Indexed OCR Text

Pages 201-220

الموطأ
قال : قد بِعتُكَ. فله أن يَرجِعَ مالم يقلِ المشتَرِى: قد قَبِلتُ . وهو قول أبى التمهيد
حنيفةً .
وقد رُوِى عن أبى حنيفةَ أَنَّه كان يَرُدُّ هذا الخبرَ باعتباره إِيَّاه على
ءُ
أُصولِه، كسائِرٍ فِعْلِه فى أخبارِ الآحادِ ، كان يَعْرِضُها على الأصولِ
المجتمعِ علیها عنده، ويَجتَهِدُ فى قبولها أو رَدِّها ، وهذا أصلُه فى أخبارٍ
الآحادِ . وژُوِی عنه أنّه کان یقولُ فی رَدِّ هذا الحدیثِ : أرأيتَ إن كانا فى
سَفينةٍ ، أرأيتَ إن كانا فى (١سجنٍ أو قيدٍ() ، كيف يفْتَرِقَانِ ؟ إذنْ فلا يَصِحُ
بينَ هؤلاء بيعٌ أبدًا. وهذا ممَّا عِيبَ به أبو حنيفةً، وهو أكبرُ عُيوبِهِ وأشدُّ
ذُنُوبِهِ عندَ أهلِ الحديثِ الناقلِينَ لمثالِه، باعتراضِه(٢) الآثارَ الصِّحاحَ ورَدِّه
لها برأيه، وأمَّا الإرجاءُ المنسوبُ إليه، فقد كان غيرُه فيه أدخَلَ وبه أقْوَلَ،
لم يَشْتَغِلْ أهلُ الحديثِ مِن نقلٍ مَثالِه ورِوَايَةِ سَقَطاتِهِ ، بمثلٍ ما اشتَغَلوا به
مِن مثالِبٍ أبى حنيفةً. والعلّةُ فى ذلك ما ذكرتُ لك لا غیرُ، وذلك ما
وجَدوا له مِن تَوْكِ السُّنَنِ ورَدِّها بِرَأْيِهِ ؛ أعنى السُّننَ المنقولةَ بأخبارِ العُدُولِ
الآحادِ الثِّقاتِ . والله المستعانُ .
وقال مالكٌ: لا خِيارَ للمُتبايعَيْن إِذا عقَداً) البيعَ بكلام وإن لم
القبس
(١ - ١) فى ظ، ى: ((قيد وسجن)).
(٢) فى ظ، ى: ((اعتراضه)).
(٣) فى ى، م: ((عقد)).
٢٠١

الموطأ
التمهيد يَفْتَرِقا (١). وذكّر ابنُ خُوازٍ منداذَ(٢) ، عن مالكٍ فى مَعْنَى البَيِّعَيْنِ بالِيارِ ما
لم يفتَرقًا(١) ، نَصَّ ما ذكرناه عن محمدِ بنِ الحسنِ وأبى حنيفةً. وكان
إبراهيم النخعىُّ يرَى البيعَ جائزًا وإن لم يفتَرِقاً(*) . وقال سفيانُ الثَّوْرِىُّ،
وسفيانُ بنُ عيينةَ، وابنُ أبى ذئبٍ، والليثُ بنُ سعدٍ، وعُبيدُ(٥) اللهِ بنُ
الحسن العنبرِىُّ قاضى البصرة، وسؤَّارٌ القاضى(١)، والشافعىُّ وأصحابُه،
وعبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ: إِذا عَقَد المتَبَايِعَانِ بيعَهماً(٢) ، فهما جميعًا بالخِيارِ
فى إتمامِه وفسخِه ما داما فى مَجلِسِهما ولم يفتَرِقًا بأبدانِهما، والتَّفرُقُ
فى ذلك كالتَّفرّقِ فى الصَّرفِ سواءً. وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ،
وإسحاقَ بنِ راهُويَه، وأبى ثورٍ ، وأبى ◌ُبيدٍ، وداودَ بنِ علىٍّ ، والطبرِىِّ.
ورُوِى ذلك عن عبدٍ (٨) اللهِ بنِ عمرَ، وأبى برزةَ الأَسلمىِّ، وسعيدِ بنِ
المسئَّبِ، وشُريحِ القاضى، والشعبىِّ، والحسنِ البصرىِّ، وعطاءٍ،
القبس
(١) فى ظ: ((يتفرقا)).
(٢) فى ظ: ((خواز بنداد))، وفى م: ((خواز منداد)).
(٣) فى ى: ((يتفرقا)).
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٤٢٧٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٢٨/٧، والمحلى ٣٠٢/٩.
(٥) فى ظ، م: ((عبد)).
(٦) سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله بن قدامة التميمى العنبرى البصرى أبو عبد الله،
قاضى الرصافة من بغداد، قال النسائى: ثقة. وكان من فحول الشعراء فصيحا مفوها، توفى
سنة خمس وأربعين ومائتين. سير أعلام النبلاء ٥٤٣/١١.
(٧) فى ظ، ى: ((بيعا)).
(٨) فى الأصل: ((عبيد)).
٢٠٢

الموطأ
وطاوسٍ، والزهرِىّ(١)، وابن جريج، ومعمرٍ، ومسلمٍ بنِ خالدٍ التمهيد
الزَّنْجِىِّ(١)، والأوزاعىِّ، ويحيى القطانِ، وعبد الرحمنِ بنِ مهدِىٌّ.
وقال الأوزاعىُّ: هما بالخيارِ ما لم يفتَرِقاً(٢) إلا بيوع ثلاثةٌ؛ تَيعُ السّلطانِ
للغنائم، والشَّرِكَةُ فى الميراثِ، والشّرِكَةُ فى التجارةِ ، فإذا صافَقَه فى
هذه الثلاثةِ فقد وجَب البيعُ، وليسا فيه بالخِيارِ. قال: وحَدُّ الفُرِقَةِ أن
يتَوارَى كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبِهِ. وهو قولُ أهلِ الشَّامِ . وقال الليثُ
ابنُ سعدٍ : التَّرُقُ أن يقومَ أحدُهما .
قال أبو عمرَ: قد أكثرَ الشافعيُّون فى بُطلانِ ما اعتَلّ به المالكيُّونَ
والحنفيُّونَ(٤) فى هذه المسألةِ، فمِن جُمْلةِ ذلك أنَّهم قالوا: لا حُجّةً فيما
نزَع به المخَالِفُ مِن قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. لأَنَّ
هذا عُمُومٌ تعترِضُه ضُروبٌ من التخصِيصِ ، (وإنَّ ما) يجبُ أن يُوَفَّى به
مِن العُقودِ ما كان عَقدًا صحيحًا فى الكتاب والسُّنةِ أو فى أحدِهما ، وما لم
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٤٢٦٦، ١٤٢٦٩ - ١٤٢٧١)، ومصنف ابن أبى شيبة ٧/ ١٢٦،
١٢٧، والمحلى ٢٩٧/٩ - ٣٠١.
(٢) مسلم بن خالد الزنجى المخزومى أبو خالد، فقيه مكة، تفقه به الشافعى حتى أذن له فى
الفتيا، حدث عنه الحميدى، مات سنة ثمانين ومائة. سير أعلام النبلاء ٨/ ١٥٨.
(٣) فى ظ: ((يتفرقا)).
(٤) فى ظ: ((الحنيفيون)).
(٥ - ٥) فى الأصل: ((ومما)).
٢٠٣

الموطأ
التمهيد يكنْ كذلك فليس يجبُ الوفاءُ به، ألا ترَى أَنَّهما لو عقَدَا بَيِّعًا فى الطعامِ
قبلَ أن يُستَوفَى، أو عقَدَا بيعًا على شىءٍ من الرِّبا، أو على شىءٍ من البيوع
المنهِىُّ عنها المكروهَةِ ، التى ورَدتِ السُّنةُ بإبطالِها، هل كان يجبُ الوفاءُ
بشىءٍ من ذلك؟ قال ◌َله: ((كلُّ عملٍ ليس عليه(١) أمرنا فهو ردِ)(٢).
و:((لا طاعَةَ إِلَّ فِى المعروفِ))(٣).
وأمَّا ما اعتَلُّوا به مِن ظَواهِرِ الآثارِ، فغيرُ لازِمٍ؛ لأنَّ البيعَ لا يَتِمُ إلَّ
بالاقْتِراقِ، فلا وجه لما قالوه، وأمَّا اعتِلالُهم بقولِه وَلِّ فى حديثٍ
عمرٍو بنٍ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: ((ولا يَحِلَّ له أنْ يُفارِقَه خَشيةً
أن يَستَقِيلَهُ(٤)). فإِنَّ هذا معناه، إن صَحَّ، على النَّدْبِ، بدليلٍ قولِه
وَهُ : ((مَن أقال مسلمًا أَقَاله(٥) اللهُ عَثْرَتَه)) (١). وبإجماع المسلمينَ
على أنَّ ذلك يَحِلُّ لفَاعِلِه، على خِلافٍ ظاهرِ الحديثِ، وقد كان ابنُ
عمرَ، وهو الذى روَى حديثَ ((البيّعَانِ(٧) بالخِيَار ما لم يَفْتَرِقا)). إذا بايَع
القبس
(١) فى ى: ((على)). وأشار فى الحاشية إلى أنه فى نسخة: ((عليه)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٨/١١.
(٣) تقدم تخريجه فى ١٥٣/١٢.
(٤) فى ظ: ((یقیله)).
والحديث سيأتي تخريجه الصفحة التالية .
(٥) فى الأصل، ى، م: ((أقال)).
(٦) أخرجه أبو داود (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٢١٩٩)، وابن حبان (٥٠٣٠) من حديث أبى هريرة .
(٧) فى الأصل، ظ: ((البيعين)).
٢٠٤

الموطأ
أحدًا وأحبُّ أن يُنْفِذَ البیعَ مشی قليلا ثم رجع(١) . وفى حديث عمرو بنِ
شعيبٍ أيضًا ما يَدُلُّ على أنَّه لا بيعَ بينَهما، وأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما بالخِیارِ
علی صاحبه ما لم يَفتَرِقا .
التمهید
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا مُطَّلبُ بنُ شعيبٍ، قال: حدثنا أبو صالح، وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُّ
محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا
قُتیبةُ بنُ سعیدٍ ، قالا جمیعًا : حدثنا الليثُ بنُ سعدٍ ، قال : حدثنى محمدُ
ابنُّ عَجلانَ ، عن عمرو بن شعيبٍ ، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بنِ
العاصِى، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَهَ قال: ((المتبايعَانِ بالخِيارِ مالم يفتَرِقا، إلا أن
تكونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ ، ولا يَحِلُّ له أن يُفارِقَ صاحِبَه خشيةَ أن يَستَقِيلَه))(١).
وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قالا : حدثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال : حدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال : حدثنا إسحاقُ بنُ محمدٍ
الفَرْوىُّ(٣)، قال: حدثنا مالك، عن شُمَيٍّ، عن(٤) أبى صالحٍ، عن أبى
هريرةَ، "قال: قالْ) رسولُ اللهِ وَ له: ((من أقَال نادِمًا فى تَيعٍ - أو قال:
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٤٢٦٦)، والبخارى (٢١٠٧)، ومسلم (٤٥/١٥٣١).
(٢) أبو داود (٣٤٥٦). وأخرجه الترمذى (١٢٤٧)، والنسائى (٤٤٩٥) عن قتيبة به.
(٣) فى الأصل: ((البروى))، وفى م: ((القروى)). وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٧١.
(٤) فی م: (بن)).
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((أن)).
٢٠٥

الموطأ
التمهيد بَيْعَتِه - أَقَالَه اللهُ عَثْرَتَهُ(١) يومَ القيامةِ)) (١).
و(٣) عبدُ الوَزَّاقِ، عن معمّرٍ، عن محمدٍ (٤) بنِ واسِعٍ، عن أبى صالِحٍ،
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ مثلَه(٥).
فهذا يدُلُّ على أنَّ ذلك نَذْبٌ. وقولُه: ((لا يَحِلُّ)). لفظَةٌ مُنكَرَةٌ ، فإن
صَحَّت ، فَلَيسَت على ظاهرِها؛ لإجماع المسلمين أنَّه جائزٌ له أن يُفارِقَه
لُنْفِذَ بَيْعَه ، ولا يُقِيلُه إِلَّا أن يشاءَ، وفيما أجمَعُوا عليه مِن ذلك رَدِّ لروايةٍ مَن
روَى: (ولا يَحِلُّ له أن يُفارِقَه خشيةَ أن يَستَقِيلَه)). فإن لم يكنْ وجْهُ هذا
الخبَرِ الَّذْبَ ، وإلَّ فهو باطِلٌ بإجماعٍ. وأمَّا ما اعتُلُّوا به مِن أنَّ الافتراقَ
قد يكونُ بالكلام، وأَنَّه جائزٌ أن يكونَ أُرِيدَ بذِكر الافْتِرَاقِ فى هذا
الحديثِ الافتِرَاقُ بالكَلامِ. فيُقالُ لهم : أخِرُونا عن الكلامِ الذى وقَعَ به
الاجتماعُ وتمَّ به البيعُ ، أهو الكلامُ الذى أُرِيدَ به الافتراقُ أم غيرُه؟ فإن قالوا :
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) أخرجه العقيلى ١٠٦/١، وابن حبان (٥٠٢٩)، والقضاعى فى مسند الشهاب (٤٥٣،
٤٥٤)، والبيهقى ٢٧/٦ من طريق إسحاق بن محمد به .
(٣) بعده فى ى، م: ((روى)).
(٤) فى الأصل: ((محمود)). وينظر تهذيب الكمال ٥٧٦/٢٦.
(٥) ليس فى: الأصل، وفى ى، م: ((بمثله)).
والحديث أخرجه الحاكم فى معرفة علوم الحديث ١٨/١، والبيهقى ٢٧/٦ من طريق
عبد الرزاق به .
٢٠٦

الموطأ
هو غيرُه . فقد أحالُوا وجاءُوا بما لا يُعقَلُ؛ لأَنَّه ليس ثَمَّ كَلامٌ غيرُ ذلك . وإن التمهيد
قالوا : هو ذلك الكلامُ بعَينِه . قيل لهم: كيف يجوزُ أن يكونَ الكلامُ الذى به
اجْتَمَعا وبه (١) تَمَّ بَيْعُهما، به افْتَرَقا ، وبه انفَسَخ بيعُهما! هذا ما لا يُفهَمُ ولا
يُعقَّلُ، والاجتِماعُ ضِدُّ الافتِرَاقِ، فكيف يجوزُ أن يكونَ الكلامُ الذى
اجْتَمَعا به اقْتَرَقا به نَفْسِه؟ هذا عينُ المُحالِ ، والفاسِدُ مِن(١) المقالِ.
وأمَّا قولُهم: المتساوِمَانِ فى مَعْنَى المتباپِعَیْنِ. فلا وَجْهَ له؛ لأَنَّه لا
تكونُ حِينَئذٍ فى الكَلامِ فائدةٌ؛ ومَعْلومٌ أنَّ المتساومَيْنِ بالخيارِ ، كلٌّ واحدٍ
منهما على صاحبِهِ، مالم يَقعِ الإيجابُ بالبيعِ والعقدِ والتَّراضى ، فكيف
يَرِدُ (١) الخبرُ بما لا يُفِيدُ فائدةً، وهذا ما لا يظُنُّه ذُو لُبِّ، على رسولِ اللهِ
وأمَّا اعتِلالُهم بتسمِيَةِ الفاعِلِ بفِعلِه الدَّائِمِ ما دام يَفعَلُه، كالمُصَلِّی،
والآكِلِ، وشِبْهِ ذلك، فيدخُلُ عليهم أنَّ هذا لا يصِحُ إلَّ فى الأفعالِ
المُتَعلّقَةِ بواحِدٍ؛ كالصومِ، والصلاةِ، والأكلِ، والشُّربٍ، وما أشبَةَ
ذلك، وأمَّا الأفعالُ التى لا تَتِمّ إلَّا مِن اثنَيْنِ؛ كالمبايعةِ، والمقاتَلَةِ،
والمُبارَزةِ ، وما أُشْبَهَ ذلك، فلا يجوزُ أَنْ يَتَمَّ الاسمُ إلّا وهو موجودٌّ منهما
القبس
(١) سقط من: ظ ، ى.
(٢) فى ظ: ((فى)).
(٣) فى م: ((برد)).
٢٠٧

