Indexed OCR Text
Pages 501-520
الموطأ
التمهيد
قال: ((لا)). قالوا: فَتَكْفوننا المئونةَ ونَشْرَكُكم (١) فى الثمرة. قالوا: سَمِعْنا القبس
وَأَطَعْنَا (٢). وثبَت عنه وَِّ أنه ساقَى أَهلَ خيبرَ بشطرِ ما يخرجُ منها مِن نخلٍ
وزرعُ، وكان بينَ النخلِ بَياضّ(٤)، فكان لغوًا. وقال أبو حنيفةَ: المساقاةُ
باطلةٌ. وعُذْرًا له فإنه كان ضعيفًا فى الحديثِ، ذُكِرَتْ له قصةُ خيبرَ فقال: إن
اليهودَ كانوا رَقِيقًا للنبىِّ وَّهِ، فجعَل رقيقَه فى مالِهِ عَمَلَةً فيه، وجعَل لهم نصفَ
الثمرة رزقًا لهم. قلنا: لو عرف الحدیثَ لَمَا قال هذا، وقد كان النبيُ ێ بيَّن أن
بقاءهم فى الأرضِ إنما هو للمسلمين ، إن شاءُوا أن يُقُوهم أبقوهم، وإن شائُوا أن
يُخْرِجوهم أخْرَ جُوهم(٥)، ولو كانوا رقيقًا ما صلَح ذلك، وكلامُهم أقلُّ من أن
يُتَكَلَّمَ عليه .
ومسائلُ المساقاةِ عويصةٌ؛ لأنها رخصةٌ مخصوصةٌ، وإذا ثبَت الأصلُ
مقيمًا مُعلَّلًا(٩)، أمْكَن تعليلُه واطَّدتْ فروعُه، وإذا ثبت رخصةً، عشر الضبطُ
فيه واضطَرَبَت آراءُ المُجْتَهِدِين عليه، ولذلك أطْنَب مالكٌ فى المساقاة، وذكّر
منها مسائلَ وفروعًا، اتَّبَع فيها كلِّها الأثرَ وما وجَد مِن العملِ، ومِن أُمَّهاتِ
مسائلِها أن المساقاةَ تجوزُ فى كلِّ شجرةٍ، وقال الشافعىُّ: لا تجوزُ إلا فى
النخلِ والكُرْمِ؛ لأنها رخصةٌ فاقْتُصِر بها على موردِ النَّصِّ. قلنا له: مهلًا
(١) فى م: ((نشركهم)).
(٢) البخارى (٢٣٢٥، ٢٧١٩، ٣٧٨٢).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٤٣).
(٤) يعنى أرضًا بيضاء ، وهى أرض لا نبات فيها . ينظر اللسان (ب ی ض).
(٥) سيأتى تخريجه ص ٥٠٧، ٥٢٣، ٥٢٥.
(٦) فى ج: ((معدلًا)).
٥٠١
الموطأ
التمهيد
القبس عليك ، إنما وَرَدَتْ فى النخْلِ، فلمَ عَدَّيْتَها إلى الكرمِ ، والأصلُ فى كلِّ رخصةٍ
فى الشريعةِ أن يكونَ ما فى مَغْناها لاحقًا بها، مما يُتَفَطَّنُ له قبلَ النظرِ فى
العلةِ؟ وقد بَيْنَّ ذلك فى أصول الفقهِ، وخصوصًا عندنا وعندَ الشافعىِّ، ولهذا
قلنا : إنه تجوزُ المساقاةُ فى الثمرةِ بعدَ ظهورِها. وقال الشافعىُّ: لا تجوزُ.
ودليلُنا أن ما بعدَ الظهورِ فى مَغْنَى ما قبلَ الظهورِ ؛ لأن المقصودَ كفايةُ العاملِ
لربِّ المالِ (١) العملَ، وشركتُه فى الثمرةٍ، وقد استوَى فيه ما قبلَ الظهورِ وما
بعدَه، ولذلك قال ابنُ القاسم وغيرُه، خلافًا لسُحْنُونٍ: إن المساقاةَ تجوزُ فى
الثمرةِ بعدَ طِييِها؛ لأن الحاجةَ فى المساقاةِ بعدَ الطَّيبِ كالحاجة إلى المساقاةِ
قبلَ الطِّيبٍ، إذِ الشجرةُ مُفْتَقِرَةٌ إلى العملِ مِن أولِ ما تُغرَسُ إلى أولِ ما تُجَدُّ
ثمرتُها، أو (١) مِن أولٍ ما تُحاوِلُ خِدْمتَها إلى أن تَسْتَخْصِدَ ثمرتَها، ولذلك اتّبع
مالكٌ الأثرَ حتى() قال: تجوزُ المساقاةُ(٤) فى خمسةٍ أَوْسُقٍ مِن تمرٍ بينَ العاملِ
وصاحبِ النخلِ. وإن كان نصيبُ كلِّ واحدٍ منهما يقصُرُ عن النِّصابِ،
بخلافٍ سائرٍ الأموالِ الزَّكاتِيَّةِ؛ لأن عبدَ اللهِ بنَ رواحةً كان يَخْرُصُ ويأخُذُ
الزكاةَ مما يجبُ ولا يسألُ عن الشُّرَكاءِ، وقد بنَى علماؤنا هذه المسألةَ على أن
العاملَ فى المساقاةِ: متى يَغْلِكُ حِصَّتَه؟ فقيل: لا يملِكُها حتى يَقْبِضَها .
فتَنبنى المسألةُ على هذا، والأولُ أقوى فى الدليلِ، وقد خرَج ابنُ القاسمِ عن
(١) فى حاشية د: ((العمل)).
(٢) فى د: (( و)).
(٣) فى ج، م: ( حين)).
