Indexed OCR Text
Pages 61-80
الموطأ بيع الغائبِ على الصفةٍ ولا على غيرِ الصفةِ، ولا يجوزُ إلا بيتُ عين الاستذكار مَرْثِيَّةٍ، أو صفةٍ مضمونةٍ فى الذمةِ، وهو السَّلَمُ. هذا هو المشهورُ مِن قولِ الشافعىِّ، وسنذكُرُ هذه المسألةَ فى بابٍ بيعِ البرنامَجِ(١) إن شاء اللهُ تعالى . وأما النقدُ المذكورُ فى هذه المسألة فإنما کرهه مالك، وقد ذكر الوجه الذى له كرهه؛ لأنه زعم أنه يدخُلُه بيعٌ وسَلَفٌ . وقد اختلف أصحابُه فی جواز النقد فی باپ بیع الحیوانِ الغائبِ وغيرِ الحیوان ؛ فذكر ابنُ المَؤَّازِ، عن ابنِ القاسم، أنه قال: إن كانت الغَيبةُ مثلَ البَرِيدِ أو البَرِيدَيْن، فلا بأسَ بالنقدِ فيه. وقال أشهبُ : لا بأسَ بالنقدِ فيه اليومَ واليومينٍ، كان حيوانًا أو طعامًا. قال أشهبُ(٢): وإن كان بعيدًا لم يُزٍ النقدُ فيه، كان المبيعُ دارًا أو ما كان مِن شىءٍ، وروى ابنُ القاسم ، عن مالكٍ ، أنه قال : لا بأسَ بالنقدِ فى الدُّورِ والعَقارِ كلِّه؛ لأنه مأمون . وروى أشهبُ ، عن مالكِ مثلَ ذلك، وخالَفه فلم يَرَ النقدَ(١) فى شىءٍ منه . وأجاز ابنُ القاسمِ النقدَ فى المبيع على الصفة ، طعامًا كان أو غيره ، إذا كان على اليوم أو اليومين . القبس (١) فى م: ((الغرر)). وسيأتى ص ١٨٥ - ١٨٨. (٢) بعده فى الأصل، م: ((لا بأس به)). (٣) فى الأصل: ((الثمن)). ٦١ الموطأ بيعُ الحيوانِ باللحم قال أبو عمرَ : إنما كره مالكٌ النقدَ فى الحيوانِ الغائبِ؛ لأن الحيوانَ الاستذكار يُسرِغُ إليه التغيرُ ما لا يُسرُِ إلى غيرِهِ، فكان عندَه فى معنى البيع والسلَفِ، إذا نُقِد فيه يدخُلُه ذلك على مذهبِه فى الأغلبِ ؛ لسرعةٍ تَغَيُرِه، وليس العقار كذلك . وعِلَّةُ أشهبَ فى تسويتِه بينَ العقارِ وغيرِهِ ما جعَله مالكٌ عِلَّةً فى ذلك ؛ لأنه ربما لم يوجَدْ على الصفةِ، فيكونَ البائعُ قد انتفَع بالثمنِ، فَأَشبَه البيعَ والسلفَ . وأما قولُه: ولا بأسَ به إذا كان مضمونًا موصوفًا. فإنه أراد السَّلَمَ المعروفَ(١) على شروطِه . التمھید القبس بابُ بيعِ الحيوانِ باللحمِ قال مالكٌ والشافعىُّ : لا يجوزُ بيعُ الحيوانِ باللحمِ . وقال أبو حنيفةً : يجوزُ. والمسألةُ لنا ولا كلامَ لأحدٍ فيها؛ لأن سعيدَ بنَ المسئَّبِ روَى أَن رسولَ اللهِ وَله نهَى عن بيعِ الحيوانِ باللحم. وقد اتفقتِ الأمةُ على قَبَولِ مُرسلٍ سعيدٍ ، ولا كلامَ لهم عليه، فالمسألةُ غيرُ معلَّةٍ؛ فإن تعليلَها فيه تعارضٌ ظاهرٌ) وتناقضٌ (١) فى ح: ((الموصوف)). (٢) سقط من : ج ، م . ٦٢ ١٣٨٩ - مالك، عن زيد بنِ أسلمَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أن الموطأ رسولَ اللَّهِ وَ لِّ نِهَى عن بيعِ الحيوانِ باللحمِ. مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ التمهيد نهى عن بيعِ الحيوانِ باللحم(١). كثيرٌ. وعوَّل علماؤنا فيها من(١) طريقِ المعنى على أن الشَّيْرَجَ() بالسّمْسِم لا القبس يجوز ؛ لأنه يخرج منه، فكذلك اللحم بالحيوان ، وتحريژ ذلك وتفصیلُه فى ((مسائلِ الخلافِ)). فأما بيعُ اللحمِ باللحم فإنهما مالا ربًا )، وأموالُ الربا بشروطِها من اعتبارِ الجنسِ مِن ربا الفضلِ والنَّساءِ، واعتبارُ القوتِ فى ربا النَّساءِ خاصةً ، مذ کورٌ فی کتبٍ المسائلِ . مسألةٌ أصوليةٌ: قال بعضُ علمائِنا حينَ تعلَّق بحديثٍ نهي النبيِّ بَِّ عن بيعِ اللحم بالحيوانِ : هذا حديثٌ تلقَّتْه الأُمةُ بالقَبولِ فوجب القضاءُ به . وهذا جهل منه بطرقِ الحديثِ ، فليست شهرةُ الحديثِ بموجبةٍ لصحتِهِ إجماعًا، وهذا الحديثُ ما تلقَّتْه الأمةُ بالقَبولِ ؛ فإن أهلَ الكوفةِ ردُّوه، وقد عدَّ العلماءُ الأحاديثَ (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٨٣)، وبرواية يحيى بن بكير (١٤/٩ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٦١٣). وأخرجه الشافعى ٣/ ٨١، وأبو داود فى المراسيل ص ١٣٣، والدار قطنى ٧١/٣، والحاكم ٣٥/٢، والبيهقى ٢٩٦/٥، وفى المعرفة (٣٣٧٨) من طريق مالك به . (٢) فى م: ((على)). (٣) الشيرج : دهن السمسم ، وربما قيل للدهن الأبيض وللعصير قبل أن يتغير ؛ تشبيهًا به لصفائه . التاج (ش ر ج) . (٤) فى ج، م: ((ربويًّا)). (٥) فى ج، م: ((التفاضل)). ٦٣ الموطأ التمهيد قال أبو عمرَ: لا أعلمُ هذا الحديثَ يَتَصِلُ من وجهٍ ثابتٍ من الوجوهِ عن النبيِّ وَ لَّ، وأحسنُ أسانيدِه مرسلُ سعيدِ بنِ المَسيَّبِ هذا، ولا خلافَ عن مالكِ فى إرسالِهِ ، إلَّا ما حدثنا خلفُ بنُ قاسم ، حدثنا محمدُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ، حدثنا أبى، حدثنا أحمدُ بنُ حمَّادِ بنِ سفيانَ الكوفىُ، حدَّثنا يزيدُ بنُ عمرٍو الغَنَوِىُّ(١) ، حدَّثنا يزيدُ بنُ مروانَ(٢) ، أخبرنا مالُ بنُ أنس ، عن ابن شهاب ، عن سهل بن سعدِ السَّاعدِئِ ، قال : نھَی رسولُ اللهِ وَ لّ عن بيعِ اللحمِ بالحيوانِ(٣) . وهذا حديثٌ إسنادُه موضوعٌ، لا يَصِحُ عن مالكٍ ، ولا أصلَ له فى حديثه . القبس المشهورةَ المتداوَلةَ على الألسنةِ وليست بصحيحةٍ، وذكّروا منها نُبَذًا كحديثٍ: ((الخراج بالضمانِ)) )). وحديثٍ: ((رُفع عن أمتى الخطأ والنسيانُ))(٥). ودونَهما حديثُ: ((لا يأْوِى الضالَّةَ إلا ضالٌ))(١). وذلك مذ كورٌ فی کتبٍ الحديثِ . (١) فى النسخ: ((العبدى)). والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر ثقات ابن حبان ٢٧٧/٩. (٢) فى النسخ: ((هارون)). والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر الثقات ٢٧٦/٩، وميزان الاعتدال ٤٣٩/٤. (٣) أخرجه الدارقطنى ٣/ ٧٠، ٧١، وابن الجوزى فى التحقيق (١٤٢٠) من طريق أحمد بن حماد ابن سفيان به . (٤) أخرجه أحمد ٢٧٢/٤٠ (٢٤٢٢٤)، وأبو داود (٣٥٠٨)، والترمذى (١٢٨٥)، والنسائى (٤٥٠٢)، وابن ماجه (٢٢٤٣). (٥) تقدم تخريجه فى ٥٣٣/١١. (٦) أخرجه أحمد ٥٢٠/٣١ (١٩١٨٤)، وأبو داود (١٧٢٠)، وابن ماجه (٢٥٠٣)، والنسائى فى الكبرى (٥٧٩٩) . ٦٤ الموطأ صَلى الله التمهيد ورواه معمرٌ، عن زيد بن أسلمَ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، أنَّ النبيَّ وَاتِ نهَى عن بيعِ اللَّحم بالشَّاةِ الحيّةِ (١) . هذا لفظُ حدیثِ معمرٍ ، قال زيدُ بنُ أسلم: نظرةً ، ويدًا بيدٍ . هكذا قال معمر، عن زيد بن أسلمَ . وقد اختلف الفقهاءُ فى القولِ بهذا الحديث، وفى معناه؛ فكان مالكٌ يقولُ : المرادُ من هذا الحديثِ تحريمُ التَّفاضلِ فى الجنسِ الواحدِ، وهو عندَه من بابِ المزابنَةِ والغَرَرِ؛ لأَنَّه لا يدرِى هل فى الحيوانِ مثلُ اللحم الذى أعطَى أو أقلَّ أو أكثرُ. وبيعُ اللحم باللحم لا یجوزُ مُتَفاضلا ، فكذلك بیئ الحیوانِ باللحم إذا كانا من جنسٍ واحدٍ ، والجنسُ الواحدُ عندَه؛ الإبلُ، والبقرُ، والغنمُ، وسائرُ الوحشِ، وذواتُ الأربع المأكولاتُ، هذا كلُّه عندَه جنسٌ واحدٌ ، لا يجوزُ بيعُ لحمِه بلحمِه إِلَّ مثلًا بمثل، وقد أجازَه على التَّحَرِّى، ولا يجوزُ حيوانُه بلحمِه عندَه أصلًا؛ من أجل المزابنةِ. ومن هذا البابِ عندَه الشَّيْرَقُ بالسّمْسِم، والزيتُ بالزیتونِ ، لا يجوزُ شیءٌ منه علی حالٍ ، والطیر کلَّه عندَه جنسٌ واحدٌ ، والحِيتانُ كلُّها جنسٌ واحدٌ. وما ذكَرتُ لك من أصلِه فى بيع الحيوانِ باللَّحم هو المذهبُ المعروفُ عنه، وعليه أصحابُه، إلّا أشهبَ ، فإِنَّه لا يقولُ بهذا الحديثِ ، ولا بأسَ عندَه ببيعِ اللَّحمِ بالحيوانِ القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (١٤١٦٢) عن معمر به. ٦٥ ( موسوعة شروح الموطأ ٥/١٧ ) الموطأ التمهيد من جنسِه ومن٢) غيرِ جنسِه. حكَى ذلك محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم وغيرُه عنه . قال ابنُ القاسمِ: من سلَّم فى دجاجٍ، فأخَذ فيها عندَ محلولِ الأَجَلِ طيرًا من طيرِ الماءِ، لم يَجُزْ؛ لأَنَّ طيرَ الماءِ إنَّما يُرادُ للأكلِ لا لغيرِه. وقال