Indexed OCR Text
Pages 81-100
الموطأ الاستذكار واختاره محمدُ بنُ نصرِ المَزوزیُّ . وقد ذكرنا الحُجَّةَ على مَن تأوَّل فى حديثٍ عائشةً ، أن الخيارَ ليس علی المجلس ، فی بابِ التمليكِ . وأما بسطُ أقوالِهم وحكايةُ ألفاظِهم ؛ فقال الشافعىُّ: لا أعلَمُ خلافًا أنها لو طلَّقت نفسَها قبلَ أن يفترِقا مِن المجلسِ ، أن الطلاقَ يقعُ عليها . قال : ويجوزُ أن يقالَ لهذا: إجمالٌ. وقال الشافعىُّ : إذا خيَّرها فلها الخيارُ ما لم تأخُذْ فى غيرِ ما خاطَبها به، أو تَقُمْ مِن مجلسِه، أو تُمازِخْه . قال مالكٌ : إن مضَت ساعةٌ قدرَ ما تَقضِى فيه ما تجعِل لها لا تتكلّمُ ، ثم تكلَّمتْ ، فذلك لها ، وإن لم تَقُلْ شيئًا حتى تقومَ سقَط الخيارُ، وهو لها ما دامت فى المجلسِ، فإن عَجِل الزوج وقام قبلَ أن تقضىَ كلامَها ، فذلك ليس بشىءٍ حتى تقضىَ أو يتفرَّقا . قال: ولا أُحِبُّ لأحدٍ أن يُمَلِّكَ امرأته أمرَها ، أو يجعَلَ لها الخيارَ إلى أجلٍ بعيدٍ ، ولا بأسَ باليومِ وما أشبهه فى خيارِها، وتُوقفُ حتى تختارَ أو تُدَّ ذلك إليه . وقال أبو يوسفَ، وأبو حنيفةً، ومحمدٌ ، والثورىُّ: الخيارُ لها ما دامَت فى مجلسِها ، وإن مكَثت يومًا، ما لم تَقُمْ أو تأخُذْ فى عملٍ، فإن كانت قائمةً فجلست فهى على خيارِها. قال أبو حنيفةً: ولا ألتفِتُ إلى قيامِ الزوجِ وخروجِه عنها . قال : وإن قال : أموكٍ بيدِك اليومَ . فهو بيدِها القبس ٨١ ( موسوعة شروح الموطأ ٦/١٥ ) الموطأ الاستذكار حتى ينقضيّ اليومُ. وقال الأوزاعُ: إذا خيَّر امرأتَه ثم افترَقا قبلَ أن تقولَ شيئًا فلا شىءَلها . وقال عثمانُ البَتِّئُ: لو وقَع عليها بعدَما ملُّكها أو خيَّرها فهى على خيارِها . لا أعلمُ أحدًا قاله غيرَه . وقال مغيرةُ الضَّبِّئُ: إذا خيَّرها فسكَتت فهو رضًا بالزوج وإن كانت فى مجلسِها . وقال ربيعةُ ویحیی بنُ سعيدٍ : إذا خيَّرها فتفرَّقا قبلَ أن تُحْدِثَ شيئًا سقط الخيارُ. قال ربيعةُ: فإن خيَّرها إلى أجل، فليس لها فى نفسِها خيارٌ إلا إلى الأجلِ ، فإنِ اختارت نفسَها عندَ الأجلِ فهى الْبَّهُ . وقال مالكٌ: ذلك لها وإن خُيَّتْ ( بعد ذلك" الأجلِ لتنظُرَ فيه . وقال الليثُ : إذا انقضَى الأجلُ ولم تقضٍ شيئًا رُدَّ الأمرُ إلى الزوجِ . وقال أحمدُ وإسحاقُ فى الخيارِ إلى الأجلِ : لها الخيارُ ما لم يَغْشَها ، ويرجعُ فى الخيارِ إذا شاء؛ فإن لم يكنِ الخيارُ إلى أجلٍ ، فهو لها حتى تقومَ مِن مجلسِها أو تأخُذَ فى غيرِ المعنى الذى كانا فيه . وقال عبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ: إن جعَل لها الخيارَ فى المجلسِ فهو على المجلسِ ، وإن جعَله مُرسَلًا لم أُرجِع لذلك غايةً ، وإن طاوَعته له الرجوعُ إلى انقضاءِ ذلك الوقتِ والأجلِ ، وكذلك لو جعله بيدها . القبس (١ - ١) فى النسخ: ((ذلك بعدٍ)). والمثبت يقتضيه السياق. ٨٢ الموطأ : الاستذكار قال أبو عمرَ : قد مضَى قولُ مالكِ ومذهبه فى الخيارِ وما يلزَمُ فيه مِن الطلاقِ إن اختارت نفسها . وقال الشافعىُّ : ليس فى الخيارِ طلاقٌ إلا أن يريدَه الزوج بقولِه : اختارى . وتُطلِّقَ نفسَها ، فإن طلَّقت نفسَها بقولِه ذلك فذلك إليه لا إليها ، وما نوَى مِن الطلاقِ وأراده لزِمه ، وإن لم يُرِدْ طلاقًا فليس بطلاقٍ ، وإن أراد واحدةً فهى رجعيةٌ . والتخييرُ والتمليكُ عندَه سواءٌ . وقال أبو حنيفةً: مَن خيّر امرأتَه وهو ينوِى ثلاثًا، فهى له ثلاثٌ إِن طَلَّقت نفسَها ثلاثًا ، وإن قالت : قد اخترتُ نفسى. ولا نِيَّةَ له، فلا يقعُ عليها إلا تطليقةٌ واحدةٌ ، وسواءٌ قالت : قد طَلَّقتُ نفسى . أو قالت : قد اخترتُ نفسى . وقال الثورىُّ: إذا خَيَّرها فاختارَتْ نفسَها، فهى واحدةٌ بائنةٌ(١). والتَّخْييرُ والتمليكُ عنده سواءٌ، وكذلك هو عندَ الكوفيين. وقولُ عُبيدِ اللهِ بنِ الحسنِ فى الخيارِ كقولِ الثورىِّ وأبى حنيفةً، فى أنها واحدةٌ بائنةٌ ، وقولُه فى التمليكِ نحوُ قولِ مالكِ، وقد مضَى ذلك . وقال ابنُ أبى ليلَى : إن اختارَتْ نفسَها، فواحدةٌ تَملِكُ الرجعةَ . قال أبو عمرَ : هذا(٢) خلافٌ بَيِّنٌّ لقولِه فى التمليكِ، وفيه نظرