Indexed OCR Text
Pages 221-240
الموطأ
لا أُبِيعُكَ. وقد كان أَوقَفَها للبيع، فإنَّه يَحلِفُ باللَّهِ ما ساوَمَه على التمهيد
الإيجابِ فى البيعِ، ولا على الؤُكُونِ(١)، و "إِنَّما ساوَمَه٢) وهو يريدُ غيرَ
الؤُكُونِ(١)، فإن حلَف كان القولُ قولَه، وإن لم يَحِلِفْ لَزِمه. قال أبو
جعفر الطحاوىُّ: ما ذكر ابنُ القاسم عن مالك بأنَّه ◌ُصَدَّقُ أنه لم ◌ُرِدْ به
عَقدَ بِيعِ فى الخِطابِ الذى ظاهِرُه البيعُ، فإِنَّا لم نعلَمْ أَحَدًا مِن أهلِ العلمِ
قاله غيرَه .
وجائزٌ الخيارُ عندَ مالكٍ وأصحابِه إلى غيرِ مُدَّةٍ معلومةٍ، إذا جَعَل
الخِيارَ بغيرِ مُدَّةٍ معلومَةٍ ، ويَجعَلُ السلطانُ له فى ذلك مِن الخيارِ ما يكونُ
فى مثْلٍ تلك السّلعَةِ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إذا جَعَل الخيارَ بغيرِ مُدَّةٍ
معلومةٍ ، فسَد البيعُ، كالأجلِ الفاسدِ سواءً، فإن أجازَه فى الثَّلاثِ ، جاز
عندَ أبى حنيفةً، وإن لم يُجِزْه حتى مضَتِ الثلاثُ، لم يكنْ له أن يُجيزّ .
وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ : له أن يَختارَ بعدَ الثلاثِ. وقياسُ قولِ الشافعىِّ
عندى فى هذه المسألةِ أن يكونَ البيعُ فاسدًا ، ولا يجوزُ وإن أجازَه فى
الثلاثِ . وقالت طائفةٌ ؛ منهم الحسنُ بنُّ حَىٍّ وغيرُه : جائزٌ اشترَاطُ الخيارِ
بغيرِ مُدَّةٍ ، ويكونُ الخيارُ أبدًا. وقال الطبرىُّ: إذا لم يَضْرِبْ للخيارِ وقتًا
القبس
(١) فى ظ: ((الإركان)).
(٢ - ٢) فى ظ: ((إنه ما ساومه إلا)).
٢٢١
الموطأ
التمهيد معلومًا ، کان البيئُ صحیحًا ، والقُّمَنُ حالًا ، و کان له الخيار فى الوقتِ ؛ إِن
شاءَ أمضَى، وإن شاء رَدَّ. وعندَ مالكِ، والشافعيِّ، وُبيدِ اللهِ بنِ
الحسنِ، يُورَثُ الخيارُ، ويقومُ وَرَثَةُ الذى له الخِيارُ مَقامَه إن مات فى أيامٍ
الخيارِ . وقال الثورىُّ وأبو حنيفةً : يَبطُلُ الخيارُ بموتٍ مَن له الخيارُ، ويِمُّ
البيعُ. وعندَ مالكِ، والليثِ بنِ سعدٍ، والأوزاعىِّ، هلاكُ المبيعِ فى أيامٍ (١)
الخيارِ مِن البائع منه مصيبتُه(٢) ، والمشترِى أمِينٌ. وهو قولُ ابنٍ أبى ليلى إذا
كان الخيارُ للبائع خاصَّةٌ . وقال الثورىُّ: إذا كان الخيارُ للمُشترِى فعليه
الثمَنُ. وقال أبو حنيفةً: إن كان الخيارُ للبائع فالمشترِى ضامِنٌ للقيمةِ ،
وإن كان الخيارُ للمُشترِى فعليه الثمَنُ، وقد تَمّ (١) البيئُ علی کلِّ حالٍ
بالهلاكِ . وحكَى الربيعُ مثلَ ذلك عن الشافعيّ . وقال الشافعُّ فیما حكى
المزَنىُ عنه: لأيُّهما كان الخيارُ، فالمشترِى ضامِنٌ للقيمَةِ إذا هَلَك فى يَدِه
بعدَ (٤) قَبضِه له. وهذا كلُّه على أُصولِهم(٥) فى هلاكِ المَبيعِ بعدَ القبضِ عندَ
المشترِى، على ما تَقَدَّم(١) عنهم ذِكرُه فى البابِ قبلَ هذا، فهذه أُمَّهاتُ
القبس
(١) فى ى: ((أمد)).
(٢) فى م: ((مصيبة)).
(٣) فى ى: ((وقع)).
(٤) فى ى: ((قبل)).
(٥) فى الأصل: (أقوالهم)).
(٦) فى ظ، ى: ((قدمنا)).
٠٠
٢٢٢
١٤٠٥ - مالك، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يُحدِّثُ أن الموطأ
رسولَ اللهِ وَّه قال: ((أَيُّما بَيْعَينِ تَبَايَعا، فالقولُ ما قال البائعُ، أو
يَتَرادَّانِ » .
مسائلِ الخيارِ وأُصُولُه، وأمَّا الفُروعُ فى ذلك، فلا تكادُ تُحصَى، وليس التمهيد
فى مثلِ كتابِنا تُتَقَصَّى .
مالكٌ، أنه بلَغه أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يحدِّثُ أن رسولَ اللهِ وَ له
قال: (أَيُّما بَيْعَينِ تَبَايَعا، فالقولُ قولُ البائعِ، أو يَتَرادَانِ))(١) .
هكذا قال مالكٌ فى هذا الحديثِ: ((أَيُّما بَيْعَينِ تَبَايَعا)). ولم يَقُلْ:
فاختَلَفا. وهى لفظةٌ مدارُ الحديثِ عليها، ومِن أجلِها ورَد(١)، وسقطت
لمالكِ كما تَرَى، وفى قولِه فيه: ((فالقولُ قولُ البائعِ)). دليلٌ على
اختلافِهما . واللهُ أعلمُ .
وهذا الحديثُ محفوظٌ عن ابن مسعودٍ كما قال مالكٌ، وهو عندَ
جماعةِ العلماءِ أصلٌ تَلَقَّوه بالقَبولِ، وبنَوا عليه كثيرًا مِن فروعِه، واشتهر
عندَهم بالحجازِ والعراقِ شُهْرةً يُسْتغنَى بها عن الإسنادٍ، كما اشتَهر
القیس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٨٦)، وبرواية يحيى بن بكير (٥/١٠ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٦٦٥).
(٢) بعده فى الأصل: ((الحديث)).
٢٢٣
الموطأ
التمهيد عندَهم قولُه عليه السلامُ: ((لا وصيةَ لوارثٍ))(١) . ومثلُ هذا مِن الآثارِ التى
قد اشتَهرت عندَ جماعةِ العلماءِ واستفاضتْ، يكادُ يُشْتغنَى فيها عن
الإسنادٍ ؛ لأن استفاضتَها وشُهْرتَها عندهم أقوى مِن الإسنادِ .
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: حدثَنا الميمونُ بنُّ حمزةَ
الحسينىُّ، قال: حدثَنا الطَّحاوِىُّ، قال: حدثنا المزنىُ، قال: حدثنا
الشافعىُّ ، أخبرنا سفيانُ بنُ عُيينةً، عن محمدٍ بنِ عَجلانَ ، عن عونٍ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن ابن مسعودٍ، أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((إذا اختلف
البَّعانِ، فالقولُ ماقال البائعُ، والمبتاعُ بالخيارِ))(٢). وهذا مرسلٌ؛ لأن
عونًا لم یسمَغْ مِن ابنٍ مسعودٍ .
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا : حدثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدثنا ابنُ وضَّاحِ، قال: حدثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال :
حدثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ ويحيى بنُ سعيدٍ ، عن ابنِ عَجلانَ، عن عونٍ بنِ
عبدِ اللهِ، عن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إذا اختلف
البِّعانِ، فالقولُ ما قال البائعُ، والمبتائحُ بالخيارِ))(٢).
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديثين (١٥٢٦، ١٥٣١) من الموطأ . وينظر ما تقدم فى ٤٤٦/١٢، ٤٤٧.
(٢) الشافعى فى السنن المأثورة (٢٤٤) وأخرجه البيهقى ٣٣٢/٥ من طريق المزنى به.
(٣) ابن أبى شيبة ٢٢٧/٦ (٨٩٦) - ومن طريقه البيهقى ٣٣٢/٥ - وأخرجه أحمد ٤٤٤/٧
(٤٤٤٤) عن يحيى بن سعيد به، وأخرجه الترمذى (١٢٧٠)، والبغوى فى شرح السنة
(٢١٢٣) من طريق سفيان به .
٢٢٤
الموطأ
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ بكرِ التمهيد
ابنِ داسةً ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا محمدُ بنُ یحیی بنِ فارسٍ ،
قال: حدَّثَنَا عمرُ(١) بنُ حفصِ بنِ غِيَاثٍ، قال: حدَّثَنى أبى، عن
الأعمش، قال : أخبرنی عبدُ الرحمنِ بنُ قیسٍ بن محمد بن الأشعث ، عن
أبيه، عن جدِّه، قال: اشترى الأشعثُ رقيقًا من رقيقِ الخمُسِ من عبدِ اللهِ
بعشرين ألفًا، فأرسَل عبدُ اللهِ إليه فى ثمنِهم، فقال: إنما أخَذتُهم بعشَرةٍ
آلافٍ. فقال عبدُ اللهِ : فاختَرْ رجلاً يكونُ بينى وبينَك. قال الأشعثُ :
أنت بينى وبينَ نفسِك. قال عبدُ اللهِ: فإنى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِ يقولُ:
((إذا اختلف البَيِّعانِ وليس بينَهما بَيْنَةٌ، فهو ما يقولُ رَبُّ السّلْعةِ أو
يَتَتَارَ کانٍ»(٢).
هکذا فی کتابی فی «مصنف أبی داود» ، وذكره ابنُ الجارودِ () ، عن
محمد بنٍ یحیی ، عن عمر بن حفصٍ بن غِیاثٍ، عن أبيه، عن أبى
العُمیس ، عن عبد الرحمنِ بنِ قیسٍ بن محمد بن الأشعثِ ، عن أبيه ، عن
جدِّه، مثلَه سواءٌ .
القبس
(١) فى ف: ((محمد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٠٤/٢١.
(٢) أخرجه البغوى فى شرح السنة (٢١٢٢) من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٥١١).
وأخرجه النسائى (٤٦٦٢)، والدارقطنى ٢٠/٣، والحاكم ٤٥/٢، والبيهقى ٣٣٢/٥ من طريق عمر بن
حفص به، وفى هذه المصادر: ((أبو العميس)). بدلًا من: ((الأعمش)). وينظر تعليق المصنف الآتى.
