Indexed OCR Text

Pages 41-60

الموطأ
الاستذكار
وقد روى ابنُ جریج ، عن عمرو بن دینارٍ ، عن ابنِ عمر، أنه قيل له :
قضَى ابنُ الزبيرِ بألا تُحرِّمَ المَصَّةُ ولا المَصَّتانِ . فقال: قضاءُ اللهِ خیرٌ مِن
قضاءِ ابنِ الزبيرِ؛ حرَّم الأُختَ مِن الرضاعةِ(٢).
وقالت طائفةٌ ؛ منهم عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ ، وأمّ الفضلِ ، وعائشةُ على اختلافٍ
عنها": لا تُحرِّمُ المَصَّةُ ولا المصَّتانِ() ، ولا الرضعةُ ولا الرضعتان ، ولا
الإِمْلاجةُ ولا الإمْلاجَتان(٤) . وبه قال سليمانُ بنُ يسارٍ وسعيدُ بنُّ جبيرٍ ) .
وإليه ذهب أحمد ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ ، وأبو عبيدٍ . ورَوَوا فى ذلك حديثًا
عن النبيِّ وَلَه، أنه قال: ((لا تُحرِّمُ الإمْلاجةُ ولا الإملاجَتان)) ). ومنهم
مَن يَزْويه: ((الرضعةُ ولا الرضعتان))(٧) . قالوا: فما زاد على ذلك حرَّم.
وذهبوا إلى أن الثلاثَ رضَعاتٍ فما فوقَها تُحرِّمُ، ولا تُحرِّمُ ما دونَها .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدثنا قاسمٌ، قال: حدثنا محمدٌ ،
قال: حدثنا أبو بكرٍ، قال: حدثنا عَبْدةُ وابنُ نُميرٍ، عن هشامٍ بنٍ
عروةً، عن أبيه، عن ابنِ الزبيرِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (( لا تُحَرِّمُ
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣٩١٩)، والدارقطنى ١٨٣/٤ من طريق ابن جريج به.
(٣) فى ب: ((عنهما)).
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٨٥/٤، ٢٨٦.
(٥) فى ح، هـ، م: ((المسيب)). وينظر المحلى ١٨٤/١١، وتفسير ابن كثير ٢١٧/٢.
(٦) سيأتى تخريجه ص ٧١ .
(٧) سيأتى تخريجه الصفحة التالية .
٤١

الموطأ
الاستذكار المَصَّةُ ولا المَصَّتان))(١)
قال: وحدثنا عَبْدةُ، عن ابن أبى عَروبةَ، عن قتادةَ ، عن أبى الخليلِ،
عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن أمّ الفضلِ، قالت: قال رسولُ اللهِ وَالتِ:
((لا تُحَرِّمُ الرضعةُ ولا الرضعتان، ولا المصَّةُ ولا المصَّتان))(٢).
وقال الشافعىُّ: لا يُحَرِّمُ مِن الرَّضاع إلا خمسُ رَضَعَاتٍ مُتَفرِّقاتٍ . واحتجّ
بقولِهِ وَله: ((لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتان، ولا الرضعةُ ولا الرضعتان)).
وبما رواه أبو بكرٍ(٢)، قال: حدثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن حتجاجٍ، عن
أبى الزبيرِ قال: سألتُ ابنَ الزبيرِ عن الرضاع، فقال: لا تُحَرِّمُ الرضعةُ ولا
الرضعتان ولا الثلاثُ .
قال أصحابه: فابنُ الزبيرِ روَى هذا الحديثَ وفَهِم منه أنه لا تُحَرِّمُ
الثلاثُ أيضًا ، فأفتَى به . وذكروا عن ابن مسعودٍ ، وأبى موسى ، وسليمانَ
ابنِ يَسارٍ ، وغيرِهم، أنهم قالوا: إنما يُحَرِّمُ مِن الرضاع ما أنبَت اللحمَ
والدمَ، وأنشَز العظمَ، وفتَق الأمعاءَ(٤). وهذه ألفاظُهم مُفترقةً جمَعتُها.
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢٨٥/٤.
(٢) ابن أبى شيبة ٢٨٥/٤ - وعنه مسلم (٢١/١٤٥١)، وأخرجه ابن ماجه (١٩٤٠)،
والنسائى (٣٣٠٨) - من طريق سعيد بن أبى عروبة به، وأخرجه أحمد ٤٥٠/٤٤ (٢٦٨٧٩)،
ومسلم (١٤٥١) من طريق قتادة به
(٣) ابن أبى شيبة ٢٨٥/٤.
(٤) ينظر سنن سعيد بن منصور (٩٧٤، ٩٨٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٨٦/٤، وسنن
البيهقى ٧/ ٤٦١، ٤٦٣.
٤٢

الموطأ
الاستذكار
وذكَر الشافعىُّ (١) أيضًا، عن ابنٍ عُبينةً، عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، ١
عن الحجّاجِ بنِ الحجاجِ، عن أبى هريرةً قال: لا يُحَرِّمُ مِن الرضاعِ إلا ما
فتَق الأمعاءَ .
ورواه حمادُ بنُ سلمةً، عن هشام بن عروةَ بإسنادِه مرفوعًا إلى النبيِّ
(٢)
ـَل اله
.醬
واحتجّ الشافعىُّ بحديثٍ مالكِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، عن عَمْرةَ،
عن عائشةَ، أنها قالت: كان فيما أُنزل من القرآنِ: ( عشْرُ رَضَعاتٍ
معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ). ثم نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فتُوفِّى رسولُ اللهِ وَلِتِ
وهن مِما يُقرأُ مِن القرآنِ(٣).
فكان فى هذا الحديثِ بيانُ ما يُحَرِّمُ مِن الرَّضَعاتِ، وكان مُفَسِّرًا
لقوله: ((لا تُحَرَّمُ الرضعةُ ولا الرضعتان)). فدلَّ على أن قوله: ((لا تُحَرِّمُ
المَصَّةُ ولا المَصَّتان ، ولا الّضعةُ ولا الرّضْعتان )» . خرج على جوابٍ سائل
سأله عن الرضعةِ والرضعتين هل تُحَرِّمان؟ فقال: لا. لأن مِن سُنَّتِّه
وشريعته أنه لا يُحَرِّمُ إلا الخمسُ رَضَعاتٍ، وأنها نسَخت العشْرَ
الرَّضَعاتِ، كما لو سأل سائلٌ : هل يُقطعُ السارقُ فى درهم أو درهمين ؟
القبس
(١) الأم ٢٧/٥.
(٢) ذكره ابن حزم ١٩٠/١١ من طريق حماد بن سلمة به.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٣٢٣).
٤٣

