Indexed OCR Text

Pages 161-180

الموطأ
عن أبى سعيد الخدرِىِّ، حدَّث به عنه ابنُ وهبٍ(١)، وعنبسةُ(١) ، والليثُ ، التمهيد
ولم يذكُرْ بعضُهم فيه هذا التَّفسيرَ، وقد يُمكِنُ أن يكونَ التفسيرُ قولَ
الليثِ ، أو لابنٍ شهابٍ. فاللهُ أعلمُ .
وروَى هذا الحديثَ معمرٌ() وابنُ عيينةَ (٤)، عن الزهرىٌّ ، عن عطاءِ بنِ
یزیدَ اللیثی ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، ولیس فى حديثهما التفسير الذی فی
حديثٍ الليثِ ، عن يونسَ، وهو تفسيرٌ مجتمَعٌ عليه، لا تَدافُعَ ولا تنازُعَ
فيه .
والملامسَةُ والمنابذَةُ بُيوع كان أهلُ الجاهلَّةِ یبایعونها ، وهی ما
تقدَّمَ وَصفُه، فنهَى رسولُ اللهِ وَّهِ عنها، وهى كلُّها داخِلٌ تحتَ الغَرَرِ
والقِمارِ، فلا يجوزُ شىءٌ منها بحالٍ .
القبس
(١) أخرجه سحنون ٢٠٦/٤، ومسلم (١٥١٢)، والنسائى (٤٥٢٣)، وأبو عوانة (٤٨٦٧)،
والبيهقى ٣٤٢/٥ من طريق ابن وهب به، وليس فى رواية النسائى تفسير الملامسة والمنابذة .
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٧٩) من طريق عنبسة به .
(٣) أخرجه أحمد ١٧٧/١٨، ٣٩٩ (١١٦٣٢، ١١٩٠٤)، والبخارى (٢١٤٧)، وأبو داود
(٣٣٧٨)، والنسائى (٤٥٢٧) من طريق معمر به. ولم يرد عند البخارى وأحمد فى الموضع
الثانى تفسير الملامسة والمنابذة .
(٤) أخرجه أحمد ٦٧/١٧ (١١٠٢٢)، والبخارى (٦٢٨٤)، وأبو داود (٣٣٧٧)، والنسائى
(٤٥٢٤)، وابن ماجه (٢١٧٠) من طريق ابن عيينة به، وجاء فى رواية ابن ماجه تفسير
الملامسة والمنابذة من قول ابن عيينة .
١٦١
( موسوعة شروح الموطأ ١١/١٧ )

الموطأ
وقد روَى هذا الحديثَ جعفرُ بنُّ بُرقانَ ، عن الزهرىِّ ، عن سالم، عن
التمهيد
أبيه، فأخطأ فى إسنادِه عندَ أهلِ العلم بالحديثِ، وفشّره أيضًا تَفسِيرًا
حسنًا بمعنَى ما تقدَّمَ .
حدَّثناه أحمدُ بنُّ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال : حدثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ،
قال : حدثنا الحارثُ بُ ابی أسامةً ، قال : حدثنا کثیرُ بنُ هشام ، قال : نا
جعفرُ بنُّ بُرقانَ ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن أبيه ، قال : نهى رسولُ اللهِ
وَلَّهُ عِن بَيْعَتَين؛ عن المنابذَةِ والملامسةِ، وهى يُيوعٌ كانوا يَتَبَايَعون بها
فى الجاهليَّةِ . قال كثيرٌ: فقلتُ لجعفرٍ: ما المنابذَةُ وما الملامسةُ؟ قال :
المنابذَةُ أن يقولَ الرجلُ للرجلِ : إذا نبَذْتُه إليك ، فهو لك بكذا وكذا .
والملامسَةُ: أَنْ يُعطِىَ الرجلُ الشىءَ، ثم يَلْمِسَه المُشترِى وهو مُغطّى لا
(١)
يراه(١) ..
قال أبو عمرَ : الأصلُ فى هذا البابِ كلِّه النَّهى عن القمارِ والمخاطرةِ ؛
وذلك الميسِرُ المنهِىُّ عنه، مع نهْيِ رسولِ اللهِ وَّه عن تَيعِ الغَررِ، وعن
تبيعِ الخَصاةِ . ومعنَى بَيعِ الحصاةِ أنَّهم كانُوا يقولون إذا تَبَايَعوا بَيعَ الحصاةِ
فى أشياء حاضرة العينِ : أىُّ شىءٍ منها وقعت عليه خصاتِی هذه فهو لك
بكذا. ثم يَرمِى الخَصاةَ. هذا كلُّه كان من ثُيُوعِ أهلِ الجاهِيَّةِ، فنهَى
القبس
(١) أخرجه الرويانى (١٤٠٧)، والعقيلى فى الضعفاء ١٨٤/١ من طريق كثير بن هشام به .
١٦٢