(٣) ابن الجارود (٦٢٥).
٢٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٥/١٧ )
الموطأ
التمهيد
ولأبى العُمَيسِ يُعرفُ هذا الحديثُ عن عبد الرحمنِ هذا، لا عن
الأعمشِ ، وعبدُ الرحمنِ هذا غيرُ معروفٍ بحملِ العلمِ ، وهذا الإسنادُ ليس
بِحَّةٍ عندَ أهلِ العلم، ولكنَّ هذا الحديثَ عندَهم مشهورٌ ومعلومٌ . واللهُ
أعلمُ .
وحدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثَنَا
أبو داودَ ، قال: حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ النُّفَيْلُّ، قال: حدَّثَنَا هشيمٌ،
أخبرنا ابنُ أبي ليلى، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنٍ، عن أبيه (١) ، أن ابنَ
مسعودٍ باع مِن الأشعثِ بنِ قيسٍ رقيقًا. فذكَر معناه، والكلامُ یزیدُ
(٢)
وينقُصُ(٢).
هكذا(٢) رواه ابنُ أبي ليلى، وعمرُ بنُ قيسٍ الماصِرُ، عن القاسمِ بنِ
عبد الرحمنِ ، عن أبيه ، وعمرُ بنُ قيسِ الماصِرُ هذا كوفیٌّ ثقةٌ روى عنه ابنُ
عونٍ وغيره .
ذكَر العُقَيلىُّ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ إدريسَ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ
القبس
(١) فى ف: ((إنسان)).
(٢) أخرجه البيهقى ٣٣٣/٥ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٥١٢). وأخرجه
الدارمى (٢٥٩١)، وابن ماجه (٢١٨٦) من طريق هشيم به، وينظر علل الدارقطنى ٢٠٤/٥.
(٣) بعده فى ف، ر١: ((قال وإنما هو عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود عن
النبى مَر كذلك)).
٢٢٦
الموطأ
سعيدِ بنٍ سابقٍ، عن عمرٍو بنٍ أبى قيسٍ، عن عمرَ بنٍ قيسٍ الماصرِ ، عن التمهيد
القاسم بن عبد الرحمنِ، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعودٍ ، قال : قال
رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((إذا تَبايَع المتبايعان يَبْعًا ليس بينَهما شُهُودٌ ، فالقولُ ما
قال البائعُ، أو يَتَرادَّانِ البيع))(١) .
حدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدّثنا بکرُ بنُ حمادٍ ، قال : حدثنا مُسَدَّدٌ ، قال : حدثنا حمادٌ ، عن أبانِ بنِ
تَغْلِبَ ، عن القاسم بنِ عبدِ الرحمنِ ، أن الأشعثَ اشتَری مِن عبدِ اللهِ رقيقًا
مِن رقيقِ الإمارةِ ، فأتاه فتقاضَاه، فاختَلفا فى الثمنِ، فقال له عبدُ اللهِ :
أترضَى أن أقضِىَ بينى وبينَك بقضاءِ رسولِ اللَّهِ وَلَ؟ قال: ((إذا اختلف
البَيِّعانِ ، فالقولُ ما قال البائعُ، أو يَتَرَادَّانٍ))(١).
ورواه حَجَّاجٌ، عن ابنٍ جريج، قال : أخبرنى إسماعيلُ بنُ أميةَ ، عن
عبدِالملكِ بنِ عبيدةً(١) ، قال: حضَرْنا أبا عبيدةَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ .
فذكّر عن أبيه، عن النبيِّ وَ لِّ معناه(٤).
القبس
(١) أخرجه ابن الجارود (٦٢٤)، والدارقطنى ٢٠/٣ من طريق محمد بن سعيد به، وأخرجه
البزار (١٩٩٥) من طريق عمرو بن أبی قیس به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٤٤٨٢) من طريق مسدد به، وأخرجه أبو يعلى
(٥٤٠٥)، والطحاوى فى شرح المشكل (٤٤٨٢) من طريق حماد بن زيد به.
(٣) فى ف: ((عبيد)). وهو مما قيل فى اسمه. ينظر تهذيب الكمال ٣٦٣/١٨.
(٤) أخرجه النسائى (٤٦٦٣)، والدارقطنى ١٨/٣، ١٩ من طريق حجاج به.
٢٢٧
الموطأ
: التمهيد
قال أبو عمرَ: هذا الحديثُ وإن كان فى إسنادِه مقالٌ مِن جهةٍ
الانقطاع مَرَّةً، وضعفِ بعضِ نَقَلتِه أخرى، فإن شهرتَه عندَ العلماءِ
بالحجاز والعراقِ یکفی ویُغنِی .
