Indexed OCR Text

Pages 161-180

الموطأ
وذكر أبو داودَ الحديثَينِ جميعًا(١)، ذكر حديثَ ابنٍ وهبٍ؛ عن التمهيد
أحمد بن صالح، عن ابن وهب، وذكر حدیثَ الفریابی ؛ عن محمودٍ بنٍ
خالدٍ ، عن الفِريابِيِّ . وحسبُكَ بحديثٍ مالكِ فى ذلك ، ومالكٌ مالِكٌ فى
إثمانه وحفظه وتَوَقِّیه، وانتقاده(٢) لما يَزْوِيه .
فإن قيل: ما معنى قوله : وألْحَق الولدَ بأُمُّه. ومعلوم أنَّه قد لَحِق بأمِّه،
وأنَّها على كلِّ حالٍ (٢) أمُّه؟ قيل له: المعنَى أَنَّه أَلْحَقَه بأمِّه دُونَ أبيه ، ونفاه
عن أبيه بلِعانِه، وصيَّه إلى أَمِّه وحدَها. ولهذا ما اختلف العلماءُ فى
ميراثِه؛ فجعَل بعضُهم عصَبتَه عصبةً أُمِّه، وجعَل بعضُهم أَمَّه عصبتَه ،
وسنذكُرُ اختلافَهم فى ذلك فى آخرِ هذا البابِ إن شاء اللهُ .
وأمَّا تَفْرِيقُ رسولِ اللهِ نَّ بِينَ المتلاعنَين، فذلك عندَنا إعلامٌ منه
وَهُ أَنَّ التَّلاعُنَ يُوجِبُ الفُرقةَ والتَّباعُدَ، فأعلَمهما بذلك، وفرّق بينَهما ،
وقال: ((لا سبيلَ لكَ عليها))(٤). وهذا على الإطلاقِ على ما قد بيَّنًا فيما
سَلَف من کتابِنا ، فی بابِ ابنِ شهاب ، عن سهلِ بنِ سعد (١ ، وقال لهما
رسولُ اللهِ وَالَ: «اللـهُ يعلَمُ أَنَّ أَحدَكما كاذِبٌ، فهل منكما
القبس
(١) أبو داود (٢٢٤٧، ٢٢٤٩).
(٢) فى م: ((انتقائه)).
(٣) سقط من: م.
(٤) تقدم تخريجه ص ١٤٤، ١٤٥، ١٥٧.
(٥) ينظر ما تقدم ص١٤٤ - ١٤٧ . .
١٦١
( موسوعة شروح الموطأ ١١/١٥ )

الموطأ
التمهيد تائِبٌ؟))(١). وأخبر أنَّ الخامسةَ موجبةٌ، يعنى أنَّها تُوجِبُ لعنةَ اللهِ
وغضبه ، فلمَّا مُجُهِلَ الملعونُ منهما، وصحَّ أنَّ أحدَهما قد لحقَتْه لعنةُ اللهِ
و(٢) غضبُه، فرّق، واللهُ أعلمُ، بينَهما؛ لئلا يجتمِعَ رجلٌ ملعونٌ وامرأةٌ غيرُ
ملعونةٍ ، ولسنا نعرِفُ أنَّ المرأةَ أُفْرِدَتْ باللعنةِ فنَقِيسَها على اليهوديةِ الجائزِ
نكاحها، ولا بأسَ أنْ يكونَ الأسفلُ ملعُونًا، كما أنَّه لا بأسَ أن يكونَ
كافرًا، ولا سبيلَ إلى معرفةٍ مَن حَقَّتْ عليه اللعنةُ منهما ، فمن هلهنا وقَعتِ
الفُرقةُ ، ولو أيْقَنَّا أنَّ اللعنةَ حَقَّتْ على المرأةِ بِكَذِيِها لم نُفَرِّقْ بينَهما . هذا
مجملةُ ما اعتلَّ به بعضُ أصحابِنا، وفى ذلك نظرٌ، والتَّلاعُنُ يقتضِى
التباعدَ ، وعليه مجمهور السلف .
١
وفى قولِه وَخلّ: ((لا سبيلَ لكَ عليها)). كِفايةٌ ودَلالةٌ صحيحةٌ على أنَّ
اللِّعانَ هو المُوجبُ الفُرقةِ بينَهما، وأنَّ الحاكمَ إنَّما يُنَفِّذُ الواجبَ فى ذلك
من حكم اللهِ تعالى ذكرُه، ولم يكن تَفْرِيقُ النبيِّ وَلِّ بينَ المتلاعنَين بعدَ
اللِّعانِ استئنافَ حكم، وإنَّما كان تنفيذًا لما أوْجَبه اللهُ تعالى باللِّعَانِ
بينَهما، فالواجبُ على سائرِ الحكام تنفيذُ الحكم بذلك، والتَّفرِيقُ
بينَهما ، فإن فَعَل فقد فعَل ما يجبُ ، وإن ترَك كان الحكم بالفُرقةِ بينَهما
نافذًا على حَسَبٍ ما ذكرنا. واحتَجَّ أصحابُ أبى حنيفةً لقولِه: إذا الْتَعَنا
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٥٧ .
(٢) فى ن: (( أو)).
١٦٢

