Indexed OCR Text
Pages 421-440
الموطأ
وقال مالكٌ فى المُتوفَّى عنها زوجها : إن ارتابَتْ مِن نفسِها انتظَرت الاستذكار
حتى تذهبَ عنها الرِّيبةُ ، وإن لم تَرْتَبْ فعدتُها أربعةُ أشهرٍ وعشرٌّ .
قال أبو عمرَ : أوجب اللهُ تعالى على المُتوفَّى عنها زوجها أن تتربصّ
أربعة أشهرٍ وعشرًا قبلَ أن تنكِحَ، وأجمَع العلماءُ على أن ذلك عامٌّ فى
الحرّةِ الصغيرة والكبيرةِ ما لم تكنْ حاملًا ، عبادةٌ مِن اللهِ فى الصغيرةِ ،
وبراءةً للأرحامِ فيمَن يُخافُ عليهن(٢) الحملُ، وحفظًا للأنسابِ.
واختلفوا هل يلزَمُ ذَوَاتِ الأقراءِ أن تكونَ الأربعةُ الأُشهرِ والعشرُ فيهن
حيضةٌ أم لا ؟ فقال مالكٌ وأصحابُه: إن المُتوفَّى عنها إن كانت ممن
تَحيضُ ، فلا بدَّ مِن حيضةٍ فى الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ؛ لتصِحَّ بها براءةُ
رحمِها . فإن لم تَحِضْ، فهى عندَهم مُسترابةٌ(١) على اختلافٍ من أصحابِه
فى ذلك . وروَى أشهبُ وابنُ نافع، عن مالكِ ، أنه سأله ابنُ كِنانةَ عن الحُرَّةِ
تعتدُّ أربعة أشهر وعشرًا ("ولم تحض٢ْ) ولم تسترِبْ ، وذلك أن حيضتها مِن
ستةِ أشهرٍ إلى ستةٍ أشهرٍ : أتتزوج ؟ قال : لا تتزوجُ حتى تحيضَ وتبرأُ مِن
الرِّيبةِ . قال ابنُّ نافع: أرى أن تتزوَّجَ ولا تنتظِرَ، وأما التى لا تتزوج ، فهى التى
وقْتُ حيضتِها أربعةُ أشهرٍ وعشْرٌ فما دونَ ، فتتجاوزُ الوقتَ ، ولم تَحِضْ،
فتلك مسترابةٌ . وروَى ابنُّ القاسم، عن مالكِ: إذا كانت عادتُها فى
القبس
(*) إلى هنا نهاية الخرم فى المخطوطة ((ب))، والمشار إليه فى ٢٤/١٤.
(١) فى م: ((سواء به)).
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل ، م .
٤٢١
الموطأ
الاستذكار حيضتِها أكثرَ مِن أَمَدٍ (١) العدةِ، ولم تَسْترِبْ نفسَها، ورآها النساءُ فلم يَرَوا
بها حَمْلًا، تزوَّجت إن شاءت . وروَى ابنُ حبيبٍ ، عن ابنِ الماجشونِ مِثْلَ
ذلك. وروَى مُطرّفٌ، عن مالكِ مِثْلَ روايةِ أشهبَ وابنٍ نافعٍ .
قال أبو عمرَ : الذى عليه مذهبُ أبى حنيفةً ، والثورىِّ، والشافعىِّ ،
وجمهورِ أهلِ العلمِ، أن الأربعةَ الأشهرِ والعشرَ للمُتوقَّى عنها براءةٌ ، ما لم
تَشْتَرِبْ نفسَها ريبةً تَنْفِيها بالحملِ ، فتكونُ عدتُها وضعَ حَمْلِها حينئذٍ ،
دونَ مراعاةٍ الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ. قال مالكٌ : والمرتفعةُ الحيضِ مِن
المرضِ كالمُرتابةِ فى العدَّةِ. قال: والأمَةُ المُستحاضةُ والمُرتابةُ بغيرِ
الحيضِ حالُهما فى العدَّةِ وحالُ الحرةِ سواءٌ ، سنةٌ . وقال مالكٌ فى قولِه عزَّ
وجلّ: ﴿إِنِ أَرْتَّبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤]. معناه: إن لم تَدْرُوا ما تصنعون فى
أمرِها. وقال مالكٌ فى التى يرفعُ الرَّضائُ حيضتَها : إنها لا تَحِلَّ حتى
تحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، وليست كالمُرتابةِ والمُستحاضةِ .
قال أبو عمرَ: أمَّا التى تَرتفعُ حيضتُها مِن أجلِ الرُّضاعِ، فقد ذكر
مالكٌ فيها حديثًا فى بابِ طلاقِ المريضِ، عن يحيى بن سعيدٍ (١)، عن
محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبَّنَ، أن عثمانَ قضَى فيها عن رأيٍ علىٍّ (١)، أنها تَرِثُ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((أمر)).
(٢) فى الأصل، م: ((يحيى)).
(٣) ليس فى : الأصل ، م .
٤٢٢
الموطأ
الاستذكار
زوجَها إن لم تَحِضْ ثلاثَ حِيَضٍ (١).