وأما اختلافُ الفقهاءِ فى هذا الباب ؛ فقال ابنُ أبی لیلی، والثورىُّ ،
وأبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأصحابُهما، وأحمدُ، وإسحاقُ : إذا اختلف
المتبايعانِ فى الثمنِ والسلعةُ قائمةٌ، تحالَفا وتَرادًا البيعَ، وبُدِئ البائعُ
باليمينٍ، ثم قيل للمشترى : إما أن تأخُذَ بما حلَف عليه البائعُ، وإما أن
تحلِفَ على دَعْواك وتَبْرَأَ . فإِن حلَفا جميعًا رُدَّ البيعُ أيضًا ، وإن نگلا جمیعًا
رُدَّ البيعُ، وإن حلَف أحدُهما ونكَل الآخرُ، كان البيعُ لمن حلَف، وسواءٌ
عندَ هؤلاءِ كلِّهم كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع أو بيدِ المشترى بعدَ أن
تكونَ قائمةً . وكذلك روَى ابنُّ القاسم، عن مالكِ ، أن السلعةَ إذا كانت
قائمةً بید البائع أو بيد المشتری تحالفا وتَرادًا على حسبٍ ما ذكّرنا عن
هؤلاء سواءٌ . وروَى ابنُّ وهبٍ ، عن مالك ، أن السلعةَ إذا بان بها المشترى
إلى نفسِه لم يَتْحالَفا ، وكان القولُ قولَ المشترى مع يمينه ، وإنما يتحالفان
إذا كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع . هذه روايةُ ابنٍ وهبٍ ، عن مالك . وقال
سُخنونٌ : روايةُ ابنِ وهِبٍ ، عن مالكِ، هو قولُ مالكِ الأُولُ، وعليه اجتمع
الرواةُ ، وقولُ مالكِ الذى رواه ابنُّ القاسم وأخَذ به هو آخِرُ قولِ مالكٍ .
القبس
٢٢٨
الموطأ
واختلفوا ، والمسألةُ بحالِها ، إذا فاتَت السلعةُ بيدِ المشترى وهلَكت ، التمهيد
ولم تكنْ قائمةً؛ فقال مالكٌ وأصحابُه كلُّهم حاشا أشهبَ : القولُ قولُ
المشترى مع يمينه ولا يَتحالَفان. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ،
والثورىٌّ، والحسنِ بنِ حىٍّ، والليثِ بنِ سعدٍ . وقال الشافعىُّ ومحمدُ بنُ
الحسنِ، وهو قولُ أشهبَ صاحبٍ مالك: إنهما يتحالَفان ويتفاسخان ،
وَيَرُدُّ المشترى القيمةَ. وهو قولُ عبيدِ اللهِ بنِ الحسنِ العَثْرِىِّ قاضى
البصرةِ . وقال زُفَرُ: إن اتَّفَقا فى هذه المسألةِ ، أن الثمنَ كان مِن جنسٍ
واحدٍ، كان القولُ قولَ المشترِى ، وإن اختلفا فى جنسِه، تحالفا وتَرادًا
قيمةً البيعِ. وقولُ الشافعىِّ سواءٌ كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائعِ أو بيدِ
المشترى، أو هلكت عندَ البائع، أو عندَ المشترِى، هما أبدًا ، إذا اختلفا
فى الثمنِ، يَتْحالَفان ويَترادَّان السّلعةَ إِن كانت قائمةً ، أو قيمتها إن كانت
فائتةً. وقال أبو ثورٍ فى اختلافِ المتبايعين فى الثمنٍ: القولُ أبدًا قولُ
المشترِى، وسواءٌ كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع، أو بيدِ المشترِى، أو
فاتَتِ عندَ البائع أو عندَ المشترى، القولُ أبدًا فى ذلك كلِّه قولُ المشترى
مع يمينِه . وضعَّف أبو ثورٍ الحديثَ فى هذا البابِ، ولم يوجِبْ به محُكّمًا،
ولكلّ واحدٍ منهم محجَجٌ مِن جهةِ النظرِ تكادُ تتوازَى . وأما أبوثورٍ فلم يَقُلْ
بشىءٍ مِن معنى حديثٍ هذا البابِ ، وشَذَّ فى ذلك إلى قياسٍ يعارِضُه قياس
مثلُه لخَصْمِه. والله المستعانُ. فمِن حُجَّةٍ أبى ثورٍ أن البائعَ مُقِرٍّ بزَوالِ
القبس
٢٢٩
الموطأ
التمهيد مِلْكِه عن السلعةِ، مُصَدِّقٌ للمشترى فى زوالِها عن مِلْكِه، وهو مُدَّع عليه
مِن الثمنِ ما لا يُقِرُّ له به المشترى، ولا بينةً معه، فصار القولُ قولَ
المشتری مع یمینه علی کلِ حالٍ .
وروى ابنُ سماعةً ، عن أبی یوسف ، قال : قال أبو حنيفةً : القياسُ فى
المتبايِعَين إذا اختلفا ، فادَّعى البائعُ ألفًا وخمسمائةٍ ، وادَّعى المشترى ألفًا ،
أن يكونَ القولُ قولَ المشترى، ولا يتحالَفان ولا يَترادَّان؛ لأنهما قد أجمَعا
على مِلْكِ المشترى السلعةَ المبيعةَ ، واختَلفا فى ملكِ البائع على المشترى
مِن الثمنِ ما لا يُقِرُّ به المشترى، فهما كرجلَين ادَّعى أحدُهما على الآخرِ
ألفَ درهم وخمسمائة درهم، وأقَرَّ هو بألفِ درهم، فالقولُ قولُه، إلا أنَّا
ترَكْنا القياسَ للأثَرِ فى حالٍ قيامِ السلعةِ، فإذا فاتَتِ السلعةُ عاد القياسُ.