الموطأ
فرّق الحاكمُ بينَهما. بما رُوِىَ عن رسولِ اللهِ وَّ أَنَّه فَرَّق بينَ التمهيد
المتلاعِنَينِ. قالوا: فدلَّ على أنَّه الفاعلُ الفُرقةِ. قالوا: وهى فُرقةٌ تَفْتِقِرُ
إلى حضورِ الحاكم، فوجَب أَنْ تَفْتَقِرَ إلى تَفريقِه، قياسًا على فُرقةِ العِنِينِ.
ومن حَجَّةِ مالكٍ ومَن قال بقولِه، أنَّ التَّفاسُخَ فى التبائِعِ لمَّا وقَع بتَمامِ
التَّحالُفِ، فكذلك اللِّعانُ. وأمَّا الشافعىُ، فإِنَّ الفُرقةَ تقَعُ عندَه بالتِعانِ
الزوج وحدَه؛ لأَنَّه لما دفَع لِعانُه الولدَ والحدَّ وجَب أَنْ يرفعُ(١) الفراشَ؛
لأَنَّ لِعانَ المرأةِ لا مدخلَ له فى ذلك، وإنَّما هو لنفى الحدِّ عنها لا غيرُ.
وذهَب عثمانُ البَتِّىُّ أنَّ الفُرقةَ تقعُ بالطلاقِ بعدَ اللعانِ؛ لأنَّ العَجْلانِئَّ
طلَّقها ثلاثً بعدَ اللِّعانِ .
وقد مضَى القولُ أيضًا فى حكم فرقةِ المُتلاعِنَينِ، وهل يَحتاجُ
الحاكمُ إلى أن يُفَرَّقَ بينَهما بعدَ اللِّعانِ أم لا؟ وما فى ذلك للعلماءِ من
التَّنَازُعِ، ووجهُ الصوابِ فيه عندَنا، عندَ ذكرِ حديثِ ابنِ شهابٍ، عن
سهلٍ بنِ سعدٍ فى كتابنا هذا(٢)، وذكرنا هناكَ أيضًا أحكامًا صالحةً من
أحكام اللِّعانِ لا معنَى لإِعادَتِها هلهنا، ونذكرُ ههنا حكمَ الحملِ والولدِ
وما ضارَع ذلك ، بعونِ اللهِ لا شريكَ له .
فأمَّا قولُه فى حديثنا هذا: وانتفَى من ولدِها. فإِنَّه يَحتمِلُ أن يكونَ
القبس
(١) فى ن: ((يدفع)).
(٢) ينظر ما تقدم ص١٣٨ - ١٤٢ .
١٦٣

الموطأ
التمهيد انتفَى منه وهو حملٌ ظاهرٌ، ويَحتمِلُ أن يكونَ انتفَى منه بعدَ أنْ وُلِد . وقد
اختلف العلماءُ فى الملاعَنةِ على الحملِ ؛ فقال منهم قائلون : لا سبيلَ إلى
أنْ يُلاعِنَ أحدٌ عن حملٍ ، ولا لأحدٍ أن ينتفِىَ من ولدٍ لم يُولَدْ بعدُ ؛ لأنَّه
رُبَّما حسِب أنَّ بالمرأةِ حملًا ، وليس بها حملٌ. قالوا: وكم حملٍ ظهَر (١)
فى رأي العينِ ، ثم انفشَّ واضمحلٌّ . قالوا: فلا لِعانَ على الحملِ بوجهٍ من
الوجوهِ. قالوا : ولو التَعَنَ أحدٌ على الحملِ لم يَنْتَفِ عنه الولدُ حتى يَنْفِيَه
بعدَ أن يُولَدَ ، ويلتعِنَ بعدَ ذلك، ويَتْفِيَه فى اللِّعانِ، فحينَئِذٍ يَنْتَفِى عنه . هذا
قولُ أبى حنيفةَ وطائفةٍ من فقهاءِ الكوفةِ . وقال آخرون : جائزٌ أَن يَنْتَفِىَ
الرجلُ من الحملِ إذا كان حملًا ظاهرًا. هذا قولُ مالكِ، والشافعىِّ،
وجماعةٍ من فقهاءِ أهلِ الحجازِ والعراقٍ . وحُبَّتُهم أنَّ المرأةَ التى لاعَنَّ
رسولُ اللهِ وَ لَ بينَها وبينَ زوجِها كانت حاملاً، فانتفَى الملاعنُ من
ولدِها، ففرّق رسولُ اللهِ وَلَه بينَهما، وألْحَق الولدَ بأَمَّه. والآثارُ الدالّةُ
على صحةِ هذا القولٍ كثيرةٌ، وسنذكُرُ منها فى هذا البابِ ما فيه كفايةٌ
وشفاءٌ وهدايةٌ إن شاء اللهُ .
وجملةُ قولٍ مالكِ وأصحابِه فى هذه المسألةِ أَنَّه لا يُنْفَى الحملُ
بدعوَى رؤيةِ الزِّنَى، ولا يُنْفَى الحملُ إلَّا بدَغْوَى الاستبراءِ وأَنَّه لم يَطَأْ بعدَ
الاستبراءِ، والاستِبراءُ عندَهم حيضةٌ كاملةٌ . هذا قولُ مالكٍ وأصحابِهِ إلَّا
القبس
-
(١) فى ك١، ن: ((ظاهر)).
١٦٤

الموطأ
عبدَ الملكِ ، فإنَّه قال: ثلاثُ حِيَضٍ. ورواه أيضًا عن مالك. وقال ابنُ التمهيد
القاسم: لا يَلْزَمُه ما ولَدتْ بعدَ لعانِهِ إلَّا أنْ يكونَ حملًا ظاهرًا حين لاعَنَ
بإقرارٍ أَو بَّنَةٍ، فيُلْحَقَ به(١). وقال المغيرةُ المخْزُومِىُّ: إن أقرَّ بالحملِ
وادَّعى رُؤيةً لاعَنَ ، فإن وضَعَتْه لأقلَّ من سِتَّةِ أشهرٍ من يومِ الرُّؤْيَةِ فهو له ، وإن
كان لستةِ أشهرٍ فأكثرَ فهو للُعانِ ، فإنِ ادَّعاه لحِق به وحُدَّ. قال المغيرةُ :
ويُلاعِنُ فى الرُّؤْيَةِ مَن يَدَّعِىِ الاسْتبراءَ(٢) . وأمَّا الشافعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ،
وأبو حنيفةً ، وأبو ثورٍ ، وأصحابُهم ، فإنَّهم يقولون: كلُّ مَن قذَف امرأته،
وطلبتِ الحَدَّ، ولم يأتِ زوجها بأربعة شهداءً، لاعَنَ ، وسواءٌ قال لها : یا
زانيةُ. أو: زَنَّيْتِ . أو: رأيتُها تَزْنِى. يُلاعِنُ أبدًا، وكلُّ مَن نفَى الحملَ
عندَهم وقال: ليس منِّى. ولم يكنْ عِلِم به، لاعَنَ، ولا معنَى عندَهم
للاسْتِثْراءِ؛ لأنَّ الاستِراءَ قد تَلِدُ معه، فلا معنى له ما كان الفراشُ قائمًا، إلَّا
أبا حنيفةً فإنَّه على أصلِه فى أنْ لا لِعانَ على حملٍ ، على ما ذكرتُ لك . ولا
خلافَ عن مالكِ وأصحابِه أنه إذا ادَّعى رُؤيةً ، وأَقرَّ أنه وطِئَ بعدَها ، ◌ُدَّ
ولَحِق به الولدُ. قال ابنُ القاسم: فلو أُكْذَبَ نفسَه فى الاستِراءِ، واذَّعَى
الولدَ، لِق به ومحدَّ(٣)؛ إِذْ باللِّعان نَفَيْناه عنه، وصار قاذفًا .
القبس
١
(١) ينظر المدونة ١١٠/٣.
(٢) بعده فى م: ((وإن وضعت لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية لحق به ، ولا ينفعه إن نفاه ولا
يحد ؛ قال ولو قال بعد الوضع لأقل من ستة أشهر كنت استبريته ونفاه ، كان للعان الأول ؛
قال أصبغ : لا ينتفى إلا بلعان كان)).
(٣) فى م: (( وحده)).
١٦٥