(٤) كذا فى النسخ. ولعل الصواب: ((الزكاة)).
٥٠٢
الموطأ
١٤٤٣ - مالك، عن ابن شهاب ، عن سعيد بنِ المُسيَّبِ ، أن
1
رسولَ اللهِ وَ لَه قال ليهودٍ خيبرَ، يومَ افْتَتَح خيبرَ: ((أَقِرُّكم ما أقَوَّكم
اللهُ، على أن الثَّمَرَ بيننا وبينَكم)). قال: فكان رسولُ اللهِ وَلِّ بِبعَثُ
عبدَ اللهِ بنَ رَواحَةً فِيَخْرُصُ بينَه وبينَهم، ثم يقولُ: إن شِئْتُم فلكم،
وإن شئتُم فلى. فكانوا يأخُذُونه .
مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَالتِ التمهيد
قال ليهودٍ خيبرَ: ((أُقُكم ما أقرَّكم اللهُ على أنَّ الثمرَ بيننا وبينكم)). قال:
فكان رسولُ اللهِ وَلِّ يبعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رواحةً فيخرُصُ بينَه وبينَهم، ثم
يقولُ: إِنْ شئتُم فلكم، وإن شئتُم فلى. فكانوا يأخذونَه(١) .
هکذا روی هذا الحدیث بهذا الإسنادِ ، عن مالك ، عن ابن شهاب ،
عن سعيدٍ، جماعةُ رواةٍ ((الموَطَّاً))، وكذلك رواه أكثر أصحابِ الزهرىِّ،
وقد وصَله منهم صالحُ بنُّ أبى الأخضرِ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ
القبس
هذا الأصلِ فقال: لا تجوزُ مساقاةُ النصرانيّ فى كَوْمِك إلا إذا أمِنتَ أن يَعْصِرَه
خمرًا، والنبىُّ نَّه قد ساقَى أهلَ خيبرَ كلَّهم، وهم كفارٌ بأجمعِهم، وفيهم
مَن لا يُؤْمَنُ أَن يَتَّخِذَ مِن ثمرِه خمرًا، بل جميعُهم لا يُؤْمَنُ عليه ذلك، فصَحَّ أن
هذه الروايةً فى نهايةِ الضعفِ .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٣١)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/١٤و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٣٩٧). وأخرجه الشافعى ٣٣/٢، ٢٢٦/٧، وابن زنجويه فى الأموال
(١٩٨١)، وابن شبة فى تاريخ المدينة ١٧٧/١، والبيهقى ١٢٢/٤ من طريق مالك به.
٥٠٣
الموطأ
التمهيد المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لّهلما افتتَح خيبرَ، دَعا اليهودَ ،
فقال: ((نُعطيكم الثمرَ(١) على أنْ تُعمِلوها، أَقُّكم ما أقرَّكم اللهُ)). وكان
رسولُ اللهِ وَّلَهِ يبعثُ عبدَ اللهِ بنَ رواحةً، فيخرُصُها عليهم، ثم يخيُّهم ؛
أيأخُذون بخرصِه أم يتركون(٢)؟ .
وقال معمر، عن الزهرىٌّ فى هذا الحديثِ: خمَّس رسولُ اللهِ وَله
خيبرَ، ولم يكنْ له ولا لأصحابِهِ عمَّالٌ يُعمِلونها ويزرَعونها ، فدعا يهودَ
ءُ
خيبرَ، وكانوا أُخرِجوا منها، فدفَع إليهم خيبرَ على أنْ يُعمِلوها على
النَّصفِ؛ يؤدُّونَه إلى النبيِّ عليه السَّلامُ وأصحابِه، وقال لهم: ((أُقؤُكم على
ذلك ما أقرّکم اللهُ)). فکان یبعثُ إلیھم عبد الله بن رواحةً، فيخُصُ
النخلَ حينَ يطِيبُ، ثم يخيّرُ يهود خيبرَ؛ يأخذونها بذلك الخرصِ أم
يدفعُونها بذلك الخرصِ. قال: وإنَّما أمَر رسولُ اللهِ وَ له بذلك لكى
يُحصىَ الزكاةَ قبلَ أنْ يؤكَّلَ الَّمرُ ويفرّقَ، فكانوا كذلك. وذكّر تمامَ
(٣)
الخبر (١).
قال أبو عمرَ: أجمع العلماءُ مِن أهلِ الفقهِ والأثرِ وجماعةُ أهلِ السِّيرِ،
القبس
(١) فى ص ٤: ((التمر)).
(٢) أخرجه البزار (١٢٨٦ - كشف)، والدارقطنى فى العلل ٢٩٠/٧ من طريق صالح بن أبى
الأخضر به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٩٧٣٨) عن معمر به.
٥٠٤
الموطأ
على أنَّ خيبرَ كان بعضُها عنوةً وبعضُها صلحًا، وأنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ التمهيد
ء
قسمها، فما كان منها صلحًا ، أو أُخِذَ بغيرِ قتالٍ ، كالذی جَلا عنه أهلُه ،
عَمِل فى ذلك كلُّه بسنَّةِ الفىءٍ، وما كان منها عَنوةً، عَمِل فيه بسنَّةٍ
الغنائم، إلَّ أنَّ ما فتحه اللهُ عليه منها عنوةً، قسمه ١ بينَ أهلِ)
الحديبيةِ (" وبينَ مَن شهِد الوقعةَ. وقد رُويت فى فتح خيبرَ آثارٌ كثيرةٌ
ظاهرُها مختلِفٌ ، وليس باختلافٍ عندَ العلماءِ على ما ذكرتُ لك، إِلَّ أنَّ
فقهاءَ الأمصارِ اختلفوا فى القياس على خيبرَ سائرَ الأَرَضين المفتتحَةِ عَنوةٌ ؛
فمنهم من جعَل خيبرَ أصلًا فى قسمةِ الأرضين، ومنهم مَن أتَى مِن ذلك،
وذهَب إلى إيقافِها، وجعَلها قياسًا على ما فعَل عمرُ بسوادِ الكوفةِ(٣)،
وسنبيِّنُ ذلك كلَّه فى هذا البابٍ إن شاء اللهُ. فأمَّا الآثارُ عن أهلِ العلمِ
والسّيرِ بأَنَّ بعضَ خيبرَ كان عَنوةً، وبعضها (+کان صلحًا) ، فمِن ذلك ما
روَى ابنُّ وهبٍ ، عن مالك، عن ابن شهابٍ، أنَّ خيبرَ كان بعضُها عنوةٌ ،
وبعضُها صلحًا، قال: فالكُتيبةُ(٥) أكثرُها عَنوةٌ، وفيها صلحٌ، قلتُ
القبس
(١ - ١) فى ص ٤: ((لأهل)).