أشهبُ: ذلك جائزٌ. وقال الفضلُ بنُ سلمةً(٢): كان ابنُّ القاسم لا يُجِيزُ حَىَّ ما يُقتَنَى بحَىٌّ ما لا يُقتَنَى، لا مِثلًاً بمثل، ولا مُتَفاضلًا؛ للحديثِ الذى جاء فيه النَّهى عن اللَّحم بالحيوانِ ، وأجاز حَىَّ ما يُقْتَنَى بِحَىٍّ ما (٣) يُقْتَنَى مُتَفاضلًا، وأجاز حَىَّ ما لا يُقْتَنَى بحىِّ ما لا يُقْتَنَى على التَّحَرِّى. قال الفضلُ: لأَنَّه إِن كان لحمًا فلا بأسَ ببيعِ بعضِه ببعضٍ على التَّحَرِّى، وإن كان حيوانًا فهو يجوزُ مُتفاضلًا ، فكيف تحرّیًا ! قال أبو عمرَ: وقد قال غيرُه من المالكيِينَ: لا يَجوزُ التَّحَرِّى فى المذبوحِ إذا لم يُسْلَخْ ويُجَرِّدْ ويُوقَفْ على ما يُمْكِنُ تَحَرِّيه منه. وهو القبس (١) سقط من: م. (٢) الفضل بن سلمة بن جرير بن منخل الجهنى أبو سلمة البجانى، لقى جماعة من أصحاب سحنون ، و کان من أوقف الناس علی الروايات، وأعرفهم باختلاف أصحاب مالك، و کان من أعلم الناس بمذهب مالك، له مختصر فى ((المدونة))، و (مختصر الواضحة))، وغيرهما، توفى سنة تسع عشرة وثلاثمائة. جذوة المقتبس ص ٣٢٧، وبغية الملتمس ص ٤٤٣، والديباج المذهب ١٣٧/٢. (٣) بعده فى ص ٤: ((لا)). ٦٦ الموطأ ٠٠٠ ... الصحيح من القولِ فى ذلك إن شاء اللهُ . قال الفضلُ: وكان أشهبُ يُجيزُ التمهيد حَيَّ ما لا يُقتَنَى بحَىٌّ ما لا يُقْتَنَى، وبحَىِّ ما يُقتَنَى مُتفاضلًا . فكذلك أجاز أن يأخُذَ فى الدَّجاجِ والإوَزِّ طيرًا من طيرِ الماءِ. قال أبو عمرَ : إذا اختلَف الجنسان فلا خلافَ عن مالكٍ وأصحابِهِ أَنَّه جائزٌ بيعُ الحيوانِ حينئذٍ باللَّحمِ. وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ : لا بأسَ باللحم بالحیوانِ ، من جنسِه ومن غیرٍ جنسِه علی کلُ حالٍ بغيرِ اعتبارٍ . وهو قولُ أشهبَ . وقال محمدُ بنُ الحسنِ: لا يَجوزُ إلَّا على الاعتبارِ. قال أبو عمرَ : الاعتبارُ عندَه نحوُ الَّحرِّى عندَ ابنِ القاسمِ، فافهَمْ . وقال الليثُ بنُ سعدٍ والشافعىُّ وأصحابُه: لا يَجوزُ بيعُ اللّحم بالحيوانٍ على كلِّ(١) حالٍ، من جنسِه ولا من غيرِ جنسِه، على عمومٍ الحديث . قال أبو عمرَ : قال الشافعىُّ بهذا الحديثِ وإن كان مرسلًا، وأصلُه ألَّ يَقبلَ المراسيلَ إلّ مراسيلَ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، فإِنَّه زعَم أَنَّه افتَقَدها فوجدها صِحاحًا . قال أبو یحیی ز کریًّا بنُ یحیی السّاچئُ : سمِعتُ عیسی ابنَّ شَاذانَ يقولُ: إرسالُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ عن رسولِ اللهِ وَهِ يُوَازِى إِسنادَ غيرِهِ. وقال المزنىُ: القياسُ أن يجوزَ ، إِلَّا أن يَثْبُتَ فيه الحديثُ فلا القبس (١) سقط من: ص ٤. ٦٧ الموطأ التمهيد يَجوزُ، أَتِباعًا للأثرِ وتَركًا للقياسِ. قال أبو عمرَ : فقهاءُ المدينةِ على كراهيةٍ بيعِ الحيوانِ باللَّحمِ، وهو العملُ عندَهم . وممَّن رُوِى ذلك عنه ؛ سعيدُ بنُ المسيَّبِ ، وأبو بكرٍ بنُ عبد الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ ، وعروةُ بنُ الزبيرِ ، والقاسمُ بنُ محمدٍ ، كلُّهم كانوا يُحَرِّمون بیعَ الحيوانِ باللحم، عاجلاً وآجلاً . وذكّر مالكٌ(١)، عن أبى الزِّنادٍ، قال: كلُّ من أدرَكتُ ينهَى عن بيعِ الحيوانِ باللَّحم . قال أبو الزِّنادِ : وكان يُكتَبُ ذلك فى عهودِ العُمَّالِ فی زمانٍ أبانِ بنِ عثمانَ وهشامِ بنِ إسماعيلَ. قال أبو الزِّنادِ: وسمِعتُ سعيدَ ابنَ المسيَّبِ يقولُ : نُهِى عن بيعِ الحيوانِ باللحم. قال : فقلتُ لسعيدِ بنِ المُسيَّبِ : أَرَأْيتَ رجلاً اشترَى شارفًا بعَشْرِ شِياهٍ؟ فقال سعيدٌ : إن كان اشتراها لينْحَرَها ، فلا خيرَ فى ذلك . وذكَر مالكٌ(٢) أيضًا، عن داودَ بنِ الخُصينِ، أنَّه سمِع سعيدَ بنَ المسئَّبِ يقولُ: كان من مَيْسِرِ أهلِ الجاهليَّةِ بيعُ الحيوانِ باللّحم ؛ بالشاةِ والشاتَيْنِ . وهذا يدُلَّ على مذهبٍ مالكِ فى هذا البابِ ، أَنَّه من طريقِ القِمارِ القبس (١) سيأتى فى الموطأ (١٣٩١). (٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٩٠). ٦٨ الموطأ والمُزابَةِ ، واللهُ أعلمُ؛ لأَنَّه ذكَر الميسِرَ، وهو القِمارُ. قال إسماعيلُ بنُّ التمهيد إسحاقَ : وإنَّما دخَل ذلك فى معنَى المزابنةِ ؛ لأنَّ الرجلَ لو قال للرجلِ : أنا أضمن لك من جزورك هذه ، أو من شاتِكَ هذه، کذا و کذا ڕطلًا، فما زاد فلى ، وما نقَص فعلَىَّ. كان ذلك هو المزابنةَ ، فلمَّا لم يَجُزْ ذلك لهم، لم يَجُزْ أن يَشتَروا الجزورَ ولا الشاةَ بلحم ؛ لأنَّهم يَصيرون إلى ذلك المعنَى . قال : ولهذا قال سعيدُ بنُّ المسيّبِ: إن كان اشترى الشَّارِفَ لینحَرَها ، فلا خيرَ فى ذلك. قال إسماعيلُ: لأَنَّه إذا اشتراها ليَنحَرَها فكانَّه اشتراها بلحم، ولو كان لا يريدُ نحرّها لم يكنْ بذلك بأسٌ ؛ لأنَّ الظاهرَ أَنَّه اشتَرَى حيوانًا بحيوانٍ ، فؤُكِلَ إلى نِيَّتِه وأمانَتِهِ . قال أبو عمرَ: قد أوضَحنا مذهبَ مالكِ وغيرِه فى المزابنةِ فی بابٍ داودَ بنِ الخُصينِ ) . ومن ذهَب إلى كراهيةٍ بيع الحيوانِ بأنواع اللّحومِ، فالحجّةُ له ظاهرُ الحديثِ؛ لأنَّ حقيقةَ الكلام أن يكونَ على عمومِه، ويُحمَلَ على ظاهرِهِ، إلّا أن يُزِيحَه عن ذلك دليلٌ يجبُ التسليمُ لمثله . ورُوِى عن ابنِ عباسٍ فى هذا روايتانٍ؛ إحداهما، إجازةُ بيعِ اللحم بالشاة . والثانيةُ ، كراهيةُ ذلك(٢) . وهو الأشهر عنه. ورُوِی عن ابنِ عباسٍ أيضًا أنَّ جَزورًا نُحِرَتْ على عهد أبى بكرِ الصِّدِّيقِ، فقُسِمَتْ على عشَرةٍ مجم القبس (١) تقدم فى ٣٦١/١٦ - ٣٦٧. (٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٤١٦٤، ١٤١٦٧)، والمحلى ٩/ ٥٩٢. ٦٩ الموطأ ٠ التمهيد أجزاءٍ، فقال رجلٌ: أعطُونى مُجُزْءًا بشاةٍ. فقال أبو بكر: لا يَصلُحُ هذا(١). قال الشافعىُّ: ولا أعلمُ مُخالِفًا من الصحابة لأبى بكرٍ فى ذلك . وروَى الثورىُّ أيضًا، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أَنَّه كرِه أن يُباعَ حَيٍّ بمَيِّتٍ . يعنى الشاةَ المذبوحةَ بالقائمةِ . قال سفيانُ : ولا نری به بأسا . ذكره عبدُ الرزاقِ(٢)، عن الثورِئِّ. قال أبو عمرَ : جُملةُ مذهبٍ مالكِ فى هذا البابِ أَنَّ الأزواجَ الثمانيةَ ، وهى الإِبلُ، والبقرُ، والضَّأْنُ، والمعزُ، وكذلك الجوامِيسُ، والظُّبَاءُ، (٣ والثياتلُ(٣) ، ومحُمُرُ الوحشِ، وكلُّ ذى أربعٍ ممَّا يَجوزُ أكلُه، كلُّ ذلك صنفٌ واحدٌ ، لا يَجوزُ حيوانٌ منه بلحم بعضِه على حالٍ ، ولا لَحمُ بعضِه ببعضٍ إلَّا مثلًا بمِثْلٍ، ولحومُ الطيرِ كلُّها صنفٌ واحدٌ؛ الإوَزُّ، والبَطُّ ، والدَّجائجُ، والنَّعامُ، والحِدَأُ، والرَّخَمُ، والنُّشُورُ، والعُقْبَانُ، والغُرابُ، والحمام، واليمامُ. وكلُّ ذِى رِيشٍ من طيرِ الماءِ وطيرِ البَرِّ لا يجوزُ حَىُّ ذلك كلّه بمذبوح شىءٍ منه على حالٍ ، ولا يَجوزُ لحمُ شيءٍ منه بشىءٍ مِن القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (١٤١٦٥). (٢) عبد الرزاق (١٤١٦٣). (٣ - ٣) سقط من: م. والثياتل جمع الثيتل، وهو الوَعِل عامة، وقيل: الذكر المسن من الوعول، وقيل: هو ذكر الأروى. اللسان (ث ت ل). ٧٠ ١٣٩٠ - مالكٌ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ الموطأ يقولُ : من مَيسِرِ أهلِ الجاهليةِ بيعُ الحيوانِ باللحمِ ؛ بالشاةِ والشاتينِ . الجنسِ المذكورِ، إلّا مثلاً بمِثْلِ، ويجوزُ على التَّحرِّى. قال ابنُ عبدِ التمهيد الحكم : لا يَجوزُ التَّحْرِّى إِلَّا فيما قلَّ ممَّا يُدرَكُ ويَلحَقُه التَّحْرِّى، وأمَّا ما كثُر فلا يَجوزُ فيه التَّحْرِّى؛ لأَنَّه لا يُحاطُ بعلْمِه، ويجوزُ لحمُ الطيرِ بحَىّ الأنعامِ وذَواتِ الأربع، یدًا بتدٍ وإلى أجلٍ ، إذا كان المذبوح مُعَّلاً قد ◌ُسِر عن لحمِه وعُرِف، وكانت القُنيَةُ تصلُحُ فى الحَىِّ منهما، وأمَّا ما يُستَحتَى