Indexed OCR Text

Pages 481-500

١٢٧٥ - مالك، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه ، أنه قال : كان الموطأ
الرجلُ إذا طلَّق امرأتَه ثمَّ ارتَجَعها قبلَ أن تَنقضِىَ عِدَّتُها ، كان ذلك له
وإن طلَّقها ألفَ مرَّةٍ ، فعمَد رجلٌ إلى امرأتِه فطلّقها ، حتى إذا شارَفتِ
انقضاءَ عِدَّتِها راجَعها، ثمَّ طلِّقها، ثمّ قال: لا واللهِ، لا آوِيكِ إلَىَّ ولا
تَحِلِّينَ أبدًا. فأنزل اللهُ تبارك وتعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكًا
سمِعتُ مجاهدًا يُحدِّثُ عن ابنِ عباسٍ فى هذا الحرفِ: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا الاستذكار
◌َلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعَِّّتِهِنَّ﴾. قال: ( فى قُبُلٍ عَدَِّهن).
وذكر الزَّعْفرانىُ، قال: حدَّثَنَا شَبَابَةٌ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن
الحكم، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه كان يقرؤُها : (إذا طَلَّقْتُم النساءَ
فَطَلَّقُوهُنَّ لقُبُلٍ(١) عدَّتِهِنَّ). وكذلك كان يقرؤُها مجاهدٌ(٢).
وروَى عبدُ الرحمنِ بنُّ أيمنَ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يقرأُ : (فِطَلَّقُوهُنَّ
فى قُبُلٍ(٣) عدَّتِهِنَّ)(٤).
وأما قراءةُ ابنٍ مسعودٍ والجمهورِ فعلى ما فى مصحفٍ عثمانَ .
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أنه قال: كان الرجلُ إذا
القبس
.
(١) فى الأصل، م: ((من قبل)).
(٢) أخرجه الشافعى ١٨٠/٥، وعبد الرزاق فى تفسيره ٢٩٦/٢، وسعيد بن منصور
(١٠٥٩)، وابن جرير فى تفسيره ٢٥/٢٣.
(٣) فى ب: ((قبول)).
(٤) أخرجه الشافعى ١٨٠/٥ من طريق عبد الرحمن بن أيمن به.
٤٨١
( موسوعة شروح الموطأ ٣١/١٥ )

[البقرة: ٢٢٩]. فاستقبَل الناسُ الطلاقَ
◌ِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنٍ﴾
الموطأ
جديدًا من يومِئذٍ ؛ مَن كان طلَّق منهم أو لم يُطلِّقْ .
١٢٧٦ - مالكٌ، عن ثورِ بنِ زيدِ الدِّيلِيِّ، أن الرجلَ كان يُطَلِّقُ
امرأتَه، ثمَّ يُراجِعُها ولا حاجةً له بها ، ولا يُرِيدُ إمساكَها؛ كيما يُطوِّلَ
بذلك عليها العِدَّةَ ليُضارَّها، فَأَنزَل الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا
◌ُسِكُهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمْ﴾. يَعِظُهم
اللهُ بذلك .
الاستذكار طلَّق امرأته ثم ارتجَعها قبلَ أن تنقضىَ عدَّتُها، كان ذلك له وإن طلَّقها
ألفَ مرةٍ ، فعمَد رجلٌ إلى امرأتِه فطلَّقها، حتى إذا شارَفت انقضاءً
عدتِها راجعها ، ثم طلَّقها، ثم قال: واللهِ لا آوِيكٍ إلىَّ ولا تَحِلِّينَ
أبدًا. فَأَنزَل اللهُ تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ
بِإِحْسَانٍ﴾ . فاستقبَل الناسُ الطلاقَ جديدًا مِن يومئذٍ؛ مَن كان طلّق منهم
أو لم يُطلِّقْ(١).
مالكٌ، عن ثورٍ بنِ زيدِ الدِّيلىِّ، أن الرجلَ كان يطلِّقُ امرأتَه ، ثم
يُراجِعُها ولا حاجةً له بها ، ولا يريدُ إِمساكَها ؛ كَيْما يُطَوِّلَ بذلك عليها
العدَّةَ ولِيُضَارَّها، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُوَأْ وَمَن
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١٢ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦٩٧). وأخرجه
الشافعى ٢٤٢/٥، والبيهقى ٣٣٣/٧، والحازمى فى الاعتبار ص ١٤٣ من طريق مالك به .
٤٨٢

الموطأ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمْ﴾. يَعِظُهم اللهُ بذلك(١).
الاستذكار
قال أبو عمرَ : أفادنا هذان الخبران أن نزولَ الآيتين المذكورتَيْن كان
فى معنًى واحدٍ متقاربٍ، وذلك حبشُ الرجلِ المرأةَ ومراجعتُه لها قاصدًا
إلى الإضرارِ بها. وأجمَع العلماءُ على أن قولَه عزَّ وجلَّ: ﴿أَوْ تَشْرِيحٌ
بِإِحْسَانٍ﴾. هى الطَّلْفةُ الثالثةُ بعد التطلقتين، وإياها عنى بقوله تعالى:
﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَ تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وأجمعوا أن مَن طلَّق امرأتَه طلقةً أو طلقتين فله مراجعتُها ، فإن طلَّقها الثالثةَ ،
لم تَحِلَّ له حتى تَنكحَ زوجًا غيرَه. فكان هذا مِن محكم القرآنِ الذى لم
يُختلَفْ فى تأويله. وقد رُوِى مِن أخبارِ الآحادِ العدولِ مثلُ ذلك أيضًا .
حدَّثنى سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال: حدَّثنا أبو
معاويةَ ، قال : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ سُمَيع، عن أبى رَزِينٍ، قال: جاء رجلٌ
إلى النبيِّ وَّ فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فأين الثالثةُ ؟ فقال رسولُ اللهِ
وَالتر: ((إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسانٍ))(١) .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١٢ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦٩٩).
وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٨١/٤ من طريق مالك به .
(٢) ابن أبى شيبة ٢٥٩/٥، ٢٦٠. وأخرجه سعيد بن منصور (١٤٥٧) - ومن طريقه البيهقى
٣٤٠/٧ - من طريق أبى معاوية به .
٤٨٣