الموطأ
التمهيد
وقال مالكٌ وابنُ القاسمِ وغيرُهما : يُبدأُ بالزوجِ فى اللِّعانِ، فيشْهَدُ أربعَ
شهاداتٍ باللهِ ، يقولُ فى الرؤيةِ: أشهدُ باللهِ إِنِّى لمِن الصادقين ، لَرْأيتُها
تَزنى . ويقولُ فى نفى الحملِ : أَشْهَدُ باللّهِ لَزَنت. وذكّر ابنُ المؤَّازِ، عن
ابنِ القاسمِ، قال : يقولُ فى نَفْيِ الحملِ : أشهدُ باللهِ إِنِّى لمن الصادقينَ،
ما هذا الحملُ منِّى. قال أصبغُ: وأَحَبُّ إِلَّ أَن يَزِيدَ: لَزْنَت . قال أصبغُ :
ويقولُ فى الرُّؤيةِ : كالمِروَدِ فى المُكْحُلَةِ . قال مالكٌ وابنُ القاسم : ويقولُ
فى الخامسةِ: أنَّ لعنةَ اللهِ عليه إنْ كان من الكاذبين. وتقولُ المرأةُ فى
الوُؤْيةِ: أشهدُ باللَّهِ ما رَآنِى أَزْنِى. وفى الحملِ: أَشهدُ باللَّهِ مَا زَنَيْتُ، وأَنَّ
هذا الحملَ منه .
قال أبو عمرَ: إن كان ولدًا أو حملًا ونَفاه، قال فى لِعانِه: أشهدُ
باللهِ لقد زنَت، وما هذا الحملُ مِنِّى. أو: ما هذا الولدُ مِنِّى. وتقولُ
هى : أشهدُ باللهِ ما زَنَيْتُ، وأنَّ هذا الحملَ منه. أو: هذا الولدَ منه. وإن
كان غائبًا أو مَيِّنًا سَمَّتْه ونَسَبَتْه، وقالت: وأنَّه من زَوجِى فلانٍ بنِ فلاٍ .
يقولُ كلُّ واحدٍ منهما هذا القولَ أربعَ مَرَّاتٍ بأربعِ شَهاداتٍ باللهِ ، ثم
يقولُ الزوجُ فى الخامسةِ: وعليه لعنةُ اللهِ إن كان من الكاذبين. وتقولُ
هى : وعليها غضبُ اللهِ إنْ كان من الصادقِينَ فيما ذكَّر من رؤيةٍ . أو :
فيما ذكّر من زِناها، ومن نَفْىِ حملِها أو ولدِها. على حَسَبٍ ما فَشَرْتُ
لكَ.
القبس
١٦٦

الموطأ
فإِذا تمَّ الْتِعانُ المرأةِ بعدَ التعانِ الرجلِ، وقَعتِ الفرقةُ بينَهما، ثم لم تَحِلَّ له التمهيد
أبدًا، وسواء فرّق الحاكمُ بينَهما أو لم يفرّقْ. وإنْ أكذَب نفسَه بعدَ ذلك حُدَّ،
وَحِقٍ به الولدُ، ولم يتَراجَعا أبدًا، وإن بقِى من لِعانِه أو لِعانِ المرأةِ، ولو مَرَّةً
واحدةً ، شهادةٌ واحدةٌ ، الخامسةُ أو غيرُها، فأكذَب نفسَه قبلَ تمامِها، حُدَّ،
وبَقِيَتْ معه زوجةٌ(١)، إذا لم يَتِمَّ لِعانُها. هذا كلُّه قولُ مالكٍ وأصحابِهِ، ولو لاعَنَ
عندَهم مَن نَفَى حملاً فانْفَشَّ، لم تُرَدَّ إليه، ولم تَحِلَّ له أبدًا؛ لأَنَّه قد يجوزُ أنْ
تَكونَ أسْقَطَتْه وكَتَمته. وعندَ الشافعيّ أنَّ الرجلَ إذا تَمَّ الْتِعانُه فقد زال فراشُه،
ولا تَحِلُّ له أبدًا. وعندَ أبى حنيفةَ أنَّ تَمامَ اللِّعانِ لا يُوجِبُ فُرقةً حتى يُفَرِّقَ الحاكمُ
بينَهما . ولكلِّ واحدٍ منهم حجّةٌ من حديثِ مالكِ وغيرِهِ هذا، مُخْتَمِلةٌ للتأويلِ،
وقولُ مالكِ أولَى بالصوابِ إن شاء اللهُ . وقال الشافعىُّ رحِمه اللهُ: تَفْرِيقُ النبيِّ
منَّ بينَ المتلاعنَين تفريقُ محُكمٍ، ليس لطلاقِ الزوجِ فيه مَدْخَلٌ، وَّما هو
تفريقٌ أوجبه اللِّعانُ، فأخبَر به النبىُ وَه بقولِه: (( لا سبيلَ لكَ عليها)). قال:
وإذا أكمل الزوج الشهادةَ والالْتِعانَ فقد زال فراشُ امرأتِه، ولا تَحِلُّ له أبدًا وإن
أكذَبَ نفسَه، التَعَنَتْ أو لم تَلْتَعِنْ. قال: وأَّما قلتُ هذا لأنَّ رسولَ اللهِ وَلَه
قال: ((لا سبيلَ لكَ عليها)). ولم يقلْ: حتى تُكذِبَ نفسَكَ. قال: وكان
ء
مَعْقولًا فى حكم رسولِ اللهِ وَّه إذا أ ◌ْحَقَ الولدَ بأَمُّه أَنَّه نفاه عن أبيه، وأنَّ نفيّه عنه
إنَّما كان بيمينِه والتِعانِه، لا بيمينِ المرأةِ على تكذيبِه . قال : ومعقولٌ فى إجماع
القبس
(١) فى ك١، م: ((زوجته)).
١٦٧