وذكر أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(٢) ، قال: حدثنا أبو أسامةَ ، عن عبدِ الحميد
ابنِ جعفرٍ ، عن يزيدَ بنِ أبى حبيبٍ ، قال: كتَب إلىَّ الزهرىُّ، أن رجلًا طلَّق
امرأته وهى تُرضِعُ ابنًا له، فمكثت سبعةً أشهرٍ أو ثمانيةً أشهرٍ لا تَحِيضُ ،
فقيل له : إن مِتَّ ورِثَتْك. فقال: احمِلونى إلى عثمانَ. فحمَلوه، فأرسلَ
عثمانُ إلى علىٍّ وزيدٍ، فسألهما، فقالا(٢): نرى أن تَرِثَه. "فقال: ولِمَ؟"
فقالا: لأنها ليست مِن اللاتى يَسْنَ مِن المَحيضٍ، ولا مِن اللاتى لم
يَحِضْنَ، وإنما يمنعُها مِن الحيضِ الرَّضائحُ. فَأخَذ الرجلُ ابنَه منها ، فلما
فقَدته حاضَتْ حيضةً ، ثم حاضَتْ فى الشهرِ الثانى حيضةٌ أخرى ، ثم مات
قبلَ أن تحيضَ الثالثةَ ، فورِثتْه .
قال(٥) : وحدثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمدٍ
ابنِ يحيى بنِ حَبَّانَ، أن جدَّه حَبَّانَ بنَ مُنْقِذٍ كانت عندَه امرأتان ؛ امرأةٌ مِن
بنى هاشم وامرأةٌ مِن الأنصارِ ، وأنه طلَّق الأنصاريَّةَ وهى تُرضِعُ، وكانت
إذا أرضَعت مكثت سنةً لا تَحِيضُ ، فمات حَبَّانُ عن رأسِ السنةِ، فورَّثها
عثمانُ وقال للهاشميَّةِ: هذا رأىُ ابنٍ عمِّك علىٍّ بن أبى طالبٍ .
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٢٣٢).
(٢) ابن أبى شيبة ٢٠٩/٥، ٢١٠.
(٣) بعده فى مصدر التخريج: ((لا)).
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م.
(٥) ابن أبى شيبة ٢١٠/٥، ٢١١.
٤٢٣
الموطأ
قال يحيى: قال مالكٌ: الشُنَّةُ عندَنا أن الرجلَ إذا طلَّق امرأتَه وله
عليها رَجعةٌ، فاعتدَّت بعضَ عِدَّتِها، ثمَّ ارتَجَعها، ثمَّ فارَقها قبلَ أن
يَمَسَّها ؛ أنها لا تَبنى على ما مضى من عِدَّتِها ، وأنها تَستأنِفُ من يومَ
طلَّقها عِدَّةً مُستقبَلةَ، وقد ظلَم زوجها نفسَه وأخطأً إن كان ارتَجعها
ولا حاجةً له بها .
وفى هذا البابِ قال مالكٌ: السُّنَّةُ عندَنا أن الرجلَ إذا طلَّق امرأتَه وله
الاستذكار
عليها رجعةٌ، فاعتدَّت بعضَ عِدَّتِها، ثم ارتجَعها، ثم فارَقها قبلَ أن
يَمسَّها؛ أنها لا تبنى على ما مضَى مِن عِدَّتِها، وأنها تستأنفُ مِن يومَ
طلَّقها عدَّةً مُستقبَلةً، وقد ظلَم زوجها نفسَه وأخطأ إن كان ارتجَعها ولا
حاجةً له بها .
قال أبو عمرَ: على هذا أكثرُ أهلِ العلمِ؛ لأنها فى حُكْمِ الزوجاتِ
المدخولِ بهن فى النفقةِ والشّكّنى وغيرِ ذلك، فلذلك(١) تستأيِفُ العدةَ
مِن يومَ طُلُّقت. وهو قولُ جمهورٍ فقهاءِ الكوفةِ، والبصرة، ومكةً،
والمدينةِ ، والشام . وقال الثورىُّ: أجمَع الفقهاءُ عندَنا على ذلك. وقال
عطاءُ بنُّ أبى رباحٍ وفرقةٌ : تمضِى فى عِدَّتِها من طلاقِها الأولِ (٢) . وهو أحدٌ
قولي الشافعىِّ .
القبس
:
(١) فى الأصل، م: ((وكذلك)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٧٨٥)، وسعيد بن منصور (١٢٠٦).
٤٢٤
الموطأ
قال مالكٌ: والأمرُ عندَنا أن المرأةَ إِذا أَسلَمتْ وزوجُها كافرٌ، ثمّ
أسلَم زوجها ، فهو أحقُّ بها ما دامت فى عِدَّتِها، فإن انقَضَت عِدَّتُها
الاستذكار
قال أبو عمرَ : لأن طلاقَه لها (١ قبلَ أن١) يمَشَها فى حُكْم مَن طلَّقها فى
عدتِها قبلَ أن يراجعَها، ومَن طلَّق امرأته(٢) فى كلِّ طُهْرٍ مرةً بَنَتْ ولم
تستأنِفْ . وقال داودُ : ليس عليها أن تُتِمَّ عدتَها، ولا عدةٌ مُستقبَلةٌ .
قال أبو عمرَ: لأنها مُطلَّقةٌ قبلَ الدخولِ، وشدَّ فى ذلك .
قال أبو عمرَ : فلو كانت بائنةً منه غيرَ مبتوتةٍ ، فتزوَّجها فى العدةِ ، ثم
طلَّقها قبلَ الدخولِ ، فقد اختلفوا فى ذلك أيضًا ؛ فقال مالكٌ ، والشافعىُ ،
وزُفَرُ، ومحمدٌ ، وعثمانُ البِّىُّ: لها نصفُ الصداقِ، وتُ بقيةَ العِدَّةِ
الأُولى . وهو قولُ الحسنِ، وعطاءٍ، وعكرمةً، وابنٍ شهابٍ(٣) . وقال أبو
حنيفةً، وأبو يوسفَ ، والثورىُّ، والأوزاعىُّ: لها مهرّ كاملٌ (٤) للنكاحِ الثانى
وعدةٌ مُستقبَلةٌ. جعَلوها فى مُحكْمِ المدخول بها؛ لاعتدادِها مِن مَائِه .
ولیس عندی بشیءٍ . واللهُ أعلمُ . وقال داودُ : لها نصفُ الصداقِ ، ولیس
عليها بَقِيَّةُ العدةِ الأولى، ولا عِدَّةٌ مُستقبَلَةٌ. فشَذَّ(٥) أيضًا.
قال مالك: والأمرُ عندَنا ، أن المرأةَ إذا أُسلَمت وزوجها كافرٌ ثم أسلم
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((إذا لم).
(٢) فى ب: ((امرأة)).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٧٨٥، ١١٧٨٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٢٧/٥.
(٤) ليس فى : الأصل ، م.
(٥) فى الأصل، م: ((وليس بشئ)).
٤٢٥
الموطأ فلا سبيلَ له عليها، وإن تزوَّجها بعد انقضاءِ عِدَّتِها لم يُعَدَّ ذلك طلاقًا ،
وإنما فسخها منه الإسلامُ بغيرِ طلاقٍ .
الاستذكار زوجها ، فهو أحقُّ بها ما دامَتْ فى عدَّتِها، فإذا انقضَتْ عِدَّتُها فلا سبيلَ له
عليها ، وإن تزوَّجها بعدَ انقضاءٍ عدَّتِها، لم يُعَدَّ ذلك طلاقًا ، وإنما فسخها
منه الإسلامُ بغيرِ طلاقٍ .
قال أبو عمرَ: قد ذكّرنا ما للعلماءِ فى أحكام الكافرِ يُسْلِمُ قبلَ زوجتِهِ ،
والكافرةِ تُسلِمُ قبلَ زوجِها فی بابِ نكاح المُشركِ إذا أسلمت زوجتُه مِن
هذا الكتاب ) . والفرقُ بينَ الفسخ والطلاقِ - وإن کان کلَّ واحدٍ منهما
فِراقًا بينَ الزوجينِ - أن الفسخَ إذا عادَ الزوجان بعدَه إلى النكاحِ ، فهما على
العصمة الأُولی ، وتکونُ المرأةُ عندَ زوجها ذلك علی ثلاث تطلیقاتٍ ، ولو
كان طلاقًا ثم راجَعها(١) كانت عندَه على تطليقتين. وأما اختلافُ الفقهاءِ
فى إباءة الزوجِ مِن الإسلام إذا أسلمت زوجتُه وهما ذمَِّان ، وفُّق بينهما ؛
فقال مالكٌ ، وأبو يوسفَ ، والشافعىُّ: الفُرقةُ بينَهما فسخٌ وليس طلاقًا . إلا
أن مالكًا والشافعىَّ يقولان : إنما تقعُ الفرقةُ بينَهما بمُضِىٌّ ثلاثِ حِيّضٍ قبلَ
أن يُسْلِمَ. على ما قدَّمنا ذكرَه عنهما فى بابِهِ مِن هذا الكتابِ. وقال أبو
يوسفَ : إِذا أتَى أَن يُسْلِمَ فُرُّق بينَهما. على ما ذكّرنا مِن مذهبِه ومذهبٍ
القبس
(١) تقدم فى ٤٠٥/١٤، ٤٠٦، وينظر ص ٣٨٣ - ٣٩٤.
(٢) فى ب: ((تراجعا)).
٤٢٦
الموطأ
ما جاء فى الحكّمَينِ
١٢٦٦ - مالكٌ، أنه بلغه أن علىَّ بنَ أبى طالبٍ قال فى
الاستذكار
أصحابِه (١) فى ذلك البابِ أيضًا. وقال أبو حنيفةً(١)، ومحمدُ بنُ الحسن :
إذا أتَى الزوجُ أن يُسْلِمَ فَفُرِّق بينَهما، فهو طلاقٌ .
قال أبو عمرَ: مَن جعله (٢فسخًا قال٣): هو "شىءٌ دخَلُّ) على الزوجِ
لم يقصِدْه، فكأنه غُلِب عليه، فأشْبَه ("الرّدةَ من أحدِهما)، أو شَراءَ
أحدِهما صاحبَه ، وإنما الطلاقُ ما اختُصَّ به الزوج ، (" ومن جعَله) طلاقًا
قال : إباءةُ الزوج مِن الإسلامِ اختصاصٌ منه بالفُرقةِ واختيارٌ لها ، فكذلك
الفُرقةُ بينَهما طلاقٌ . واللهُ أعلمُ .
بابُ(4) ما جاء فى الحَكَمَين
مالكٌ ، أنه بلغه أن علىَّ بنَ أبى طالبٍ قال فى الحكَمَين اللذَين قال اللهُ
ما جاء فى الحَكَمَین
القبس
هذه مسألةٌ نصَّ اللهُ عليها، وحكم بها عندَ ظهورِ الشِّقاقِ بينَ الزَّوجين
(١) فى الأصل، م: ((أصحابهم)) .
(٢) بعده فى الأصل، م: ((وأصحابه)).
(٣ - ٣) سقط من: م، وبياض فى الأصل.
(٤ - ٤) فى ب: ((داخل)).
(*) إلى هنا ينتهى الخرم فى المخطوط ح، هـ، والمشار إليه ص ٤١٢.
٤٢٧
الموطأ الحكّمَينِ اللَّذَينِ قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ
حَكَمَا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاً إِن يُرِيدَآً إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْتَهُمَأْ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]: إنَّ إليهما الفُرقةَ بينَهما
والاجتماع .