الموطأ
ورواه الثورىُّ وغيرُه، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيعٍ، عن أبى رَزِينٍ مثلَه(١).
الاستذ کار
قال أبو عمرَ : التسريحُ والفِراقُ عندَ جمهورِ العلماءِ مِن صُراحِ الطلاقِ؛
قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾
[الطلاق: ٢]. وقال فى موضع آخرَ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرْجُوهُنَّ
يَمِعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]. وهذا عندهم كما لو قال: فأمسكوهن بمعروف أو
طلّقوهن . وقد رُوِى عن مالكِ وبعضٍ أصحابِه فى الرجلِ يقولُ لامرأته: قد
سَرَّحتُك. أنه يُنَوَّى ما أراد بذلك. ولم يجعَلْه مِثْلَ الإفصاح بالطلاقِ .
وقد احتجّ بعضُ أهلِ الزَّيْغِ ممن لا يرى وقوعَ الثلاثِ مُجتمعاتٍ بقولٍ
اللهِ تعالى: ﴿اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾. فقالوا: قولُه: ﴿مَرَّتَانِ﴾. يقتضِى مرةً بعدَ
مرةٍ فى وقتَيْن، فلا يكونُ إلا مُفترِقًا، والثالثةُ(٢) كذلك. وهذا عندَ العلماءِ
هو الطلاقُ المُختارُ للعدَّةِ والشُنَّةِ ، ومَن خالَفه لزمه فعلُه وعصَی ربَّه . وقد
قدَّمنا الحُجَّةَ فى ذلك فيما مضَى، والحمدُ للهِ کثیرًا .
وأما قولُ مَن قال مِن الكوفيّين : مَن طلَّق ثلاثًا مجتمعاتٍ فهى ثلاثٌ ،
ومَن طلَّق واحدةٌ فهى واحدةٌ، ومَن طلَّق اثنتين فهى واحدةٌ(٢) . فقولٌ لا
يصِحُ فى أثرٍ ولا نظرٍ . واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٠٩١)، وفى تفسيره ١/ ٩٣، وأبو داود فى المراسيل ص ١٤٥، وابن جرير
فى تفسيره ١٣٠/٤، ١٣١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٩/٢ (٢٢١٠) من طريق الثورى به.
(٢) فى ح، هـ، م: ((الثلاثة)).
(٣) فى الأصل، م: ((اثنتين)).
٤٨٤

الموطأ
١٢٧٧ - مالكٌ، أنه بلغه أن سعيدَ بنَ المسيَّبِ وسليمانَ بنَ يسارٍ
سُئلا عن طلاقٍ السكرانِ ، فقالا : إذا طلَّق السكرانُ جازَ طلاقُه ، وإن
قتَل قُتِل به .
قال يحيى : قال مالكٌ: وذلك الأمر عندَنا .
مالكٌ، أنه بلغه أن سعيدَ بنَ المسيَّبِ وسليمانَ بنَ يسارٍ سُئِلا عن الاستذكار
طلاقِ السكرانِ ، فقالا: إذا طلَّق السكرانُ جاز طلاقُه ، وإن قتَل قُتِل به .
قال مالكٌ: وذلك الأمر عندَنا(١).
قال أبو عمرَ : اختلف أهلُ المدينةِ وغيرُهم فى طلاقِ السكرانِ ؛
فأجازه عليه وألزَمه إِيَّاه جماعةٌ مِن العلماءِ؛ منهم سعيدُ بنُّ المسيَّبِ ،
وسليمانُ بنُ يسارٍ، ومجاهدٌ، وإبراهيمُ، والحسنُ، وابنُ سيرينَ،
وميمونُ بنُ مِهرانَ، وحُميدُ بنُ عبد الرحمنِ الحِميرىُّ (٢)، وشریخ
القاضى، والشعبىُ، والزهرىُّ، والحكمُ بنُّ عتيبةً (١).
وأما بلاغُ مالك عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، فرواه عنه قتادةٌ وعبدُ الرحمنِ
ابنُ حرملةً .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١٢ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٠٠،
٢٣٣٠). وأخرجه البيهقى ٣٥٩/٧ من طريق مالك به .
(٢) فى م: ((الحميدى)). وينظر الأنساب ١/ ٢٧١.
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٧/٥، ٣٨.
٤٨٥
٠٠