ويُقْتَنَى من الجنسين جميعًا ، فلا بأسَ بواحدٍ منه باثنينِ يدًا بيدٍ ، فإذا اختلَف الجنسانِ ، جاز الأجلُ. هذا كلُّه هو المشهورُ من مذهبٍ مالكٍ وأصحابِهِ ، إِلَّا أشهَبَ على ما ذكرتُ لك(١) . وعلى مذهبٍ الشافعىِّ لا يَجوزُ حَىٍّ بميِّتٍ من جميعِ اللُّحومِ والحيوانِ . وعلى مذهبٍ أبى حنيفةَ ذلك كلُّه جائزٌ، وله حُججٌ كثيرٌ من طريقِ الاعتبارِ ، ترَكتُ ذكرَها . مالك، عن داودَ بنِ الخُصينِ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقول : مِن الاستذكار مَيْسِرِ الجاهليةِ بيعُ الحيوانِ باللحمِ ؛ بالشاةِ والشاتَيْن(٢) . القبس (١) سقط من: ص ٤. (٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٨٢)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٩ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٦١٤). وأخرجه البيهقى ٢٩٧/٥، والبغوى فى شرح السنة عقب (٢٠٦٦) من طريق مالك به . ٧١ ٠ ١٣٩١ - مالك، عن أبى الزِّنادِ ، عن سعيد بن المسيب ، أنه كان الموطأ يقولُ: نُهِىّ عن بيعِ الحيوانِ باللحمِ . قال أبو الزِّنادِ: فقلتُ لسعيدِ بنِ المسيَّبِ: أرأيتَ رجلًا اشتَرَى شارفًا بعشْرِ شِياهٍ ؟ فقال سعيدٌ: إن كان اشتراها لِينحَرَها، فلا خيرَ فى ذلك. قال أبو الزنادٍ : وكلّ مَن أدركتُ من الناسِ ينهون عن بيع الحيوانِ باللحمِ . قال أبو الزنادٍ : و کان ذلك يُكتبُ فى عهودِ العُمَّالِ فی زمانٍ أُبانِ ابنِ عثمانَ وهشامٍ بنِ إسماعيلَ؛ يَنهَوْن عن ذلك . الاستذكار مالكٌ ، عن أبی الزنادِ ، عن سعيد بن المسيَّبِ ، أنه کان یقولُ : نُھِی عن الحيوانِ باللحم. قال أبو الزنادِ : فقلتُ لسعيدِ بنِ المسيَّبِ: أرأيتَ رجلًا اشْتَرى شارِفًا بعشْرِ شياهٍ؟ فقال سعيدٌ: إن كان اشتراها ليَنْحَرَها، فلا خيرَ فى ذلك. قال أبو الزنادٍ : وكلَّ مَن أدركتُ يَنْهَون عن بيعِ الحيوانِ باللحم . قال أبو الزنادٍ : و کان یُکتبُ ذلك فی ◌ُهُودِ العمالِ فى زمانِ أبانِ ابنِ عثمانَ وهشامٍ بنِ إسماعيلَ؛ يَنْهَون عن ذلك (١)(*). القبس أ .. (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٨١)، وبرواية يحيى بن بكير (١٤/٩ ظ، ١٥ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٦١٥ - ٢٦١٨). وأخرجه البيهقى ٢٩٧/٥ من طريق مالك به . (*) هنا ينتهى الخرم فى المخطوط (ب)) والمشار إليه ص ٦٠. ٧٢ الموطأ بيعُ اللحمِ باللحمِ ١٣٩٢ - قال مالكٌ: الأمرُ المجتمَعُ عليه عندَنا فى لحم الإبلِ والبقر والغنم وما أشبه ذلك من الوَحْشِ، أنه لا يُشتَرى بعضُه ببعضٍ إلا مِثلًا بمثل، وزنًّا بوزنٍ ، يدًا بيدٍ ، ولا بأسَ به وإن لم يُوزَنْ إذا تُحُرِّىَ أن یکون مثلًا بمثل، بدا ییدٍ . قال مالكٌ : ولا بأسَ بلحم الحِيتانِ بلحم البقرِ والإِبلِ والغنم وما أُشبَهَ ذلك من الوحوشِ كلِّها؛ اثنانٍ بواحدٍ وأكثرَ من ذلك، يدًا بيدٍ ، فإن دخَل ذلك الأجلُ فلا خيرَ فيه. الاستذكار بابُ بيعِ اللحمِ باللحم قال مالكٌ: الأمرُ المُجتَمعُ عليه عندَنا فى لحمِ الإبلِ والبقرِ والغنم وما أشبه ذلك مِن الوحش، أنه لا يُشترى بعضُه ببعضٍ إلّا مِثْلًا بمِثْلِ، وَزْنًا بوزنٍ ، يَدًا بَيَدٍ ، ولا بأسَ به وإن لم يُوزَنْ إذا تُحُرِّىَ أن يكونَ مِثْلًا بمِثْلِ ، يَدًا بید . قال مالك: ولا بأسَ بلحم الحِيتانِ بلحمِ الإبلِ والبقر والغنم وما أشبه ذلك مِن الوحوش كلّها ؛ اثنان بواحدٍ وأكثر من ذلك ، يدًا بيدٍ ، فإن دخّل ذلك الأجلُ فلا خيرَ فيه . القبس ٧٣ الموطأ قال مالكٌ: وأُرَى لحومَ الطيرِ كلَّها مخالفةً للحومِ الأنعامِ والحيتانِ، فلا أرَى بأسًا بأن يُشترَى بعضُ ذلك ببعض مُتفاضلًا ، يدًا بيدٍ ، ولا يُباعُ شىءٌ من ذلك إلى أجلِ. قال مالكٌ : وأرَى لحومَ الطيرِ كلَّها مُخالفةٌ للحومِ الأنعامِ والحِيتانِ، الاستذكار فلا أرَى بأسًا أن يُشترَى بعضُ ذلك ببعضٍ مُتفاضِلًا، يَدًا بيَدٍ ، ولا يُياُ شىءٌ مِن ذلك إلى أجل (١). قال أبو عمر : هذا مذهب مالك لا خلافَ عنه فى ذلك . وذكر ابنُ القاسم وغيرُه فى الألبانِ مثلَ ذلك. وهو قولُ الليثِ بنِ سعدٍ فى اللحومِ والألبانِ سواءً. وأما الشافعىُّ فذكَر المُزنئُ عنه قال: اللحمُ كلَّه صِنفٌ واحدٌ؛ وَحْشِيُّه وإنسيُّه وطائرُه، لا يجوزُ بيعُه(٢) إِلَّا مِثْلًا بمِثْلِ، وزنًا بوزنٍ. وجعله فى موضعٍ آخرَ على قولين؛ أحدُهما ما ذكرنا . والآخرُ، أن لحمَ البقرِ صنفٌ غيرُ لحمٍ الإبلِ وغيرُ لحم الغنم. قال المُزنىُّ: قد قطَع بأن ألبانَ البقرِ والغنمِ والإبلِ أصنافٌ مختلفةٌ. قالَ: فُحومُها التى هى أصولُ الألبانِ أولَى بالاختلافِ . وقال الشافعىُّ فى ((الإملاءِ)): إذا اختلفتْ أجناسُ الحِيتانِ، فلا بأسَ يبيعٍ بعضِها ببعضٍ مُتفاضِلًا. قال: وكذلك لحومُ الطيرِ إذا اختلَفتْ أجناسُها . وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ : لحم الضأن والماعزِ شىءٌ واحدٌ، وكذلك البُخْتِىُّ مِن الإبلِ مع العربىِّ، وكذلك البقرُ مع القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/٩ و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٦١٩ - ٢٦٢١). (٢) بعده فى ب: (حتى يتبين)). ٧٤ الموطأ ما جاء فى ثمنٍ الكلب ١٣٩٣ - مالك، عن ابن شهاب ، عن أبی بکرِ بنِ عبد الرحمنِ الجواميسِ، فلا يُيامُ الجنسُ منها مُتفاضِلًا، ويبائحُ لحمُ البقرِ بلحم الغنمِ الاستذكار مُتفاضِلًا، وكذلك الأجناسُ المختلفةُ. وهو قولُ الحسنِ بنِ حىٍّ . والقولُ عندَهم فى الألبانِ كالقولٍ فى اللُّخْمانِ . وقال أحمدُ بنُ حنبل : اللُّحْمانُ كلُّها جنسٌ واحدٌ لا يجوزُ بعضُه ببعضِ رَطْبًا ، ويجوزُ إذا تناهَى جَفاقُه مِثْلًا بمِثْلٍ. قال أبو عمرَ: لا يجوزُ التَّحَرِّى عندَ الشافعىِّ، ولا عندَ أبى حنيفةً ، وأبى يوسفَ، (ومحمدٍ )، وأكثرِ العلماءِ - فى اللحم باللحم، ولا فيما يَخْرُمُ فيه التفاضلُ والزيادةُ . واللهُ أعلمُ . قال أبو عمرَ: ليس فى هذا البابِ أصلٌ مُجتمَعٌ عليه، ولا سُنَّةٌ يُصدَرُ عنها، وإنما هو الرأىُ والاجتهادُ والقياسُ. واللهُ الموفِّقُ. مالكٌ، عن ابن شهابٍ ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ بنِ التمهيد ما جاء فى ثمنٍ الكلب القبس ثبت عن النبيِّ وَلِّ أنه نهى عن ثمنٍ الكلبِ، واختلَفتِ الروايةُ فیه عن مالك وعلمائِنا بعدَه على قولين، وذلك فى كلبٍ يجوزُ الانتفائُ به ، فأما كلبٌ لا ينتفَعُ (١ - ١) سقط من: ح، ب. ٧٥ الموطأ ابنِ الحارثِ بنِ هشامٍ وعن أبى مسعودٍ الأنصارىِّ ، أن رسولَ اللهِ التمهيد هشامٍ(١)، عن أبى مسعودٍ الأنصارىِّ، قال: نهى رسولُ اللهِ وَِّ عِن ثَمَنِ القبس به فلا خلافَ أنه لا يجوزُ بيعُه، ولا تلزَمُ قيمتُه لمُثْلِفِه، وقال الشافعيُّ: ثمنُه حرامٌ. وقال أبو حنيفةً: ثمنُه جائزٌ. ولم يَزَلْ مالكٌ عُمُرَه كلَّه يقولُ: أكرَهُه . (١) قال أبو عمر: ((وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، قرشی، مخزومى، ذكرنا نسبه عند ذكر الحارث بن هشام، فى كتابنا فى ((الصحابة))، فأغنى عن ذكره هلهنا . وأبو بكر هذا أحد فقهاء التابعين بالمدينة العشرة الذين كان عليهم مدار الفتوى فى زمانهم، وقد ذكرناهم، ولد فى خلافة عمر بن الخطاب، وأمه فاختة بنت عنبة بن سهيل بن عمرو، قرشية، عامرية، واسمه كنيته، وقد قيل: إن اسمه المغيرة. ولا يصح. والصحيح أن اسمه كنيته ، واستصغر يوم الجمل، فرد من الطريق هو وعروة بن الزبير، وكان يقال له : راهب قريش. لكثرة صلاته وعبادته، وقال مالك رحمه الله: ما بلغنى أن أحدا من التابعين اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن، وذلك لشدة الاعتكاف فيما أرى والله أعلم. وكان عبد الملك بن مروان مكرمًا لأبى بكر هذا مجلًّا له، وأوصى الوليد وسليمان باكرامه، وقال عبد الملك: إنى لأهم بالشىء أفعله بأهل المدينة لسوء أثرهم عندنا، فأذكر أبا بكر، فأستحى منه، فأدع ذلك الأمر. وكان موته فجأة ، ويقولون: إنه صلى العصر ثم دخل مغتسله، فسقط، وكان قد كف بصره، فجعل يقول: والله ما أحدثت فى صدر نهارى شيئا. فما غربت الشمس حتى مات، وذلك سنة أربع وتسعين بالمدينة. وفى هذه السنة توفى جماعة من الفقهاء؛ منهم على بن حسين، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، ذكر هذه الجملة من خبره الواقدى، والطبرى، ومصعب الزبيرى. وذكر الحسن الحلوانى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنى الليث، قال: حدثنى يحيى بن سعيد، أن عروة بن الزبير كان يستودع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأنه استودعه عشرين ألف دينار، فسرقت ، فاتهم بها أبو بكر بن عبد الرحمن امرأة من العرب كانت عندهم، فحذرها، واشتد عليها ، وخوفها ، فاعترفت بأنها أخذتها، وأنها عندها، وأنها تؤديها ، فأرسل أبو بكر بن عبد الرحمن إلى مشايخ من قريش، فأشهدهم على اعترافها، وفيهم القاسم بن محمد، وهو يومئذ من أحدثهم سنا،= ٧٦ نهى عن ثمنِ الكلبِ ، ومَهرِ البغىِّ، وحُلوانِ الكاهنِ . يعنى بمهرِ الْبَغِىّ الموطأ الكَلبِ ، ومَهْرِ البغِىٌ، وَحُلْوانِ الكَاهِنِ(١) . التمهيد وحمّل بعضُ أصحابِنا لفظَه على التحريم، وحمَله آخرون على أنَّ تركّه خيرٌ مِن القبس أخذِهِ على أصلِ المكروهِ، والصحيحُ عندى جوازُ بيعِه وحِلُّ ثمنِه؛ لأنه عينٌ يجوزُ اتخاذُها والانتفاع بها ويصِحُ تملُّكُها، بدليلٍ وجوبِ القيمةِ على متلفِها ، = فخلى سبيلها، فلما خرجت من داره، وأمنت ، قالت: ما أخذت من ذلك قليلا ولا کثیرا . فخاصمها إلى أبان بن عثمان، وهو أمير المدينة، فسأل الشهود عن شهادتهم، فشهدوا أنها اعترفت بعشرين ألف دينار، وأنها مؤديتها، فسألهم رجلا رجلاً حتى بلغ القاسم بن محمد، فقال: ماذا تشهد به يا قاسم؟ فقال: أشهد أن أبا بكر دعانا لنشهد على هذه المرأة، وهى فى الحديد، ظاهرا عليها الضرب، فاعترفت بأنها أخذت العشرين ألفا. فأقبل أبان على المشايخ، فقال: أكان أمرها على ما ذكر القاسم؟ قالوا: نعم. قال: فما منعكم أن تقولوا كما قال؟ فلولا مكانه لقضیت عليها بعشرين ألف دینار، يا قاسم : جئت والله بالشهادة على وجهها كما قال الله عز وجل. قال: فارتفع أمر القاسم من يومئذ عند الناس، وفطنوا لفضله، وكان المال لولد مصعب بن الزبير، فباع أبو بكر ماله بعشرين ألفا، حتى أداها إلى عروة، فقال له عروة : والله ما عليك منها شىء، إنما أنت مستودع، فأبى أبو بكر إلا أن يغرمها. وحدثنى عبد الوارث ابن سفیان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ، قال : حدثنا أحمد بن زهير، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب بن خالد، عن داود بن أبى هند، عن عامر الشعبى، عن عمر بن عبد الرحمن، أن أخاه أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كان يصوم الدهر ولا يفطر. قال: وحدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا حماد بن أسامة ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: رُددت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام من الطريق يوم الجمل؛ استُصغرنا. وإياه عنى عبيد الله بن عبد الله بقوله: شهيدى أبو بكر فنعم شهيد. فى أبيات أذكرها فى باب عبيد الله إن شاء الله تعالى)). تهذيب الكمال ١١٢/٣٣، وسير أعلام النبلاء ٤ / ٤١٦. (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/٩و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٦٢٢). وأخرجه البخارى (٢٢٨٢)، ومسلم (١٥٦٧) من طريق مالك به. ٧٧ الموطأ ما تُعطاه المرأةُ على الزنى . وحلوانُ الكاهنِ رِشوتُه، وما يُعطَى على أن یتکاهنَ . قال مالكٌ : أكرَهُ ثمنَ الكلبِ الضارِى وغيرِ الضارِى ؛ لنهي رسولٍ اللَّهِ وَلّهِ عِن ثمنِ الكلبِ . التمهيد وقَع فى نُسخةٍ ((موطأُ يحيى)): وعن أبى مسعودٍ الأنصارىِّ. وهذا