قال مالكٌ: وذلك أحسنُ ما سمِعتُ من أهل العلم ؛ أن الحكمين
يجوزُ قولُهما بينَ الرجلِ وامرأتِه فى الفُرقةِ والاجتماعِ .
الاستذكار تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ
أَهْلِهَاْ إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾:
إن إليهما الفُرقةَ بينَهما والاجتماعَ (١).
قال مالكٌ: وذلك أحسنُ ما سمِعتُ مِن أهلِ العلم ؛ أن الحكَمَين
يجوزُ قولُهما بينَ الرجلِ وامرأتِه فى الفُرقةِ والاجتماعِ.
قال أبو عمر : أما الخبر عن على فى ذلك ، فمرویٌّ مِن وجوه ثابتةٍ عن
القبس واختلافٍ ما بينَهما ، وهى مسألةٌ عظيمةٌ اجتمعَت الأمةُ على أصلِها فى البعثِ ،
وإن اختلفوا فى تفاصيلِ ما يَتَرتَّبُ عليه، ومِن جملتِه(١) اختلافُهم فى قولِه عزَّ
وجلَّ: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحًا﴾. هل(٢) المرادُ الزوجان أم الحَكَمان؟ فأدخَل
مالكٌ قولَ علىٌّ فى أن المرادَ به الحَكَمانِ، وهو الصحيحُ؛ لأن الكلامَ مُؤْتبِطٌ
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦٨١).
(٢) فى ج، م: ((جملة)).
(٣) فى ج، م: ((فهل)).
٤٢٨
الموطأ
الاستذكار
ابنِ سيرينَ ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيّ ، عن عليٍّ؛ منها ما رواه سفيانُ بنُ عيينةَ ،
عن أيوبَ ، عن ابنِ سيرينَ ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيّ ، قال: جاء رجلٌ وامرأةٌ
إلى علىّ بن أبى طالبٍ ومع كلّ واحدٍ منهما فِئامٌ مِن الناسِ ، فقال علىٍّ: ما
بالُ هذين ؟ فقالوا: وقَع بينَهما شِقاقٌ. قال: فابعثوا حَكمًا مِن أُهلِه
وحكَمًا مِن أهلِها. قال: فبعثوا حكَمًا مِن أهلِه وحكمًا مِن أهلها)،
فقال لهما علىٍّ: هل تَدْرِيان ما عليكما؟ إن رأيتُما أن تجمَعا جمَعتُما ، وإن
رأيتُما أن تُفرّقا فرَقتُما . فقالت المرأةُ : رضِيتُ بكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ وما
فيه ؛ علىَّ ولى. فقال الرجلُ: أما الفُرقةُ فلا. فقال علىّ: لا واللهِ ، لا
تنقلِبُ حتى تُقِرَّ بمثلٍ ما أقرَّت به(٢) .
وذكَر عبدُ الرزاقِ(٢)، قال: أخبرنى معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ
بهما، معطوفٌ عليهما، مُجاوٍرٌ لهما، فهو بهما أَلْيَقُ، ورجوعُه عليهما أَحَقُّ ، القبس
وقد بيََّّ ذلك فى كتابٍ ((الأحكام))(٤)، وبسَطْناه كما يجِبُ، وعجبًا لأهلٍ
بلادِنا حيثُ غفَلوا عن مُوجِبِ الكتابِ والسنةِ فى ذلك، وقالوا: يُجْعَلان على
يَدَى أمينٍ. وفى هذا مِن مُعاندةِ النصِّ مَا لا يَخْفَى عليكم، ( فأما إذا°) وقَع
(١ - ١) سقط من: ح ، هـ، ب.
(٢) أخرجه الشافعى ١٩٥/٥، والبيهقى ٧/ ٣٠٥، ٣٠٦ - وسعيد بن منصور (٦٢٨ - تفسير)،
وابن جرير فى تفسيره ٦/ ٧١٧، ٧١٨، والبيهقى ٣٠٥/٧، ٣٠٦ من طريق أيوب به .
(٣) عبد الرزاق (١١٨٨٣).
(٤) أحكام القرآن ٤٢١/١ وما بعدها .
(٥ - ٥) فى م: ((فإذا)).
٤٢٩
الموطأ
الاستذكار سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: شهِدتُ علىَّ بن أبى طالبٍ وجاءته امرأةٌ
وزوجها ، مع كلٌّ واحدٍ منهما فِئامٌ مِن الناسِ ، فأخرَج هؤلاء حكَمًا وهؤلاء
حكّمًا، فقال علىِّ للحكمَين: أَتَدْرِيان ما عليكما(١)؟ إن رأيتُما أن تُفرّقا
فرّقتُما، وإن رأيتُما أن تجمعا جمَعتُما. فقال الزوج! أما الفُرقةُ فلا . فقال
علىّ : كذَبتَ واللهِ ، لا تبرَحُ حتى ترضَى بكتابِ اللهِ لك وعليك . فقالت
المرأةُ : رضِيتُ(٢) بكتابِ اللهِ ؛ لی وعلىَّ .