(٢ - ٢) فى ص ٤: ((ولمن)).
(٣) سيأتى ص٥١٦، ٥١٧.
(٤ - ٤) فى م: ((بغير قتال)).
(٥) فى ص ٤: ((الكئيبة)).
٥٠٥
الموطأ
التمهيد لمالكِ: وما الكتيبةُ؟ قال: مِن أرضٍ خيبرَ، وهى أربعونَ ألفَ عَذْقٍ (١).
قال مالكٌ: وكتَب أميرُ المؤمنينَ - يعنى المهدئَّ - أنْ تقسَمَ الكتيبةُ مع
صدقاتِ النبيِِّ وَله، فهم يقسِمونها فى الأغنياء والفقراءِ. فقيل لمالكِ:
أفترَى ذلك للأغنياءِ؟ قال: لا ، ولكن أَرَى أنْ يفرّقوها على الفقراءِ. قال
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ : وكانت خيبرُ جماعةَ حصونٍ، فافتتِحَ بعضُها
بقتالٍ ، وبعضُها سلَّمَه أهلُه على أنْ تُحقَنَ دماؤهم .
وقال موسى بنُ عقبةً: كان ممَّا أَفاءَ اللهُ على رسولِهِ وَلِ مِن خيبرَ
نصفُها؛ كان النّصفُ للهِ ورسولِه، والنّصفُ الآخرُ للمسلمينَ، فكان
الذى للهِ ولرسولِه النّصفَ؛ وهى الكُتيبةُ، والوطيخُ، وسُلالِمٌ، وَوَحْدَةُ ،
وكان الباقى للمسلمين، نَطاةُ ، والشَّقُّ(٢).
قال موسى بن عقبةً: ولم يقسِمْ مِن خيبرَ شىءٌ إلّا لمَن شهِد الحديبيةَ.
قال ابنُ(٣) عقبةَ: وقد ذكروا، واللهُ أعلمُ، أَنَّه قدِم على رسولِ اللهِ
وَهُ ناسٌ كثيرٌ بخييرَ، فرأى ألَّ يخيِّبَ مسيرَهم، وسأل أصحابَه أَنْ
يَشرَكوهم. قال: ولما قدِم رسولُ اللهِ وَ لَه مِن الحديبيةِ مَكَث عشرينَ
القبس
(١) العَذْق: النخلة. اللسان (ع ذ ق).
والأثر أخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ١٧٦/١، وأبو داود عقب الحديث (٣٠١٧) من.
طريق ابن وهب به .
(٢) فى م: ((الشوق)).
(٣) فى ص ٤: ((أبو)).
٥٠٦
الموطأ
ليلةً أو قريبًا منها، ثم خرَج غازيًا إلى خيبرَ، وكان اللهُ وعَده إيَّاها وهو التمهيد
بالحديبية .
وقال ابن إسحاقَ : كانت قسمتُه خيبرَ لأهل الحديبية مع من شهدها
مِن المسلمينَ ممَّن حضَر خيبرَ، أو غاب عنها مِن أهل الحديبيةِ(١) ؛ وذلك
أُنَّ اللهَ أعطاهم إِيَّاها فى سفرِه ذلك .
قال ابنُّ إسحاقَ: وحدَّثنى نافعٌ مولَى ابنِ عمرَ، "عن ابنِ عمر٢»، أنَّ
عمرَ قال: أَيُّها الناسُ، إِنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ عامَل يهود خيبرَ على أَنَّا
نُخرِمجهم إذا شِئْنا، فمَن كان له مالٌ فليلْحَقْ به، فإنِّى مخرِجٌ يهودَ .
(٣)
فأخرجهم(٢) .
وروى ابنُ وهپ ، عن أسامة بن زيدِ اللیئیّ ، عن نافع، عنِ ابنِ عمر،
قال: لما افتُِحَتْ خيبرُ سألت يهودُ رسولَ اللهِ وَلَّهِ أَنْ يُقرَّهم على أنْ يَعْمَلُوا
على النِّصفِ ممَّا يخرجُ منها، فقال رسولُ اللهِ وَلِ: ((أُقْؤُكم فيها ما يشِمْنا)).
فكانوا على ذلك، وكان التَّمرُ يُقسمُ على السِّهامِ مِن نصفٍ خيبرَ(1).
القبس
(١) فى ص ٤: ((المدينة)).
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت مما سيأتى ص
(٣) سیأتی تخريجه ص ٣×و.
(٤) أخرجه مسلم (٢٤/١٥٠١) وابن شبة فى تاريخ المدينة ١٧٨/١، وأبو داود (٣٠٠٨)
من طريق ابن وهب به .