الموطأ
التمهيد المسلمين أنَّ الزوجَ إذا أكذَبَ نفسَه لحِقٍ به الولدُ، ومجلِد الحَدَّ، ولا معنَى للمرأةِ
فى نفيِه، وأنَّ (١) المعنَى للزوج، وكيف يكونُ لها معنًى فى يمينِ الزوجِ ونَفْيِ الولدِ
وإلحاقِهِ والولدُ بكلِّ حالٍ ولدُها، لا يَنْتَفِى عنها أبدًا ، أَما يَنْتَفِى عن الرجلِ،
وإليه(٢) ينتسبُ؟ قال: والدليل على ذلك ما لا يختلفُ فيه أهلُ العلمِ من أنَّ الأُمّ
لو قالت: ليس هو منكَ، أَمَا اسْتَعَرتُه. لم يكنْ قولُها شيئًا إذا عُرِف أنَّها ولَدتْه
على فراشِه، ولم يَنْتَفِ عنه إلّا بلعانٍ؛ لأنَّ ذلك حقٌّ للولدِ دُونَ الأمّ ، و كذلك لو
قال : هو ابنى . وقالت هى: بل زَنَيْتُ ، وهو من زِنّى. كان ابنَه ولم يُنْظَرْ إلى
قولِها، أَلَا تَرَى أنَّ حكم (٣) النَّفي والإثباتِ إليه دونَ أُمّه؟ فكذلك نفيُّه بالْتعانِه إليه
دونَ أُمّه. قال: والتعانُ المرأة ◌ُّما هو لدرء احدِّ عنها لا غیرُ، لیس من إثباتِ الولدِ
ولا نَفْيِهِ فى شىءٍ. قال الشافعىُّ: وإذا علِم الزوجُ بالولدِ، فأمكّنه الحاكمُ (٤)
إمكانًا بيِّنًا، فترك اللِّعانَ(٥)، لم يكنْ له أن يَنْفِيَه بعدُ. وقال ببغدادَ: إن لم يُشْهِدْ
بحضرةِ ذلك فى يوم أو يومين ، لم يكنْ له نفيُه. وقال بمصرَ أيضًا: ولو قال قائلٌ:
له نفيُّه فى ثلاثة أيام(١) إن كان حاضرًا. كان مذهبًا .
قال أبو عمرَ : كلُّ مَن قال: إِنَّ الفُرقةَ تقعُ باللِّعانِ دونَ تفريقِ الحاكمِ .
القبس
(١) فى ن: ((لأن)).
(٢) فى الأم ٢٩١/٥: ((إليها)).
(٣) بعده فى مختصر المزنى ص٢١١: ((الولد فى)).
(٤) أشار فى حاشية ن إلى أنه فى نسخة: (( التحاكم)). وينظر مختصر المزنى ص ٢١٥ .
(٥) بعده فى ن: (( ثم)).
(٦) بعده فى مختصر المزنى ص٢١٥: ((و)). وينظر الأم ٢٩٣/٥.
١٦٨

الموطأ
التمهيد
من فقهاءِ الأمصارِ خاصةً (١) ، يقولون: إنَّ الفرقةَ لا تقعُ بينَهما إلّا بتَمام
التِعانِهما جميعًا. إلّ الشافعىَّ وأصحابَه، فإنَّهم قالوا: تقعُ الفرقةُ بتمامٍ
التعانِ الزوج وحدَه . وكلَّهم يقولون : إنَّ المرأةَ إذا أَبَتْ أَن تَلْتَعِنَ بعدَ التعانِ
الزوجِ وجَب عليها الحدُّ وحدَها؛ إن كانت غيرَ مدخولٍ بها الجلدُ، وإن
كانت مدخولًا بها الرجم . إلَّ أبا حنيفةَ وأصحابَه ، فإنَّهم قالوا : إن أبَتْ أن
تَلْتَعِنَ حُبِستْ أبدًا حتى تَلْتَعِنَ. والحجّةُ عليهم قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَدْرَؤُّأْ
عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] . والسِّجنُ ليس بعذابٍ،
واللهُ أعلمُ، بدليلٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾
[يوسف: ٢٥]. فجعَل السّجنَ غيرَ العذابِ، وقد سمَّى اللهُ الحدَّ عذابًا
بقولِه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَابِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُّأْ
عَنْهَا الْعَذَابَ﴾. وقد رُوِىَ مثلُ قولٍ أبى حنيفةَ فى هذه المسألةِ عن عطاءٍ،
والحارثِ العُكْلِيِّ، وابنٍ شُبرمةَ. وهو خلافُ ظاهرِ القرآنِ ، وخلافُ ما
عليه أكثرُ علماءِ المسلمين .
أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ قراءةً مِنِّى عليه، أنَّ محمدَ بنَ
بكرٍ حدَّثهم، قال: حدثنا أبو داودَ ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ
المَرْوَزِىُّ، حدثنا علىُّ بنُ الحسينِ(١) بن واقدٍ، عن أبيه، عن يزيدَ
النحوىِّ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ قال: وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ
القبس
(١) تحتها فى ن علامة (( .. )) كأنها استشكال.
(٢) فى ن: ((الحسن)). وينظر تهذيب الكمال ٤٠٦/٢٠.
١٦٩