قال(٢) : وأخبرنا معمر، عن ابنٍ طاوسٍ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ ، عن
ابنِ عباسٍ ، قال: بُعثتُ أنا ومعاويةُ حكَمَين، فقيل لنا : إن رأيتُما أن تجمَعا
القبس الشِّقاقُ بينَهما لأجْلِ المَسيسِ فاتَّفَقا على أنَّه لا يَمَشُها ، فإن العلماءَ اتَّفَقوا على أنه
يُضرَبُ له أجلُ سنةٍ مِن يومٍ تُرافِعُه. قال علماؤنا: يُخْتَبُرُ بها حالُه فى الأزمنةِ
الأربعةِ المُتغايرةِ فى السنةِ ، هل يستطيعُ فيها مَسيسًا أو (٤) لا؟ فإن تَبيَّنَ عَجْزُه فيها
جِيلَ بينَه وبينَ الزوج؛ قطعًا للضَّرَرِ عنها؛ لأن مِن مقاصدِ النكاح الوطءَ، فلما لم
يوجَدْ ذهَب المقصودُ، فإن وُجِدَ ولو مَرَّةً ، فاتَّفَق العلماءُ على أنه إذا اعتُرِضَ عنها
بعدَ ذلك، أنه لا كلامَ لها ولا يُفَرَّقُ بينَهما، وهذا ضَرَرٌ عظيمٌ فلم ١ أعلَمْ ما هو
ولکنی قابلْتُه بالتسليمِ .
(١) بعده فى الأصل، ح، هـ: ((إن عليكما)).
(٢) بعده فى ب: ((والله )).
(٣) عبد الرزاق (١١٨٨٥).
(٤) فى ج، م: ((أم)).
(٥) فى ج: ((ضرب)).
(٦) فى ج، م: ((ولا )).
-
٤٣٠
الموطأ
جمَعتُما، وإن رأيتُما أن تُفرّقا فرّقتُما. فقال (١) معمرٌ: وبلَغنى أن الذى الاستذكار
بعَثهما عثمانُ بنُ عفانَ .
قال(٢): وأخبرنا (" ابنُ جريجٍ)، عن ابنِ أبى مُليكةَ، أَن عَقِيلَ بنَ أبی
طالبٍ تزوَّج فاطمةَ بنتَ عُتبةً بنٍ ربيعةً، فقالت : تصيرُ لى وأُنفِقُ عليك .
فكان إذا دخَل عليها قالت : أين عتبةُ بنُ ربيعةً وشيبةُ بنُ ربيعةَ! فيسكُتُ
عنها ، حتى دخَل عليها يومًا وهو بَرِمٌ(٤) ، قالت : أين عتبةُ بنُ ربيعةً وشيبةُ بنُ
ربيعةً؟ قال: على يسارٍك فى النارِ إذا دخَلتِ . فشَدَّت عليها ثيابَها وجاءت
عثمانَ فذكرت ذلك له ، فضحِك ، وأرسَل ابنَ عباسٍ ومعاويةَ ، فقال ابنُ
عباسٍ : لأُفرّقنَّ بينَهما. وقال معاويةُ: ما كنتُ لأُفرّقَ بينَ شيخَين(٥) مِن بنى
عبدٍ منافٍ . فأتّيا، فوجداهما (٦) قد أغلَقا عليهما أبوابَهما، فرجَعا .
قال أبو عمرَ : أجمَع العلماءُ على أن معنى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَإِنْ
خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾. أن المخاطَبَ بذلك الحُكَامُ والأمراءُ، وأن
القبس
(١) فى ب: ((قال)).
(٢) عبد الرزاق (١١٨٨٧).
(٣ - ٣) سقط من : ب .
(٤) برِم بالأمر يبرّم بَرَمًّا: سئمه وضجر به فهو بَرِمّ. اللسان (ب ر م).
(٥) فى الأصل، ب: ((شخصین).
(٦) فى الأصل، ح، هـ: ((فوجدا)).
.
٤٣١
الموطأ
الاستذكار الضميرَ فى ﴿بَيْنِهِمَا﴾ للزوجين، وأن قولَه تعالى: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا
يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأُ﴾. فى الحكَمَّيْنِ فى الشِّقَاقِ .
ذكَر أبو بكرٍ (١)، قال: حدثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عطاءِ بنِ
السائبٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ
اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. قال: هما الحكمان .
قال(١) : وحدثنا و کیٹ، عن سفيان، عن أبى هاشم، عن مجاهدٍ فی قولِه
تعالى: ﴿إِن يُرِيدَاْ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأُ﴾. قالَ: هما الحَكَمان.
وأجمعوا أن الحَكَمَين لا يكونان إلا مِن أهل(٢) الزوجين؛ أحدُهما
مِن أهلِ المرأةِ ، والآخرُ مِن أهلِ الرجلِ ، إلا ألَّا (٣) يوجدَ فى أهلِهما مَن
يصلُحُ لذلك، فيُرسَلُ مِن غيرِهما. وأجمعوا أن الحَكَمين إذا اختلفا لم
يَنْفُذْ قولُهما. وأجمعوا أن قولَهما نافذٌ فى الجمع بينَهما (4 من غيرٍ "
توكيلٍ مِن الزوجين، واختلفوا فى الفُرقةِ بينَهما ؛ هل تحتاج إلى توكيلٍ
مِن الزوج أم لا؟ فقال مالكٌ وأصحابُه: يجوزُ قولُهما فى الفُرقةِ
والاجتماعِ بغيرِ توكيلٍ مِن الزوجينِ ولا إذنٍ منهما فى ذلك. وهو قولُ
الشعبىّ، وأبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وإبراهيم النخَعيِّ، وسعيدِ بنِ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢١٢/٥.
(٢) فى الأصل، م: ((جهة)).
(٣) فى الأصل، م: ((أن)).
(٤ - ٤) فى الأصل، ح، هـ، م: ((بغير)).