الموطأ
الاستذكار كان الجوابُ: لا يُقطعُ فى درهم ولا درهمين؛ لأنه قد بيَّن رسولُ اللهِ
وَ ◌ّهُ أنه لا يُقطعُ إلا فى رُبُع دينارٍ (١) ، فكذلك بيانُه فى الخمسِ الرَّضَعاتِ.
فإن قيل: لو كانت ناسخةً للعشْرِ رَضَعاتٍ عندَ عائشةً كما رَوَت عنها
عَمْرةُ، ما كانت عائشةُ لتأمُرَ أُختَها أمّ كلثوم أن تُرضِعَ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ
عشْرَ رَضَعاتٍ ليدخُلَ عليها، فتستعملَ المنسوخَ وتَدَعَ الناسخَ . وكذلك
حفصةُ أمَرت أختَها فاطمةَ بمثلٍ ذلك فى عاصمٍ، على ما تقدَّم مِن روايةٍ
مالك فى ((الموطأ))(٢).
فالجوابُ أن أصحابَ عائشةَ الذين هم أعلمُ بها مِن نافع، وهم عروةُ
والقاسمُ وعَمْرةُ، رَوَوا عنها خمسَ رَضَعاتٍ(١) ، ولم يَزْوِ أحدٌ منهم عشْرَ
رَضَعاتٍ . وقد رُوِى عنها سبعُ رضعاتٍ (٤)، ورُوِى عنها عشْرُ رضعاتٍ(٥) ،
والصحیڅ عنها خمسُ رضعاتٍ .
ومَن روی عنھا أُکثر مِن خمس رضعاتٍ فقد أؤهم ؛ لأنه قد صحّ عنها
أن الخمسَ الرضعاتِ المعلوماتِ نسخن العشْرَ المعلوماتِ ، فمحالٌ أن
تقولَ بالمنسوخ، هذا لا يَصِحُ عنها عندَ ذى فهمٍ .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٦١٦).
(٢) الموطأ (١٣١٢، ١٣١٣).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٣٢٣).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٨٨ .
(٥) تقدم فى الموطأ (١٣١٢).
٤٤

٠٠
الموطأ
الاستذكار
وفى حديثها المسندِ أن رسولَ اللهِ وَلِ أَمَر سهلةَ بنتَ سُهيلِ امرأةً أبى
حذيفةً أن تُرضِعَ سالمًا مولى أبي حذيفةً خمسَ رَضَعاتٍ . قال عروةُ :
فأخذت بذلك عائشةُ(١) . وسنذكرُه مسندًا فى البابِ بعدَ هذا، إن شاء اللهُ
عزَّ وجلَّ.
فكيف يقولُ(٢) أحدٌ عنها أنها أفتَتْ بعدَ موتِ النبيِّ نَّهِ بعشْرٍ
رَضَعاتٍ؟! هذا لا يقبلُهُ مَن أَنصَف نفسَه وؤُفِّق لرُشْدِه، ولو صحَّ عنها
حديثُ نافعٍ عن سالمٍ فى العشْرِ، كان غيرُه مُعارِضًا له بالخمسِ،
فسقطت وثبتت الخمسُ .
ذكّر عبدُ الرزاقِ (٣) ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةً،
قالت : لا يُحَرِّمُ دونَ الخمسِ رَضَعاتٍ .
وعن ابن ◌ُبينةً ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبی بکرِ بنِ محمد بن عمرو بنِ حزمٍ،
عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت : نزَل القرآنُ بعشْرٍ رَضَعاتٍ، ثم نُسِخن
(٤)
بخمس
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٣١٨).
(٢) فى الأصل، ح، هـ، م: ((يقبل)).
(٣) عبد الرزاق (١٣٩١٢) - ومن طريقه ابن حزم ١٨٣/١١، ١٨٤، وسقط ذكر ((عروة))
من مطبوعة المصنف .
(٤) عبد الرزاق (١٣٩١٣)، وفيه: ((ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة)).
٤٥