٥٠٧
الموطأ
التمهيد
يريدُ، واللهُ أعلمُ، ما افتُتِحَ عنوةً منها بالغلبةِ والقتالِ، قسِمَ على
السّهامِ، كما يقسَمُ السَّبى، وما كان فيئًا، كان له ولأُهلِه ولنوائبٍ
المسلمينَ. وعلى هذا تأتلفُ معانى الآثارِ فى ذلك عندَ أهلِ العلمِ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدّثنا محمدُ بن بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ(١)،
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وزيادُ بنُ أَيُّوبَ، أنَّ إسماعيلَ بنَ إبراهيمَ
حدَّثهم، عن عبدِ العزيزِ بنِ صهيبٍ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهٍ غَزَا(٢)
خيبرَ، فأصَبناها عنوةٌ، فُجُمِع السبى(١) .
وليس هذا بخلافٍ لما ذكرنا ، ألا تَرى إلى ما ذكر ابنُ إسحاق ، عن الزهرىِّ
وعبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ ، أنَّ حصونًا مِن خيبرَ لما رأى أهلُها ما افتِحَ عنوةً منها
تحصّنوا، وسألوا رسولَ اللهِ وَ لّهِ أَنْ يحقِنَ دماءَهم ويسيِّرَهم، ففعَل، فسمِع
بذلك أهلُ فَدَكَ، فنزَلوا على مثلِ ذلك، فكانت لرسولِ اللهِ وَلِّ خاصَّةً؛ لأَنَّه لم
يُوجِفْ عليها بخيلٍ ولا ركابٍ، وخرَج عنها أهلُها للرّعبِ(٤) .
القبس
(١) بعده عند أبى داود: ((حدثنا داود بن معاذ ثنا عبد الوارث ح وثنا)).
(٢) فى ص ٤: ((أصاب)).
(٣) أبو داود (٣٠٠٩). وأخرجه البخارى (٣٧١) عن يعقوب بن إبراهيم به، وأخرجه النسائى
(٣٣٨٠) عن زياد بن أيوب به .
(٤) أخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ١/ ١٩٣، وأبو داود (٣٠١٦)، والبلاذرى فى فتوح البلدان
(١٠٧)، والبيهقى ٣١٧/٦ من طريق ابن إسحاق به.
٥٠٨
الموطأ
فهذا قولُ ابن شهابٍ ، وهو القائلُ فيما حكاه عنه معمرٌ ويونس ، قال : التمهيد
خمَّس رسولُ اللهِ وَلّ خيبرَ، ثم قسم سائرَها على مَن شهِدها ومَن غابَ
عنها مِن أهلِ الحديبية (١) . ومعلوم أنَّه لا يخمِّئُ ما لم يُوجِفْ عليه بخيل
ولا ركابٍ، ولا يجعَلُ نصفَها لنوائبه (٢) ، ونصفَها للمسلمين، على ما قال
بُشَيرُ بنُ يسارٍ (٣) ، وهى عنوةٌ، فهذا كلُّه يدُلُّك على أنَّ ما كان منها مأخوذًا
بالغلبةِ قسِمَ على أهلِ الحديبيةِ ومَن شهِدها ، وخُمِّسَ ، وما كان منها ممَّا
انجلَى عنه أهلُه وأسلموه بلا قتالٍ، حكم فيه رسولُ اللهِ وَله بحكم
الفىءٍ، واستخلَصَ منه لنفسِه، كما فعَل بفَدَكَ ، فقِفْ على هذا، وتدبَّرٍ
الآثارَ تجِدْها على ذلك إن شاء اللهُ .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا أحمدُ بنُدُخیم، قال : حدّثنا
إبراهيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنی عمِّى إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدّثنا
سليمانُ بنُ حربٍ ، قال : حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن علىٍّ بنِ زيدٍ ، عن عمَّارِ بنِ
أبى عمَّارٍ، عن أبى هريرةَ، قال: كانت خيبرُ لأهلِ الحديبيةِ خاصَّةٌ (٤).
القبس
(١) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (١٤١)، وأبو داود (٣٠١٩)، والبلاذرى فى فتوح البلدان
(٩٧) من طريق يونس به، وتقدم تخريجه ص ٥٠٤ من طريق معمر.
(٢) فى ص ٤: ((لقرابه)).
(٣) بعده فى م: ((وغيره)). وسيأتى تخريجه ص ٥١٢، ٥١٣.
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٩١١) من طريق سليمان بن حرب به، وأخرجه
الطيالسى (٢٥٩٧)، وأحمد ٥٣١/١٦ (١٠٩١٢)، والدارمى (٢٥١٧) من طريق حماد به .
٥٠٩
الموطأ
قال : وحدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ ، قال :
التمهید
حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن بُشيرٍ بنِ يسارٍ، أنَّ النبيَّ بَّهِ قَسَم خيبرَ على سنَّةٍ
وثلاثينَ سهمًا، فجعَل لنفسِه (١) ثمانيةَ عشرَ سهمًا، وللناسِ النَّصفَ(١).
قال أبو عمر : روی هذا الحدیثَ الثوریُّ، عن يحيى بن سعيد ، عن
بُشيرِ بنِ يسارٍ، عن سهلِ بنِ أبى حثمةً، قال: قسم رسولُ اللهِ وَلَه خيبرَ
نصفَين ؛ نصفًا لنوائبِه وحاجتِه، ونصفًا بينَ المسلمين، قسمها بينهم على
ثمانيةَ عشرَ سهمًا(٣) .
قال إسماعيلُ: وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ
إسماعیلَ، عن أسامة بن زيد()، عن الزهرئِّ، عن مالكِ بنِ أُوسٍ بِنِ
الحدَثانِ، قال: قال عمرُ بنُّ الخطّابِ: كان لرسولِ اللهِ وَلَه ثلاثُ
صَفايا؛ بنى النضيرِ، وخيبرَ، وفَدَكَ(٥) .
"القبس
(١) بعده فى م: ((النصف)).
(٢) أخرجَه ابن سعد ١١٤/٢ عن سليمان بن حرب به، وأخرجه أبو عبيد فى الأموال
(١٤٢)، وابن سعد ١٣/٢، ١١٤، وابن شبة فى تاريخ المدينة ١/ ١٨١، ١٨٨، وأبو داود
(٣٠١٤)، والبلاذرى فى فتوح البلدان (٨٦، ٨٩، ٩٠)، والبيهقى ٣١٧/٦ من طريق يحيى
ابن سعید به .
(٣) سيأتى تخريجه ص ٥١٣.
(٤) فى م: (یزید)).
(٥) أخرجه أبو داود (٢٩٦٧)، والضياء فى المختارة (٢٧٣، ٢٧٦) من طريق حاتم بن
إسماعيل به .
٥١٠
الموطأ
التمهيد
قال إسماعيلُ : یعنی خیبر ما كان بغيرِ قتالٍ، فجرَی مجرَی بنی
النَّضيرِ. قال : وكذلك فَدَكُ ، إنَّما صالحَ أهلُها حينَ بلَغهم ما كان مِن أمرٍ
خيبرَ، فصالَحوا رسولَ اللهِ فَلِّ حتى حقَن دماءهم. قال: ولم تختلفٍ
الرّوايةُ فى أنَّ خيبرَ قسِمَتْ على أهلِ الحديبيةِ؛ مَن حضَر فتحّ خيبرَ ومَن لم
يحضُرْ، وإنَّما اختلفتِ الرّوايةُ فيمَن حضَر خيبرَ ولم يحضُرِ الحديبيةَ؛
فقال بعضُهم: قد أُدخِلوا فى قسمتِها. وقال بعضُهم: لم يدخُلوا فى
ذلك. قال إسماعيلُ: فإذا كان أمرُ خيبرَ على هذه الصِّفةِ، وعلى هذا
الخصوص الذى وقع فيها ، فکیف یجوزُ أنْ يُجعلَ اصلا يقاسُ علیه ما
افتتِحَ بعدَها مِن السوادِ وغيرِه؟ قال: ويجبُ على مَن قاس أمرَ السوادٍ
وغيرَه على أمرٍ خيبرَ أنْ يَقسِمَ السوادَ على مَن حضَر الوقعةً وعلى مَن لم
يحضُرْها؛ قسِمَتْ خيبرُ على مَن حضَر الوقعةَ وعلى مَن لم يحضُرْها من
أهلِ الحديبيةِ، وهذا الموضعُ الذى ذكّرتُ أنه لم تختلِفِ الرّوايةُ فيه .
قال: وكيف يجوزُ أَنْ يُتركَ ظاهرُ ما أَنزَل اللهُ على رسوله فيما أفاءَ اللهُ على
رسولِه مِن أهلِ القَرَى، ويُحتَّ فى (١) ذلك بأمرٍ خيبرَ الذى هذه صفتُه؟
قال أبو عمرُ: وزعَم أبو جعفر الطحاوىُّ أنَّ خيبرَ لم تُقسَمْ فى عهد
رسولِ اللهِ وَله، وإنَّما قسِمَتْ فى زمنٍ عمرَ. قال: وأمَّا ما كان على ذلك
القبس
(١) فى ص ٤: ((من)).
٥١١
الموطأ
التمهيد مِن رسولِ اللهِ وَّه فيها، فإنَّما هو قسمةُ جمع؛ لأَنَّه جعَل كلّ مائةٍ سهم
كسهمٍ واحدٍ، ثم جزّا غلَّتِها على ذلك، ولم يقسمِ الأرضَ .
أخبرنا بذلك أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ،
قال : سمِعتُ الطحاوىّ . ذكره .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدّثنا ابنُ
فُضيلٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ ، عن رجلٍ (١) مِن أصحابٍ
رسولِ اللهِ وَ ﴾(١)، أَنَّ رسولَ اللهِ وَله لما ظهَر على خيبرَ، وصارت خيبرُ
لرسولِ اللهِ وَّ وللمسلمينَ، ضعُفوا عنها، فدفَعها رسولُ اللهِ وَلَل إلى
اليهودِ على أنَّ له النّصفَ ولهم النّصفَ، فجعَلها رسولُ اللهِ وَّلَه نصفَين،
فكان (٣فى ذلك" النّصفِ سهام المسلمينَ وسهمُ النبيِّ مَاللـه معها ، وجعَل
النِّصفَ الآخرَ لمن نزَل به مِن الوفودِ والأمورِ ونوائبِ الناسِ ".
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، حدَّثنا أبو داودَ ،
القبس
(١) فى م: ((رجال)).
(٢) بعده فى النسخ: ((أدركهم))، والمثبت كما فى مصادر التخريج .
(٣ - ٣) سقط من: ص ٤.
(٤) ابن أبى شيبة ٣٣٩/١٢، ٣٤٠. وأخرجه أبو داود (٣٠١٢)، والبيهقى ٣١٧/٦ من
طريق ابن فضيل به .
٥١٢
،
الموطأ
حدَّثنا محمدُ بنُ مسكينِ اليماميُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حسَانَ ، حدَّثنا التمهيد
سليمانُ بنُ بلالٍ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ ، أنَّ رسولَ اللهِ
وَزِّ لما أفاءَ اللهُ عليه خيبرَ، قسمها ستَّةً وثلاثينَ سهمًا جمْعُ ؛ للمسلمينَ
الشَّطرُ، ثمانيةَ عشرَ سهمًا جمعُ(١)، كلُّ سهمٍ مائةُ سهمٍ، والنبىُّ وَّلـ
معهم كسهم أحدِهم، وعزَل رسولُ اللهِ وَلِّ ثمانيةَ عشرَ سهمًا، وهو
الشَّطرُ، لنوائبِه وما ينزِلُ مِن أمرِ المسلمينَ(٣)، فكان ذلك الوَطيحَ،
والكُتيبَةَ، والسُّلالِمَ وتوابعها، فلمَّا صارتِ الأموالُ بيدِ النبيِّ وَلِّ لم يكنْ
لهم عمَّالٌ يكفونَهم عملَها، فدعا رسولُ اللهِ وَلِّ اليهودَ فعامَلهم (١).