قال أبو عمرَ: هذا القياسُ الذى ذكّره أبو حنيفةً ، امتثله كلُّ مَن ذهب
فى هذا البابِ مذهبَه مِن أصحابِهِ ومن المالكيِّين وغيرهم ، قال أبو محمدٍ
ابنُّ أبى زيدٍ : ظاهرُ قولِه فى الحديثِ: (أو يَترادَّانِ)). الإشارةُ إلى ردّ
الأعيانِ ، فإذا ذهبت الأعيانُ ، خرج من ظاهر الحديثِ ؛ لأن ما فات ییدٍ
المبتاع لا سبيل إلى ردِّه، وصار المبتاعُ مُقِرًّا بثمنٍ يُدَّعَى عليه أكثرُ منه،
فدخّل فى بابِ الحديثِ الآخرِ: ((البيّنةُ على المُدَّعِى، واليمينُ على
المُدَّعَى عليه))(١).
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الأثر (١٤٦٦)، وفى شرح الحديث (١٦٩٤) من الموطأ .
٢٣٠
الموطأ
قال أبو عمرَ: مِن حُجَّةِ الشافعيّ، وأشهَبَ ، وعبيدِ اللَّهِ بنِ الحسنِ ، التمهيدِ
ومَن ذهَب مذهبهم فى هذا البابِ ، وجعَل المتبايعَين إذا اختلفا فى الثمنِ
يتحالَفان ويَترادَّان أبدًا ، أنه يقولُ: إن البائعَ لم يُقِرَّ بِخُرُوج السلعةِ عن مِلْكِه
إلا بصفةٍ ما لا يُصدِّقُّه عليه المبتامعُ، وكذلك المشترى لم يُقِرَّ بانتقالٍ
المِلْكِ إليه إلا بصفةٍ ما لا يُصدِّقُه عليه البائعُ، والأصلُ أن السلعةَ للبائع،
فلا تخرجُ مِن مِلْكِه إلا بيقينٍ ؛ مِن إقرارٍ أو بينةٍ ، وإقرارُه مَنوطٌ بصفةٍ لا
سبيلَ إلى دفعِها؛ لعدمٍ بينةِ المشترِى بدَعواه، فحصَل كلَّ واحدٍ منهما
مُدَّع ومُدَّعَى عليه، وورَدت الشُنَّةُ بأن يبدأ البائعُ باليمينِ، وذلك، واللهُ
أعلمُ؛ لأن الأصلَ أن السلعةَ له، فلا يُعْطاها أحدٌ بدَغْواه ، فإذا حلَف ، خُر
المُجْتَاعُ فى أخذِها بما حلَف البائعُ عليه إن شاء، وإلا حلَف أنه ما ابتاع إلا
بما ذكّر، ثم يُفسخُ البيعُ بينَهما ، وبهذا المعنى ورَدت السُّنَّةُ مُجْمَلةً ، لم
تَخُصَّ كونَ السلعةِ بيدٍ واحدٍ دونَ آخرَ، ومعلومٌ أن التَّرَادَّ إذا وجب
بالتحالُفِ، والسلعةُ حاضرةٌ، وجَب بعدَ هلاكِها؛ لأن القيمةَ تقومُ
مقامها ، کما تقومُ فی کلّ ما فات مقامه ، ومَن ادَعی فی شیءٍمِن ذلك خصوصًا،
فقد ادّعى ما لا يقومُ مِن ظاهر الحديثِ ولا معناه . قالوا : وليس اختلافُ
المتبايعين من بابٍ: ((البينةُ على المُدَّعِى، واليمينُ على (١مَن أنكَر(١))).
القبس
(١ - ١) فى ف، ر١: ((المنكر)).
٢٣١
الموطأ
التمهید فی شیءٍ؛ لأن ذلك حكم ورَد به الشرُ فی مُدَّع لا يُدَّعَی علیه، وفى
مُدَّعَى عليه لا يَدَّعِى، وورَد الشرعُ فى المُدَّعِى المُدَّعَى عليه، والمُدَّعَى
عليه المُدَّعِى بغيرِ ذلك، وكلِّ أصلٌ فى نفسِه يجِبُ امتثالُه . ولكلٍّ واحدٍ
منهم حجج یطولُ ذکژُها ، ومَدائها على ما ذكرنا .
وقال ابنُ القاسم : إذا اختلف المتبايعان فى قِلَّةِ الثمنِ وكثرتِهِ ، والسلعةُ
بيدِ المبتاع لم تَفُتْ ولم تتغيَّرْ فى بَدَنٍ أو سُوقٍ ، أو لم يكنْ قبَضَها ، أُخْلِف
البائعُ أَوَّلًا، على ما ذكَر، أنه ما باعَها إلا بكذا، فإن حلَف، خُيّر المبتائعُ
فى أخذِها بذلك، أو يحلِفُ ما ابتاع إلا بكذا ثم يَرُدُّ ، إلا أن يرضَى قبلَ
الفسخ أخْذَها بما قال البائعُ. قال سُحْنُونٌ: بل بتمامِ التحالفِ ينفَسخُ
البيعُ . ورواه سُخْنونٌ ، عن شُريح، قال شُريح: إذا اختلف المتبايعان ، ولا
بينةً بينَهما ، أنهما إن حلَفا تَرادًا، وإن نكَلا تَرادًا، وإن حلَف أحدُهما
ونكّل الآخر، تُرِك البيعُ(١) . يُريدُ على قولِ الحالفِ . وروَى ابنُ المؤَازِ عن
ابنِ القاسمِ مثلَ قولِ شُريحٍ. وقال ابنُ حبيبٍ: إذا اختلفا(١) فُسِخ، وإن
نَكَلا كان القولُ قولَ البائع. وذكره عن مالكِ. وقال ابنُ القاسم: إن
قبَضها المبتاعُ، ثم فاتَت بيدِه بنَماءٍ، أو نُقْصانٍ، أو تَغْيُّرِ سوقٍ ، أو بَيْع، أو
القبس
(١) أخرجه سحنون فی المدونة ١٨٩/٤ عن و کیع، عن سفيان، عن هشام، عن ابن سیرین،
عن شريح. وهو فى أخبار القضاة لوكيع ٣٧٣/٢.