الموطأ
أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦]. قال: فإِذا حلَفا فُرَّقَ بينَهما، وإنْ لم يَخْلِفا أَقِيمَ
الجلدُ أو الرَّجْمُ .
التمهيد
وهذا كقولٍ مالكِ سواءً فى الفُرقةِ وإقامةِ الحدِّ عندَ نُكُولِ المرأةِ.
وقال الضََّاكُ بنُ مُزاحم فى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾. قال:
إِن هى أَبَتْ أنْ تُلاِنَ رُجِمَتْ إنْ كانت تًَّا، ويجلِدَت إن كانت بكرًا (١).
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ بتأويلِ القرآنِ وأكثرِ فُقهاءِ الأمصارِ . والعجبُ من
أبى حنيفةَ يَقْضِى بالتُّكُولِ فى الحقوقِ بينَ الناسِ ولا يرَى رَدَّ اليمينِ، ولم
يقلْ بالنُّكولِ هَهنا. والذى ذهَب إليه أبو حنيفةً، واللهُ أعلمُ، أنَّه ( جَبُن
عن٢) إقامةِ الحدِّ عليها بدعوَى زوجِها ويمينِهِ دُونَ إقرارِها ، أو بيّةٍ تقومُ
عليها، ولم يَقْضِ بالتَّكُولِ ؛ لأنَّ الحُدودَ تُدْرأُ بالشُّبُهاتِ، ومثلُ هذا كلِّه
شُبْهَةٌ درَأ بها الحدَّ عنها، وحبَسِها حتى تَلْتَعِنَ. وهذا قولٌ ضعيفٌ فى
النَّظرِ، مع مُخالفتِهِ الجمهورَ والأُصولَ . واللهُ المستعانُ.
ومذهبُ مالكِ والشافعيِّ، أَنَّ اللُّعانَ فسخٌ بغيرِ طلاقٍ . وقال أبو
حنيفةً : هى طلقةٌ بائنةٌ .
واتَّفَق مالكٌ والشافعىُ على أنَّه جائزٌ أَنْ يُلاعِنَ إذا نفَى الحملَ وكان
الحملُ ظاهرًا، على ما تقدَّم عن مالكِ وأصحابِه. وهو قولُ الشافعىِّ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٥٥٧، ٥٥٨ بنحوه.
(٢ - ٢) فى م: ((حين عز)).
١٧٠

الموطأ
وأصحابِه أيضًا ، والحجةُ لهم الآثارُ المُتواتِرةُ بذلك، التى لا يُعارِضُها ولا التمهيد
يُخالِفُها مثلُها .
فمِن ذلك ما حدثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدثنا جعفرُ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا سليمانُ بنُ داودَ
الهاشمئُ ، قال : أخبرنا إبراهیمُ بنُ سعدٍ ، عن ابن شهاب ، عن سهلِ بنِ
سعدٍ قال: جاءَ عُويمرٌ إلى عاصم بنٍ علىٍّ فقال: سَلْ(١) رسولَ اللهِ وَله :
أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا ، أيقْتُلُه فيقْتَلَ به ، أم كيف يَصنعُ؟ فسأل
عاصمٌ رسولَ اللهِ وَّهِ عن ذلك، فعاب رسولُ اللهِ وَلِّ عليه المسائلَ، ثم
لِقِيَه ◌ُوَيمرٌ ، فسألَه : ما صنَعْتَ؟ فقال: صنَعْتُ أَنَّك لم تأتِ بخيرٍ ، سألتُ
رسولَ اللهِ وَله فعابَ المسائلَ. فقال عُويمرٌ: واللهِ لآتينَّ رسولَ اللهِ
وَهِ " قال: فأَتَى رسولَ اللهِ وَلَّ(١ فسألَه، فوجَده قد أَنْزِل عليه فيها ،
فدعا بهما فَتلاعَنا، فقال عويمرٌ : لئنِ انطلقتُ بها يا رسولَ اللهِ لقد كذَبتُ
عليها. قال: ففارَقها قبلَ أن يأمُّرَه بذلك رسولُ اللهِ وَلَهِ، فصارَتْ سُنَّةً فى
المُتَلاعنَين. ثم قال: ((انظرُوها، فإنْ جاءَت به أسْحَمَ، أَدْعَجَ العَيْنَيْن(٣) ،
عظيمَ الأَلْيَتَيْنِ، فلا أُراهُ إلا قد صدَق، وإن جاءت به أحمرَ كأنَّه وحَرَةٌ،
القبس
(١) فى ن: ((سل لى))، وفى م: ((سئل)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) بعده فى ن: ((أى أسود و)).
١٧١

الموطأ
التمهيد فلا أُراه إِلَّ كاذبًا)). قال: فجاءت به على النعتِ المكروهِ(١).
فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّها كانت حاملاً، وإذا كانت حاملًا ، فقد
وقَع التَّلاعُنُ على الحملِ؛ لأُنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهَ نَفاه عن الرجلِ وألحَقه
بأمِّه ، وليس فى شىءٍ من الآثارِ أنَّ اللِّعانَ أَعيدَ فى ذلك مرّةً ثانيةً بعدَ أنْ
ولَدَتْه، وفى ذلك ما يَدُلُّ على أنَّه نَفاه حمْلًا، فتَفاه عنه رسولُ اللهِ وَهِ،
وألحقه بأمّه .
وممَّا يُصَحِّحُ أيضًا ما قُلْناه ما حدثناه عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ ، قال : حدثنا
محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدثنا أبو داودَ ، قال : حدثنا عثمانُ بنُ أبى شيبةَ ،
قال : حدثنا جريرٌ، عن الأعمشِ ، عن إبراهيمَ ، عن علقمةً، عن عبدِ اللهِ
قال : إنَّا ليلةَ جمعةٍ فى المسجدِ ، إِذْ دخَل رجلٌ من الأنصارِ فقال: لو أنَّ
رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا فتكَلَّمَ جلَدْتُموه، وإِنْ قتَل قَتَلْتُموه، أو سكَت
سكّت على غيظٍ ! واللهِ لأسألَّ عنه رسولَ اللهِ وَ لَهِ. فلمَّا كان من الغدِ
أَتَّى رسولَ اللهِ وَّلَه فسألَه، فقال: لو أنَّ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا فتكلّم
جلَدتُموه، أو قتَل قتَلتُموه، أو سكَت سكَت على غيظٍ! فقال: ((اللهُمَّ
افتَحْ )). وجعَل يَدعو، فنزَلتْ آيَةُ اللِّعانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٨٥/٣٧ (٢٢٨٣٠)، وأبو داود (٢٢٤٨)، وابن ماجه (٢٠٦٦)،
والنسائى (٣٤٦٦) من طريق إبراهيم بن سعد به .
١٧٢