وهذا الحديثُ أهذبُ ما روِىَ فى هذا البابِ "معنًى، وأحسنُه إسنادًا ،
وهو يوضّحُ ما ذكّرنا، وباللهِ توفيقُنا. وقد روِى هذا الحديثُ عن بُشيرٍ،
عن سهلِ بنِ أبى حثمةً. رَواه وكيع، عن الثورىِّ، عن یحیی بنِ سعیدٍ ،
عن بُشيرٍ، عن سهلٍ مختصرًا) .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبيدُ
القبس
(١) فى ص ٤: ((مع))، وفى مصدر التخريج: ((يجمع)).
(٢) فى م: ((الناس)).
(٣) أبو داود (٣٠١٤).
(٤ - ٤) سقط من: ص ٤.
والحديث أخرجه أبو داود (٣٠١٠)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٥١/٣، والطبرانى
(٥٦٣٤)، والبيهقى ٣١٧/٦ من طريق الثورى به .
٥١٣
(موسوعة شروح الموطأ ٣٣/١٧)
- الموطأ
التمهيد ابنُ عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أَيُّوبَ، قال: حدّثنا
إبراهیمُ بنُ سعدٍ ، عن ابن إسحاق ، قال : حدّثنی عبدُ اللهِ بنُ أبی بکرٍ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ مِكْتَفٍ(١) أحدٍ بَنى حارثةَ، قال: لما أُخرَج عمرُ يهود خيبرَ،
ركِب فى المهاجرين والأنصارِ، وخرج معه بجبَّارِ بنِ صخرِ بنِ أَميَّةَ بنِ
كعب، وكان خارصَ المدينةِ وحاسبَهم، يزيدَ بنِ ثابتٍ، فهما قسَما
خيبرَ على أهلِها على أصلٍ جماعةِ السُّهمانِ التى كانت عليها (١) .
وقال إسماعيلُ: وأمَّا قولُ أبى عبيدٍ أَنَّه يجوزُ للإمامِ أنْ يقسِمَ ما افتتحَ
عنوةً كما قسِمَتْ خيبر، ويجوزُ ألّا يقسم ذلك، ويفعَلُ فيه كما فعل عمر
فى أرضٍ السوادِ ، فهذا(٤) كلامُ مَن لا يحصِّلُ ما يقولُ؛ لأنَّ الذى يحصِّلُ
كلامَه لا يقولُ فى رجلٍ مِلَّكَه اللهُ شيئًا: إنَّ للإمامِ إن شاء أعطاه، وإن شاء
منَعه. هذا ما لا يجوزُ عندَ ذى نظرٍ ولا فهمٍ .
قال أبو عمرُ: أراد إسماعيلُ بقوله هذا أنَّ الأرضَ ليس للغانمين فيها
شىءٌ؛ لأَنَّه لو كان لهم فيها شىءٌ ما أعطَى رسولُ اللهِ وَِّ ذلك الشيء أو
بعضَه لغيرِهم، ولَما مُنِعوه، والذى ذهَب إليه إسماعيلُ تخصيصُ آيةٍ
القبس
(١) فى م: ((مكتف)). وينظر تهذيب الكمال ١٧٦/١٦.
(٢) فى النسخ: ((زيد)). والمثبت من مصادر التخريج .
(٣) ابن إسحاق (٣٥٧/٢ - سيرة ابن هشام) - ومن طريقه ابن شبة فى تاريخ المدينة ١٨٥/١،
والبيهقى ١٣٢/١٠.
(٤) فى م: ((فهو)).
٥١٤
الموطأ
التمهید
((الأنفالِ)) فى قولِه: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَمُ﴾
الآية [الأنفال: ٤١]. وأنَّ هذا لفظُ عموم بقولِه: ﴿مِن شَىْءٍ﴾. يرادُ() به
الخصوصُ، والمرادُ بذلك عندَه الذَّهبُ والفضَّةُ وسائرُ الأمتعةِ
والسبى(١) ، وأمَّا الأرضُ فغيرُ داخلةٍ فى عموم هذا اللفظِ . واستدلَّ على
ما ذهَب إليه مِن ذلك بأشياءَ؛ منها، ظاهرُ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿مَّا أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى
رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ﴾. إلى
قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٧ - ١٠]. ومنها فعلٌ
عمرَ بنِ الخطابِ فى توقيفِه أرضَ السوادِ . ومنها ، أنَّ الغنائمَ التى أُحِلَّت
للمسلمين هى التى كانت محرّمةً على الأمم قبلَهم ، وهى التى كانتٍ النارُ
تأكُّلُها. قال: ولم تختلفِ الرّوايةُ فى أَنَّ هارونَ عليه السَّلامُ أمَر بَنِى
إسرائيلَ أَنْ يَحرِقوا ما كان بأيديهم مِن متاعٍ فرعونَ، فجمَعوه وأحرقوه،
وألقَى السَّامرىُّ فيه القبضةَ التى كانت بيدِه مِن أثرِ الرسولِ ، يقالُ : مِن أثرِ
جبريل عليه السلامُ، فصارت عِجلًا له خوارٌ. ومعلوم أنَّ الأرضَ لم تجرِ
هذا المجرَى؛ لأَنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ
يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾، الآية [الأعراف: ١٣٧]. وقال:
وَنَعْمَةٍ كَانُوا
(٢٦)
وَزُرُوعِ وَمَقَاءِ كَرِيمٍ
﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُونٍ
القبس
(١) فى م: (یرید)).