الموطأ
التمهيد جميعًا، ويدخُلُ عليهم أيضًا أنَّ السارِقَ، والزانىَ، وما أشبههما، لا يقَعُ
عليه(١) الاسمُ إِلَّ بعدَ تمامِ الفِعلِ الموجِبِ للحدِّ، وما دام الاسمُ موجودًا،
فالحَدُّ واجِبٌ إِن لم يُقَمْ حتى يُقامَ .
وأمَّا قولُهم: لما لم يكنْ لاجتماع الأبدانِ تأثيرٌ فى البيعِ، فكذلك
الافتِراقُ بالأبدَانِ لا يُؤْثِّرُ فى البيعِ. فيدخُلُ عليهم أنَّ التَّايُعَ لما لم
یکنْ فیہ بُدٌّ مِن الكلام، ثم ذُكِر عقيبه(٢) التفوقُ، ◌ُلِمَ انَّه أُرِيدَ به غيرُ
الكلام، ويدُلَّ على ذلك فِعلُ ابنِ عمرَ الذى روَى الحديثَ، وعَلِم
مَخْرَجَه والمرادَ من معناه، ومثلُ هذا قولُ عُمرَ بنِ الخطابِ لطلحةً بنِ
عُبيدِ اللَّهِ فى الصَّرْفِ: لا تُفارِقْه، ولا إلى أن يَلجَ بَيتَهُ(١). وهو
المفهومُ مِن لِسَان العربِ، والمعروفُ مِن مُرَادِها فى مُخاطَباتِها
بالافتِراقِ افْتِرَاقُ الأَبدَانِ، وغيرُ ذلك مَجَازٌ وتَقرِيبٌ واتِّسائعٌ. وباللهِ
التوفيقُ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا أحمدُ بنُّ زهيرٍ، قال: حدثنا أبى، قال : حدثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَّةً ،
عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((البیعانِ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((عليهما))، وفى ى: ((عليهم)).
(٢) فى الأصل، م: ((عقبه)).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٣٦٣).
٢٠٨

الموطأ
بالخِيارِ (١ حتى يَفْترِقا)، أو يكونَ بِيعَ خِيارِ)). قال: ورُبَّما قال نافعٌ: التمهيد
((أو يقولَ أحدُهما: اختَرْ))(١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدثنا قاسمٌ، قال : حدثنا محمدُ بنُ عبدِ
السلام، قال: حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارِ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ أيضًا، قال:
حدثنا قاسم، قال: حدثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدثنا مسدَّدٌ، قالا
جميعًا : حدثنا يحيى، عن (٣) عُبيدِ اللَّهِ ، قال: أخبرنى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ،
قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: (( كلُّ بِيِّعينٍ أحدُهما على صاحبِه بالخيارِ ما لم
يَتَفَرَّقا(٤)، أو يكونَ خيارًا))(٥).
وقرأتُ على عبدِ الوارثِ أيضًا، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدثهم، قال :
حدثنا أحمدُ بنُ زهیرٍ ، قال : حدثنا أبى ، قال : حدثنا ابنُ عیینةً، عن ابنِ
جريج، قال: أُملَى علىَّ نافعٌ، سَمِع عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ
القبس
(١ - ١) فى ى، م: ((ما لم يتفرقا)).
(٢) أخرجه مسلم (٤٣/١٥٣١) عن زهير بن حرب به، وأخرجه أحمد ٦٤/٨ (٤٤٨٤)،
والنسائى (٤٤٨٢) من طريق إسماعيل ابن علية به .
(٣) فى الأصل، م: (( بن)).
(٤) فى ى: ((يفترقا)).
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٥٢٤٣) من طريق محمد بن بشار به، وأخرجه
أحمد ١٥١/٩ (٥١٥٨)، ومسلم (٤٣/١٥٣١)، والنسائى (٤٤٧٨) من طريق يحيى بن
سعيد به .
٢٠٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٤/١٧ )

الموطأ
(وَلُ: ((إذا تَبَايَع المُتَبايعان، فكلُّ واحدٍ مِنهما(١) بالخِيارِ من بَيْعِه ما لم
التمهيد
يتفرّقا (٢) ، أو يكونَ بيعُهما عن خِيَارٍ، فإن كان بيعُهما عن خِيارٍ، فقد
(٣)
وَجَب))(٢).
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدثنا قاسمٌ، قال: حدثنا أحمدُ بنُّ
زهيرٍ، قال: حدثنا موسى بنُ داودَ، قال: حدثنا اللَّيْثُ بنُ سعدٍ، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَّه قال: ((إذا تبايَعَ الرجلانِ، فكلُّ
واحِدٍ مِنهما بالخيارِ ما لم يَفرَّقاً(*) وكانا جميعًا، أو يُخيّرُ أحدُهما الآخَرَ،
فإِن خَيَّرَ أحدُهما الآخَرَ، فتبَايَعا على ذلك، فقد وجَب البيعُ، وإن تفَّقا
بعدَ أنْ تَبَايَعا، ولم يتركْ واحدٌ منهما البيعَ، فقد وجَب البيعُ))(٥).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ،
قالا : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةً، قال :
حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن ابنِ عمرَ،
القبس
(١) بعده فى ى: ((على صاحبه)).
(٢) فى الأصل، ى، والمجتبى: ((يفترقا)).
(٣) أخرجه مسلم (٤٥/١٥٣١) عن زهير بن حرب به، وأخرجه الحميدى (٦٥٤)، والنسائى
(٤٤٨٠) من طريق سفيان به .
(٤) فى ی: ((يفترقا)).
(٥) أخرجه أحمد ٢٠٧/١٠ (٦٠٠٦)، والبخارى (٢١١٢)، ومسلم (٤٤/١٥٣١)، وابن
ماجه (٢١٨١)، والنسائى (٤٤٨٣، ٤٤٨٤) من طريق الليث به ..
٢١٠