٤٣٢
الموطأ
جبير (١) . وبه قال إسحاقُ . ورُوِى عن ابنِ عباس أنه قال فى الحكمين : إن الاستذكار
اجتمع أمرُهما على أن يُفَرّقا أو يَجمَعا جاز(٢) . وقال أبو حنيفةً والشافعىُّ
وأصحابُهما: ليس لهما أن يُفَرّقا إلا أن يجعَلَ الزوج إليهما التفريقَ. وهو قولُ
عطاءٍ والحسنِ . قال ابنُ جريج: سمِعتُ عطاءً يُسألُ : أَيُفرّقُ الحكمان ؟
قال : لا ، إلا أن يَجعَلَ ذلك بأيديهما الزوجان(٢) . وقال الحسنُ : یحكمانِ
فى الاجتماع، ولا يحكُمان فى الفُرقةِ(٤). وبه قال أبو ثورٍ ، وأحمدُ ،
وداودُ . وكلا الطائفتين تحتُ(٥) بقول علىٍّ.
روَی و کیٹٌ ، عن موسى بنِ عبیدةً، عن محمد بن کعب ، قال : قال
علىّ: الحكمان بهما يجمَعُ اللهُ، وبهما يُفَرَّقُ(٦) .
ومِن حُجَّةٍ مَن قال بقولِ الشافعىِّ وأبى حنيفةً، قولُ علىٍّ للزوجِ: لا
تبرَحُ حتى ترضى بما رضِيَتْ به. فدلَّ على أن مذهبَه أنهما لا يُفرِّقان إلا
برضا الزوجِ . والأصلُ المُجتمَعُ عليه أن الطلاقَ بيدِ الزوجِ ، أو بيدِ مَن جَعَل
ذلك إليه، وجعله مالكٌ ومَن تابعه من بابٍ طلاقٍ السلطان على المؤلِى
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٨٨٢، ١١٨٨٤، ١١٨٨٦، ١١٨٨٨)، ومصنف ابن أبى
شيبة ٥/ ٢١١، ٢١٢.
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٧٢٢/٦، ٧٢٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٨٨٠) عن ابن جريج به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١١٨٨١).
(٥) فى ب: ((تحكمان وتحتجان)).
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١١/٥ عن وكيع به.
٤٣٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٨/١٥ )
الموطأ
یمینُ الرجل بطلاقٍ ما لم ینکِخ
١٢٦٧ - مالكٌ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطابٍ، وعبدَ اللهِ بنَ
عمرَ، وعبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ ، وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ ، والقاسمَ بنَ محمدٍ ،
وابنَ شهابٍ، وسُليمانَ بنَ يسارٍ، كانوا يقولون إذا حلَف الرجلُ
بطلاقِ المرأةِ قبلَ أن يَنكِحَها ثمَّ أثِّمَ : إن ذلك لازمٌ له إذا نكَحها .
١٢٦٨ - مالكٌ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يقولُ فِیمَن
الاستذكار والعِنِّينِ. واختلف أصحابُ مالكِ فى الحَكَمين يُطلِّقان ثلاثًا؛ فقال ابنُ
القاسم: تكونُ واحدةً بائنةً. ورُوِى نحوُ ذلك عن مالكٍ ، وقال المغيرةُ
وأشهبُ : إِن طَلَّقاها (١) ثلاثًا فهى ثلاثٌ . وباللهِ التوفيقُ.
بابُ یمینِ الرجلِ بطلاقٍ ما لم ینکِغ(٢)
مالكٌ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطابِ ، وعبدَ اللهِ بنَ عمرَ، وعبدَ اللهِ بنَ
مسعودٍ، وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ ، والقاسمَ بنَ محمدٍ ، وابنَ شهابٍ، وسليمانَ
ابنَ یسارٍ، کانوا یقولون إذا حلف الرجلُ بطلاقِ المرأة قبل ان ینکِحَها ثم
أثِم(٣) : إن ذلك لازِمّ إذا نكَحها(٤).
القبس
(١) فى الأصل، ح، هـ، م: ((طلقها)).
(٢) فى ح، هـ: ((يملك)).
(٣) بعده فى ح، هـ: ((يعنى حنث)).
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/١٢ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦٨٣).
٤٣٤
الموطأ
قال: كلُّ امرأةٍ أَنكِحُها فهى طالقٌ . أنه إذا لم يُسَمِّ قبيلةً أو امرأةً بعينِها
فلا شىءَ عليهِ .
قال مالكٌ: وهذا أحسنُ ما سمِعتُ .
قال مالكٌ فى الرجلِ يقولُ لامرأته: أنتِ الطلاقُ . و: كلُّ امرأةٍ
الاستذكار
مالكٌ ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يقولُ فيمَن قال: كلُّ امرأةٍ
أَنكِحُها فهى طالقٌ . أنه إذا لم يُسَمِّ قبيلةً أو (١) امرأةً بعينها فلا شىءَ عليه(١).
قال مالكٌ : وهذا أحسنُ ما سمِعتُ .
قال أبو عمرَ: هذا آخرُ(١) البابِ عندَ جمهورٍ رواةِ ((الموطاً))، وليحيى
فيه زيادةٌ مِن قولٍ مالكِ فى بعضِها وهمّ .
٠٠
قال أبو عمرَ: أما عمرُ بنُ الخطابِ فلا أعلم أنه رُوِى عنه (٤فی
الطلاقِ" قبلَ النكاح شىءٌ صحيحٌ، وإنما يَرْوِيه ياسينُ الزَّيَّاتُ ، عن أبى
محمدٍ ، عن عطاءِ الخُراسانىٌّ ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أن رجلًا
أَتَّى عمرَ بنَ الخطابِ ، فقال: كلَّ امرأةٍ أتزوَّبجها فهى طالقٌ ثلاثًا . قال : هو
كما قال(٥) .