(٢) فى النسخ: ((السعى)). وينظر تفسير القرطبى ٤/٨.
٥١٥
الموطأ
كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]. وهذا
التمهيد فِيهَا فَكِهِينَ
الذى ذهَب إليه إسماعيلُ واحتجَّ له هو مذهبُ مالكٍ وأصحابِهِ، وهو
الصَّحيحُ فى هذا البابِ إن شاء اللهُ؛ لأنَّ عمرَ بنَ الخطَّبِ لم يقسِمْ أرضَ
السوادٍ(١) ومصرَ والشَّامِ، وجعَلها مادَّةً للمسلمينَ ولمن يجىءُ بعدَ
الغائمين. واحتجّ بالآية التى فى سورةِ «الحشرِ)) التى احتجّ بها إسماعيلُ،
ولا أعلمُ أحدًا مِن الصَّحابةِ رُوى عنه بعدَ عمرَ إنكارٌ لفعلٍ عمرَ.
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا أبو علىَّ محمدُ بنُ القاسمِ بنِ
معروفٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ علىّ بنِ المثنَّى ، حدّثنا أحمدُ بنُ سنانٍ ،
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٌّ، حدَّثنا مالكٌ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن أبيه،
عن عمرَ بنِ الخطّابِ ، قال: لولا آخرُ الناسِ ما فتِحَت قريةٌ إلَّا قسَمتُها كما
قسم رسولُ اللهِ وَلِّ خيبرَ(٢).
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدّثنا أبو داودَ ،
حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، حدَّثنا عبدُ الرحمن ، عن ١ مالك، عن زيد بنِ
القبس
(١) السواد : رستاق من رساتيق العراق وضياعها التى افتتحها المسلمون على عهد عمر رضى الله
عنه، سمى سوادًا لخضرته بالنخل والزرع. مراصد الاطلاع ٢/ ٧٥٠.
(٢) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (١٤٣)، والبخارى (٢٣٣٤، ٣١٢٥، ٤٢٣٦)، والبزار
(٢٧٦)، وابن الجارود (١٠٩٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به.
(٣) فى النسخ: ((بن)). والمثبت من مصادر التخريج .
٥١٦
الموطأ
أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ، قال: لولا آخرُ المسلمين ما فتَحَت قريةٌ إلّ التمهيد
وقسَمتُها كما قسَم رسولُ اللهِ وَّهِ خيبرَ(١).
و کذلك رواہ عبدُ اللهِ بنُ إدریسَ ، عن مالك ، عن زيد ، عن أبيه ، عن
عمر ) . کما رواه ابنُ مهدئٍّ. وغیرُهما يُرسِلُه عن مالك ، عن زيد ، عن
عمر .
وممَّا يصحّحُ هذا المذهَبَ أيضًا، ما رَواه أبو هريرةً عن النبيِّ وَ الإِ أَنَّهِ
قال: ((منَعت العراقُ قَفيزَها(١) ودرهمَها)) الحديث. بمعنى: ستمنّعُ .
فدَلَّ ذلك على أنَّها لا تكونُ للغانمينَ؛ لأنَّ ما ملكه الغانِمون لا يكونُ فیه
قَفیز ولا درهم ، ولو كانتٍ الأرضُ تقسمُ کما تقسمُ الأموال ، ما بَقِی لمن
جاء بعدَ الغانِمين شىءٌ، والله تعالى يقولُ: ﴿وَأَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ
بَعْدِهِمْ﴾. وذلك دليلٌ على أنَّ الأرضَ لا تُقسمُ، وإنَّما يُقسَمُ ما يُنقَلُ مِن
موضعٍ إلى موضعٍ .
قال إسماعيلُ: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ ، قال: حدَّثنا أبو معاويةً ،
القبس
(١) أبو داود (٣٠٢٠) - ومن طريقه الخطيب فى تاريخه ٨/١، وأحمد ٣٨١/١ (٢٨٤) -
ومن طريقه البيهقى ٩/ ١٣٨.
(٢) أخرجه يحيى بن آدم فى الخراج (١٠٧)، وابن أبى شيبة ٣٤١/١٢، ٤٧٠/١٤ عن ابن
إدريس به .
(٣) القفيز: مكيال كان يكال به قديمًا، ويختلف مقداره فى البلاد، ويعادل بالتقدير المصرى
الحديث نحو ستة عشر كيلو جرام. الوسيط (ق ف ز).
٥١٧
الموطأ
((لم تحلَّ الغنائمُ لقومٍ سودِ الرُّءوسِ قبلَكم، كانت تنزلُ نارٌ مِن السماءِ
فتأكُلُها))(١). وذكّر تمامَ الخبرِ.
التمهيد عن الأعمشِ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةً، قال: قال رسولُ اللهِ وَله :
حدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ ، حدَّثنا محمدٌ ، حدَّثنا
أبو بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى
هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لم تحلّ الغنائمُ لقومٍ سودِ الرُّءوسِ
قبلَكم، كانت تنزِلُ نارٌ مِن السماءِ فتأكلُها))(٢) .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ،
حدَّثنا أحمدُ بنُّ يونسَ، حدَّثنا زهيرٌ، يعنى ابنَ معاويةً، قال : أخبرنى
سهيلُ بنُ أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِتٍ:
((منَّعت العراقُ قَفيزَها ودرهمَها، ومنَعت الشامُ مُدْيَهاً) ودينارَها،
ومنَعتْ مصرُ إردبَّها(*) ودينارَها، ثم عدْتُم من حيث بدَأْتُم)). شهِد على
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٠٣/١٢، ٤٠٤ (٧٤٣٣)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٠٩)، وابن
الجارود (١٠٧١) من طريق أبى معاوية به، وأخرجه الترمذى (٣٠٨٥)، وابن جرير فى
تفسيره ٢٧٨/١١، وابن حبان (٤٨٠٦) من طريق الأعمش به.