(٢) فى م: ((استحلفا)).
٢٣٢
الموطأ
كتابةٍ ، أو عِثْقٍ، أو هِبَةٍ ، أو هلاكٍ، أو تقطيعِ فى الثيابِ، فالقولُ قولُ التمهيد
المبتاعِ مع يمينه ، وكذلك لو كانت دارًا فبناها ، أو طالَ الزمانُ ، أو تغيّرت
المساکنُ. وأما الشافعُ ، فلیس یجعَلُ شيئًا مِن هذا کلِّه فوتًا فى معنی من
المعانى، وفى هذه المسألةِ عندَه يَتحالَفان إذا فاتَت السلعةُ وتقومُ القيمةُ
مقامَها . وهو قولُ أشهبَ . ومِن أصلِ مذهبٍ مالكٍ وأصحابِه فى هذه
المسألةِ ، أن مَن جاء منهما بما لا يُشْبِهُ، كان القولُ قولَ الآخرِ، وإنما
يحلِفُ مَن ادَّعى ما يُشبِهُ .
ولو اختلف المتبايعان فى الأجل، فقال البائع: حالٌّ. وقال
المشترى : إلى شهرٍ. فإن لم يتقابضا ، تحالفا وتَرادًا، وإن قبض المشترى
السلعةَ ، فالقولُ قولُه مع يمينِه على رواية ابنٍ وهبٍ. وروى ابنُ القاسم
أنهما يتحالَفان إن كانت السلعةُ قائمةً عندَ البائع أو عندَ المشترى، وإن
فاتَت فالقولُ قولُ المشترى مع يمينِه ، إلا أن يكونَ للناسِ مُرْفٌ وعادةً فى
تلك السلعةِ فى شرائِها بالنقدِ والأجلِ، فلا يكونُ لواحدٍ منهما قولٌ ،
ويُحمَلان على عُوْفِ الناسِ فى تلك السلعةِ، ويكونُ القولُ قولَ مَن ادَّعَى
العُوفَ. هذا كلَّ مذهبُ مالكِ والليثِ بنِ سعدٍ. وقال الشافعىُّ،
وعبيدُ اللهِ بنُّ الحسنِ: الاختلافُ فى الأجلِ كالاختلافِ فى الثمنِ،
والقولُ فى ذلك واحدٌ . وقال أبو حنيفةَ: إِذا قال البائعُ: هو حالٌّ. وقال
المشترى : إلى شهرٍ . فالقولُ قولُ البائعِ مع يمينِه ، وكذلك إذا قال البائعُ :
القبس
٢٣٣
الموطأ
قال مالكٌ فيمَن باع من رجلٍ سلعةً ، فقال البائعُ عندَ مُواجبةٍ البيعِ :
أبيعُكَ على أن أستشيرَ فلانًا ؛ فإن رضِى فقد جاز البيعُ، وإن کرِه فلا
بيعَ بينَنا . فيَتَبايعانِ على ذلك، ثمَّ يندَمُ المشترِى قبلَ أن يَستشيرَ
البائعُ : إن ذلك البيعَ لازمٌ لهما على ما وصَفا ، ولا خِيارَ للمبتاع، وهو
لازمّ له إن أحبَّ الذى اشترط له الخيارَ أن يُجیزَہ .
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى الرجلِ يَشترِى السلعةً من الرجلِ،
فيَختلفان فى الثمنِ، فيقولُ البائعُ: بِعتُكَها بعشَرةِ دنانِيرَ. ويقولُ
المبتاعُ : ابتعتُها منكَ بخمسةِ دنانيرَ . أنه يقالُ للبائع : إن شئتَ فأعْطِها
للمشترِى بما قال ، وإن شئتَ فاحلِفْ باللهِ ما بِعتَ سلعتَك إلا بما
التمهيد إلى شهرٍ. وقال المشترى : إلى شهرين. وهو قولُ الثورىِّ.
قال أبو عمر : فى هذه المسألةِ قول آخر غیژما ذكرنا عن هؤلاء، ذگره
المروزِىُّ، قال: قال بعضُ أصحابنا : إن كان المشترى هو المستهلِكَ
للسلعةِ، تحالَفا ورَدَّ القيمةَ، وإن كانت السلعةُ هَكَت مِن غيرِ فعلٍ
المشترى تحالَفا ، فإن حلَفا لم يكنْ على المشترى رَدُّ قيمةٍ ولا غيرِها ؛ لأنه
لم يكنْ مُتعدِّيًّا على السلعةِ ولا جانيًا، ولا يضمَنُ إلا جانٍ أو مُتَعَدٍّ . قال
المروزىُّ : وهذا القياسُ .
الاستذكار
قال مالكٌ فيمَن باع من رجلٍ سلعةٌ ، فقال البائعُ عندَ موَاجَبةِ البيع :
القبس
٢٣٤
قلتَ . فإن حلَف قيل للمشترى: إمّا أن تأخُذَ السلعةَ بما قال البائعُ، الموطأ
وإِمَّا أن تَحلِفَ باللهِ ما اشتريتَها إلا بما قلتَ . فإن حلَف برِئَ منها؛
وذلكَ أن كلَّ واحدٍ منهما مُدَّعٍ على صاحبِهِ .
أَبِيعُك على أن أستشيرَ فلانًا؛ فإن رضِى فقد جاز البيعُ، وإن كرِه فلا بيعَ الاستذكار
بينَنا . فيتبايَعان على ذلك، ثم يندَمُ المُشترِى قبلَ أن يستشيرَ البائعُ: إن
ذلك البيعَ لازِمٌ لهما على ما وصَفا، ولا خيارَ للمُبتاع، وهو لازِمٌ له إن
أَحَبَّ الذى اشترطَ له الخيارَ أن يُجيزَه.
قال أبو عمرَ: سواءٌ عندَ مالكِ البائعُ والمُشترِى فى اشتراطِ خيارِ(١)
المُستشارِ، إذا رضِى المستشارُ الذى اشتُرِط رضاه، فالبيتُ لازمٌ،
وليس للبائع ولا للمُشترِى الخيارُ، والخيارُ لفلانٍ الذى اشترط
رِضاه. وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه، يجوزُ عندَه شرطُ الخيارِ
لغيرِ العاقِدِ، فإن أمضَى البيعَ جاز، وإن نقَضه انتقضَ، فإن رضِيه
المُشترِى وقال الذى له الخيارُ: لا أُرضَى . فالقولُ قولُ المُشترِى،
ولو رضِى الذى له الخيارُ وأراد المُشترِى ردَّه لم يكنْ ذلك
للمُشترى).
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((البيع)).
(٢ - ٢) سقط من: ح.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((وإن أراد المشترى رده ولم))، وفى م: ((وإن أراد المشترى رده لم)).
٢٣٥
الموطأ
وعن الشافعيّ روايتان إحداهما أنه لا يجوزُ اشتراطُ الخيارِ لغيرِ العاقدِ
الاستذ کار
إلا أن يجعلَه وكيلاً. والأخرى، كقولٍ مالكٍ؛ أن مَن باع واشترَط رضا
غيرِهِ فالرِّضا للغيرِ، وإن قال: على أن أستأمرَ فلانًا. لم يَرُدَّ إلا أن يقولَ:
استأمرتُه فأمَرنی بالرّدٌّ .
وقال أبو ثورٍ: إن اختار المُشترِى الرَّدَّ والذى له الخيارُ الإمساكَ ،
فالقولُ قولُ الذى اشترط خيارَه . والمُشترِى والبائعُ فى ذلك عندَهم كلِّهم
سواءٌ .
واختلفوا فى الوكيلٍ يشترطُ الخيارَ للآمرِ؛ فقال مالكٌ: لا
يجوزُ رضا الوكيلِ إذا اشترطَ الخيارَ للموكّلِ حتى يرضَى
المُؤَكِّلُ.
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إذا اشترط الوكيلُ بالشراءِ الخيارَ للآمرِ
وادَّعى البائعُ أن الآمرَ قد رضِى، لم يُصَدَّقْ، ولا يمينَ على الوكيلِ
المُشترِى، وإن أقام بينةً قُبِلت ، ولو قال المُشترِى: قد رضِى الْآمِرُ. تمَّ
البيعُ، ولو قال الآمِرُ فى مدة الخيارِ: لم أرضَ. فالقولُ قولُه، ويلزَمُ البيعُ
الوكيلَ المُشترِىَ .
ويجىءُ على قول الشافعيّ ومذهبِه قولان فى هذه المسألةِ ؛ أحدُهما
كقول مالكٍ. والآخرُ، أن للوكيل أن يَرُدَّ إذا اشترط الخيارَ للآمرِ دونَ
القبس
٢٣٦
الموطأ
استثمارِ الآمِرِ؛ قياسًا على قوله: إن للوكيلِ أن يَؤُدَّ بالعيبِ دونَ الآمرِ. الاستذكار
واختلفوا فيما يجوزُ اشتراطُه مِن(١) المدةِ فى شرطِ الخيارِ؛ فقال
مالكٌ: يجوزُ اشتراطُ شهرٍ وأكثرَ. وروَى عنه أشهبُ : يشترِطُ ما شاء مِن
الخیارِ ما لم تَطُل جدًّا. وهو قولُ عبيد الله بن الحسن، وقال: «لا يُعچبنی
ــ ٢)
طول٣ُ) الخيارِ .
وقال ابنُّ القاسم وغيرُه عن مالكٍ: يجوزُ شرطُ الخيارِ فى بيع
الثوبِ اليومَ واليومينِ، وما أشبه ذلك"، وما كان أكثرَ مِن ذلك
فلا خيرَ فيه. وفى الجاريةِ يكونُ أَبعدَ مِن ذلك قليلًا؛ الخمسةً
الأيام والجمعةً ونحوَ ذلك. وفى الدابةِ اليومَ وما أشبهه،
يركبُها ("ليعرِفَ ويختَبِرَ)، ويستشيرَ فيها، وما بعُد مِن أَجَلِ الخيارِ
فلا خيرَ فيه. ولا فرقَ(٥) عندَ مالكِ بينَ شرطِ الخيارِ للبائعِ
و١)المُشترِى. وقال الحسنُ بنُ حىٍّ: إذا قال البائعُ للمُبتاعِ: اذهَبْ
فأنت بالخيارِ أبدًا. فهو بالخيارِ أبدًا حتى يقولَ: قد رضِيتُ. ولا
القبس
(١) فى الأصل: ((دون)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((لا يعجب دون)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((أشبهه)).