قال مالكُ فى الساج المُدرَج فى جِرابِهِ ، أو الثوبِ القُّبْطِيِّ المُذْرَجِ الموطأ
فى طَيِّه ، أنه لا يجوزُ بيعُهما حتى يُنشَرا ويُنظَرَ إلى ما فى أجوافِهما؛
وذلك أن بيعَهما من بيعِ الغَرَرِ، وهو من المُلامسةِ.
قال مالكٌ : وبيعُ الأعدالِ على البرنامَجِ مُخالِفٌ لبيعِ السَّاجِ فى
جِرابِهِ ، والثوبٍ فى طَيِّه، وما أشبه ذلك، فرقَ بين ذلك الأمرُ المعمولُ
به ، ومعرفةُ ذلك فى صدورِ الناسِ، وما مضَى من عملِ الماضينَ فيه،
وأَنَّه لم يَزَلْ من بيوعِ الناسِ الجائزةِ والتِّجارةِ بينَهم التى لا يَرَون بها
بأسًا؛ لأنَّ بيعَ الأعدالِ على البرنامَجِ على غيرِ نَشْرٍ لا يُرادُ به الغَرَرُ،
وليسَ يُشبِهُ المُلامسةَ .
رسولُ اللهِ وَلِ عنها.
التمھید
وقال مالكٌ فى السَّاجِ المُدْرَج فى جِرابِهِ، والثوبِ القُّبْطِىِّ المُدْرَج ، أنه
لا يَجوزُ بَيْعُهما حتى يُنشَرا ويُنْظَرَ إلى ما فى أجوافِهما(١)؛ وذلك أنَّ بيعَهما
من تَيْعِ الغَرَرِ، وهو من الملامسةِ. قال: وفرَق بينَ ذلك وبينَ بَيْعِ البَرِّ وغيرِه
فى الأَعدَالِ (٢) على البَرِنَامَجِ، الأمرُ المعمولُ به من عملِ الماضِين. وعندَ
القبس
(١) فى الأصل: «أجرابهما)).
(٢) الأعدال جمع العِدْلُ وهو نصف الحفل يكون على أحد جنبى البعير. التاج (ع د ل).
١٦٣

الموطأ
التمهيد مالكِ وأصحابِهِ من الملامسةِ البيعُ من الأعمَى على اللَّمْسِ بيَدِهِ ، ويَتْعُ البِّ
وسائرِ السّلَعِ ليلًا، دونَ صِفَةٍ .
وقال الشافعىُّ فى تفسيرِ المُلامسةِ والمنابَذَةِ نحوَ قولٍ مالكِ . قال
الشافعىُّ: معنَى الملامسةِ أن يَأْتِيَه بالثوبِ مِطْوِيًّا فيَلْمِسَه المشترِی ، أو يَأْتِیَه
به فى ظُلْمَةٍ فيقولَ ربُّ الثوبِ: أَبِعُكَ هذا على أنَّه إذا وجَب البَيعُ فتَظَرْتَ
إليه، فلا خيارَ لك. والمُنابَذَةُ أن يقولَ: أَتْبِذُ إليك ثوبِى هذا، وتَنِذُ إلىّ
تُؤْبَك، على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما بالآخرِ، ولا خيارَ إذا عَرَفنا الطُّولَ
والعرضَ . فهذا يَدُلُّ من قولِه على أنَّ الملامسةَ والمنابذةَ لو كان فيهما (١)
خِيارُ الرؤيةِ والنَّظرِ لم تَبْطُلْ. واللهُ أعلمُ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه :
الملامسةُ والمنابذةُ بَيْعانٍ لأَهلِ الجاهليّةِ ، كان إذا وضع يده على ما ساوَم
به ، مَلَكه بذلك صاحبُه ، وإذا نَذْه إليه ملكه أيضًا ، ووجَب ثَمنُه عليه وإن
لم تَطِبْ نفسُه، فكان ذلك يَجرِى مَجْرَى القِمارِ، لا على جهةِ التَّبائُعِ .
وقال الزهرىُّ: الملامَسَةُ أَنَّ القومَ كانوا يَتبايَعُون السِّلَعَ ولا يَنظُرون إليها
ولا يُخْبَرون عنها، والمنابذَةُ أَن يَتنابَذَ القومُ السَّلعَ ولا يَنْظُرُون إليها ولا
يُخْبَرون عنها ، فهذا من أبوابِ القِمارِ .
قال أبو عمرَ : فى قولِ الزهرىِّ هذا إجازةُ البيع على الصفةِ ، ألا ترَى إلى
القبس
(١) فى الأصل: ((فيه)).
١٦٤

الموطأ
قوله: ولا يُخْبَرُونَ عنها؟ وقال ربيعةُ: الملامسةُ والمنابَذَةُ من أبوابِ القِمَارِ (١). التمهيد
قال أبو عمرَ: أبطَل رسولُ اللهِ وَّ ما كان عليه أهلُ الجاهليّةِ من أُخْذِ
الشىءٍ على وجهِ القِمارِ ، وأباحَه بالتَّراضِى ، وبذلك نطَق القرآنُ فى قولِه عزَّ
وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُم بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ
إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِحَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وقد نَهَى رسولُ اللهِ
مرَّه عن يُوعٍ كثيرةٍ وإن تَرَاضَى بها المُتَبَايِعان، كلَّها أو أكثرُها مذكورةٌ
فى كتابِنا هذا فى مواضعِها . والحمدُ للهِ .
والحكم فى بيع الملامسةِ والمنابَذَةِ كلِّه، وما كان مِثلَه، أنَّه(٢) إن
أُدرِكَ فُسِخ، وإن فات رُدَّ إلى قيمتِهِ يومَ قُبِض بالِغًا ما بلَغ .
واختلف الفقهاءُ من هذا البابِ فى البَيعِ على البَرْنامَجِ ؛ وهو بَيعُ ثِيابٍ،
أو سلعٍ غيرِها ، على صفةٍ موصوفةٍ ، والثِّيابُ حاضرةٌ لا يُوقَفُ على عينها
لِغَيْبَتِها فى عِدْلِها ولا يُنظَرُ إليها، فأجاز ذلك مالكٌ وأكثرُ أهلِ المدينةِ إذا
كان فيه الذَّرُ والصّفةُ، فإن وافَقَتِ القِيابُ الصِّفةَ لزِمتِ المبتاعَ على ما
أحبَّ أو كَرِه ، وهذا عنده من بابٍ بيع الغائبِ على الصفة ؛ لمغِیبِ الِّابِ
والمتاعِ(٣) فى الأعدالِ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وجماعةٌ : لا يجوزُ
القبس
(١) أخرجه سحنون ٢٠٦/٤.
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ى: ((المبتاع)).
١٦٥
:

الموطأ
التمهيد البيعُ على البَرْنامَجِ البَّةَ؛ لأنَّه بيعُ عينٍ حاضرةٍ غيرِ مرئيَّةٍ ، والوصولُ إلى
رؤيتها ممكنٌ، فدخَل بيعُها فى بابٍ(١) الملامسةِ والغَررِ والقمارِ عندَهم.
وأمّا مالكٌ، فالصِّفةُ عندَه تقومُ مقامَ المعاينةِ، وقد رُوِى عن النبيِّ وَلِ أَنَّه
قال: ((لا تَصِفُ المرأةُ المرأةَ لزوجِها حتى كأنَّه ينظُرُ إليها))(٢) . فأقامَ هنا
الصِّفةَ مُقامَ المعاينةِ . وقال مالكٌ: يجوزُ بيعُ السّلع كلُّها وإن لم يَرَها
المشترِى إذا وصَفها له ، ولم يشترِطِ النَّقْدَ. قال: فإن لم يَصِفْها لم يجزْ.
ولا يجوزُ بيعُ الغائبِ عندَه البَّةَ إِلَّا بالصفةِ، أو على رُؤيةٍ تقدَّمت .
واختلفوا أيضًا فى بيع الغائبِ على الصّفةِ؛ فقال مالكٌ: لا بأسَ ببيع
الأعيانِ الغائبةِ على الصِّفةِ وإن لم يرها البائعُ ولا المشترِى إذا وصَفُوها،
فإذا جاءت على الصِّفةِ لزِمهما البيعُ، ولا يكونُ لواحدٍ منهما خيارُ الرؤيةِ
إلّا أن يشترِطَه، فإن اشترَطه كان ذلك له(٢) . وبقولٍ مالكٍ فى ذلك قال
أحمدُ بنُ حنبلِ، وإسحاقُ بنُ راهُويَه، وأبو عبيدٍ ، وأبو ثورٍ . وقال أبو
حنيفةً، وأصحابُه، والثورىُّ، والأوزاعىُ: جائزٌ بيعُ الغائبِ على الصفةِ
القبس
(١) فى ی: ((بيع).
(٢) أخرجه أحمد ١٠٠/٦ (٣٦٠٩)، والبخاری (٥٢٤٠، ٥٢٤١)، وأبو داود (٢١٥٠)،
والترمذى (٢٧٩٢)، والنسائى فى الكبرى (٩٢٣١)، والطبرانى (١٠٢٤٧)، وفى الأوسط.
(١٥٦٢) واللفظ له من حديث ابن مسعود.
(٣) ليس فى : الأصل .
١٦٦

الموطأ
وعلى غيرِ الصِّفةِ، وُصِف أو لم يوصَفْ، وللمشترِى خيارُ الرؤيةِ إذا التمهيد
رآهُ. وروَى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن الأوزاعىِّ فى بيع الغائبِ على الصِّفةِ
أنَّه جائزٌ، ويلزَمُ البائعَ والمشترِىَ إذا وافَق الصِّفةَ، ولا خيارَ فى ذلك،
كقولٍ مالكِ سواءً، وإن لم يُوافِقِ الصفةَ فله الخيارُ، إلّا أنَّ الأوزاعيَّ
فيما روَى عنه محمدُ بنُّ كثيرٍ يجعَلُ المصيبةَ مِن المشترِى إذا كان
على الصِّفةِ، وإن لم يَقبِضْه المشترِى، على مذهبِ ابنِ عمرَ.
واختَلَف قولُ مالكِ فى هذا الموضع؛ فمرّةً قال: المصيبةُ مِن
المشترِى إذا خرَج البيع على الصفةٍ، وأدرَ كته الصَّفقةُ علی ذلك حيًّا
سالمًا، قبضه أو لم يقْبِضْه. وهو قولُ ابنِ عمرَ وسليمانَ بنِ يسارٍ (١).
ومرَّةً قال: المُصيبةُ مِن البائعِ (٢أبدًا حتى يَقِضَه) المبتائحُ. وهو قولُ
سعيدِ بنِ المسيبِ. وإليه ذهَب ابنُ القاسم، جعَل النَّماءَ والنُّقصانَ
والموتَ فى ذلك من البائعِ(٣) حتى يَقْبِضَه(٤) المبتاح.
وتحصيلُ قولٍ مالكٍ فى هذه المسألةِ فى بيع الغائبٍ خاصَّةً على
الصِّفةِ ، أو على رؤيةٍ كانت ، أنَّ البیعَ إذا انعقد فى ذلك أو فى شىءٍ منه ،
فهلَك المبيعُ بعدَ الصَّفقَةِ وقبلَ القبضِ ، أنَّ مصيبتَه مِن البائعِ، إِلَّ أن يكونَ
القبس
(١) ينظر المدونة ٢١٠/٤، وشرح معانى الآثار ١٦/٤، وسنن الدارقطنى ٥٣/٣، ٥٤.
(٢ - ٢) فى ى: ((إذا تراخى بقبضه)). وأشار فى حاشية ى إلى أنه فى نسخة كالمثبت.
(٣) بعده فى م: ((أبدًا)).
(٤) بعده فى الأصل: ((من).
١٦٧