الموطأ
ذكَر أبو بكرٍ بن أبى شيبةً(١) ، قال: حدَّثنى حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن
الاستذكار
عبد الرحمنِ بنِ حرملةً ، قال: طلَّق جارٌ لي سكرانُ ، فأمَرنى أن أسألَ سعيدَ بنَ
المُسيَّبِ ، فسألتُه، فقال: يُفرَّقُ بينَه وبينَ امرأتِه، ويُجلدُ ثمانينَ جلدةً .
قال(٢) : وحدَّثنى عيسى بنُ يونسَ، عن الأوزاعىِّ، عن الزهرىِّ،
قال: إذا طلَّق السكرانُ أو أعتَق، جاز عليه(٢) وأُقيم عليه الحدُّ .
وإلى هذا ذهب مالكٌ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما، والثورىُّ،
والأوزاعىُ، وأبو عبيدٍ. وعن الشافعيّ فى ذلك روايتان ؛ إحداهما، مثلُ
قولٍ مالك، فى أن طلاقَه لازم له فى حالٍ سُكْرِه. وهو الأشهرُ عنه .
والثانيةُ، أنه لا يلزَمُ السكرانَ طلاقُه فى حالٍ سُكْرِه. واختاره المُزَنىُّ
وذهَب إليه، وخالَفه أكثر أصحابِ الشافعيّ فألزموه طلاقه. وكان عمرُ بنُ
عبدِ العزيزِ أجاز طلاقَ السكرانِ ، ثم رجَع عنه. وقال أبو حنيفةً(٤): طلاقُ
السكرانِ وعُقُودُه وأفعالُه جائزةٌ عليه كأفعالِ الصَّاحِى، إلا الرِّدَّةَ، فإنه إن
ارتدَّ لا تَبِينُ منه امرأتُه استحسانًا. وقد رُوِى عن أبى يوسفَ أنه يكونُ مرتدًا
فى حالٍ(٥) شُكْرِهِ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إن قذَف السكرانُ حُدَّ ، وإن
قتَل قُتل ، وإن زنَى أو سرَق أقيم عليه الحدُّ، ولا يجوزُ إقرارُه بالحدودِ .
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٧/٥، ٣٨.
(٢) ابن أبى شيبة ٣٨/٥.
(٣) بعده فى الأصل، م: ((العتق)).
(٤) بعده فى الأصل، ح، هـ، م: ((وأصحابه)). وينظر تفسير القرطبى ٢٠٣/٥.
(٥) ليس فى : الأصل ، ح ، هـ ، م .
٤٨٦
٠

الموطأ
وقال الشافعىُ: إِن ارتدَّ سكرانُ فمات كان مالُهُ فَيًَّا، ولا أقثُلُه فى شُكْرِه الاستذكار
ولا أسْتِيبُه فيه . وقال الثورىُّ والحسنُ بنُ حىٍّ : طلاقُ السكرانِ وعِثْقُه
جائزٌ عليه .
قال أبو عمرَ : ألزَمه مالكٌ الطلاقَ والعتقَ والقَوَدَ مِن الجراحِ والقتلِ،
ولم يُلزِمْه النكاحَ ولا البيعَ. ورُوِى عن عمرَ فى طلاق السكرانِ أنه أجازه
علیه ، پاسنادٍ فیه لینٌ .
ذگره ابو بكرٍ (١) ، قال : حدثنا و کیٹ، عن جرير بن حازمٍ، عن الزبيرِ
ابنِ الخِرِّيتِ ، عن أبى ◌َبيدٍ، أن عمرَ أجاز طلاقَ السكرانِ بشهادةِ نسوةٍ .
وأما عثمانُ، فالحديثُ عنه صحيحٌ أنه كان لا يُجِيزُ طلاقَ السكرانِ
ولا يَراه شيئًا. وقد زعم بعضُ أهلِ العلم أنه لا مخالفَ لعثمانَ فى ذلك مِن
الصحابةِ، وليس ذلك عندِى كما زعَم؛ لِما ذكرنا عن عمرَ، ولِما جاء
عن علىٍّ، وهو حديثٌ صحيحٌ عنه أيضًا، رواه الثورىُّ وغيرُه، عن
الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، عن عابِسٍ(٢) بنِ ربيعةَ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ:
كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاقَ المَعْتوهِ(١) .
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٨/٥.
(٢) فى الأصل: ((عادس))، وفى ح، هـ، م: ((عامر))، وفى ب: ((عائش)). والمثبت من
مصدر التخريج ، وينظر تهذيب الكمال ٤٧٢/١٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٤١٥، ١٢٢٧٧) عن الثورى به، وأخرجه سعيد بن منصور (١١١٣،
١١١٥، ١١١٦) عن هشيم وسفيان بن عيينة وأبى عوانة وأبى معاوية وأبى شهاب عن الأعمش به.
٤٨٧

الموطأ
ومَن قال: إن عثمانَ لا مُخالِفَ له مِن الصحابةِ فى طلاقِ السكرانِ .
الاستذكار
تأوَّل قولَ علىّ أن السكرانَ معتوةٌ بالشكّرِ، كما ) المُوسوَسُ معتوةٌ
بالوسواسِ، والمجنونُ معتوه بالجنونِ .
وحديثُ عثمانَ رواه وكيعٌ وغيرُه ، عن ابنِ أبى ذئبٍ ، عن الزهرىِّ،
عن أبانِ بنِ عثمانَ، عن عثمانَ، أنه كان لا يجيزُ طلاقَ السكرانِ
والمجنونِ . قال : وكان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يجيزُ طلاقَه، ويرجعُ ظهرَه،
حتى حدَّثه أبانٌ بذلك عن أبيه(٢) .
وبه كان يُفتى أبانٌ . وهو قولُ جابرٍ بنِ زيدٍ ، وعكرمةً، وعطاءٍ،
وطاوسٍ، والقاسمِ بنِ محمدٍ (٢)، وربيعةً، ويحيى بنِ سعيدٍ ، والليثِ بنِ
سعدٍ ، وعبيدِ اللهِ بنِ الحسنِ ، وإسحاقَ بنِ راهُويه، وأبى ثورٍ ، والمُزنِىٌّ،
وداودَ بنِ علىٍ. وإليه ذهَب الطحاوىُّ، وخالَف أصحابَه فى ذلك
الكوفيّين، وقال: لا يختلفون فيمَن شرِب البَنْجَ(٤) فذهَب عقلُه، أن طلاقَه
غيرُ جائزٍ، فكذلك مَن سكِر مِن الشرابِ. قال: ولا يختلِفُ فُقدانُ العقلِ
1
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((أن)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩/٥ عن وكيع به .
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٩/٥.
(٤) فى الأصل، ح، هـ: ((الشيخ)). وينظر مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٤٣١. والبنج: هو
نبت مخدر مخبط للعقل، مُجَنّ، مسكن لأوجاع الأورام والبثور وأوجاع الأذن، طلاءً
وضمادًا. التاج (ب ن ج).
٤٨٨

١
الموطأ
بسببٍ مِن اللهِ أو بِسببٍ مِن جهتِه، كما أنه لا يختلِفُ حكمٌ مَن عجز عن الاستذكار
الصلاةِ بسببٍ مِن اللهِ أُو مِن فعلِ نفسِه فى بابٍ سقوطٍ فرضٍ القيامِ عنه .
قال أبو عمرَ : ليس تشبيهُه فعلَ السكرانِ بالعجزِ عن الصلاةِ بقياسٍ
صحيح؛ لأنه (١ من ولَّد على نفسِه ما يَعجِزُ به عن القيامِ للصلاةِ أَئِّمَ) ، ولا
تسقُطُ عنه الصلاةُ، وعليه أن يؤدِّيَها على حَسَبٍ طاقتِه .
وأما أحمدُ بنُّ حنبلٍ، فجَبُن عن القول فى طلاق السكرانِ ، وأتى أن
يُچِیبَ فیه .
قال أبو عمرَ : أجمَعوا أنه يقام عليه حدُّ "السكرِ مُفِيقًا٢) . وقال عثمانُ
البَّىُّ : السكرانُ بمنزلةِ المجنونِ؛ لا يجوزُ طلاقُه ولا عتقُه ولا بيعُه ولا
نكاحُه، ولا يُحَدُّ فى قذفٍ ولا زنّى ولا سرقةٍ. وقال الليثُ بنُ سعدٍ: كلُّ
ما جاء مِن مَنْطِقِ السكرانِ فهو موضوعٌ(٢) عنه، ولا يلزَمُه طلاقٌ ولا عتقٌ
ولا بيعٌ ولا نكاح، ولا يُحَدُّ فی القذفِ، وَيُحَدُّ فى الشربِ وفى كلِّ ما
جَنَتْه يدُه وعمِلته جوارحه؛ مثلَ القتلِ والزِّنى والسرقةِ .
قال أبو عمرَ: قولُ الليثِ حسنٌ جدًّا؛ لأن السكرانَ يَلْتَذُّ بأفعالِهِ ،
ويَشْفِى غيظَه، وتقعُ أفعالُه قصدًا إلى ما يقصِدُه مِن لذَّةِ بزنّى أو سرقةٍ أو
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((من ولد على من ولد على نفسه فى الصلاة أثم))، وفى م: ((ما من أحد
يعجز به على نفسه فى الصلاة آثم)).
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((السكران)).
(٣) فى الأصل، م: ((مرفوع)).
٤٨٩

١٢٧٨ - مالكٌ، أنه بلغه أن سعيدَ بنَ المسيّبِ كان يقولُ : إذا لم
الموطأ
يجدِ الرجلُ ما يُنفِقُ على امرأَتِهِ فُرِّق بينَهما .
قال مالكٌ: وعلى ذلك أدرَكتُ أهلَ العلمِ يبلدِنا .
الاستذكار قتلٍ، وهو مع ذلك لا يَعْقِلُ أكثرَ ما يقولُ؛ بدليل قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿لَا
تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. فإذا
تبيَّن على الشاربِ التخليطُ البَيِّنُ فى المنطقِ مِن القراءةِ وغيرِها فقد تغيَّر
عقله وصڅ شُگره . وبالله التوفيقُ لا شريكَ له .
مالكٌ ، أنه بلغه أن سعید بن المسئِبِ کان یقول : إذا لم يَجِدِ الرجلُ ما
يُنْفِقُ على امرأتِهِ فُرُّق بينَهما . قال مالكٌ: وعلى ذلك أدركتُ أهلَ العلم
ببلدِنا(١).
قال أبو عمرَ: هكذا رواه قتادةُ، ويحيى بنُ سعيدٍ ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ ، قال قتادةُ : سألتُه عن الذى يُغْسِرُ بنفقةِ امرأتِه ، فقال: لا بدَّ أن
يُنْفِقَ، أو يُطَلِّقَ(٢).
وقال سفيانُ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، قال :
يُفَرَّقُ بينَهما (٣).
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١٢ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٠١). وأخرجه
سحنون فى المدونة ٢٦٣/٢ من طريق مالك به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١٣/٥ من طريق قتادة به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٢٣٥٦)، وابن أبى شيبة ٢١٤/٥ من طريق سفيان الثورى به.
٤٩٠

الموطأ
وقال معمر، عن الزهرىِّ: يُستأنَى به. وقاله عمرُ بنُ عبدِ العزيز . الاستذكار
وروَى خبرَ سعيدِ بنِ المسيبِ ابنُّ عيينةَ ، فقال فيه: إنه سُنَّةٌ . ذكَره
الشافعىُّ وغیرُه، عن ابن عيينةَ() .
(٣ حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ
ابنُ يونسَ، قال: حدَّثنا بَقِىٌّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ
عُيينةَ، عن أبى الزِّنادٍ ، قال : سألتُ سعيدَ بنَ المسئَّبِ عن الرجلِ يَعْجِزُ عن
نفقةٍ امرأتِه ، فقال: يُفَرَّقُ بينَهما. فقلتُ: سُنَّةٌ؟ قال: سُبَّةٌ (٤)٣)
قال أبو عمرَ : أعلى ما وجَدنا فى هذه المسألةِ مما يُمكنُ أن يُقالَ فيه :
سُنَّةٌ. ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي عمرَ،
القبس
(١ - ١) فى الأصل: (( وقال عمر بن عبد العزيز وروى الخبر عن سعيد بن المسيب ابن عيينة عن أبى
الزناد قال سألت سعيد بن المسيب عن الرجل يجرى عن نفقة امرأته قال يفرق بينهما فقلت سنة قال
سنة)). وفى م: (( ولا يفرق بينهما. قال معمر: وبلغنى عن عمر بن عبد العزيز مثل قول الزهرى .
وروى عبد الرزاق عن ابن عيينة عن أبى الزناد قال : سألت عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته ،
قال: يفرق بينهما . قال: قلت: سنة؟ قال: نعم ، سنة)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٣٥٥) - وعنه ابن أبى شيبة ٢١٣/٥ - عن معمر به.
(٣ - ٣) ليس فى : الأصل .
(٤) ابن أبى شيبة ٢١٣/٥. وأخرجه الشافعى ١٠٧/٥، وسعيد بن منصور (٢٠٢٢)، والبيهقى
٤٦٩/٧ من طريق سفيان بن عيينة به .
(٥) ليس فى : الأصل، م. وهو محمد بن يحيى بن أبى عمر العدنى. ينظر تهذيب الكمال
٦٣٩/٢٦.
٠
٤٩١