الموطأ
ما جاء فى الرضاعة بعدِ الكِبرِ
التمهيد
القبس
وأما الفصلُ الثانى الذى ذكّر مالكٌ، وهو رضاعةُ الكبيرِ، والأصلُ فيه
حديثُ أبي حذيفةَ وما جرَى فيه لسَهْلَةَ حَسَبَ ما سرَده مالكٌ، ولقد اسْتَوفاه
مالكٌ، وتَحَفَّى به تَحَفِّيًّا اقتضَى الجمعَ بينَ السؤالِ والانفصالِ، وبيَّن أن هذا
الخبرَ لمَّا وقَع وعلمه الصحابةُ، وتحصَّل لأزواج النبيِّ وَلِّ، وقَع الاختلافُ فيه
بينَهم ؛ فرأَت عائشةُ رضوانُ اللهِ عليها أن تُعَدِّيَه إلى غيرِ سهلةً ، ورأى صواحباتُها
أن يكونَ مقصورًا عليها. وهو الصحيحُ؛ لأجلٍ أن النبيَّ وَ لّلم يأذَنْ فيه لغيرِ
سهلةَ ، ولا فعله أحدٌ حياةَ النبيِّ وَّ كلَّها) بعدَها ، مع مَسيسٍ الحاجةِ مِن الناسِ
كلِّهم إلى ذلك، ولو كان عامًا لبادَر إليه الكلِّ، فوجب التعويلُ على
إطلاقِ القرآنِ. وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنَّهَتُكُمُ أَّتِيَّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:
٢٣]. ثم قال: ﴿وَأَلْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
فبيَّنَ زمانَه فى حالِ الطفلِ، ومُدَّتَه فى حالِ الاستمرارِ، وركِّب العلماءُ عليه
فروعًا كثيرةً، أمهاتُها ثلاثةٌ؛ الفرعُ الأولُ، إذا استمرّ الطفلُ على الرضاعِ
بعدَ الحولَين، ولم يَنْقطِعِ ارتضاعُه ثلاثةَ أعوامٍ، وأربعةً وخمسةً، هل يَتَعلَّقُ
حكمُ التحريمِ به مدى الاستمرارِ، أو ينقطعُ عندَ انقضاءِ المُدَّةِ ؟ اختلف
العلماءُ فى ذلك اختلافًا كثيرًا. الثانى، إذا اسْتَغْتَى عن اللبنِ قبلَ تمامٍ
المُدَّةِ ثم عاد إليه. الثالثُ، إذا اسْتَغْنَى بعدَ تمامِ المُدَّةِ، ثم عاد إليه فى
حرارةٍ ذلك فى المدةِ اليسيرة .
(١) بعده فى م: (( و)).
٤٦

الموطأ
التمهید
القبس
وهذه تفاصيلُ فروعٍ، لكلِّ قولٍ فيها مُتَعَلَّقٌ، ولكلٍّ قومٍ فيها شُبْهَةٌ مِن
الحُجَّةِ، غيرَ أَنَّا نُعْطِيكم فى ذلك أصلَين ، إليهما يعودُ كلَّ خلافٍ ، وإليهما ينتهِى
كلُّ نَظَرٍ، مُعْتَمَدُهما قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿حَوْلَينِ كَامِلِينٌ﴾ . فقال قوم : لما ذكّر
الحولَين لم يَجُزْ أن يُقضَى عليهما بزيادةِ لحظةٍ، فكيف بزيادةِ أيامٍ يسيرةٍ،
فكيف بزيادة شهرٍ؟ ورأى قومٌ أن ما/ كان مِن الزيادةِ اليسيرةٍ، فهى فى حكم
التَّبَعِ للأصلِ المُمَهِّدِ. وقال المحققون: إذا حدَّدت الشريعةُ عددًا أو مدةً،
لم يَجُزْ لأحدٍ أن يزيدَ فيها واحدًا ولا زمانًا. وقال بعضُهم: لمَّا قال:
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُبِّ الرَّضَاعَةُ﴾. عُلِم أن هذا التحديدَ ليس بمَخْتومٍ؛ لأن
كلَّ ما يحكُّمُ به الشارعُ "حَتمًا لا١) يَعلَّقُ بإرادةِ المُكَلَّفِ، وعلى هذه
النكتةِ عوَّل علماؤنا فى الزيادةِ. وقال المحققونِ مِن أصحابِ الشافعىِّ :
إنما وقَع شرطُ الإرادةِ فى الانتهاءِ إلى المُدَّةِ أو النُّقْصانِ منها، فأما فى
الزيادة عليها فلا .
والجوابُ أَنَّا نقولُ: إن شرطَ الإرادةِ وقَع مطلقًا، فَتَخْصِيصُه ببعضٍ
مُخْتملاتِه يَفْتِقِرُ إلى تَقَصِّ(١) وإلى دليلٍ، فأما إذا فُطِم قبلَ تمامِ الحولَين، فلا
إشكالَ فى أنه إذا اسْتَغْنَى وبَعُدَ لا يُلْحَقُ الارتضائُ الثانى بالأُولِ فى حكم التحريمِ
(١ - ١) فى م: ((احتمالاً)).
(٢) فى النسخ: ((بعض)). والظاهر أنه تحريف صوابه ما أثبتنا.
٤٧

الموطأ
التمهيد
القبس وإن كانت المُدَّةُ قائمةً، لفقهٍ صحيح؛ وذلك أن المُدَّةَ لم تُضْرَبْ لعينِها، وإنما
ضُرِبت ليجرىَ الرَّضائحُ فيها، وعُلِّقت الإرادةُ كما أنَّفَقْنا عليه قبلَ الحولَين، فإذا
قُطِعت بالإرادةِ، ووقع الاستغناءُ عنها ، لم يَكُنْ لصورةِ المُدَّةِ اعتبارٌ، ورّب
علماؤنا على هذا مسألتين :
إحداهما : إذا حُلِب لبنُ مَيَِّةٍ ، وهى مسألةٌ مُعْضِلةٌ ، قال جماعةٌ مِن العلماءِ:
لا يُحَرِّمُ لبنُ المَيَّةِ؛ لأن الإرضاعَ(١) فرعُ الوطءِ، وَوَطْءُ المَيْنَةِ لا يوجِبُ حِلَّا ولا
تحريمًا، فالرّضائحُ بذلك أولَى. وعوَّل علماؤنا على أن اللبنَ فى المَيْنَةِ مُخْتَزَنٌ، قد
تَولَّد فى وقتٍ كانت حرمةُ الأصلِ فيه باقيةً ، فلا فرقَ بينَ أن يكونَ فى ثَدْيِها ، أو
فی ◌ُوزٍ مُنفصِلٍ عنها وهی قد ماتت ، وليس بينهما فرقٌ عند الإنصافِ ، إلا أن
الثَّدْىَ وِعاءٌ نَجِسٌ ، وليست نجاسةُ اللبنِ مما يرفَعُ انتشارَ الحُرمةِ به اتفاقًا ، وهذا
مُنْتَهَى الكلامِ .
وأما لو مُزِج اللبنُ بمائع أو جامدٍ حتى اسْتُهْلِك، وهى الثانيةُ؛ فقد اختلف
العلماءُ فى ذلك أيضًا اختلافًا كثيرًا، واختلف علماؤنا كاختلافِهم، والحقُّ أُحقُّ
أن يُتَّبَعَ، فلا شكَّ فى انتشارِ الحزمةِ به؛ لأنه مِن جملةِ الغذاءِ الذى أنبَت اللحمَ
وأنشَر(١) العظمَ، والدليلُ على صحةٍ ذلك، أن التَّطببَ (" فى جميعٍ" الأجزاءِ
(١) فى د: ((الارتضاع)).
(٢) فى م: ((أنشز)). وأنشر العظم: شده وقواه. من الإنشار: الإحياء . وورد بالزاى ،
ومعناه: رفعه وأعلاه وأكبر حجمه. وهو من النَّشَزِ: المرتفع من الأرض. النهاية ٥٤/٥، ٥٥.
(٣ - ٣) فى د: ((جموع)).
٤٨٠

الموطأ
١٣١٨ - مالك، عن ابن شهاب ، أنه سُئل عن رضاعة الکبیرِ ،
فقال: أخبرنى مُروةُ بنُ الزبيرِ، أن أبا حُذيفةَ بنَ عُتبةً بن ربيعةً - وكان
من أصحابٍ رسولِ اللهِ وَلِهِ، وكان قد شهِد بدرًا - كان تَبَنَّى سالمًا
الذى يقالُ له: سالم مولَى أبى حُذيفةَ. كما تَنَّى رسولُ اللهِ وَّهِزِيدَ
ابنَ حارثةَ، وأنكَحَ أبو حُذيفةً سالمًا ، وهو يَرَى أنه ابنُه ؛ أنكحه بنتَ
أخيه فاطمةَ بنتَ الوليدِ بنِ عُتبةَ بنِ ربيعةً ، وهى يومئذٍ من المهاجراتِ
الأُوَلِ، وهى من أفضلٍ أيَّامَى قريشٍ، فلمَّا أَنزَل اللهُ تبارَك وتعالَى فى
كتابِه فى زيدٍ بنٍ حارثةَ ما أَنزَل فقال: ﴿أَدْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ
عِنْدَ الَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ اٌلِذِيْنِ
وَمَوَلِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] - رُدَّ كلُّ واحدٍ من أولئكَ إلى أبيه، فإن لم
يُعلَمْ أَبوه رُدَّ إلى مولاه، فجاءت سهلةُ بنتُ سُهيل - وهى امرأةٌ أبى
مالكٌ، عن ابن شهابٍ ، أَنَّه سُئِل عن رَضاعةِ الكبيرِ ، فقال: أُخبرنى التمهيد
عروةُ بنُ الزبيرٍ، أن أبا حذيفةً بنَ عُتبةً بنٍ ربيعةً - وكان مِن أصحاب النبيِّ
وَه، وكان قد شَهِد بَدرًا - كان تَبنَّى سالمًا الذى يُقالُ له: سالم مولَی
المتهيئة للدواءِ يُجعَلُ مِن الواحدِ رِطْلًا، ومِن الآخرِ درهمًا، ويكونُ لكلُ(١) القبس
حظّ فى اسْتِجلابِ الصحةِ حِسًا ، فكذلك يَنْشُرُ اللَّبْنُ المُسْتَهْلَكُ الحُزْمَةَ حكمًا .
(١) فى م: ((يحصل)).
(٢) ليس فى: د، وفى ج، م: ((له)). والمثبت من نسخة على حاشية (د)).
٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٤/١٦ )

الموطأ
" محُذيفةَ، وهى من بنى عامرِ بنِ لُؤَىِّ - إلى رسولِ اللهِ وَلَه فقالت:
يا رسولَ اللهِ، كُنَّا نَرَى سالمًا ولدًا، وكان يدخُلُ علىَّ وأنا فُضُلٌ،
وليسَ لنا إلا بيتٌ واحدٌ، فماذا تَرَى فى شأنِهِ؟ فقال لها رسولُ اللهِ
وَلَه فيما بلَغنا: ((أَرضِعِيه خمسَ رَضَعاتٍ فيحرُمَ بلبنِها)). وكانت
تَراه ابنًا من الرّضاعةِ ، فأخَذتْ بذلك عائشةُ أُمُّ المؤمنين فيمَن كانت
تُحِبُّ أن يدخُلَ عليها من الرجالِ ، فكانت تأمُرُ أُختَها أُمَّ كُلثومٍ بنتَ
أبى بكرِ الصدِّيقِ وبناتِ أخيها أن يُرضِغْنَ مَن أحبَّتْ أن يدخُلَ عليها من
الرجالٍ، وأتى سائرُ أزواج النبيِّ وَ لِ أن يدخُلَ عليهنَّ بتلكَ الرَّضاعةِ
أحدٌ من الناس، وقُلْنَ: لا واللهِ ما نَرَى الذى أمَر به رسولُ اللهِ وَه
سهلةَ بنتَ سهيلٍ إلا رُخصةٌ من رسولِ اللهِ وَّهِ فى رَضاعةٍ سالم
وحدَه، لا واللهِ لا يدخُلُ علينا بهذه الرَّضاعةِ أحدٌ .
فعلى هذا كان أزواج النبيِّ وَِّ فِى رَضاعةِ الكبيرِ.
التمهيد أبي حذيفةً. كما تَبَّى رسولُ اللهِ وَهِزِيدَ بنَ حارثةَ، وأنكَح أبو حذيفةً
سالمًا - وهو يَرَى أَنَّه ابنُّه - بنتَ أَخيه فاطمةَ بنتَ الوليدِ بنِ عتبةً بن ربيعةً ،
وهی يومئذٍ مِن المهاجراتِ الأُولِ ، وهی يومئذٍ مِن أفضلٍ أیامی قریشٍ،
فلمَّا أَنْزَل اللهُ تعالى فى كتابِهِ فى زيد بن حارثةَ ما أَنزَل فقال: ﴿أَدْعُوهُمْ
لَِّبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِّ فَإِنِ لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ
وَمَوَلِيَكُمْ﴾ - رُدَّ كلَّ واحدٍ مِن أولئك إلى أبيه، فإن لم يُعلَمْ أبوه رُدَّ إلى
القبس

الموطأ
:
مَوالِيه ، فجاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهَيلٍ - وهى امرأةُ أبى حذيفةَ، وهى مِن بنى التمهيد
عامِرٍ بنِ لؤَىِّ - إلى رسولِ اللهِ وَِّ فقالت: يا رسولَ اللهِ، كَّا نَرَى سالمًا
ولدًا، وكان يَدخُلُ علىَّ وأنا فُضُلٌ، وليس لنا إِلَّا بيتٌ واحدٌ، فماذا تَرَى
فى شَأْنِه؟ فقال لها رسولُ اللهِ وَ ل# فيما بلغنا: (( أرضعيه خمسَ رَضَعاتٍ
فِيَحْرُمَ بلبنِها)). وكانت تَراه ابنًا مِنَ الرَّضاعةِ، فأخذتْ بذلك عائشةُ أُمّ
المؤمنين فيمَن كانت تُحِبُّ أن يَدْخُلَ عليها مِن الرجالِ ، فكانت تأمُرُ
◌ُختَها أُم ◌ُلتُومٍ بنت أبى بكر الصديقِ وبناتِ أُخیها أن تُرضِغْنَ مَن أُحبَتْ أن
يَدْخُلَ عليها مِن الرجالِ، وأتَى سائرُ أزواج النبيِّ مَلِّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ
بتلك الرّضاعةِ أحدٌ مِن الناسِ ، وقُلْنَ: لا واللهِ ما نَرَى الذى أمر به رسولُ
اللهِ وَلِّ سَهلةَ بنتَ سُهيلٍ إِلَّ رخصةً مِن رسولِ اللهِ وَّهِ فِى رَضاعةٍ سالم
وحدَه ، لا واللهِ لا يَدْخُلُ علينا بهذه الرّضاعةِ أحدٌ . فعلى هذا كان أزواج
النبيِّ وَّهِ فِى رَضاعةِ الكبيرِ (١).
هذا حديثٌ يَدْخُلُ فى المسندِ ؛ للقاءِ عروةَ عائشةَ وسائرَ أزواج النبيِّ
وَه، وللقائِه سَهلةَ بنتَ سُهيلٍ، وقد روَاه عثمانُ بنُّ عمرَ، عن مالكٍ،
مُختصرَ اللفظِ ، مُتَّصِلَ الإسْنادِ .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٢٧)، وبرواية يحيى بن بكير (١٧/١٢ظ، ١٨و -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٤٩). وأخرجه الشافعى ٢٧/٥، ٢٢٤/٧،٢٨، والنسائى
(٣٣٢٤)، وابن حبان (٤٢١٥)، وأبو نعيم فى المعرفة ٢ / ٤٨٢، والبيهقى ٤٥٦/٧ من طريق مالك
به .
٥١

الموطأ
التمهید
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ
العسكرىُّ، حدثنا يزيدُ بنُ سنانٍ ، حدثنا عثمانُ بنُ عمرَ، وحدَّثنا خلفٌ ،
قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ، حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ
الحجّاجِ ، حدثنا يَزِيدُ بنُ سنانٍ ، حدثنا عثمانُ بنُ عمرَ ، حدثنا مالكٌ ، عن
ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رسولَ اللهِ وَهِ أَمَر امرأةً أبى
حذيفةً أن تُرضِعَ سالما خمسَ رضعاتٍ، فكان يَدخُلُ عليها بتلك
الرضاعةِ، وسائرُ أزواج النبيِّ وَّهِ يَأْبَيْن ذلك ويَقُلنَ: إِنَّما كانتِ الرخصةُ
فی سالم وحدَه (٢).
وذكَر الدارقطنىُ(١) حديثَ عثمانَ بنِ عمرَ، ثم قال: وقد رواه
عبدُ الرزاقٍ ، وعبدُ الكريم بنُ رَوْحِ، وإسحاقُ بنُ عیسى . وقيل : عن ابنِ
وَهْبٍ ، عن مالكٍ. وذكروا فى إسنادِه عائشةً أيضًا . ثم قال : حدثناه أبو
طالبٍ أحمدُ بنُّ نَصْرِ بنِ طالبٍ الحافظُ مِن كتابِهِ، حدثنا إسحاقُ بنُّ
إبراهيم بنِ عَبَّادٍ بصنعاءً، عن عبد الرزاقِ ، عن مالكِ بنِ أنس ، عن ابنِ
شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن أبا حُذيفةَ بنَ عُثْبةً بن ربيعةً وكان
بدريًّا . وساق الحديثَ(٤).
القبس
(١) فى الأصل: ((الحسن)). وينظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٤١.
(٢) أخرجه أحمد ٢٥٤/٤٣ (٢٦١٧٩) عن عثمان بن عمر به.
(٣) ينظر علل الدارقطنى (٥/ق ١١٦، ١١٧ - مخطوط).
(٤) أخرجه الطبرانى (٦٣٧٧) عن إسحاق بن إبراهيم به. وهو عند عبد الرزاق (١٣٨٨٦).
٥٢