الموطأ
التمهيد المشترى قد اشترَط عليه البائعُ أنَّ المصيبَةَ منك إِن أدرَكَتْه الصَّفْقةُ حيًّا .
وهو أحدُ قولى مالكِ. وقد كان مالكٌ يقولُ: إِنَّ المصيبةَ مِن المبتاع إلّا أن
يشترِطَ أنَّها من البائع حتى يَقبِضَها مبتاعُها . والشرطُ عندَه فى ذلك لمن
اشترَطه نافعٌ لازمٌ. وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الملكِ بنِ
الماجِشون، أنَّ بيعَ الصفةِ ما يحدُثُ فيه بعدَ الصَّفْقةِ ليس فيه عُهدَةٌ، وأنَّه
كبيع البراءةِ، ومُصيبتُه أبدًا قبل القبضِ مِن المبتاع ، ولا يجوزُ عندَ مالكٍ
النَّقْدُ فى بيعِ الغائبِ من العُروضِ كلِّها؛ حيوانًا أو غيرَه ، إذا كانت غَيبتُه
بعيدةً ، فإذا كانت غيبتُه قريبةً، مثلَ اليوم واليومين، جاز النَّقْدُ فيه . وقد
اختلَف (١أصحابُ مالك١ٍ) عنه، واختلفت أقوالُهم فى حدِّ المغِيبِ الذى
يجوزُ فيه النَّقدُ فى الطعام والحيوانٍ ، ممّا يطُولُ ذكرُه، ولا خلافَ عنهم
أنَّ النَّقدَ فى العقارِ المأمونِ كلِّه جائزٌ إذا لم يكنْ بیعَ خِیارٍ .
وللشافعيِّ فى بيع الغائبِ، ثلاثةُ أقوالٍ؛ أحدُها، كقول مالكٍ،
والثانى، كقولٍ أبى حنيفةً، والثالثُ الذی حکاه عنه الربيعُ، والثُویطئُّ ،
أنَّه لا يجوزُ بيعُ الأعيانِ الغائبةِ بحالٍ . فلا يجوزُ عندَه على القول الثالث ،
وهو الذى حكَاه البُويطىُّ عنه، إلّا بيعُ عينٍ مرئيَّةٍ ، قد أحاط البائعُ والمبتاعُ
عِلمًا بها ، أو بيع مضمونٌ فى الدِّمةِ موصوفٌ ، وهو السَّلَمُ. وقال المزنىُ:
القبس
(١ - ١) فى ى، م: ((أصحابه)).
١٦٨

الموطأ
التمهید
الصَّحيحُ من قولِ الشافعىِّ أنَّ شِراءَ الغائبِ لا يَجوزُ؛ وُصِف أو لم
يُوصَفْ. وذكر أبو القاسمِ القزوينىُّ(١) القاضى، قال: الصحيحُ عن
الشافعىِّ إجازةُ بيعِ الغائبِ على خيارٍ(٢) الرؤية إذا نظَر إليه؛ وافَق الصفةَ أو
لم يُوافِقْها. مثلُ قولٍ أبى حنيفةً والثورىِّ سواءً. قال هذا فى كتبِه
المصريّة . وقال بالعراقِ فى بيع الغائبِ مثلَ قولِ مالكِ سواءً ؛ أنَّه لا خِيارَ له
إذا وافق الصفةً . حگاه عنه أبو ثورٍ ، وبه قال أبو ثورٍ .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه فی المشتری پرَی الدارَ من خارجها ، ویرَی
الثِّيَابَ مطويَّةً من ظهورِها، فيرَى مواضعَ طيِّها ، ثم يشترِيها ، أنَّه لا يكونُ
له خيار الرؤية فى شىءٍ من ذلك .
وأمَّا هلاكُ المبيع قبلَ القبضِ، غائبًا كان أو حاضرًا، عندَ الشافعىِّ
وأبى حنيفةً، فمِن البائعِ أبدًا .
ومن الدليلِ على جوازٍ بيعِ الغائبٍ مع ما تقدَّم فى هذا البابِ ، أَنَّ
السَّلفَ كانوا يتبايَعونَه ويُجِيزُون بيعَه؛ فمِن ذلك أنَّ عثمانَ وعبد الرحمنِ
ابنَ عوفٍ تبايَعا فَرَسًا غائبًا عنهما(٢) ، وتبايَعَ عثمانُ أيضًا وطلحةُ دارًا
القبس
(١) فى ى: ((القيروانى)).
(٢) بعده فى الأصل: ((بيع)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٤٢٤٠)، وسحنون فى المدونة ٢٠٩/٤، ٢١٠، والبيهقى ٢٦٧/٥.
١٦٩

٠
الموطأ
بيعُ المرابحةِ
التمهيد لعثمانَ بالكوفةِ ، ولم يُقلِّبْها(١) عثمانُ ولا طلحةُ، وقضَى جبيرُ بنُ مطعم
لطلحةَ فيها بالخِيارِ (١) ، وهو المبتامُ، فحمَله العراقيُّون على خيارِ الرؤيةِ،
وحمَله أصحابُ مالكِ على أنَّه كان اشترَطَ الخِيارَ، فكأنَّ بيعَ الغائبٍ(٣)
إجماع من الصحابة ؛ إذ لا يُعلم لهؤلاءٍ مُخالفٌ منهم. ويدخُلُ فى معنى
الملامسة والغَررِ أشیاءُ بالاستدلالِ یطولُ ذِ کژها ، إن ذكرناها خرجنا عن
شرطِنا وعَمَّا له قصَدنا . وباللهِ عصمَتُنا وتوفيقُنا .
الاستذکار
بابُ بيعِ المرابحةِ
القبس
القولُ فى المرابحةِ
هذا بابٌ عويصٌ ليس له فى القرآن ولا فى السنةِ ترجمةٌ اللَّهمَّ إلا أن الله عزَّ
وجلَّ قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَزَّمَ الرِّبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فاقتضَى هذا
الإطلاقُ ، کما قدَّمْنا ، جوازَ كلِّ بیعإلا ما قام الدليلُ علی رده حسب ما تقدَّم فى
القواعدِ، وقد طالَعتُ فى جميع كتبٍ العلماءِ المعوّلِ عليهم فى المذاهبِ فما
رأيتُ أحدًا منهم فهمه كما يَنْبغِى، ولا قرَّره كما يجبُ ، واستوفَى معاقدَه على
:
(١) فى ى: ((يعلمها))، وفى م: ((يعينه)).
(٢) ينظر شرح معانى الآثار ٤/ ١٠، وسنن البيهقى ٢٦٨/٥.
(٣) فى م: ((الخيار)).
١٧٠

١٤٠٢ - قال يحيى: قال مالكٌ: الأمرُ المجتمَعُ عليه عندَنا فى الموطأ
البَّرِّ يشترِيه الرجلُ ببلدٍ، ثمَّ يَقدَمُ به بلدًا آخرَ فيبيعُه مُرابحةً ، أنه لا
يَحُبُ فيه أجرَ السماسرةِ ، ولا أجرَ الطَّىّ ولا الشَّدِّ، ولا النفقةَ، ولا
كِراءَ بيتٍ ؛ فأمَّا كِراءُ البَرِّ فى حُملانِهِ، فإنه يُحسَبُ فى أصلِ الثمنِ،
ولا يُحْسَبُ فيه ربحٌ ، إلا أن يُعلِمَ البائعُ مَن يُساوِمُه بذلك كلّه، فإِن
ربَّحُوه على ذلك كلِّه بعدَ العلم به، فلا بأسَ به .
قال مالكٌ : الأمرُ المُجتمعُ عليه عندَنا فى البَرِّ يَشْترِيه الرجلُ ببلدٍ ، ثم الاستذكار
يَقْدَمُ به بلدًا آخرَ فيبيعُه مُرابحةً ، أنه لا يحسُبُ فيه أجرَ السَّماسِرةِ ، ولا أجرَ
القبس
الكمالِ ، إلا محمدَ بنَ عبدوس ؛ بناه على ستةٍ معاقدَ، وقَعت منثورةً فى كلامِ
مالكٍ فجمعها وفرّع عليها :
الأولُ: ما يُحسَبُ فى الثمنِ والربحِ. الثانى: ما يُحسَبُ فى الثمنٍ ولا
يُحسَبُ فى الربح. الثالثُ: ما يُحْسَبُ بالشرطِ ولا يُحسَبُ بالإطلاقِ . الرابعُ :
أن ينعقِدَ البيعُ على الكذبِ. الخامسُ: أن ينعقِدَ البيعُ على غشِ. السادسُ: أن
ينعقِدَ البيئ على عيبٍ .
ولكلِّ واحدٍ حكم ليس للآخر، وقد يجتمعُ الگذِبُ والغشُّ والعيبُ فى
عقدٍ، وقد يجتمِعُ اثنان منهما فى عقدٍ فتتعارضُ الأحكام، ولولا أن هذا
الكتابَ للأصول لا للفروع لمهَّدْناها لكم، ولكن هذا تنبيهٌ، وتمامُّه فى
کتب المسائلِ .
٠٠
١٧١

الموطأ
قال مالكٌ: فأمّا القِصارةُ والخِياطةُ والصِّباعُ وما أشبه ذلك ، فهو
بمنزلةِ البَرِّ ؛ يُحسَبُ فيه الرِّبحُ كما يُحسَبُ فى الْبَرِّ، فإن باع البَرَّ ولم
يُبيِّنْ شيئًا ممَّا سمَّيتُ، أنه لا يُحسَبُ له فيه ربح، فإن فات البَرُّ، فإِنَّ
الكِراءَ يُحسَبُ، ولا يُحسَبُ عليه رِبح، فإن لم يفُتِ البَرُّ، فالبيعُ
مفسوخٌ بينَهما ، إلا أن يَتَراضيا على شىءٍ ممَّا يجوزُ بينَهما .
الاستذكار الطَّيِّ ولا الشَّدِّ، ولا النفقةَ، ولا كِرَاءَ بيتٍ؛ فأما كِراءُ البَرِّ فى حُمْلانِهِ،
فإنه يُحسبُ فى أصلِ الثمنٍ، ولا يُحسبُ فيه ربحٌ، إلا أن يُعلِمَ البائعُ مَن
يُساوِمُه بذلك كلِّه، فإن ربَّحوه على ذلك كلِّه بعدَ العلم به، فلا بأسَ به .
قال مالكٌ: فأما القِصَارةُ والخياطةُ والصِّباغُ، وما أشبه ذلك، فهو بمنزلةٍ
البَرّ؛ يُحسبُ له فيه الربح كما يُحسبُ فى البَرِّ، فإن باع البَرَّ ولم يُبيِّنْ شيئًا
مما سمَّيتُ، أنه لا يُحسبُ له فيه ربح، فإن فاتَ البَرُّ، فإن الكِراءَ
يُحسبُ ، ولا يُحسبُ عليه ربحٌ، فإن لم يَفُتِ البَرُّ، فالبيعُ مفسوخٌ بينَهما،
إلَّ أن يتراضَيا على شىءٍ مما يجوزُ بينَهما(١).
قال(٥) أبو عمرَ: هذا كلُّه لمَن باعِ مُرابحةً للعشَرةِ أَحدَ عشَرَ، أو
للدینار درهم، أو نحو ذلك .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١٠ ظ، ٥و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٦٥٦،
٢٦٥٧) .
(*) من هنا سقط من المخطوط ح ، وينتهى ص ١٧٦.
١٧٢
٠