الموطأ
شُهَدَاءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾. فابتُلِى به ذلك الرجلُ من بينٍ(١) الناسِ، فجاءَ هو التمهيد
وامرأتُه إلى رسولِ اللهِ وَّهِ فَتَلاعَنا، فشهِد الرجلُ أربعَ شهاداتٍ باللهِ إِنَّه
لمن الصادقِينَ، ثم الخامسةَ : لعنةُ اللهِ عليه إنْ كان من الكاذبِينَ. قال :
فذهبت لتَلْتَعِنَ، فقال لها النبىُّ وَلِّ: ((مَهْ!)). فأبتْ وفعَلتْ. فلمَّا
أدْبَرا (٢) ، قال: ((لعلَّا أنْ تَجِىءَ به أسودَ أجعدَ)). فجاءتْ به أسودَ
أجعدَ(٣) .
قال أبو عمرَ: هكذا فى الحديثِ: ((أجعدَ)). والصَّوابُ عندَ أهلِ
العربيةِ: جعدٌ. يقالُ: رجلٌ جعدٌ، و: امرأةٌ جعدةٌ. ولا يُقالُ: أَجْعَدُ .
قال الأوزاعىُّ رحِمه اللهُ : أعرِبُوا الحديثَ، فإنَّ القومَ كانوا عَرَبًا . وأمّا
الحديثُ الذى قيلَ هذا فيه (٤): ((إن جاءت به أسْحَمَ ، أدْعَجَ العَيْنَيْن،
عظيمَ الأَلْتَيْنِ ، فلا أَراهُ إلَّا قد صدَق ، وإن جاءت به أحمرَ كأنَّهُ وحَرَةٌ،
فلا أُراهُ إِلَّ كاذبًا)). قال: فجاءت به على النَّعتِ المكروهِ. فالأسحمُ
الأسودُ من كلِّ شيءٍ، والشّخْمةُ السَّوادُ، والدَّعَجُ شِدَّةُ سَوادِ العَينِ،
القبس
(١) بعده فى ن: ((سائر)).
(٢) فى النسخ: ((أدبر)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) أخرجه البيهقى ٤٠٥/٧ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٢٢٥٣)، وعنه
أبو عوانة (٤٧٠١). وأخرجه مسلم (١٤٩٥) عن عثمان بن أبى شيبة به، وأخرجه البزار
(١٥٠١)، وابن حبان (٤٢٨١) من طريق جرير به، وأخرجه أحمد ١٠٥/٧ (٤٠٠١)، وابن
ماجه (٢٠٦٨) من طريق الأعمش به .
(٤) فى ن: (( ففيه)).
١٧٣

الموطأ
التمهيد يقالُ: رجلٌ أدعجُ. وامرأةٌ دَعجاءُ. وليلٌ أَدعجُ. أى: أسودُ . وأمَّا قولُه :
((كأَنَّه وحَرَةٌ)). فأراد، واللهُ أعلمُ، كأنَّه وَزَغَةٌ، قال الخليلُ(١) : والوَحْرَةُ:
وزَغَةٌ تكونُ فى الصَّحارِى. قال: وامرأةٌ وَحَرةٌ ، سوداءُ دميمةٌ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ واضحٌ(٢) على أنَّ المرأةَ كانت محبلَى .
وفيه ضروبٌ من الفقهِ ظاهرةٌ ، أَبْيَنُها ، أنَّ القاذفَ لزوجتِه يُجلَّدُ إن لم
يُلاعِنْ. وعلى هذا جماعةُ أهلِ العلم ، إلَّا ما قدَّمنا ذكرَه عن أبى حنيفةً فى
هذا البابِ ، وشىءٌ رُوِى عن الشعبىِّ، والحارثِ المُكْلِيِّ، قالوا: الملاعِنُ
إذا أَكْذَب نفسَه لم يُضْرَبْ . وهذا قولٌ لا وجهَ له ، والقرآنُ والسنةُ يَرْدَّانِه ،
ويقضِيانِ أنَّ كلَّ مَن "قذَف امرأةً؟ ولم يَخرُجْ ممَّا قالَه بشهودٍ أربعةٍ إِن
كان أجنَبِيًّا ، أو بلعانٍ إن كان زوجًا، مجُلِد الحدَّ. ولا يَصِحُ عندِی عن
الشعبىٌّ، وكذلك لا يَصِحُ، إن شاء اللهُ، عن غيرِه .
وقد ذكر أبو بكرٍ بنُ ابی شیبةً(٤) ، حدثنا أبو بكرٍ بنُ عيَّاشِ ، حدثنا
مُطَرِّفٌ، عن عامٍ، يعنى الشعبىّ، قال: إذا أكذَب نفسَه ◌ُلِد الحدَّ،
وزُدَّتْ إليه امرأتُه .
القبس
(١) العين ٢٩٠/٣.
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) فى م: ((يقذف امرأته)).
(٤) ابن أبى شيبة ٤/ ٣٥٢.
١٧٤

*
الموطأ
وحجَّاجٌ، عن ابن جريج، عن ابنِ شهابٍ مثلَه .
التمهيد
وهُشيمٌ، عن جوييٍ(١)، عن الضََّّاكِ مثلَه.
قال حمادُ بنُ أبى(٢) سليمانَ: يكونُ خاطبًا من الخطَّابِ إذا جُلِدَ .
وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه. وقد ذكَرْنا اختلافَ الفقهاءِ فى هذه
المسألةِ فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ ، من هذا الكتاب(٢)،
والناسُ فيها على ثلاثةِ أقاويلَ ؛ أحدُها ، أنَّه إذا أكذَبَ نفسَه جُلِد ، ورُدَّتْ
إليه امرأتُه دونَ نكاح على عِصمتِه . والثانى، أن يكونَ بعدَ الجلدِ خاطبًا
كما ذكرنا . والثالثُ، أنَّهما لا يَجْتَمِعان أبدًا (٤) . وأمَّا قولُ من قال: إنَّه لا
يُجلَّدُ. فلا يُعَرَّجُ عليه، ولا يُشتغَلُ به، وهو وهم وخطأً. وقد مضَى القولُ
فى هذا والحجَّةُ، فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن سهلٍ بنِ سعدٍ ، من هذا
الکتاب ، فلا وجه لإعادته هلهنا .
ومما يُوَضِّحُ أيضًا(٥) التَّلاعُنَ على الحملِ البيّنِ، ما أخبَرناه عبدُ اللهِ
ابنُ محمدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدثنا أبو داودَ ، قال :
حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ يحيى أبو الأصبغ، حدثنا محمدُ بنُ سلمةً، عن
القبس
(١) فى م: ((جرير)).
(٢) سقط من: م.
(٣) ينظر ما تقدم ص١٤٣، ١٤٤.
(٤) بعده فى ن: ((وإن جلد)).
(٥) بعده فى ن: ((أن)).
١٧٥