الموطأ
قال: قال رسولُ اللَّهِ بِهِ: ((كُلُّ بِيِّعَين(١) لا تَيْعَ بينَهما حتَّى يَتَفَوَّقا (٢)، إِلَّ التمهيد
بیعَ الخِيارِ)(٣).
وأمَّا حدیثُ حَكِیم بنِ حِزامٍ ، فرواه شعبةُ ، عن قتادةَ ، أنه سَمِعه مِن
أبى الخليلِ، عن عبدٍ(٤) اللَّهِ بنِ الحارِثِ، عنه.
أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال :
حدثنا أبو داودَ، قالْ): حدثنا أبو الوليدِ الطيالسىُّ، قال: حدثنا شعبةُ،
عن قتادةَ، عن أبى الخليلِ ، عن عبدٍ(٤) اللَّهِ بنِ الحارثِ، عن حکیمِ بنِ
حِزام، أنَّ رسولَ اللَّهِ فَ لَهِ قال: ((البيِّعَان بالخِيارِ ما لم يفتَرِقا، فإن صدقا
وبيّنا، بُورِكَ لهما فى بيعِهما، وإن كتَما وكذَبا، مُحِقتٍ البرَكةُ مِن
(٦)
بیعھما)»(٦).
القبس
(١) فى الأصل: ((بيعتين)).
(٢) فى الأصل، ى: ((يفترقا)).
(٣) أخرجه البيهقى ٢٦٩/٥ من طريق أبى نعيم به، وأخرجه الحميدى(٦٥٥)، وأحمد ١٧٣/٨
(٤٥٦٦)، والبخارى (٢١١٣)، والنسائى (٤٤٨٩)، وفى الكبرى (٦٠٧٢) من طريق سفيان
به - ووقع فى المجتبى: ((عمرو بن دينار)) بدل ((عبد الله بن دينار))، وهو خطأ - وأخرجه مسلم
(٤٦/١٥٣١)، والنسائى (٤٤٩٠، ٤٤٩١) من طريق عبد الله بن دينار به .
(٤) فى ى، م: ((عبيد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٦/١٤.
(٥ - ٥) سقط من: م.
(٦) أبو داود (٣٤٥٩). وأخرجه أحمد ٤٣/٢٤ (١٥٣٢٧)، والبخارى (٢٠٧٩، =
٢١١

الموطأ
التمهيد
وأمَّا حديثُ سمُرةَ، فروَاه شعبةُ (١)، وهشام الدَّستُوائِىُّ(١)، وسعيدُ بنُ
أبى عروبةً(٢)، وهمامٌ(٤)، وحمادُ بنُ سلمةً، وغيرهم، عن قتادةً، عن
الحسنِ، عن سمُرةً، عن النبيِّ بَهَ: ((البيِّعان بالخيارِ ما لم يتَفَّق))(١).
وبعضُهم يَزِيدُ فيه: ((أو يكونَ بَيْعُهما على (٥) خِيارِ) .
واخْتَلَف العلماءُ فى معنى قولِهِ وَلَرَ فى هذا الحديثِ: ((إلّا بِيعَ
الخِيارِ). وقوله: (أو يكونَ بيعُهما عن (٩) خيارٍ)). فقال قائلُون : هو الخيارُ
المشتَرَطُ مِن كلِّ واحدٍ منهما على حسَبٍ ما يجوزُ مِن ذلك، كالرجلِ
يَشترِطُ الخيارَ ثلاثةَ أيام أو نحوَها، (فإِنَّ المسلمين على شُرُوطِهم) . هذا
قولُ الشافعىِّ، وأبى ثورٍ، وجماعةٍ. وقال آخرون: معنَى قوله: ((إلَّا بيعَ
الخيارِ)). وقوله: ((إلّا أن يكونَ بيعُهما عن خيارٍ)). ونحوِ هذا. هو أن يقولَ
القبس
= ٢٠٨٢، ٢١١٠)، ومسلم (١٥٣٢)، والترمذى (١٢٤٦)، والنسائى (٤٤٦٩) من طريق
شعبة به .
(١) أخرجه أحمد ٣٨٤/٣٣ (٢٠٢٤١)، وابن ماجه (٢١٨٣) من طريق شعبة به .
(٢) أخرجه النسائى (٤٤٩٣)، والرويانى (٨١٢)، والطبرانى (٦٨٣٣) من طريق هشام به .
(٣) أخرجه أحمد ٣١٩/٣٣، ٣٨٩ (٢٠١٤٢، ٢٠٢٥٣)، والطبرانى (٦٨٣٤) من طريق
سعید به .
(٤) أخرجه أحمد ٣٥٧/٣٣ (٢٠١٨٩)، والنسائى (٤٤٩٤) من طريق همام به.
(٥) فى ظ: ((عن)).
(٦) فى ى: ((على)).
(٧ - ٧) ليس فى: الأصل.
٢١٢

الموطأ
أحدُهما بعدَ تمامِ البيع لصاحبِه: اختَرْ إنفاذَ البيع أو فسخَه. فإن اختار التمهيد
إِمضاءَ البيعِ، تَّ البيعُ بينَهما وإن لم يَتَفَرَّقاً(١) . هذا قولُ الثورىِّ، واللیثِ بنِ
سعدٍ، والأوزاعىِّ، وابنٍ عيينةَ، وُبَيدِ اللهِ بنِ الحسنِ، وإسحاقَ بنِ
راهُويَه، ورُوِى ذلك أيضًا عن الشافعىِّ . وكان أحمدُ بنُ حنبل يقولُ : هما
بالخيارِ أَبَدًا، قالا هذا القولَ أو لم يقولاه حتى يفتَرِقا بأبدانهما مِن
مکانهما .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، قال : حدثنا
أبو داودَ ، قال : حدثنا مسدَّدٌ، قال: حدثنا حمَّادٌ، عن جَميلٍ بنِ مُرَّةَ، عن
أبى الوَضِىءٍ، قال: غَزَوْنا غزوةً فنزَلنا مَنزِلًا ، فباع صاحبٌ لنا فرسًا بغلام،
ثم أقاما بقِيَّةً يومِهما وليلتِهما، فلمَّا أصبَحا(١) مِن الغدِ، وحضَر الرحيلُ(٣)،
قام إلى فَرَسِه لِيُشْرِجَه فتَدِمَ، فَأَتَّى صاحِبَه فقال: بينى وبينَك أبو بَرْزةً
صاحبُ النبيِّ وَهِ فَأَتَيا أبا بَرْزةَ فى ناحِيَةِ العسكَرِ، فَقَصًا عليه القِصَّةَ،
فقال: أَتَرضَيانِ أن أقضِىَ بينَكما بقَضاءِ رسولِ اللَّهِ وَالر؟ «البیعانِ بالخیارِ
ما لم يَفتَرِقا)). قال هشامُ بنُ حسانَ: وحدَّث جَمِيلٌ أَنَّه قال: ما أَرَاكما
(٤)
افتَرَقتُما
القبس
(١) فى ظ: ((يفترقا)).
(٢) فى ظ: ((أصبح))، وفى ى: ((أصبحنا)).
(٣) فى ى، م: ((الرجل)).
(٤) أخرجه البيهقى ٢٧٠/٥ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٤٥٧) .=
٢١٣

الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: جَمِيلُ بنُ مُرَّةَ يُكْتَى أبا الوسْمِىٌّ(١)، بصرىٌّ، ثقةٌ عندَ
أحمدَ بنِ حنبلٍ وغيرِهِ، روَى عنه حمَّادُ بنُ زيدٍ وجماعةٌ. وأبو الوضِیءِ
السَّحْتَنِئُ(١) ، قال أحمدُ بنُ صالح: تابعىٌّ، بصرِىٌّ، ثقةٌ، سَمِع أبا
بَرْزَةَ ، والحسنَ بنَ علىٍّ، وغيرَهما، روَى عنه هشامُ بنُ حسانَ وجَميلُ
ابنُّ مُؤَةَ .
وقال الطحاوىُّ(١) : حديثُ أبِى بَرْزَةَ هذا قال فيه جَميلُ بنُ مُّةً ، عن
أبى الوضىءٍ: باع صاحبٌ لَنا فرسًا . وقال فيه: أَقَمْنا يومّنا وليلتَنا ، فلمَّا
كان مِن الغَدِ. وقال هشامُ بنُّ حسَّانَ ، عن أبى الوَضىءِ: إِنَّهم اختَصَمُوا
إلى أبى بَرِزَةً فى جارِيةٍ. وفيه: فبات المشتَرِى مع البائع ، فلمَّا أصبح قال :
لا أرضَاها . وبعضُهم يقولُ فيه: فتَامَ معها . قال أبو جعفرٍ: ولا شكَّ إِذا
كانا قد أقاما بعدَ تبَايُعِهما يومًا وليلةً ، أنَّهما قد قامًا إلى غائِطِ ، أو بولٍ ، أو
صلاةٍ، (٤)وقد٤) قامَ إلى إِسراج الفرسِ، وقد قامَ(٥) معها فى قصَّةِ الجاريةِ ،
القبس
= وأخرجه أحمد ٤٧/٣٣ (١٩٨١٣)، وابن ماجه (٢١٨٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٣/٤،
وفى شرح المشكل (٥٢٦٣) من طريق حماد به، وعند أحمد وابن ماجه مختصرًا .
(١) فى ظ: ((الوضى)).
(٢) فى الأصل: ((السحسى))، وفى ظ: ((السحمى))، وفى ى: ((السحيمى)). وينظر
تهذيب الكمال ١٦٩/١٤.
(٣) شرح معاني الآثار ١٣/٤، وشرح المشكل ٢٧٧/١٣.
(٤ - ٤) فى ى، م: ((أو)).
(٥) فى ی: ((نام)).
٢١٤

الموطأ
وهذا عندَ الجميع تفرّقٌ. قال : فمعنى قولٍ أبى برزَةَ فى التَّفرُقِ هلهنا التَّفرُقُ التمهيد
بالبيعِ؛ لأنَّ أحدَهما ادَّعى البيعَ، والآخَرَ جحَده .
قال أبو عمرَ: الصحيحُ فى حديثٍ أبى بَرِزَةَ هذا(١) عن النبيِّ ◌َِّ أَنَّه
قال: ((البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يَتَفْرَّقا))(٢). وغيرُ ذلك تأوِيلُ أبِى بَرِزَةَ، والمرادُ
مِن الحديثِ قولُ رسولِ اللَّهِ وَالتِّ، وقد جاء عن ابن عمرَ فى تأويلِه غيرُ ما
ذهَب إليه أبو بَرِزَةَ، وابنُ عمرَ أفقَهُ مِن أبى بَرزَةَ، وروايَتُه أصحُ، وحديثُه
أَثبَتُ ، وهو الذى عَوَّل عليه أكثرُ الفقهاءِ فى هذا البابِ .
قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بنِ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ،
قال : حدثنا مُطِّلبُ بنُ شعيبٍ قِراءَةً عليه ، قال: حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح،
قال : حدثنى اللیثُ ، قال : حدثنی یونسُ ، عن ابن شهاب ، عن سالِمِ بنِ
عبدِ اللهِ ، قال : قال ابنُ عمرَ: كُنّا إِذا تبايعنا کان کلَّ واحدٍ منّا بالخیارِ ما
لم یفترِقِ المتبایعَانِ . قال : فتبایغتُ أنا وعثمانُ مالًا لی بالوادِی بمال کثیرٍ
بخيبرَ(١) . قال: فلمَّا بايَعتُه طَفِقتُ على عَقِيِى القَهِقَرَى خَشْيَةً أُنْ يُرادِّنی
عثمانُ البِيعَ قبلَ أنْ أُفارِقَه(٤).
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل، ى: ((يفترقا)).
(٣) ليس فى: الأصل، ظ.
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٦٣/٤ من طريق عبد الله بن صالح به، وأخرجه
الدارقطنى ٦/٣ من طريق الليث به.
٢١٥

الموطأ
التمهید
وأمَّا قولُه فى حديثٍ مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ المذكورِ (١):
(إلّا بَيَعَ الخيارِ)). فقد مضَى ما للعلماءِ فى تأويلِ هذه اللفظةِ. واختلفوا
فى شَرْطِ الخيارِ ومُدَّتِه ؛ فقال مالكٌ: يجوزُ شرطُ الخيارِ شهرًا وأكثرَ.
هكذا حكَى ابنُ خُوازٍ بندادَ(٣) عنه. وهو قولُ ابنٍ أبى ليلى، وأبى
يوسفَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ، والأوزاعِىٌّ، كلُّهم يقولُ بجوازٍ(٤) اشتراطٍ
الخيارِ شهرًا أو أكثرَ، والشرطُ لازِمٌ إلى الوقتِ الذى يُشترَطُ فيه الخيارُ.
وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، وأبى ثورٍ ، وإسحاقَ ، ولم يُفرَّقُوا بِينَ أَجْناسٍ
المبيعاتِ. وذكر ابنُ القاسم وغيرُه، عن مالكٍ، قال: يجوزُ شرطُ
الخيارِ فى بيعِ الثوبِ اليومَ واليومينِ وما («أَشْبَهَ ذلك)، وما كان أكثرَ مِن
ذلك فلا خيرَ فيه، وفى الجارِيةِ يكونُ أَبعَدَ مِن ذلك قليلاً؛ الخمسةَ أيَّام
والجُمُعَةَ ونحوَ ذلك، وفى الدَّابَّةِ اليومَ وما أشبهَه، يَركَبُها ليعرِفَ
ويختَبِرَ، ويستَشِيرَ فيها، وما بَعُد مِن أَجْلِ ) الخيارِ فلا خيرَ فيه. ولا
فرقَ بينَ شرطِ الخيارِ للبائِع والمشتَرى. وقال الليثُ بنُّ سعدٍ : يجوزُ
القبس
(١) بعده فى ى: ((فى الباب)).
(٢) فى الأصل، م: ((أو)).
(٣) فى الأصل، ى: ((خوازبنداذ))، وفى م: ((خواز منداد)).
(٤) فى ظ: ((يجوز)).
۔
(٥ - ٥) فى ظ، ى: ((أشبهه)).
(٦) فى ظ: ((آجال)).
٢١٦

الموطأ
الخيارُ اليومَ واليومينِ والثلاثةَ. قال: وما بلَغَنا فيه وقتٌ ، إلَّا أَنَّا نُحِبُّ أن التمهيد
يكونَ ذلك قريبًا إلى ثلاثة أيام. وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً،
وأصحابُهما: يجوزُ البيعُ فى كلِّ(١) الأشياءِ بشرطِ الخيارِ للبائعِ
والمشترِى ثلاثةً أَيَّامِ ، إلّا فيما يجبُ تَعجِيلُه فى المجلسِ ، نحوَ الصَّرْفِ
والسَّلَم. وقال أبو حنيفةً، وزُفَرِ، والشافعىُّ: لا يجوزُ اشتراطُ الخيارِ
أكثرَ مِن ثلاثٍ فى شىءٍ مِن الأشياءِ، فإن فَعَل، فسَد البيعُ. قال
الشافعىُّ : ولولا الخبرُ ما جازَتِ الثلاثةُ ولا غيرُها فى الخيارِ . وقال ابنُ
شُبرمةَ والثورىُّ: لا يجوزُ اشتراطَ الخيارِ للبائِع بحالٍ . قال الثورىُّ: إن
اشتَرطَ البائعُ الخيارَ، فالبيعُ فاسِدٌ . قال: ويجوزُ شرطُ الخيارِ للمشترِى
عشَرَةَ أيامٍ وأكثَرَ. وقال الحسنُ بنُّ حَىٍّ: إذا اشترَى الرجلُ الشىءَ،
فقال له البائعُ: اذهَبْ فأنتَ فيه بالخيارِ. فهو فيه بالخيارِ أَبَدًا حتى
يقولَ: قد رَضِيتُ. وقال: ما أذرِى ما الثلاثُ؟ إذا باعَه فقد رَضِى،
وإن كانت جارِيَّةٌ بِكوَ (١) فوطِئَها فقد رَضِى. وقال عُبِيدُ اللَّهِ بنُ الحسنِ :
لا يُعِثُنِى طُولُ(٣) الخيارِ. وكان يقولُ: للمُشترِى الخيارُ ما رَضِى
البائعُ. ولا يجوزُ عندَ مالكِ النَّقْدُ فى بيع الخيارِ، فإنِ اشتَرَطَ النَّقْدَ فى
بيعِ الخيارِ، فالبيعُ فاسِدٌ. وفى مذهبٍ أبى حنيفةً أيضًا، لا يجبُ نَقدُ
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى ظ، ى: ((بکرّا)).
(٣) فى ظ، ى: ((طويل)).
٢١٧