الموطأ
الاستذكار قال : حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كتَب فى رجالٍ حبسوا عن نسائهم النفقةَ: إِما
أن يُنفِقُوا، وإما أن يُطلِّقوا (١).
واختلف الفقهاءُ فى هذه المسألةِ ؛ فقال مالكٌ فى العاجزِ عن النفقةِ :
يُفَرَّقُ بينَهما بتطليقةٍ رجعيةٍ ، فإن أيسَرَ فى عِدَّتِها فله الرجعةُ، ولا يُؤْجَلُ إِلا
الأيامَ. وقال الشافعىُّ: يُفَّقُ بينَهما. واحتجَّ بحديثِ ابنِ عيينةً، عن أبى
الزنادٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبٍ، وقولِه فيه: إنه سُنَّةٌ. قال: وتفريقُ الإمامِ
تطليقةٌ بائنةٌ. قال: ولو شرّط الإمامُ أنه إن أفاد مالاً وهى فى العِدَّةِ فله الرجعةُ ،
كان حسنًا . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه والثورىُّ: لا يُفرَّقُ بينَه وبين امرأتِه ، ولا
يُجبِّرُ على طلاقِها . وهو قولُ الشعبىِّ، وابنِ شهابٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ،
والحسن البصرىِّ(١) ، وتلا الحسنُ: ﴿لِيُنُفِقْ ذُو سَعَدٍ مِّنْ سَعَنِةٍ، ﴾ [ الطلاق: ٧] .
و: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
"قال أبو عمرَ: احتجَّ الطحاوىُّ(٤) لأصحابِه بأن الفقهاءَ اتفقوا )
القبس
(١) أخرجه الشافعى ٥/ ٩١، ١٠٧، ١٢١/٧ - ومن طريقه البيهقى ٤٦٩/٧ - وعبد الرزاق
(١٢٣٤٦) من طريق عبيد الله به .
(٢) ينظر سنن سعيد بن منصور (٢٠٢٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢١٣/٥، ٢١٤.
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ.
(٤) ليس فى: الأصل. وينظر مختصر اختلاف العلماء ٣٦٧/٢.
٤٩٢
:

عِدَّةُ المُتَوفَّى عنها زوجها إذا كانت حاملًا
الموطأ
على الموسِرِ لو أعسَر فلم يقدِر إلا على قُوتٍ يومٍ فيوم ، لم يُفرَّقْ بينَهما؛ الاستذكار
لأجْلِ ما يَسقطُ (٢) مِن نفقةِ المُوسرِ إلى نفقةِ المُغْسِرِ. قال: فكذلك عجزه عن
الجميع. وذكر أن قولَ سعيدِ بنِ المسيّبِ: سُنَّةٌ. لا يقطعُ بأنها سُنَّةُ النّبِىِّ وَّه؛
لأنه قد قال لربيعةً فى إصابةِ المرأةِ: هى السُّنَّةُ . وإنما أُخَذه عن زيدِ بنِ ثابتٍ .
وروَى من قولِ العراقيّن أنه لا يُفَوَّقُ بينَهما، عن الحسنِ، وعطاءٍ، وغيرِهما".
قال أبو عمرَ: ليس عَجْزُه عن قليلِ النفقةِ وكثيرِها كعَجْزِه عن
جميعِها (٢)؛ لأن عَجْزَه عن جميعِها فيه تَلَفُ النفوسِ ، ولا صبرَ على الجوعِ
المُهْلِكِ . وقد قال عمرُ بنُ الخطابِ : لن يَهْلِكَ امرؤٌ عن نصفٍ قُوتِه . ومَن
تَهَيَأْ له قُوتُ يومٍ بعدَ يومٍ أمِن معه تَلَفَ النفسِ، وكان جميلًا به الصبر
وانتظارُ الفرجِ حتى يُعْقِبَ اللهُ تعالى بالشَّعَةِ والتَسَرِ، فلا معنى لقولٍ
الطحاوىِّ مِن وجهٍ يَصِحُ. واللهُ أعلمُ .
التمهید
عِدَّةُ المُتُوَفَّى عنها زوجُها
القبس
رُوِى عن ابنِ عباسٍ رضوانُ اللهِ عليه(٢) أنها إن كانت حاملاً، فإن عِدَّتَها آخِرُ
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
(*) من هنا خرم فى المخطوط ((ب)) ينتهى عند شرح الأثر (١٣١٠) من الموطأ.
(٢) فى النسخ: ((بعضها)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) بعده فى ج، م: ((أنه قال)).
٤٩٣