القبس
(١) فى الأصل، ب: (ولا)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦٨٤).
(٣) بعده فى الأصل، ب: ((هذا)).
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١١٤٧٤) عن ياسين به .
٤٣٥
الموطأ أنكِحُها فهى طالقٌ . ومالُه صدقةٌ إن لم يفعَلْ كذا وكذا، فحنثَ .
قال : أمَّا نساؤُه فطلاقٌ كما قال، وأمَّا قولُه: كلَّ امرأةٍ أَنكِحُها فهى
طالقٌ . فإنه إذا لم يُسمّ امرأةً بعينِها، أو قبيلةً أو أرضًا، أو نحوَ هذا،
فليس يلزَمُه ذلك، ولْيَتزوَّجْ ما شاءَ، وأَمَّا مالُه فلْيَتَصَدَّقْ بِثُلُثِه .
الاستذ کار
وياسينُ مُجتمَعٌ على ضعفِه، وأبو محمدٍ مجهولٌ، وأبو سلمةَ عن
عمرَ منقطِعٌ. وإنما رُوِى عنه فيمن ظاهَر مِن امرأةٍ إِن تَزَوَّجها أنه١) لا
يَقْرَبُها إن تزوَّجها حتى يُكفِّرَ(١). وجائزٌ أن يُقاسَ على قولِه هذا الطلاقُ،
واللهُ أعلمُ .
وأما ابنُ مسعودٍ ؛ فروَى وكيعٌ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ قیسٍ، عن
إبراهيمَ، "عن الأسود٣ِ) ، أنه(٤) طلَّق امرأةً إن تزوَّجها، فسأل ابن مسعودٍ ،
فقال: أعلِمْها بالطلاقِ ثم تزوَّجُها(٥).
قال أبو عمرَ : يعنى أنه قد كان تزوَّجها إذ سأل ابنَ مسعودٍ ، فأجابه
بهذا ، وتكونُ عندَه على اثنتين إن تزوَّجها .
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((امرأة أنه))، وفى ح، هـ: ((امرأته إن تزوجها أنه)).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٢٣).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((عن علقمة والأسود))، وفى ح، هـ: ((والأسود)).
(٤) بعده فى الأصل: ((أن رجلًا)).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠/٥ عن وكيع به .
٤٣٦
الموطأ
وروَى أبو عَوانةَ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ الاستذكار
و(١) الأسودِ، عن "عبدِ اللهِ)، فيمَن قال: إذا تزوجتُ فلانةَ فهى طالقٌ.
قال : هو كما قال(٢) .
وأما بلاغُ مالكٍ عن ابنِ مسعودٍ ، أن الحالفَ بالطلاقِ لا يلزَمُه إلا أن
يُعيِّنَ قبيلةً، أو يُسمِّىَ امرأةً، فلا أَحفَظُه عنه إلا منقطِعًا غيرَ متصِلٍ .
وأما سالمٌ والقاسمُ، فروِى عنهما مِن وجوهٍ ما ذكَّره مالكٌ عنهما .
ذكَر أبو بكرٍ(٤)، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ نُميرٍ، وأبو أسامةَ، عن
يحيى بن سعيدٍ، "قال: كانْ) القاسمُ، وسالمٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ
يَرَون الطلاقَ جائزًا عليه إذا وَقَّت(٦).
قال(٧): وحدَّثنى أبو أسامةً(٨)، عن "عمرَ بن) حمزةَ، أنه سأل
القبس
(١) فى مصدر التخريج: ((أو)).
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((عبد الرحمن)).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (١٠٤٢) عن أبى عوانة به مطولًا .
(٤) ابن أبى شيبة ١٨/٥، ١٩.
(٥ - ٥) فى الأصل: ((والقاسم كان يحيى و))، وفى م: ((قال كان يحيى و)).
(٦) فى الأصل، ب: (( عين)).
(٧) ابن أبى شيبة ٢٠/٥.
(٨) فى الأصل، ب: ((سلمة)).
(٩ - ٩) فى الأصل: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٣١١/٢١.
٤٣٧
الموطأ
:
الاستذكار القاسمَ، وسالمًا، وأبا بكرِ بنَ عبدِ الرحمنِ، وأبا بكرِ بنَ محمدِ بنِ عمرٍو
ابنِ حزمٍ ، وعبدَ اللهِ بنَ عبد الرحمن ، عن رجلٍ قال : يومَ أتزوَّج فلانةً فھی
طالقٌ البَنَّةَ. فقالوا كلُّهم: لا يتزوَّجُها .
قال(١): وحدَّثنى(١) حفصُ بنُ غِيَاتٍ، عن عبيدِ ) اللهِ بنِ عمرَ ، قال :
سألتُ القاسمَ بنَ محمدٍ عن رجلٍ قال : يومَ أتزوَّجُ فلانةَ فهى طالقٌ . قال :
هى طالقٌ، سُئِل عمرُ عن رجلٍ قال: يومَ أتزوَّجُ فلانةَ فهى علىَّ كظهرٍ
أمى. قال: لا يتزوجها حتى يُكفِّرَ.
وقد روى عن سالم أنه لم يَرَ للحالفِ أن يتزوَّجَ، وإن عَمَّ فى يمينِه .