الموطأ
قال أبو عمرَ: وقد رواه يحيى بن سعيد الأنصارىُّ ، عن ابنِ شهابٍ ، التمهيد
عن عروةً وابنٍ عبدِ اللهِ بن ربيعةً، عن عائشةً وأَمّ سلَمةً، بلفظِ حديثٍ
مالك هذا ومعناه سواءً إلى آخره . ورواه يونسُ بنُ یزیدَ ، عن ابن شهاب ،
عن عروةً، عن عائشةَ وأمّ سلَمَةَ زوجَي النبيِّ نَّهِ مثلَه بمعناه سواءً .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا
أبو داود ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ صالح ، قال : حدثنا عَنْتَسَةُ ، قال : حدثنا
يونسُ ، عن ابنٍ شهابٍ ، قال : حدثنا عروةُ بنُ الزبيرِ ، عن عائشةَ زوج النبيِّ
وَّهِ وَأُمّ سلَمَةَ، أن أبا حذيفةً بنَ عُتبةَ بنِ ربیعةً بن عبد شمسٍ کان قد تبنَّی
سالمًا . وساق الحديثَ بمعنى حديثٍ مالكٍ(١).
وحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال :
حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال : حدثنا أیوبُ بنُ سلیمانَ بن بلالٍ ، قال :
حدثنا أبو بكرِ بنُ أبى أُوَيْسٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، قال: قال يحيى :
أخبرنى ابنُّ شهابٍ ، قال: أخبرنى عروةُ بنُ الزّبيرِ وابنُ عبدِ اللهِ بنِ ربيعةً،
عن عائشةَ وأُمّ سلَمَةَ زوجَي النبيِّ وَِّ، أن أبا حذيفةَ بنَ ◌ُتبةَ بنِ عبدِ
شمسٍ - كان ممَّن شَهِد بدرًا مع رسولِ اللهِ وَّه - تَبِنَّى سالمًا، وهو
مولّ لامرأةٍ مِن الأنصارِ، كما تبنَّى رسولُ اللهِ وَهِزِيدَ بنَ حارثةَ، وأُنكَح
القبس
(١) أخرجه الحازمی فی الاعتبار ص ١٤٧ من طريق محمد بن بکر به. وهو عند أبى داود
(٢٠٦١).
٥٣

الموطأ
التمهيد أبو حذيفةً بنُ عُتبةَ سالمًا بنتَ أخيه هندَ بنتَ الوليدِ بنِ عُتبةً بن ربيعةً،
وكانت هندُ بنتُ الوليدِ بنِ عُتبةً بن ربيعةً مِن المُهاجراتِ الأُوَلِ، وهی
يومَئذٍ مِن أفضلِ أيامَى قريشٍ، فلمَّا أنزَل اللهُ تعالى فى زيد بن حارثةَ ما
أَنزَل: ﴿آَدْعُوهُمْ لِأَبَآيِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. رُدَّ كُلُّ
أحدٍ يَنْتَمِى (١) مِن أولئك إلى أبيه، فإن لم يُعلَمْ أبوه رُدَّ إلى مواليه، فجاءَتْ
سَهلَةُ بنتُ سُهيلِ امرأةُ أبى محذيفةً إلى رسولِ اللهِ بَّهِ، وهى مِن بنى عامٍ
ابنِ لُؤَىٍّ، فقالت له فيما بلَغنا: يا رسولَ اللهِ، كنَّا نَرَى سالمًا ولدًا، وكان
يَدْخُلُ علىَّ وأنا فُضُلٌ، ليس لنا إِلَّا بيتٌ واحدٌ، فماذا تَرَى يا رسولَ اللهِ ؟
قال لها فيما بلَغنا: ((أرضِعيه عشْرَ رَضعاتٍ فِيَحْرُمَ(١) بلبنها)) . فكانت تَرَاه
ابنًا مِن الرَّضاعةِ، فأخذت بتلك الرضاعةِ عائشةُ زوجُ النبيِّ وَّهِ فِيمَن
کانت تُحِبُّ أن يَدخُلَ علیها مِن الرجال ، فكانت تأمُُ أُختها أُمّ كُلثوم بنتَ
أبى بكرٍ وبناتٍ أخيها أن يُرضِعنَ لها مَن أَحَبَّت أن يَدخُلَ عليها مِن
الرجالِ، وأتى سائرُ أزواج النبيِّ وَّلَهُ أَنْ يَدخُلَ عليهِنَّ بتلك الرَّضاعةِ أحدٌ ،
وقُلْنَ لعائشةَ: واللهِ ما تَرَى الذى أمر به رسولُ اللهِ بَلّهِ بِنتَ سُهيلٍ مِن
رضاعةٍ سالِمٍ إلَّ رخصةً فى رَضاعةٍ سالمٍ وحدَه مِن رسولِ اللهِ وَِّ دُونَ
الناسِ، فوَاللهِ لا يَدْخُلُ علينا أحدٌ بتلك الرَّضاعةِ. فعلى هذا الأمرِ كان
٠
القبس
(١) فى الأصل: (( تبنى)).
(٢) فى الأصل، م: ((فتحرم)).
٥٤

الموطأ
أزواج النبيِّ مَّهِ فِى رَضاعةِ الكبيرِ(١).
التمهيد
وهكذا قال ابنُّ المباركِ : عن يونسَ ، عن الزهرىِّ، عن عروةً وابنٍ
عبدِ اللهِ بنِ ربيعةً .
وقال شعيبٌ، عن الزهرىِّ: أخبَرنى عروةُ، و "أبو عائِذٍ) اللهِ بنُ
ربيعةً، عن عائشةً وأُمُّ سَلَمةَ ، أن أبا حذيفةً(٢).
وقال الليثُ : عن ابنٍ مسافرٍ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن عروةً وعمرةً ، عن
عائشةً ، أن أبا حذيفةً(٤) .
قال محمدُ بنُ يحيى : وهذه الوجوهُ كلُّها عندَنا محفوظةٌ ، غيرَ أَنِّى لا
أغْرِفُ مَن ابنُ عبدِ اللهِ بنِ ربيعةً، وأبو (٥) عائذِ اللهِ بنُ ربيعةً؟ وأظنُّه إبراهيمَ
ابنَّ عبد الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبى(١) ربيعةً، وهو ابنُ أُمّ كُلثومٍ بنتِ أبى
بکرٍ، فقد روى عنه الزهرىُّ حدیثین .
قال أبو عمر: حدیثُ یحیی بن سعيد ، عن ابن شهاب، علی ما
القبس
(١) أخرجه النسائى (٣٢٢٤) من طريق أيوب بن سليمان بن بلال به مختصرًا.
(٢ - ٢) فى الأصل، ق: ((ابن عائذ))، وفى م: ((ابن عبد)). والمثبت من مصدر التخريج،
وينظر تهذيب الكمال ١٦/٣٤.
(٣) عزاه ابن حجر فى فتح البارى ١٣٣/٩ إلى الإسماعيلى.
(٤) أخرجه الطبرانى ٢٩١/٢٤ (٧٤١)، والحاكم ٢/ ١٦٣، ١٦٤ من طريق الليث به.
(٥) فى النسخ: ((ابن)).
(٦) ليس فى: الأصل.
٥٥