(٢) ابن أبى شيبة ٣٨٧/١٤، ٣٨٨.
(٣) المُدى: مكيال لأهل الشام يسع خمسة عشر مكوكًا، والمكوك: صاع ونصف. وقيل:
أکثر من ذلك. النهاية ٤/ ٣١٠.
(٤) الإردب: مكيال لأهل مصر يسع أربعة وعشرين صاعًا، والهمزة فيه زائدة . النهاية ٣٧/١.
٥١٨
الموطأ
التمهید
ذلك لحم أبى هريرةَ ودمُه(١).
قال أبو جعفر الطحاوىُّ: ((منَعتْ)) بمعنى: ستمنعُ. واحتجّ بهذا
الحديثِ لمذهبٍ عمرَ فى إيقافٍ الأرضِ وضربِ الخراج عليها، على
مذهبٍ الكوفيِّينَ. وكان الثورىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه، يذهبون إلى أنَّ
الإمامَ بالخيارِ؛ إن شاء قسَمها وأهلَها بينَ الغانِمين، وإن شاء أقرَّ أهلَها
عليها، وجعَل عليها وعليهم الخراجَ، وتكونُ الأرضُ ملْكًا لهم، يجوزُ
بيعُهم لها وشراؤُهم. وقال الشافعىُّ: ما كان عنوةً، فخُمُسُها لأهلِها،
وأربعةُ أخماسِها للغائِمِين، فمَن طاب نفسًا عن حقِّه، جاز لإمامِه أنْ
يجعلَها وقفًا على المسلمين، ومَن لم تطِبْ نفسُه بذلك، فهو أحقُّ بمالِه .
وكان الشافعىُّ يذهَبُ إلى أنَّ "خُمُسَ أرضٍ) العنوةِ غيرُ مملوكةٍ ، ولا
يجوزُ بيعُها ولا رِهنُها . وهو قولُ ابنِ شُبرمةَ، وعبيدِ اللهِ بنِ الحسنِ، وقولُ
مالك بن أنسٍ أيضًا فى جملةٍ أرضٍ العنوة ، على ما ذكّرنا مِن أقوالهم فى
قسمتِها أو توقيفها. فإذا قُسِمَتْ ، ملَك كلِّ نصيبه(٢) ، فى قولٍ مَن أجاز
قِسْمتَها ، فإِنْ وقِفتْ على الوجوهِ التى ذكرنا عن طيب نفسٍ مِن الغانِمِين،
القبس
(١) أبو داود (٣٠٣٥). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٢٠/٢ من طريق أحمد بن يونس
به، وأخرجه أحمد ١٢/١٣ (٧٥٦٥)، ومسلم (٢٨٩٦)، والبيهقى ١٣٧/٩ من طريق زهير
به .
(٢ - ٢) فى م: ((الأرض)).
(٣) فى ص ٤: ((نصيب كل نصيب)).
٥١٩
الموطأ
التمهيد أو على مذهبٍ عمر، فی قول مالك وغيره ، فھی غيرُ مملو کةٍ . وذهب أبو
حنيفةً، والثورىُّ، وابنُ أبى ليلى، إلى أنها مملوكةٌ لأهلها الذينَ أَقِرَّتْ فى
أيديهم، على ما ذكرنا عنهم. وأجاز مالكٌ بيعَ أرضِ الصُّلحِ ورهنَها ،
وجعَلَها ملكًا لأهلها الذين صالحوا عليها ، قال: ومَن أسلَمَ منهم كان أحقّ
بأرضِه ومالِه. قال: ومَن أَسلَمَ مِن أرضٍ (١) العنوةِ أحرزَ نفْسَه، وصارت
أرضُه للمسلمين؛ لأنَّ بلادَهم صارت فيئًا للمسلمينَ، وحكمُ الأرضِ
عندَهم حكمُ الفىءٍ. وقال الشافعىُّ: كلَّ ما حصَل مِن الغنائم مِن أهلِ دارٍ
الحربِ مِن شىءٍ، قلَّ أو كثُرَ؛ مِن دارٍ أو أرضٍ أو متاعٍ أو غيرِ ذلكَ، قَسِمَ،
إِلَّ الرِّجالُ البالغونَ، فإِنَّ الإمامَ فيهم مخيَرٌ بينَ أَنْ يمُنَّ أو يقتلَ أو يفادِىَ أو
يسبىّ. وسبيلُ ما سُبىَ منهم، أو أُخِذَ مِن شىءٍ على إطلاقِهم، سبيلُ
الغنيمةِ . ومِن الحبّةِ لمن قال: تقسمُ الأرضُ كما تقسَمُ سائرُ الغنائم.
عمومُ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ الآية. والأرضُ
مغنومةٌ لا محالةً، كسائرِ الغنيمةِ، فوجَب أنْ تُقسمَ كما تقسَمُ الغنائمُ
كلُّها، وقد قسم رسولُ اللهِ وَ لِّ ما افتُتِح عنوةً مِن خيبرَ على قسمةٍ
الغنائمِ ؛ الأربعةُ الأخماس لأهلِ الحديبيةِ، وهم الذين وعدهم اللهُ بها ،
وشَهِدوا فتحَها. قالوا: وهذا أمرٌ(١) يُستغنَى فيه عن نقلِ الإسنادِ؛ لشهرتِه
القبس
(١) فى م: ((أهل)).
(٢) بعده فى ص ٤: ((لا)).
٥٢٠
.