ذكره أبو بكرٍ(٥) ، قال: حدثنا إسماعيلُ ابْنُ عُلَّةَ(٦) ، عن قُدامةَ، قال:
قلتُ لسالمُ) بنِ عبدِ اللهِ(٢): رجلٌ قال: كلُّ امرأةٍ يتزوَّبجها فهى طالقٌ. و: كلُّ
جاريةٍ يَشْتِيها فهى حرةٌ. فقال: أما أنا، فلو كنتُ لم أنكِخْ ولم أشترٍ .
وأما ابنُ شهابٍ ؛ فروَى معمرٌ عنه فى رجلٍ قال : كلَّ امرأةٍ أَتزوَّجها
فهى طالقٌ. و: كلَّ جاريةٍ أشتريها فهى حرٌ. قال: هو كما قال . قال
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٧٩/٦ ( طبعة الرشد ).
(٢) بعده فى الأصل: ((أبو سلمة))، وبعده فى م: ((أبو أسامة)). وينظر تهذيب الكمال ٥٦/٧.
(٣) فى الأصل، ونسخ من مصدر التخريج: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ١٢٤/١٩.
(٤ - ٤) سقط من : ح ، هـ .
(٥) ابن أبى شيبة ٢١/٥.
(٦) بعده فى الأصل، م: ((قال حدثنى)).
(٧) بعده فى: ح، هـ، م: ((عن)).
٤٣٨
الموطأ
معمرٌ: قلتُ له: أليس قد جاء أنه لا طلاقَ قبلَ نكاح، ولا عتقَ إلا بعدَ الاستذكار
المِلْكِ؟ قال : إنما ذلك أن يقولَ الرجلُ : امرأةُ فلانٍ طالقٌ . أو : عبدُ فلاٍ
(١)
حقّ(١).
وروَى عنه يونسُ بنُ یزیدَ، أنه قال: إنما ذلك إذا قال: فلانةُ طالقٌ .
ولا يقولُ: إِن تزوَّجتُها(٢) . وأما إذا قال: إِن تزوَّجتُ فلانةَ فهى طالقٌ . فهو
كما قال .
وقال هشامُ بنُ سعدٍ ، عن الزهرىِّ: إذا وقَع النكاحُ وقَع الطلاقُ(٣).
وأما اختلافُ أئمةِ الفَتْوى فى هذا البابِ ؛ فقال مالكٌ فى رواية يحيى
فى ((الموطأُ)) - وقاله فى غيرِ ((الموطأُ))، ولم يختلِفْ عنه أصحابُه فيه - :
إذا لم يُسَمِّ الحالفُ بالطلاقِ امرأةٌ بعينها، أو قبيلةً ، أو أرضًا، أو * نحوَ
هذا٢ ، وعَمَّ فى يمينِه، فليس يلزَمُه ذلك، ولْيتزوَّجْ ما شاء، فإن سمَّى
امرأةٌ ، أو أرضًا، أو قبيلةً، أو ضرَّب أجلا يبلُغُ عمرُه أكثرَ منه، لزِمه
الطلاقُ. قال: وكذلك لو قال: كلَّ عبدٍ أشترِيهُ( ٢) فهو حدٍّ. فلا شىءَ
عليه ؛ لأنه عَمّ .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٤٧٥) عن معمر به .
(٢) فى ح، هـ: ((تزوجها)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٩/٥ من طريق هشام به .
٠
(٤ - ٤) فى الأصل: ((نحوها)).
(٥) فى ح، هـ: ((اشتريته)).
٤٣٩
-
الموطأ
ولو خَصَّ جنسًا أو بلدًا، أو ضرَّب أجلا يبلُغُ عمرُه مثلَه، لزِمه .
الاستذ کار
واختلف قولُه "إذا قال١): كلُّ بكرٍ أتزوَّجُها فهى طالقٌ. ثم
قال: كلُّ ثِيِّبٍ أتزوَّجُها فهى طالقٌ. فمرةً قال : لا يتزوَّجُ، وقد حَرُم
عليه النساءُ نوعًا بعدَ نوع. (٢ ومرةً قال٢): إنه يتزوج؛ لأنه قد عمّ
فى اليمينِ الأُخرى. والأولُ أشهرُ عنه. وقولُ ابنِ أبى ليلى،
والحسنِ بنِ صالحِ بنِ حىٍّ، وإبراهيم النخَعيِّ، والشعبىِّ، والليثِ بنِ
سعدٍ، والأوزاعىّ، فى هذا البابِ مثلُ قولِ مالكٍ، قال ابنُ أبى
ليلى: إذا عَمَّ(١) لم يَقَعْ، وإن سمَّى شيئًا بعينه أو جماعةً بعينها، أو
جعَل يمينَه إلى أجلٍ يبلُغُه، وقَع. وقال الأوزاعىُّ فيمَن قال لامرأتِه:
كلُّ جاريةٍ (أَتَسَرَّى بها عليكِ فهى حرةٌ. فَيَتَسَرَّى) عليها جاريةً ،
فإنها تَعتِقُ عليه؛ لأنه قال: عليك. وقال الحسنُ بنُّ حىٍّ: إذا قال :
كلُّ مملوكٍ أملِكُه فهو حرِّ. فليس بشىءٍ. ولو قال: كلَّ مملوكٍ
أشتريه. أو: أرِثُه. أو نحوَ ذلك، عتَق عليه إذا ملكه بذلك الوجهِ ؛
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((فى قوله)).
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((وقد روى عنه))، وفى ب: ((وقد روى)).
(٣) ليس فى: الأصل، وفى م: ((عمم).
(٤ - ٤) فى النسخ: ((أشتريها عليك فهى حرة فيشترى)). والمثبت من أحكام القرآن
للجصاص ٢٣٣/٥، وينظر مختصر اختلاف العلماء ٤٤٧/٢ .
٤٤٠