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((المعرف ويخير))، وفى ح: ((وليعرف ويخير)).
(٥) فى ح: ((خير)).
(٦) فى الأصل، م: ((أو )).
٢٣٧
الموطأ
الاستذكار أدرى ما الثلاثُ ؟
قال : والوطءُ فى الجاريةِ رضًا .
قال أبو عمرَ : سنذكُرُّ اختلافَهم فى مُدَّةِ الخيارِ المجملةِ (١) بغيرِ توقيتٍ
فيما بعدُ ، إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ .
وقال الأوزاعىُ: أَحَبُّ الأجلِ إلينا فى الخيارِ ثلاثةُ
أيام؛ " للذى جاء عن النبيِّ وَ لَّ فِى المُحَفَّلَةِ، أنه بالخيارِ ثلاثةَ .
أيام).
رواه(٧) الوليدُ بنُ مسلم عنه. وروَی غیرُه عنه جوازَ شرطِ الخیارِ شهرًا
أو أكثر.
وهو قولُ ابنِ أبى ليلى، وأبى يوسفَ ، ومحمد بن الحسن، وأحمدَ
ابن حنبلٍ، وأبى ثورٍ ، وإسحاقَ، كلُّ هؤلاء لا يجوزُ عندَهم اشتراطُ
الخيارِ شهرًا أو أكثرَ، وذلك لازمٌ عندَهم إلى الوقتِ المُشترَطِ المحدودِ .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((جملة)).
(٢ - ٢) سقط من: ح.
والحديث تقدم تخريجه ص ١٤٢، وسيأتى تخريجه ص٣٨٩ .
(٣) فى الأصل: ((رواية)).
٢٣٨
الموطأ
وهو قولُ داودَ .
الاستذكار
ولم يُفرِّقوا بينَ أجناسِ المَبِيعاتِ، كما ذكر ابنُ القاسم عن مالكٍ .
وحُجَّةُ مَن أجاز الخيارَ أكثرَ مِن ثلاثٍ قولُهُ وَّةِ: ((المسلمون على(١)
شُرُوطِهم))(٢).
وقال الليثُ بنُ سعدٍ : يجوزُ الخيارُ اليومَ واليومين والثلاثةَ ، وما بلَغَنا
فيه وقتٌ ، إلا أنَّا نُحِبُّ أن يكونَ ذلك قريبًا إلى ثلاثةِ أيامٍ .
وقال الثورىُّ وابنُ شُبْرُمةَ : لا يجوزُ اشتراطُ الخيارِ للبائع بحالٍ . قال
الثورىُّ: إن اشترطَ البائعُ الخيارَ، فالبيعُ فاسدٌ . قال: و) يجوزُ الخيارُ
للمُشترِى عشَرةً أيامٍ وأكثرَ .
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وزُفَرُ: لا يجوزُ اشتراطُ الخيارِ أكثرَ مِن
ثلاثٍ فى شىءٍ مِن الأشياءِ، فإن اشترطَ البائعُ أو المُبتاعُ الخيارَ أكثرَ مِن
ذلك(٤) ، فسَد البيعُ، وإن كان الخيارُ ثلاثًا فما دونَها، جاز للبائع
والمُبتاعِ .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((عند)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٢١٩ .
(٣) بعده فى الأصل، م: ((لا)).
(٤) فى ح: ((ثلاث).
٢٣٩
الموطأ
قال الشافعىُّ: ولولا الخبرُ عن النبيّ وَله ما جاز الخيارُ أصلًا في
الاستذكار
الثلاثٍ ولا فى غيرِها .
قال أبو عمرَ: لا يجوزُ الخيارُ عندَ جمهور العلماءِ وجماعتهم فيما
يجِبُ تعجيلُهُ فى المجلسِ مثلَ الصَّرفِ والسَّلَم؛ لأنه خلافُ الأصولِ
المُجتمعِ عليها .
ومِن الأصولِ المُجتمع عليها عندَ الفقهاءِ، أنه لا يجوزُ أن يشترِطَ على
البائع فى عقدِ الصَّفْقةِ منعَه مِن التصرفِ فى ثمنٍ ما باعه ، ولا على المُبتاعِ
مثلَ ذلك فيما ابتاعه .
وشرطُ الخيارِ يُوجِبُ جوازَ ما منَعت السُّنَّةُ المُجتَمعُ عليها من
جَوَازِه، فلما ورَد الحديثُ بأن ذلك جائزٌ فى ثلاثة أيام، لم يَجُزْ أن
يُزادَ على ذلك، كما لا يجوزُ أَن يُزَادَ على الخمسةِ الأَوْسُقِ فى
العَرَايَا .
قال أبو عمرَ: حَدُّ الخيارِ ثلاثًا مذكورٌ فى حديثِ المُصَرَّةِ .
رواه عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ وغيرُه، عن أبى الزِّنادِ ، عن الأعرج، عن أبی
هريرةَ، عن النبيِّ وَلَِّ(١).
ورواه هشام، عن ابن سيرينَ، عن أبى هريرةَ، أن النبيَّ وَ ظله قال:
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٤٢، وسيأتى تخريجه ص ٣٨٩.
٢٤٠