍ فيها بياضّ عِندَ الشافعىِّ، فإِنَّه
قال: إن كان لا يوصَلُ إلى عملِ البياضِ إلّا بالدُّخولِ على النَّخلِ ، و كان لا
يوصَلُ إلى سقيِه إلّ بشِركِ النخلِ فى الماءِ، وكان غيرَ مثمرٍ، جاز أن
· يُساقىَ عليه فى النخلِ ، لا منفرِدًا وحدَه . قال: ولولا الخبرُ بقصةٍ خيبرَ لم
یز ذلك. قال : ولیس لمُساقی النخلِ أنْ یزرَعَ البیاضَ إلا پاذْنِ ربِّه ، فإنْ
فَعَل، كان كمَن زرَع أرضَ غيرِه .
القبس
(١ - ١) فى ص ٤: ((عنه صاحبه)).
(٢) فى النسخ: ((لإحاطة)). وينظر الاستذكار ٢١١/٢١ من النسخة المطبوعة .
٥٣٩

الموطأ
واختلفوا فى مُساقاةِ البعل (١) ؛ فأجازَها مالكٌ وأصحابُه، والشافعىُّ،
التمهيد
ومحمدُ بنُّ الحسنِ، والحسنُ بنُ حىٍّ، وذلك عندَهم على التَّلقيحِ
والزَّبرِ " والحفرِ والحفظِ وما يُحتاج إليه مِن العملِ . وقال الليثُ : لا تجوزُ
المساقاةُ إلَّا فيما يُسْقَى . قال الليثُ : ولا تجوزُ المساقاةُ فى الزَّرع، استقلّ
أو لم يستقِلّ. قال: وتجوزُ فى القصبِ؛ لأنَّ القصبَ أصلٌ. وأجازَ
الليثُ ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وجماعةٌ ، المساقاةَ فى النخلِ والأرضِ بجزءٍ
معلومٍ؛ كان البياضُ يسيرًا أو كثيرًا. وقد بيَّنَّا مذهَبَ هؤلاء وغيرِهم فى
كراءِ الأرضِ، فى بابٍ داودَ(٣) وربيعةٌ(٤). والحمدُ للهِ.
واختلفوا فى الحينِ الذى لا تجوزُ فيه المساقاةُ فى الثِّمارِ؛ فقال
مالكٌ : لا يُساقَى مِن النخلِ شىء إذا كان فيها ثمرّ قد بَدا صلاحُه وطاب ،
وحلَّ بيعُه، ويجوزُ قبلَ أَنْ يبدُوَ صلامحُه ويحلَّ بِيعُه. واختلَف قولُ
الشافعىِّ، فقال مرَّةً: يجوزُ وإِن بَدا صلاحُه. وقال مرَّةً: لا يجوزُ. ولا
يجوزُ عندَ الشافعيّ أنْ يشترِطَ على العاملِ فى المساقاةِ ما لا منفعةً فیه فى
أصل الثمرة وفیما يُخرِجُه .
القبس
(١) البعل: النخل يشرب بعروقه فيستغنى عن السقى. المصباح المنير (ب ع ل).
(٢) الزَّئْر: طى البئر بالحجارة. التاج (ز ب ر).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٦٧/١٦ - ٣٧٥.
(٤) ينظر ما سيأتى ص ٥٨٢ - ٥٩٦.
٥٤٠