الموطأ
١٢٧٩ - مالك ، عن عبد ربُّه بنِ سعیدِ بنِ قیس ، عن أبى سلمةً
ابنِ عبدِ الرحمنِ، أنه قال: سُئل عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ وأبو هريرةً عن
المرأةِ الحاملِ يُتوفَّى عنها زوجها ؛ فقال ابنُ عباس : آخِرُ الأجلينِ .
وقال أبو هريرةَ: إِذا ولَدت فقد حَلَّت . فدخَل أبو سلمةً بنُ عبد
الرحمنِ على أُمّ سلمةَ زوج النبيِّ وَّر فسألها عن ذلك، فقالت أمّ
سلمةً : ولَدت سُبيعةُ الأسلميَّةُ بعدَ وفاةِ زوجِها بنصفٍ شهرٍ ، فخطّبها
رجلان ؛ أحدُهما شابٌّ، والآخَرُ كهلٌ، فحطّت إلى الشابِّ ، فقال
الشيخُ: لم تَحِلِّى بعدُ. وكان أهلُها غَيْبًا، ورجا إذا جاءَ أهلُها أن يُؤْثِرُوه
بها، فجاءت رسولَ اللهِ وَ له فقال: ((قد حلَلتِ، فانْكِحِى مَن شِئتِ)).
مالكٌ، عن عبدِ ربِهِ بنِ سعيدِ بنِ قيسٍ، عن أبى سلمةَ بنِ
عبدِ الرحمنِ ، أَنَّه قال : سُئل عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ وأبو هريرةً عن الحاملِ
يُتَوَفَّى عنها زوجها؛ فقال ابنُ عباسٍ : آخِرُ الأجلينِ. وقال أبو هريرةَ: إذا
ولَدْ فقدْ حلَّتْ. فدخَل أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنٍ على أُمّ سلمةَ زوجٍ
النبيِّ وَ لِّ فسألَها عن ذلك، فقالت أمُّ سلمةَ: وَلَدتْ سُبيعةُ الأسلميَّةُ بعدَ
وفاةِ زوجِها بنصفٍ شهرٍ، فخطَبها رجلان؛ أحدُهما شابٌّ، والآخر
كهلٌ، فخَطَّتْ (١) إلى الشابِ، فقال الشيخُ: لم تحِلَّ بعدُ. وكان أهلُها
التمهيد
القبس الأجلَين. وقال عامةُ الناسِ: إن وَضْعَ الحملِ مُبْرِئٌ (١) لها، والعمدةُ فيه حديثُ أمِّ
(١) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((فحنت)). وحطت: أى: مالت إليه ونزلت بقلبها نحوه. النهاية ٤٠٢/١.
(٢) فى د: ((مبرم)).
٤٩٤

الموطأ
غَيْبًا (١)، ورحجا إذا جاء أهلُها أن يُؤثرُوه بها، فجاءت رسولَ اللهِ وَالإِ فقال: التمهيد
((قد حلَلتِ، فانكحِى مَن شئتِ))(٢).
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ صحيحٌ جاء مِن طُرُقٍ شَتَّى كثيرةٍ ثابِتَةٍ
كُلُّها ، مِن رِوايَةِ الحجازيين والعراقيين، وأجمَعَ العلماءُ على القولِ به ، إلَّا
ما ژُوِی عن ابنِ عباسٍ فی هذا الحديث وغيره )، وژُوِی مثلُه عن على بنِ
أبى طالبٍ مِن وجهٍ منقَطع أنَّه قال فى الحاملِ المتوفَّى عنها زوجها : عدَّتُها
آخِرُ الأجلَين(٤) . يعنى إن كان الحملُ أكثرَ مِن أربعة أشهر وعشرٍ اعتدَّتْ
بوضعِه، وإن وضَعتْ قبلَ أربعة أشهر وعشرٍ أكمَلتْ أربعةً أشهرٍ وعشرًا .
فهذا مذهب ابنِ عباسٍ وعلى بن أبى طالبٍ . على أنَّه قد ژُوِی عن ابن
عباسٍ رُجوعُه إلى حديثٍ أَمّ سلمةَ فى قصةِ سُبيعةً(١). وممَّا يصحّحُ هذا
القبس
سَلَمةَ : وَلَدَتْ سُئعةُ الأُسْلَمِيّةُ بعد وفاة زوجها بليالٍ . وفى روايةٍ : بنصفٍ شهرٍ .
فخطَبها رَجُلانٍ ؛ أحدُهما شابٌّ، والآخرُ كَهْلٌ، فخَطَّت (١) إلى الشابِ ، فقال
(١) الغَيَبُ بالتحريك: جمع غائب، كخادم وخدم. النهاية ٣٩٩/٣.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١٢ و، ١٥ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٠٢).
وأخرجه أحمد ٣٠٥/٤٤، ٣٠٦ (٢٦٧١٥)، والنسائى (٣٥١٠)، والجوهرى فى مسند الموطأ
(٥٩٩) من طريق مالك به .
(٣) ينظر سنن سعيد بن منصور (١٥١٨)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٩٩/٤، وما سيأتى فى الموطأ (١٢٨٢).
(٤) ينظر سنن سعيد بن منصور (١٥١٦، ١٥١٧، ١٥١٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ٤/ ٢٩٨، وما
سیأتی ص٤٩٨، ٤٩٩.
(٥) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤/ ٢٤٨، ٢٤٩، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٣٦/٢ (٢٣١٥)،
والنحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٢٤٠، ٢٤١ والبيهقى ٤٢٧/٧.
(٦) فى ج، م: ((فخطبت)).
٤٩٥