الموطأ
ومَن باع السلعةَ على أن الربحَ فى جميع ثمنها كذا ، فإنه يَحُبُ فيها الاستذكار
ما كان له تأثيرٌ فى عينٍ السلعةِ ؛ كالصِّبْغِ، والخياطةِ ، والقِصَارة ، وله أن
يعرّفَه بكلِّ ما قامَتْ عليه السلعةُ مِن كِرَاءٍ؛ بأجرةِ سِمْسَارٍ، وطَيِّ ، وشدٍّ،
ونحو ذلك ، فإن رضِى بأخذِ السلعة على ذلك وأربحه عليها ، طاب ذلك
له . وأما الشافعُ ، فلم أجِدْ فی کتبه جوابًا فى هذه المسألة ؛ لا فی کتاب
((المُزنيّ))، ولا فى كتابٍ ((البُويطىٌ))، إلا أن مِن قوله: إن كلَّ ما كان
صلاحًا للمتاع مما هو عينٌ قائمةٌ فيه، أو أمرّ له قيمةٌ ، فسبیلُه سبيلُ نفسٍ
المبيع (١) . وقياسُ قولِه ما قاله أبو ثورٍ، على ما نذكُرُه إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ.
وقال أبو حنيفةً : إذا اشترى متاعًا، فله أن يحملَ عليه ما أَنفَق فى القِصَارةِ ،
والخياطةِ ، والكِراءِ، ويُلحِقُ بالرقيقِ الكُسوةَ والنفقةَ، وكذلك أجر
السّمْسَارِ ، ويقولُ فى جميعِ ذلك: قام علىَّ بكذا وكذا. ولم يختلِفْ
أصحابُه فى هذه الجملةِ . وقال الأوزاعىُ: يرفعُ فيه كراءَه ونفقتَه ، ثم يبيعُه
بعدَ ذلك مُرابحةً . وقال أبو ثورٍ : الذى نقولُ به: إن المُرابحةَ لا تجوزُ إلا
على الثمنِ الذى اشتراه به، ولكنه إن أحبَّ أَن يَحشُبَ جميعَ ما أَنفَق
عليه، وما لزمه فيه من شىءٍ، "ثم يقولَ): قام علىَّ بكذا وكذا. فذلك
القبس
(١) فى النسخ: ((المبتاع)). والمثبت من اختلاف الفقهاء ص ٧٧.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((لم يقول))، وفى م: ((لم يقل)).
١٧٣

الموطأ
قال مالكٌ فى الرجلِ يشترِى المتاعَ بالذهبِ أو بالوَرِقِ ، والصرفُ
يومَ اشتراه عشَرَةُ دراهمَ بدينارٍ ، فَيَقْدَمُ به بلدًا فيبيعُه مُرابحةً ، أو يبيعُه
حیثُ اشتراهُ مُرابحةً علی صرفٍ ذلك اليوم الذى باعه فیه ؛ فإنه إن كان
ابتاعه بدراهم وباعه بدنانیرَ، أو ابتاعه بدنانیرَ وباعه بدراهمَ ، فكان
المتاعُ لم يَفُتْ ، فالمبتاع بالخيارِ ؛ إن شاء أخذه، وإن شاء تركه ، فإن
فات المَتاعُ، كان للمشترِى بالثمنِ الذى ابتاعَه به البائعُ ، ويُحْسَبُ
للبائعِ الربح على ما اشتَراه به على ما ربَّحه المُبتاعُ .
الاستذكار جائزٌ ، ولا یقول : اشتریتُه بكذا و كذا . فیکذِبُ ، فإن باعه على أنه اشتراه
بكذا، وقد حمَل عليه ما أَنفَق، فالبيعُ مفسوخٌ، وإن استهلَك المشترِى
المتاعَ كان عليه القيمةُ ، وترجحُ بالثمنِ .
قال: وما أَنفَق على المتاع ، وعلى الرقيقِ فى طعامِهم ومؤنتِهم
و گُسوتهم حسبه علیھم، وقال: قام علىَّ بکذا و کذا . ولا يَحُبُ فى
ذلك نفقةً ولا كِراءً .
قال مالكٌ فى الرجلِ يشترِى المتاعَ بالذهبِ أو بالوَرِقِ ، والصَّرْفُ يومَ
اشتراه عشَرةُ دراهمَ بدينارٍ ، فَيَقْدَمُ به بلدًا فيبيعُه مُرابحةً ، أو يبيعُه حيثُ
اشتراه مُرابحةً علی صرفٍ ذلك اليوم الذی باعه فیه ؛ فإنه إن كان ابتاعه
بدراهمَ وباعه بدنانيرَ، أو ابتاعه بدنانيرَ وباعه بدراهمَ ، فكان المتاح لم
يَفُتْ، فالمُبتائُ بالخيارِ؛ إن شاء أخَذه، وإن شاء تركه، فإن فاتَ
القبس
١٧٤

الموطأ
د
المتاعُ (١)، كان للمُشترِى بالثمنِ الذى ابتاعه به البائعُ، ويُحسبُ للبائعِ الاستذكار
الربح على ما اشتراه مثلَ ما ربَّحه المُبتائُ .
قال أبو عمرَ: قولُه هذا قولٌ حسنٌ جدًّا. وهو قولُ الليثِ. وهو مِن
بابِ الكذبِ والخيانةِ فى الُرابحةِ ، وستأتى المسألةُ فى ذلك بعدُ .
وقال مالكٌ فيمَن اشترى سلعةً بدنانيرَ، فأعطَى فى الدنانيرٍ مُرُوضًا أو
دراهمَ ، أنه لا يبيعُ مُرابحةً حتى يُبيِّنَ ما نقَد، وكذلك لو اشترى بدَيْنِ له
على رجلٍ، لم تَبِعْه مُرابحةً حتى يُبيِّنَ. وهو قولُ الليثِ.
وكذلك لو وجَد عيبًا لم يَرجِعْ إلا بما أعطَى . وقال أبو حنيفةً ، وأبو
يوسفَ، ومحمدٌ : إذا اشترى سلعةٌ بألفٍ درهم ، ثم باعه بالألفِ الدرهمِ
عُرُوضًا، أو أعطَى فيها ذهبًا ، فإنه يبيعُها مُرابحةً على ألفِ درهم ولا يُبيِّنُ.
وهو قولُ الحسنِ بنِ حىٍّ. وقالوا: لو وجَد المُشترِى عيبًا وردّ السلعةً
بالعيبِ، لم ترجع إلا بالثمنِ الذى عقَد سلعتَه عليه .
ومِن حُجَّتِهم أنه جائزٌ له بيعُها مُرابحةً على ما عقَد قبلَ أن يَنْقُضَ ، ثم
يُعطيه بعدَ ذلك فيها مُرُوضًا أو ذهبًا أو ما اتفَقا عليه .
وقد اختلف ابنُ القاسم وأشهبُ فى الذى يشترى السلعةَ بطعام أو
عُرُوضٍ ؛ هل يبيعُها مُرابحةً؟ فقال ابنُ القاسم : ذلك جائزٌ ، يبيعُها على ما
القبس
(١) فى الأصل: ((المبتاع)).
١٧٥