الموطأ
التمهيد الثَّمَنِ مع بقاءِ الخيارِ، فإن اشتَرَط نَقدَ الثمنِ مع بقاءِ الخيارِ، فالشرطُ
فاسِدٌ ، والبيئُ صحیح .
قال أبو عمرَ: أَمَّا الخبرُ الذى زَعَم الشافعىُّ أَنَّه لولاه ما جاز اشْتِراطُ
الخيارِ أصلاً للبائع ولا للمُشتَرِى، وإنَّما أجازَه ثلاثًا مِن أجلِه،
فحدیثُ سفيان بن عيينةً، رَوَاه الشافعئُ والناسُ عنه، عن محمدِ بنِ
إسحاقَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ مُنْقِذًا شُجَّ فى رأسِه مأمومَةٌ (١)
فى الجاهِلِيَّةِ، فخْبَلَت(٢) لِسَانَه، فكان يُخْدَعُ(٣) فى البيعِ، فقال له
رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((بع وقُلْ: لا خِلابَةً. ثم أنت بالخيارِ ثلاثًا مِن
بَيِعِك))(٤). وحديثُ أيوبَ، وهشامٍ بنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ
سِيرينَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّ أنَّه قال: ((مَن ابتاع مُصَرَّةً
فهو بالخيارِ ثلاثَةَ أَيَّامٍ»(٥) .
وروَى عُبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، عن أبى الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبى
القبس
(١) فى م: ((مأمونة)). والمأمومة الشجة التى بلغت أم الرأس، وهى الجلدة التى تجمع الدماغ. ينظر
النهاية ٦٨/١.
(٢) فى م: ((فحبلت)). والخبل: فساد الأعضاء. النهاية ٢/ ٨.
(٣) فى م: ((مخدعا)).
(٤) أخرجه الشافعى فى السنن المأثورة (٢٦٦).
(٥) سيأتى تخريجه ص ٣٨٢، ٣٨٣، ٣٩١، ٣٩٢.
٢١٨

الموطأ
هريرةَ، عن النبيِّ وَلَه مثلَه(١).
التمهيد
وسنذكر المصرَّاةَ والحكم فيها ، وما للعلماءِ فى ذلك ، فی بابِ أبی
الزنادِ، مِن كتابِنا هذا(٢) إن شاء اللَّهُ.
وجماعةُ الفقهاءِ بالحجازِ والعراقِ يقولون: إنَّ مُدَّةَ الخيارِ إذا انقضت
قبلَ أن يَفسَخَ مَن له الخِيارُ البيعَ، تَمَّ البيعُ ولَزِم . وبه قال المتأخِّرُون مِن
الفقهاءِ أيضًا؛ أبو ثورٍ، وغيرُه، إلَّا أنَّ مالكًا قال: إذا اشترَطَ المشترِى
الخیار لنفسِه ثلاثًا ، فأتی به بعد مغِیپ الشمس مِن آخِرِ أیام الخیارِ ، أُو مِن
الغَدِ، أو قُربَ ذلك، فله أن يَرُدَّ ، وإن تباعَدَ ذلك لم يَرُدَّ. وهو رأى ابنِ
القاسم، قال: "وقال مالك: إن اشترَطَ أَنَّه إِنْ غابَتِ الشمسُ مِن آخِرٍ
أيامِ الخيارِ فلم يأْتِ بالثوبٍ لَزِمِ البيعُ، فلا خيرَ فى هذا البيعِ . وهذا مِمَّا
انفرد به أيضًا رحِمه اللهُ. وحُجّةُ مَن أجاز الخيارَ واشتِرَاطَه أكْثَرَ مِن ثلاثٍ ،
قولُهُ وَّه: ((المسلمون على شُرُوطِهم))(٤).
قال أبو عمرَ: ومِن هذا البابِ أيضًا اختِلافُهم فى لفظِ الإيجابِ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٤٢.
(٢) سيأتى ص ٣٨١ - ٣٩٨.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٥٩٤)، وابن الجارود (٦٣٧) والدارقطنى ٢٧/٣، والحاكم ٤٩/٢،
والبيهقى ٧٩/٦، ١٦٦ من حديث أبى هريرة به .
٢١٩

الموطأ
التمهيد والقَبولِ ؛ فقال مالِكٌ: إذا قال: بِعْنِى سِلعَتَكَ بِعَشَرَةٍ. فقال: قد(١) بِعتُكَ.
صَحَّ البيعُ، ولا يَحتاجُ الأُولُ أن يقولَ: قد قَبِلتُ . وهو قولُ الشافعىِّ فى
البيوع، إلا أنه قال فى النكاح: إذا قال له: قد زوَّجتُكَ. وقال: قد قَبِلتُ .
لم يَصِحَّ حتى يقولَ المتزوَّجُ: زَوِّجْنى ابنتَكَ. ويقولَ الآخرُ: قد
زوَّجتُكَها. ويقولَ المتزوَّجُ: قد قَبِلتُ نِكاحها. وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه: إذا قال: بغنى سِلعَتَكَ بكذا. فقال الآخَرُ: قد بِعتُك. لم
يصِحَّ، إلّا أن يقولَ الأُوَّلُ: قد قَبِلتُ. وهو قولُ ابنِ القاسم. وذكّر
الطحاوىُّ، عن أبى حنيفةً وأصحابِه: إذا قال: زَوِّجْنى. فقال: قد
زَوَّجتُكَها. كان تَزْوِيجًا، ولا يحتاجُ إلى قبولِ الزوجِ بعدَ ذلك. قال:
فَرَّقوا بينَ البيع والنكاح. وحَكَى عن الشافعىِّ أنَّ قولَه فى البيوع أيضًا مثلُ
قولِه فى النّكاح، ولم يَختلِفْ قولُه فى النِّكاح. وقال الحسنُ بنُ حَىٍّ : إذا
قال: أَبِيعُكَ هذا الثَّوبَ . بثَمنِ ذكَرَه، فقالِ المشترِى : قد قَبِلتُ . فالبائعُ
بالخيار إن شاء ألزمه، وإن شاء لم يُلْزمه .
وعن مالكٍ فى هذا البابِ مسألةٌ يُخالفُه(٢) فيها جماعةُ الفقهاءِ فيما
ذكَر الطحاوىُّ، قال مالكٌ فيما ذكر ابنُ القاسم عنه: إذا قال : بكم
سِلعَتُك؟ فيقولُ: بمائة دينارٍ. فيقولُ الرجلُ: قَد(١) أخَذْتُها. فيقولُ:
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل: ((يخالف)).
٢٢٠