الموطأ
التمهيد عنه أنَّ أصحابَه؛ عكرمةً، وعطاءً، وطاوسًا، وغيرَهم - على القولِ بأنَّ
المتوفَّى عنها الحاملَ، عدَّتُها أن تضَعَ حملها. على حديثٍ سُبيعةً،
وكذلك سائر العلماءِ مِن الصحابة والتابعين، وسائرُ أهلِ العلم أجمعينَ،
كلُّهم يقولُ : عدَّةُ الحاملِ المُتوفَّى عنها أن تضَعَ ما فى بطنها . مِن أجلٍ
حديثٍ سُبيعةَ هذا ، وأمَّا مذهبُ علىٍّ وابنٍ عباسٍ فى هذه المسألةِ ، فمعناه
الأخذُ باليقينٍ؛ لمعارضةِ عمومٍ قولِه عزَّ وجلَّ فى المتوفَّى عنهنَّ:
﴿يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ولم يخُصَّ حاملًا
مِن غيرٍ حاملٍ، وعمومٍ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. ولم يخُصَّ متوقَّى عنها مِن غيرِها، فمَن لم يبلُغْه
حديثُ سُبيعةً لزِمَه الأخذُ باليقينِ فى عدَّةِ المتوفَّى عنها الحاملِ ، ولا يقينَ
فى ذلك لمن جهِلَ السنةَ فى سُبيعةً إلا الاعتدادُ بآخرِ الأجلَين ، ومثالُ هذا
مسألةٌ أَمِّ الولدِ تكونُ تحتَ زوج قد زوَّجها منه سيدُها ، ثم يموتُ سيدُها(١)
ويموتُ زوجها ، ولا تدرِى أيُّهما (٢) مات قبلَ صاحِبِه ، فإنَّها تعتدُّ مِن حينَ
القبس الشيخُ: لم تَحِلَّ بَعْدُ. وكان أهلُها غَبًا، ورَجا إذا جاء أهلُها أن يُؤْثِرُوه بها،
فسألَت رسولَ اللهِ وَلِهِ، فقال لها: ((قد حَلَلْتِ، فانْكِحى مَن شِئْتٍ)). وهذا
دليلٌ لا غُبارَ عليه، (مبنىٌّ على" أصلٍ مِن أصول الفقهِ، وهو تخصيصُ عموم
(١) ليس فى: الأصل، ص ١٧، ص ٢٧.
(٢) فى الأصل، ص ١٧، ص ٢٧: ((أيتهما)).
(٣ - ٣) فى ج: ((ينبنى على))، وفى م: ((ينبنى عليه)).
٤٩٦

الموطأ
مات الآخِرُ منهما أربعةَ أشهرٍ وعشرًا فيها حَيضةٌ. وعلى هذا جماعةٌ التمهيد
العلماءِ القائلين بأنَّ عدَّةَ أُمّ الولدِ مِن سیدِها حیضةٌ ، ومِن زوجها شهرانِ
وخمسُ ليالٍ، كلَّهم يقولُ هلهُنا بدُخُولٍ إحدَى العدَّتينِ فى الأُخْرَى ،
ومعلوم أنَّهما لا يَلزمانِها معًا، وإنما يلزَمُها إحداهما ، فإذا جاءت بهما معًا
على الكمالِ فى وقتٍ واحدٍ ، فذلك أكثرُ ما يلزَمُها ؛ لأنَّها إن كان سيدُها
قد مات قبلَ زوجِها ، فلا استبراءَ عليها مِن سيدِها ، وإن كان سيدُها مات
بعدَ مُضِئٍ شهرينٍ وخمسٍ ليالٍ ، فعليها أن تأتىَ بحيضةٍ تسْتَبِئُّ بها نفسها
من سيدِها ، ومعنَى هذه المسألةِ الشكُّ فى أيِّهما ماتَ أولًا ، وفى المدةِ ،
هل هى شهرانٍ وخمسُ ليالٍ أو أكثرُ ؟ وقد قيل: إنَّ معنى هذه المسألةِ
أنَّها(١) لا تدرِى هل بينَ موتيهما يومٌ واحدٌ ، أو شهرانٍ وخمسُ ليالٍ ، أو
أكثرُ؟ وفى هذه المسألةِ لأَهلِ الرَّأي نظرّ ليس هذا موضعَ ذكره، وإنَّما
ذكّرناها مِن جهةِ التمثيل، وأنَّه مَن وجَب عليه أحدُ شيئين يجهَلُه بعينِهِ ،
الزمَه الإتيانُ بهما معًا (٢) .
القرآنِ بخبرِ الواحدِ ، ولعل ابنَ عباسٍ لم يَعْلَمْ ذلك ، أو رجَع إليه حينَ علِيمٍ به ، وله القبس
فى ذلك كلامٌ غامضّ يتعلَّقُ(٢) بالشّكْنَى للمُعْتَدَّةِ، وذكَره البخارىُّ فى
كتاب التفسيرِ قد أوضَحناه هنالك، فليُطْلَبْ فيه، وبَسَطنا شيئًا منه فى
(١) فى ص ١٦: (أنه))، وفى ص ١٧: ((لأنه)).
(٢) فى ص ١٦، ص ١٧، م: ((جميعا)).
(٣) فى ج، م: ((متعلق)).
(٤) البخارى (٤٥٣١، ٤٩٠٩).
٤٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٣٢/١٥)

الموطأ
التمهيد
ذگر عبد الرزاق(١) ، عن ابن جريج ، عن عطاءٍ قال : کان ابنُ عباسٍ
يقولُ : إن طلّقَها وهى حامِلٌ ثم تُوفِّى عنها فَآخِرُ الأجلَينِ، أو ماتَ عنها
وهى حاملٌ فَآخِرُ الأجلَينِ. قيلَ له: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَمْلَهُنَّ﴾؟ قال: ذلك فى الطلاقِ .
قال(٢): وأخبرنا ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ قال: إن طلَّقَها حُبلَى، فإِذا
وضعتْ فلتنکخ حین تضئُ وهی فی دمِھا لم تطهُرْ .
قال(٣): وأخبرنا ابنُ جريجٍ، عن عمرو بنٍ مسلمٍ، عن عكرمةً، أنَّه
أَخَذ فى ذلك بحديثٍ سُبيعةً .
قال(٤) : وأخبرنا معمر والثوریُ ، عن الأعمش ، عن أبى الضُّحی ، عن
مسروقٍ قال : قال ابنُ مسعودٍ : من شاء باهلتُه، أو لاعنتُه، أنَّ الآيةَ التى فى
سورة (النساءِ القُصرَى(٥)): ﴿وَأُوَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَمْلَهُنَّ﴾. نزَلتْ بعدَ الآيَةِ التى فى سورةِ ((البقرةِ)): ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا﴾ الآية . قال : وبلغه أَنَّ عليًّا رضِىَ اللهُ عنه قال: هى
القبس كتابٍ ((أحكام القرآنِ)) (١).
(١) عبد الرزاق (١١٧١٢).
(٢) عبد الرزاق (١١٧١٣).
(٣) عبد الرزاق (١١٧٢٩).
(٤) عبد الرزاق (١١٧١٤).
(٥) القصرى: تأنيث الأقصر؛ يريد سورة ((الطلاق)). النهاية ٦٩/٤.
(٦) أحكام القرآن ٢٠٨/١ وما بعدها .
٤٩٨
۔

الموطأ
آخِرُ الأجلَينِ. فقال ذلك .
التمهيد
قال أبو عمرَ: رُوِى عن عمرَ وابنِ عمرَ مثلُ قولِ ابنِ مسعودٍ . وهو قولُ
سعيدِ بنِ المسيبِ وابنٍ شهابٍ ، وعليه الناسُ(١).
ذكَر عبدُ الرزاقِ(٢)، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن أبيه
قال: إِذا وضَعتْ حملَها فقد حلَّ أجلُها. قال: وقال: إنَّ رجلًا مِن
الأنصارِ قال لابنِ عمرَ: سمِعتُ أباك يقولُ: لو وضَعتْ حملها وهو على
سريرِه لم يُدفَنْ ، لحلَّتْ .
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا المطّلبُ بنُ شعيبٍ ، قال: حدَّثنی عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنی
الليثُ، قال: حدَّثنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ
محمدٍ ، قال: حدّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا
سليمانُ بنُ داودَ المَهْریُّ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنا يونسُ ،
عن ابنٍ شهابٍ، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، أنَّ أباه كتَب
إلى عمرَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأرْقِ الزهرىِّ يأمُرُه أن يَدخُلَ على سُبيعةً ابنةٍ
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٧١٧، ١١٧١٩، ١١٧٣٥، ١١٧٣٦)، وسنن سعيد بن
منصور (١٥٢١، ١٥٢٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٩٧/٤.
(٢) عبد الرزاق (١١٧١٨).
٤٩٩

الموطأ
التمهيد الحارثِ الأسلميةِ، فيسألَها عن حديثها، وعمَّا قال لها رسولُ اللهِ وَله
حينَ استفْتَتْه، فكتَب عمرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الأرقَم إلى عبدِ اللهِ بنِ عتبةً
يُخبِرُه، أنَّ سُبيعةَ بنت الحارثِ أخبَرَتْه، أنَّها كانت تحتَ سعدٍ(١) بن
خَوْلَةً، وهو مِن بنى عامرٍ بنٍ لُؤَىٍّ، وكان ممَّن شهِد بدرًا ، تُوِّی عنها فى
حجة الوداعِ وهى حامِلٌ ، فلم تلْبَثْ أن وضَعتْ حَملَها بعدَ وفاتِهِ ، فلمَّا
تعلَّتْ(٢) مِن نفاسِها تجَمَّلتْ للخُطَّابِ، فدخَل عليها أبو السَّنابلِ بنُ
بَعْكَكِ(٣) ، رجلٌ مِن بنى عبدِ الدَّارِ، فقال: ما لي أراكِ مُتَجَمِّلةً ؟ لعلكِ
تَرْجِينَ(٤) النكاحَ، إِنَّكِ ، واللهِ، ما أنتِ بناكحِ حتى يمُرَّ عليكِ أربعةُ أشهرٍ
وعشرٌ. قالت سُبيعةُ : فلمَّا قال لى ذلك جمّعتُ علىَّ ثيابى حينَ أمسيتُ ،
فأتيتُ النبىّ وَِّ، فسألته عن ذلك، فأفتانِى بأنّى قد حلَلتُ حينَ وضَعتُ
حَملى ، وأمَرنى بالتزويج إن بَدَا لى. قال ابنُ شهابٍ: ولا أَرَى بَأْسًا أَنْ
تتزوَّجَ حينَ وضَعتْ وإن كانت فى دمِها ، غيرَ أنَّه لا يقرَبُها حتى تَطهُرَ(٥).
القبس
(١) فى ص ١٧: ((سعيد)). وينظر أسد الغابة ٣٤٣/٢.
(٢) تعلت، ويروى: تعالت: أى: ارتفعت وطهرت، ويجوز أن يكون من قولهم: تعلّى الرجل
من علته، إذا برأ، أى: خرجت من نفاسها وسلِمت. ينظر النهاية ٢٩٣/٣.
(٣) فى م: ((بعلك)).
(٤) فى ص ١٦: ((تریدین)).
(٥) قاسم بن أصبغ فى مصنفه - كما فى فتح البارى ٧/ ٣١١، وعلقه البخارى (٣٩٩١) عن
الليث به . وهو عند أبى داود (٢٣٠٦). وأخرجه مسلم (١٤٨٤)، والنسائى (٣٥١٨) من
طریق ابن وهب به .
٥٠٠