الموطأ
التمهيد ذكّرناه فى هذا البابٍ ، بمعنَى حديثِ مالِكِ مِن غيرٍ خلافٍ ، إلّا أن فى
هذه الرواية هند بنت الوليد بن عتبةً ، و کذلك قال يونسُ بنُ یزیدَ فى هذا
الحديثِ: هندُ بنتُ الوليدِ بنِ عتبةً ) . وفى روايةِ مالكٍ: فاطِمةُ ابنةُ الوليدِ
ابن ◌ُتبةً . وهو الصواب ، وقد ذكرناها فى كتابنا فى ((الصحابة))، وذكّوْنا
فيه أيضًا سَهلةَ بنتَ سُهيل وأباها، وذكّرنا أيضًا هناك فى أبى حذيفةً وسالم
(٢)
ما فيه كفايةٌ(٢) .
وفى روايةٍ يحيى بن سعيدٍ لهذا الحديثِ: ((عَشْرَ رَضَعاتٍ)) . وفى
روايةٍ مالكِ: ((خمسَ رَضَعاتٍ)). وسنُبيِّنُ ذلك كلَّه إن شاء اللهُ.
وقد رَوی هذا الحدیثَ عبدُ الرزاق ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن
عروةَ، عن عائشةَ، أَنَّ أبا حذيفةَ بنَ عتبةَ. وساق مثلَه سواءً إلى قولٍ
سَهْلَ: فما تَرَى فى شَأْنِهِ(٢) ؟ ووَصَله أيضًا جماعةٌ مِن أصحابِ الزهرىِّ؛
منهم معمرٌ ، وعُقيل ، ويونسُ، وابنُ مجريج ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن
القبس
(١ - ١) سقط من: ق، م. وتقدم تخريجه من طريق يونس ص ٥٣.
(٢) ينظر الاستيعاب ٥٦٧/٢، ٤/ ١٦٣١، ١٨٦٥، ١٩٠١.
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٢ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٨٥)، وابن راهويه (٧٠٤)، وأحمد ٨٦/٤٣ (٢٥٩١٣)، وابن
حبان (٤٢١٤) من طريق معمر به .
(٥) وأخرجه البخارى (٤٠٠٠)، والبيهقى ٤٥٩/٧ من طريق عقيل به.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٨٧)، وابن راهويه (٧٠٦)، وأحمد ٤٣٥/٤٢ (٢٥٦٥٠) من
طريق ابن جريج به .
٥٦

الموطأ
عروةَ، عن عائشةً بمعناه . وكذلك رَوَاه عثمانُ بنُ عمرَ ، عن مالك ، عن التمهيد
ابنِ شهابٍ، عن عروة، عن عائشةً بمعناه أيضًا مُختصًا(١). وقد روى
مَعناه فى رَضاعةِ الكبيرِ؛ القاسمُ وعمرةُ، عن سَهلةَ بنتِ سُهيلٍ
(٢)
مختصَرًا(٢).
وأبو حذيفةَ اسمُه قيسُ بنُ عُتِبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ بنِ عبدِ
منافٍ ، وأُه فاطِمةُ بنتُ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةً ("بِنِ مُحَوّث٣ٍ) ، مِن بنى ثَعلبةَ ابٍ
الحارثِ بنِ مالكِ . هكذا قال ابنُ التَرْقِيِّ: اسمُ أبي حذيفةَ بنِ عُتبةً قيسُ بنُ
عُتبةَ بنِ ربيعةً بنِ عبدِ شمسٍ .
وأمّا قولُه فى الحديثِ: يَدخُلُ علىَّ وأنا فُضُلٌ. فإن الخليلَ ذكَر
قال(٤): رجلٌ مُتَفَضِّلٌ وفُضُلٌ، إذا توَشَّح بثوبٍ فخالَف بينَ طَرَفَيْه على
عاتقِه. قال: ويُقالُ: امرأةٌ فُضُلٌ، وثوبٌ فُضُلٌ. فمعنَى الحديثِ عندى
أنَّه كان يَدخُلُ عليها وهى مُنكَشِفٌ بعضُها ، مثلُ الشَّعرِ، واليدِ ، والوجهِ ،
يَدخُلُ عليها وهى كيفَ أمْكَنها . وقال ابنُ وَهْبٍ : فُضُلٌ : مَكْثُوفَةُ الرأسِ
والصدرِ. وقيل: الفُضُلُ الذى عليه ثوبٌ واحدٌ ولا إزارَ تحتَه. وهذا
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٥٢ .
(٢) سيأتى ص ٦٠ - ٦٢.
(٣ - ٣) سقط من: م، وفى ق: ((بن الحارث)).
(٤) العين ٤٤/٧.
٥٧