الموطأ قال مالكٌ: وإذا باع رجلٌ سلعةٌ قامت عليه بمائة دينارٍ؛ للعشرةٍ
أحدَ عشرَ، ثمَّ جاءَه بعدَ ذلك أنها قامت عليه بتسعينَ دينارًا وقد فاتتٍ
السلعةُ ، خُيِّرِ البائعُ ؛ فإن أحَبَّ فله قيمةُ سلعتِهِ يومَ قُبِضتْ منه ، إلا أن
تكونَ القيمةُ أكثرَ من الثمنِ الذى وجَب له به البيعُ أولَ يومٍ ، فلا يكونُ
له أكثر من ذلك ، وذلك مائةُ دینارٍ وعشرةُ دنانیرَ ، وإن أُحَبّ ضُرب له
الرِّبحُ على التِّسعينَ ، إلا أن يكونَ الذى بلَغت سلعتُه من الثمنِ أقلَّ من
القيمةِ ، فَيُخيّرُ فى الذى بلَغت سلعتُه وفى رأس مالِه وربحِه، وذلك
الاستذكار اشتَرى مِن العُرُوضِ والطعام، ولا يجوزُ له أن يبيعَها على قيمتها .
وقال أشهبُ : لا يجوزُ لمَن اشتَرَى سلعةً بشىءٍ مِن العُرُوضِ أن يبيعَها
مُرابحةً؛ لأن ذلك مِن بيعٍ ما ليس عنده .
وقال الأوزاعىُّ: لو اشترى السلعةَ بنسيئةٍ وباعها مرابحةً ولم يُبيِّنْ، فإن
للمشترِی مثلَ أجلِه .
وقال أبو ثورٍ: وهو كالعيبٍ .
وقال أبو عمرَ: قولُ الأوزاعىِّ هو قولُ شريحٍ: له مثلُ نقدِه وأجلِه(١).
وبه قال أبو ثور .
قال(٥) مالكٌ: وإذا باع رجلٌ سلعةً قامَتْ عليه بمائة دينارٍ ؛ للعشرةِ أحدَ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٤٩٩٨، ١٤٩٩٩).
(٥) إلى هنا انتهى السقط من المخطوط ح ، والمشار إليه ص ١٧٢.
١٧٦

الموطأ
تسعة وتسعون دينارًا .
قال مالك: وإن باع رجلٌ سلعةٌ مُرابحةً ، فقال : قامت علىَّ بمائةٍ
دينارٍ. ثُمَّ جاءَه بعدَ ذلك أنها قامت بمائةٍ وعشرينَ دينارًا، خُيِّر
المبتائُ؛ فإن شاءَ أُعطَى البائعَ قيمةَ السلعةِ يومَ قبَضها، وإن شاءَ أُعطَى
الثمنَ الذى ابتاع به على حسابٍ ما ربَّحه بالغًا ما بلَغ، إلا أن يكونَ
ذلك أقلَّ من الثمنِ الذى ابتاع به السلعةَ، فليس له أن يَنقُصَ ربَّ
السلعة من الثمن الذى ابتاعها به ؛ لأنه كان قد رضِى بذلك ، وإنما
جاءربُّ السلعةِ يطلُبُ الفضلَ ، فليس للمبتاع فى هذا حُبَّةٌ على البائعِ
بأن يضَعَ من الثمنِ الذى به ابتاع على البَرْنامَجِ .
عشرَ، ثم جاءه بعدَ ذلك أنها قامَتْ عليه بتسعين دينارًا وقد فاتتِ السلعةُ ، الاستذكار
◌ُخيّر البائعُ ؛ فإن أحبَّ فله قيمةُ سلعتِه يومَ قبَضها منه، إلا أن تكونَ القيمةُ
أكثرَ مِن الثمنِ الذى وجَب له به البيعُ أولَ يومٍ، فلا يكونُ له أكثرُ مِن
ذلك، وذلك مائةُ دينارٍ وعشَرةُ دنانيرَ، فإن أحبَّ ضُرِب له الربح على
التسعين ، إلَّا أن يكونَ الذى بلَغتْ سلعتُه مِن الثمنِ أقلَّ مِن القيمةِ، فيُخيّرُ
فى الذى بلَغت سلعتُه، أو فى رأسٍ مالِه وربحِه، وذلك تسعةٌ وتسعون
دینارًا .
قال مالكٌ : وإن باع رجلٌ سلعةٌ مُرابحةً، فقال: قامَتْ علىَّ بمائةٍ
القبس
١٧٧
( موسوعة شروح الموطأ ١٢/١٧ )