مِن الوهمِ البَيِّنِ والغَلَطِ الواضِحِ الذى لا يُعَرَّجُ على مثلِه، والحديثُ محفوظٌ فى جميعِ (الموطّآتِ)) وعندَ رُوَاةِ ابنِ شهابٍ كلِّهم لأبى بكرٍ، عن أبى مسعودٍ، وأمَّا لابنٍ شهابٍ، عن أبى مسعودٍ فلا، (ولا١) يُلتَفَتُ إلى مثلِ هذا؛ لأَنَّه مِن خطأُ البَدِ وسُوءِ النَّعْلِ، وأبو مسعودٍ هذا اسمُه ◌ُقْبَةُ ابنُّ عمرٍو، ويُكْنَى أبا مسعودٍ الأنصارىَّ، يُعرَفُ بالبدرِىِّ؛ لأنَّه كان یسگنُ بدرًا ، واختلف فی شُهوده بدرًا، وقد ذكرناه فى (٢ كتابنا فى٢) ((الصّحابةِ))(٢) بما فيه كفايةٌ . حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنٍ كاملٍ (٤)، وعمرُ(٥) القبس فجاز بيعُها؛ لأن هذه الأوصافَ هى أركانُ صحةِ البيع، ولولا جوازُ بيعِه مِن أین - (١ - ١) سقط من: م. (٢ - ٢) فى م: ((كتاب)). (٣) الاستيعاب ١٧٥٦/٤. (٤) فى ق: ((تامر)). وينظر بغية الملتمس ص ٢٨٧. (٥) فى ر: ((عمرو)). وينظر المصدر السابق. ٧٨ الموطأ ابنُ محمدِ بنِ القاسم، ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسوَرِ ، قالوا : حدثنا(١) بكو التمهيد ابنُ سَهلٍ ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ یوسفَ ، حدثنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارِثِ بنِ هشامٍ، عن أبى مسعودٍ الأنصارىِّ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهُ نَهَى عن ثَمَنِ الكلبِ، ومَهْرِ الْبَغِىّ، ومحلْوانِ الكَاهِنِ(٢) . قال أبو عمرَ : فى هذا الحديثِ ما اتُّفِقَ عليه ، وفيه ما اختُلِف فيه ؛ فأمّا مَهِرُ الْبَغِيُّ - والبَغِىُ الزَّانيةُ، ومَهرُها ما تأخُذُه على زِنَاها - فمُجتَمَعٌ على تحريمِه ، تقولُ العربُ: بَغَتِ المرأةُ، إذا زَنَت ، تَبَغِى بِغَاءً، فهى بَغِىٌّ ، وهُنَّ الْبَغَايَا . قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]. يعنى زانِيَةً. وقال: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]. يعنى الزِّنى، وهو مصدرٌ . كان يوصَلُ إليه، كما لا يُوصَلُ" إلى سائرِ الأموالِ إلا بالبيع والهبةِ، وقد مهَّدْنا القبس ذلك فى ((مسائل الخلافِ(٤))). (١) بعده فى ر، م: ((أبو)). وينظر تهذيب الكمال ٤٣٣/١٦. (٢) أخرجه البخارى (٢٢٣٧) عن عبد الله بن يوسف به. وأخرجه أحمد ٣٠٢/٢٨ (١٧٠٧٠)، والبخارى (٥٣٤٦، ٥٧٦١)، ومسلم (١٥٦٧)، وأبو داود (٣٤٢٨، ٣٤٨١)، والترمذى (١١٣٣، ١٢٧٦، ٢٠٧١)، والنسائى (٤٣٠٣، ٤٦٨٠)، وابن ماجه (٢١٥٩) من طريق ابن شهاب به . (٣ - ٣) سقط من : د . (٤) فى م: ((الأحكام))، وأشار فى حاشية د إلى أنه فى نسخة: ((الأحكام)). ٧٩ الموطأ وأمَّا حُلْوَانُ الكاهِنِ فَمُجتمَعٌ أيضًا على تحرِيمِه . قال مالكٌ: وهو ما التمهيد يُعطَى الكاهِنُ على (١) كَهانَتِهِ. والحُلْوَانُ فى كلام العربِ: الرّشوةُ والعَطِيَّةُ، تقولُ منه: حَلَوْتُ الرجلَ حُلْوانًا. إذا رَشَوتَه بشىءٍ. قال أوسُ بنُ (٢) حجرٍ (١): صَفَا صَخرةٍ صَمَّاءَ بَيْسٍ بِلاَلُها(٣) كأنِّی حَلَوْتُ الشِّعْرَ یومَ مدحتُه (*وقال علقمةُ» : ◌ُبلِّغُ عِّى الشِّعرَ إِذْ مات قائِلُه فمَن رجلٌ أحْلُوه رَحِلِى وناقَتِى وأمَّا ثَمَنُ الكلبِ فمُخْتَلَفٌ فيه، (°فظاهِرُ هذاْ) الحديثِ يشهَدُ لصِحَّةٍ قولٍ مَن نَهَى عنه وحَرَّمَه. وأمَّا اختلافُ العلماءِ فى ذلك، فقال مالكٌ فى ((موطئِه)): أكرَةُ ثَمَنَ الكلبِ الضَّارِى وغيرِ الضَّارِى لتَهْىِ رسولِ اللهِ وَّه عن ثَمَنِ الكلبِ . قال أبو عمرَ: رُوِى عن النبيِّ نَّ أَنَّه نَهَى عن ثَمَنِ الكلبِ مِن خمسةٍ القبس (١) فى الأصل: ((عن)). (٢) ديوانه ص ١٠٠، برواية: ((حين)). بدلًا من: ((يوم)) . (٣) البلال: كل ما يُيل به الحلق من ماء أو لبن. التاج (ب ل ل). (٤ - ٤) سقط من: ق، ر، وفى م: ((وقال غيره)). والبيت فى ديوان علقمة ص ١٣١ برواية: ((أحبوه). بدلًا من: ((أحلوه)). (٥ - ٥) فى الأصل: ((وظاهر)). ٠ ٨٠