.
الموطأ
التمهيد أُصَحُّ؛ لأن انكشافَ الصدرِ مِن الحرّةِ لا يجوزُ أن يُضافَ إلى أهلِ الدينِ
عندَ ذى مَحْرَم، فَضْلًا عن غيرِ ذى مَحْرَم؛ لأن الحرةَ عورةٌ مُجتمَعٌ على
ذلك منها ، إلّا وَجْهَها و گَفَئِها . وقد أُؤْضَخْنا ما لذی المخرم أن يراه مِن
نسائِه ذَوَاتٍ محارمِه، فى بابٍ صَفوانَ بنِ سُلَيْمِ(١) . والحمدُ للهِ.
وقال امرؤُ القيسِ(٢):
تقولُ وقد نَضَتْ لنومِ ثِيابَها لَدَى السَّتْرِ إلَّ لِيْسَةَ المُتُّفَضِّل
هكذا أَنْشَده أبو حاتم، عن الأُضْمعىِّ، نَضَتْ بتَخْفِيفِ الضادِ ،
وقال: يقالُ: نَضَوْتُ الثوبَ أَنْضُوه، إذا نَزَعْتَه، ولا يقالُ: أَنْضَيْتُه.
والذى عليه جاء هذا الحديثُ ، رَضاعةُ الكبيرِ والتحريمُ بها، وهو
مذهبُ عائشةً مِن بینِ أزواج النبيِّ ◌َلِّ، حمَلَتْ عائشةُ حديثها هذا فى
سالم مولَى أبى حذيفةَ على العمومِ ، فكانت تَأْمُرُ أُختَها أُمَّ كُلثومٍ وبناتٍ
أخيها أن يُوْضِعْنَ مَن أَحَبَّت أن يَدخُلَ عليها ، وصنَعَتْ عائشةُ ذلك بسالم
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَمَرَتْ أُمَّ كُلثومٍ فَأَرْضَعَتْه، فلم تُنِمَّ رَضاعَه، فلم
يَدْخُلْ عليها(١) . ورأى غيرُها هذا الحديثَ خصوصًا فى سالم وسَهلةً بنتٍ
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٨٦٥) من الموطأ .
(٢) ديوانه ص ١٤، وفيه: ((فجئت)). بدلا من: ((تقول)).
(٣) تقدم فى الموطأ (١٣١٢).
٥٨

الموطأ
سهيلٍ. واختلف العلماءُ فى ذلك كاختلافٍ أُمَّهاتِ المؤمنينَ، فَذَهَب التمهيد
الليثُ بنُ سعدٍ إلى أن رَضاعةَ الكبيرِ تُحَرِّمُ كما تُحَرِّمُ رَضاعةُ الصغيرِ. وهو
قولُ عطاءِ بنِ أبى رباح، ورُوِى عن علىٍّ، ولا يَصِحُ عنه (١)، والصحيحُ عنه
أنْ لا رَضاعَ بعدَ فطامٍ(١) . وكان أبو موسى يُفْتِى به، ثم انصَرَف عنه إلى
قول ابنِ مسعودٍ ().
وأمّا قولُ عطاءٍ، فذكَر عبدُ الرزاقِ(٤)، عن ابن جريجٍ، قال: سمِعتُ
عطاءً يُسألُ ، قال له رجلٌ: سقَتْنِى امرأةٌ مِن لبنِها بعدَما كنتُ رجلًا كبيرًا،
أفأَنْكِحُها؟ قال: لا . قلتُ: وذلك رأيُكَ؟ قال: نعم. قال عطاء: كانت
عائشةُ تأُ به بناتٍ أخيها .
قال أبو عمرَ: هكذا رَضائعُ الكبيرِ كما ذكر عطاءٌ(®) ، يُحْلَبُ له اللبنُ
ويُشْقاه ، وأمَّا أن تُلْقِمَه المرأةُ ثَدْيَها كما يُصنَعُ بالطفلِ فلا؛ لأن ذلك لا
يَحِلُّ عندَ جماعةِ العلماءِ .
وقد أجمَع فقهاءُ الأمصارِ على التحريم بما يَشْرَبُّه الغلامُ الرضيعُ مِن
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣٨٨٨)، والمحلى ١٨٠/١١، ٢٠٠.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٩٨)، وابن أبى شيبة ٤/ ٤٩٠، والبيهقى ٧/ ٤٦١.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٣٢٠).
(٤) عبد الرزاق (١٣٨٨٣).
(٥) سقط من: م.
٥٩

الموطأ
التمهيد لبنِ المرأةِ وإن لم يَمُصَّه مِن تَدْيِها، وإنَّما اختَلَفوا فى الشّعُوطِ (١) به،
وفى الحقْنَةِ، والوَمجورِ ١، وفى مجبنٍ يُصْنَعُ له منه، بما لا حاجةً لنا
إلى ذكرِه ههنا. ورَوَى ابنُ وَهْبٍ، عن الليثِ، أنه قال: أنا أكْرَهُ
رَضاعَ الكبيرِ أن أُحِلَّ منه شيئًا. ورَوَى عنه كاتِئُه أبو صالحٍ عبدُ اللهِ
ابنُّ صالِحٍ، أن امرأةً جاءته، فقالت: إِنِّى أُرِيدُ الحَجّ، وليس لى
مَحْرَمٌ. فقال: اذْهَبِى إلى امرأةِ رجلٍ تُرْضِعُكِ، فيكونُ زوجها أبًا لكِ
فتَحُجِّينَ معه. وقال بقولِ الليثِ قومٌ؛ منهم ابنُ عُليَّةً. وحُجَّةُ مَن
قال بذلك حديثُ عائشةَ فى قصةٍ سالم وسَهلةَ، وفَتْواها بذلك،
وعَمَلُها به .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدثنا محمدُ بنُ
يحيى بنِ عمرَ بنِ علىّ ، قال : حدثنا علىُّ بنُ حربٍ ، قال : حدثنا سفيانُ
ابنُّ عيينةً، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ قالت:
جاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهِيلٍ إلى النبيِّ وَّر، فقالت: إنِّى لأَرَى فى وجهِ أبى
حذيفةَ مِن دخولٍ سالم علىَّ كراهيةً. قال: ((فأرضعِيه)). قالت:
وهو شيخٌ كبيرٌ؟ فقال النبيُّ ◌َله: ((أَوَ لَستُ أَعلَمُ أنه شيخٌ كبيرٌ؟
فَأرْضعِيه)). ثم أتَتْه بعدُ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، ما رأيتُ فى وجهِ
القبس
(١) سعطه الدواء تسعطًا وسعوطًا: أدخله فى أنفه. الوسيط (س ع ط).
(٢) الوجور: الدواء يوجر فى وسط الفم. التاج (وج ر).
٦٠