الموطأ
الاستذكار دينارٍ، ثم جاءه بعدَ ذلك أنها قامت بمائةٍ وعشرين دينارًا، خُيِّرِ المُبتائُ ؛ فإن
شاء أُعطَى البائعَ قيمة السلعةِ يومَ قبَضها (١) ، وإن شاء أعطَى الثمن الذى ابتاع
به على حسابٍ ما ربَّحه بالغًا ما بلَغ ، إلّا أن يكونَ ذلك أقلّ مِن الثمنِ الذى
ابتاعه به السلعةً ، فليس له أن يَنْقُصَ ربَّ السلعةِ مِن الثمن الذی ابتاعه به ؛
لأنه قد رضِى بذلك، وإنما جاءربُّ السلعةِ يطلُبُ الفضلَ، فليس للمُبتاعِ
فى هذا محُجّةٌ على البائعِ بأن يَضَعَ مِن الثمنِ الذى به ابتاع على البَرِنَامَجِ .
قال أبو عمرَ : إنما قال: على اليَوْنَامَج . لأن بيعَ المُرابحةِ عندَه للعشَرةِ
أحدَ عشرَ، وهو المعهودُ عندَ أهلِ المدينةِ فى بيعِ البَرْنامَجِ، وهو الذى
يُسَمِّيه أهلُ العراقِ ((ده يازْدَة))(٢)، للعشَرةِ أحدَ عشرَ.
وذكر أبو عبدِ اللهِ المَرْوَزِىُّ هذه المسألةَ، فقال: إذا أقرَّ البائعُ أنه كذب
فى الشراءِ أو زاد ، وقامَتْ بذلك بينةٌ ، فذلك كلُّه سواءٌ عندَ ابنِ أبى ليلَى ،
وأبی یوسف ، والشافعى ، وعبيدِ اللهِ بن الحسن، وأحمد بن حنبلٍ ، وأُبی
ثورٍ ، كلَّهم يقولُ : تُحَطَّ عن المشترى الزيادةُ التى كذَب فيها البائعُ، وما
أصابها مِن الربحِ . واختاره المروَزِىّ(٢) . وقال أبو حنيفةً، وزُفَرُ، ومحمدُ بنُّ
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((فإن قبض)).
(٢) سقط من: ح، وفى الأصل، م: ((دوازده))، وفى ب: ((مدرازده)). وده لفظة فارسية تعنى:
عشرة ، ويازده تعنى : أحد عشر. ودوازده أى: اثنا عشر. المعجم الذهبى ص٢٧٩، ٦١٧ .
(٣) فى الأصل، ح، م: ((المزنى)).
١٧٨

الموطأ
الحسن: إذا علِمِ المُشترى ، فهو بالخيارِ فى أخذِه السلعةَ بالثمنِ الذى سمَّى الاستذكار
له أو يفسخُ البيعَ . وروى الربيع، عن الشافعى فى مسألة الخيانة والكذب فى
المُرابحةِ: إن المشترِىَ بالخيارِ بينَ أن يأْخُذَ المبيعَ بالثمنِ الذی سمَّى به
البائُ ، أُو یفسخ البيعَ. قال : ولا تُرُدُّ عنه الخيانةُ فیرجعَ إلی ثمنٍ مجهول لم
ينعقدِ البيعُ بينَهما به . والقولان عن الشافعيّ في هذه المسألةِ محمولان .
ولم يختلِفْ قولُه: إن البائعَ لو ادَّعى الغَلَطَ وذكَر زيادةً فى الثمنِ فأقام بذلك
بينةٌ ، أنه لا يسمعُ القاضِى منها؛ لأنه مُكذِّبٌ لها ، ويسمعُ البينةَ عندَ مالكِ
ويُخَّرُ المُبتاعُ، على حسَبٍ ما ذكّر. وروَى زيدُ (١) بنُ أبى الزرقاءِ، عن
الثورىِّ، قال : إذا ابتاع الرجلُ بيعًا بمائةٍ دينارٍ ، فقال للمُشترِى : اشتريتُه
بمائتين. فاشتراه منه على ذلك بربح خمسين، فالبيعُ جائزٌ، فإن تبيَّنَ بعدَ
ذلك أنه اشتراه بمائةٍ ، رُفِع عن المشترى (١) الزيادةُ، وما أصابها مِن الربح.
قال : وإن "ابتاعه بذهب"، أو: دَهْ دَوازْدَة. وكذلك أيضًا قال: فإن كان
اشتراه بمائةٍ ، ثم قال : اشتريتُه بمائتين. ثم باعه مساومةً بمائتين وخمسين
فأكثر، فالبيئُ جائزٌ وله ما باعه به .
وذكَر الجُوزْجانىُّ عن أبى حنيفةً، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ ،
قال: إذا عَلِم المُشترِى فهو بالخيارِ بينَ رَدِّ المتاعِ وأخذِ الثمنِ
القبس
(١) فى ح: ((يزيد)). وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٧٠.
(٢) فى الأصل: ((عن المشترى)).
(٣ - ٣) فى ح: ((اشتراه بكذا)).
١٧٩

الموطأ
الاستذكار الذى اشتراه به، لا ينقُصُ منه شيئًا. وإن كان المُشترِى قد
استهلَك المتاعَ أو بعضَه، فالثمنُ لازمٌ له، لا يُحَطِّ عنه شىءٌ مِن
ذلك .
"وكذلك ) لو أقرّ البائغُ بخيانته فى الزیادة ، أو قامَتْ عليه بينةٌ بذلك ،
لم يرجعِ المُشترِى فى شىءٍ مِن الثمنِ.
وذكّر الطحاوىُّ عنهم: قال أبو حنيفة: يُحَطَّ فى التوليةِ ولا يُخَطُّ فى
المُرابحةِ ، وله الخيارُ. قال: وقال محمدٌ: لا يُخَطَّ فيهما وله الخيارُ. وهو
قولُ زُفَرَ. قال: وقال أبو يوسفَ، وعبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ: يُحَطَّ فيهما .
وهو قولُ ابنِ أبى ليلى والثورىِّ، قال: وقال عثمانُ البَّتِىُّ والحسنُ بنُ حىٍّ
فى المُرابحةِ: له الخيارُ - وهو قولُ مالكِ - ولا يُخَطُّ عنه شىءٌ .
قال مالكٌ: فإن دخَلها عيبٌ عندَ المُشترِى أو حالَتِ الأسواقُ ، فالبيئُ
فاسدٌ ، فلا يَرُدُّها ويَرُدُّ القيمةَ.
قال مالكٌ: فإن فاتَتٍ(٢) السلعةُ، وكانت قيمتُها(٢) مثلَ ما وزَن
المُبتاعُ أو أكثرَ، فلا شىءَ، فإن كانت أقلّ لزمه ( تمامُ القيمةِ"، إلا
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) فى ح: ((قامت)).
(٣) بعده فى الأصل، م: ((نصف ما وزن)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((القيمة))، وفى م: ((القيمة تمام القيمة)).
١٨٠