الموطأ
التمهيد محمدٍ بن إسحاقَ ، قال: حدَّثنى عباسُ بنُ سهلٍ، عن أبيه ، أنَّ النبيَّ
قال لعاصم بنِ عدىٍّ: ((أمسكِ المرأةَ عندَك حتى تلِد))(١).
صَلىالله
وسيلة
ومثلُه أيضًا حديثُ ابنٍ وهبٍ ، عن يونسَ بنِ يزيدَ ، عن ابنٍ شهابٍ ،
عن سهلِ بنِ سعدٍ ، قال فيه: ثم خرَجتْ حاملًا، فكان الولدُ إلى أَمّه(٢).
وحدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمٌ، قال : حدثنا
محمدُ بنُ الهيثم أبو الأحوصِ ، حدثنا محمدُ بنُ عائذٍ الدمشقىُ ، قال :
حدثنا الھیثمُ بنُ حمیدٍ ، حدثنا ثورُ بنُ یزیدَ ، عن عمرو بنِ شعیبٍ ، عن
أبيه، عن جدِّه، عن رسولِ اللهِ وَ لَهُ، أَنَّ رجلًا من بَنِى زُرَيقٍ قَذَف امرأتَه،
فَأَتَى النبيَّ وَلّ، فَرَدَّدَ ذلك أربعَ مراتٍ على النبيِّ وَلَ، فنزَلتْ آيَةُ
الملاعنةِ، فقال النبيُّ مَله: ((قد نزَل من اللهِ أمرٌ عظيمٌ)). فأتَى الرجلُ إلَّا
أنْ يُلاعِنَها ، فرأيتُ المرأةَ تَدْرَأَ عن نفسِها العذابَ ، فتَلاعَنا ، فقال النبيُّ
وَهُ: ((إِمَّا أن تَجِىءَ به أُصَيْفِرَ، أُحَيْمِشَ(٣)، مَشْلولَ(٤) العظامِ، فهو
للمتلاعنِ، وإما أن تجىءَ به أسودَ كالجمل الأورقِ، فهو لغيرِه)). فجاءت
به أسوَدَ كالجملِ الأُورقِ، فَدَعا به رسولُ اللهِ نَّةِ فجعَله لعصبةٍ أُمُّه ،
القبس
(١) أبو داود (٢٢٤٦). وأخرجه أحمد ٤٩٠/٣٧ (٢٢٨٣٧)، والطبرانى (٥٧٣٤) من طريق
محمد بن إسحاق به .
(٢) تقدم تخريجه ص ١٦٠.
(٣) فى مصادر التخريج: ((أخينس)). وينظر كلام المصنف الآتى.
(٤) فى حاشية ن ((مسلوب))، وفى مصادر التخريج: ((منسول)).
١٧٦

الموطأ
وقال: ((لولا الأيمانُ التى مَضَتْ - يعنِى اللُّعانَ - لكان فيه كذا التمهيد
(١)
وكذا)»(١).
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ : رأيتُ(٢) المرأةَ تَدْرَأُ عن نفسِها
العذابَ . وهو حجّةٌ على أبى حنيفةَ فى قوله: إنَّها تُشْجَنُ. وقد مضَى
القولُ فى ذلك .
وأمّا قولُه فيه: ((أُصَيْفِرَ، أُحَيْمِشَ)). فالأصيفرُ: تصغيرُ أصفرَ،
والأحيمشُ: تصغيرُ أحمشَ، والأحمشُ الدقيقُ القوائمِ .
وفی حدیثِ ابنٍ عباسٍ ، من روايةِ عبّادٍ بنٍ منصورٍ ، عن عكرمةً ، عن
ابنِ عباسٍ (١). " وفى رواية هشامٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ)). ومن
روايةٍ جريرِ بنِ حازم، عن أيوبَ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ . ومن
القبس
(١) أخرجه الدارقطنى ٢٧٥/٣ من طريق أبى الأحوص به، وأخرجه النسائى فى الكبرى
(٦٣٦٢)، والطحاوى فى شرح المشكل (٥١٤٦)، والطبرانى فى مسند الشاميين (٥٠١) من
طريق محمد بن عائذ به .
(٢) فى ك ١: ((وأتت)).
(٣) تقدم تخريجه ص ١٤٩، ١٥٠، وسيأتى تخريجه الصفحة التالية .
(٤ - ٤) ليس فى: ك ١، ن .
والحديث أخرجه البخارى (٤٧٤٧)، وأبو داود (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٢٠٦٧)،
والترمذى (٣١٧٩) من طريق هشام به .
(٥) تقدم تخريجه ص ١٥٠.
١٧٧
( موسوعة شروح الموطأ ١٢/١٥ )

الموطأ
التمهيد رواية ابن أبى الزِّنادِ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمدٍ ، عن ابنِ عباسٍ ،
وسليمانَ بنِ بلالٍ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، ومخرمةَ بنِ بُكيرٍ، عن أبيه،
جميعًا عن عبد الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ(٢)، ما يَدُلُّ
على أنَّ المُلاعنةَ كانت على الحملِ .
وحديثُ عبّادِ بنِ منصورٍ ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباس، حديثٌ
طويلٌ فى اللِّعانِ، ذكَر فيه كلامَ سعدِ بنِ عبادةَ ، وقصَّةَ تَلاعُنٍ هلالٍ بِنِ أُميَّةً
وزوجتِهِ إِذْ رماها بشَرِيكِ ابنِ سَخْماءَ، حديثًا طويلًا، حدثناه عبدُ الوارثِ
ابنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ ، قالا : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا
محمدُ بنُ وضَّاح، قال : حدثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً ، قال : حدثنا يزيدُ بنُ
هارونَ ، أخبرنا عبَّادُ بنُ منصورٍ() .
وذكره أبو داودَ ، حدثنا الحسنُ بنُ علىٍّ، حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ،
أخبرنا عبَّادُ بنُ منصورٍ. ولم يشُقْه بتمامِه (٤) . وفيه عندَ جميعِهم: ففرَّق
رسولُ اللهِ وَّهِ بينَهما ، يعنى بعدَ تمامِ التِعانِهما، وقضَى أَلَّا يُدْعَى ولدُها
القبس
(١) أخرجه سعيد بن منصور (١٥٦٣)، وأحمد ٢١٩/٥ (٣١٠٧)، وابن شبة فى تاريخ
المدينة ٣٨٨/٢ - ٣٩٠، وابن الجارود (٧٥٥)، وأبو يعلى (٢٤٢٤، ٢٥١٤)، والطحاوى
فى شرح المعانى ٣/ ١٠٠، والطبرانى (١٠٧١٠) من طريق ابن أبى الزناد به .
(٢) تقدم تخريجه ص١٤٩ من طريق سليمان .
(٣) ابن أبى شيبة ٣٥١/٤ مختصرا، وتقدم ص ١٤٩، ١٥٠.
(٤) تقدم تخريجه ص ١٤٩، ١٥٠.
١٧٨

الموطأ
لأبٍ، ولا تُرمَى (١) ولا يُرمَى ولدُها، ومَن رَماها أو رمَى ولدَها، فعليه التمهيد
الحَدُّ ، وقضَى أَنْ لا بَيْتَ عليها ولا قُوتَ، من أجلِ أنَّهما يتفرَّقان من غیرِ
طلاقٍ، ولا هى مُتَوَفَّى عنها، وقال: ((إن جاءَتْ به أُصَيهِبَ، أُنْتِجَ،
حَمْشَ السَّاقَيْنِ، فهو لهلالٍ، وإن جاءت به أورَقَ جعدًا مُجُمَالِيًّا، خَدَلَّجَ
الساقينِ، سابغَ الأَلْتَيْنِ، فهو للذى رُمِيَتْ به)). فجاءَتْ به أورقَ ،
جَعْدًا، جُمَالِيًّا، خدَلِّجَ الساقينِ، سابغَ الأَلْيَتَيْنِ، فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ :
(( لولا الأيمانُ لكان لى ولها شأنٌ)). قال عكرمةُ: فكان بعدَ ذلك أميرًا
على مصرٍ وما(٣) يُذْعَى لأُبٍ .
قال أبو عمرَ : فى هذا الحديثِ: وقضَى أَنَّ مَن رَماها أو رَمَى وَلَدَها،
فعليه الحدُّ. وهو حجّةٌ لمالكِ ومَن قال بقولِه: إنَّ من قذَف الملاعِنةَ أو
ولدَها ، حُدَّ إنْ لم يأتِ بأربعةِ شُهداءَ. وعليه أكثرُ الناسِ ، وهذا الحديثُ
حُجّةٌ فى ذلك. وفيه أيضًا أن لا بيتَ عليها ولا قُوتَ . يعنى لا شُكّنَى لها
ولا نفقةً. وهذا موضعٌ اختلف فيه العلماءُ؛ فأمَّا مالكٌ فإِنَّه لم يذهَبْ إلى
هذا، ورأى أنَّ الشّكْنَى لكلِّ مُطلَّقةٍ، وجَبتْ لها النفقةُ أو لم تَجِبْ،
مُختلِعةً كانتْ أو مُلاِنةٌ أو مَبْتُوتَةً ، ولا نفقةَ عندَه إلّا لمن يَمْلِكُ رجعَتَها
القبس
(١) بعده فى م: ((هى)).
(٢ - ٢) ليس فى: ك ١، ن .
(٣) سقط من: م.
١٧٩

الموطأ
التمهيد خاصَّةً، أو حاملِ ((يُقِرُّ بحملِها، فيُنْفِقُ عليها) من أجلِ الحملِ،
والمبتُوتاتُ والمُختلِعاتُ كلُّهنَّ لهنَّ(٢) عندَه السُّكْنَى دونَ النفقةِ. وهذا
كلُّه أيضًا قولُ الشافعيّ، ولا خلافَ بينَهما فى شىءٍ من ذلك كلِّه.
وذهَب أبو حنيفةً، وجماعةٌ من السلفِ ، إلى إيجابِ النفقةِ لكلِّ مُعْتَدَّةٍ؛
مَبتُوتةٍ وغیرٍ مبتوتةٍ، مع السُّکنی. وذهَب أحمدُ بنُ حنبل، وأبو ثورٍ ،
وجماعةٌ من أهلِ الحديثِ، وهو قولُ داودَ أيضًا، إلى أنْ لا سُكْنَى ولا نفقةً
لمَن لا رجعةً له(٢) عليها، فلا سكنَى عندَهم للملاعنةِ والمُخْتَلِعَةِ ولا
لغيرِهما ، ولا نفقةً. وهذا الحديثُ حجَّةٌ لمن ذهَب إلى هذا. ورُوِىَ عن
جماعةٍ من السلفِ أيضًا . وسنَذكُرُ اختلافَ العلماءِ فى إيجابِ السُّكْنَى
والنفقةِ للمبتوتةِ ومن جرَى مَجْراها ، فى بابِ عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ مولَى الأسودِ
ابنِ سفيانَ من كتابِنا هذا، ونَذكُرُ وُجوهَ أقاويلِهم ومعانِيها هناكَ(4) إن شاء
اللهُ .
وأمّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((أُصَئِهِبَ)). فهو تصغيرُ أُصهبَ،
والصَّهْبَةُ محمرَةٌ فى الشَّعَرِ. والأثتِيجُ تصغيرُ أنْبَجَ ، والأَتْتَجُ العالِى الظهرِ ،
يقالُ: رجلٌ أَثْبَجُ. ناتِئُ النَّتَج، وثَجُ كلِّ شيءٍ وسطُه وأعلاه ، ورجلٌ
القبس
(١ - ١) فى م: ((بعد تحملها فسقوطها)).
(٢) سقط من: م .
(٣) ليس فى: ك ١، م.
(٤) ينظر ما سيأتى ص٣٦٣ - ٣٦٧.
١٨٠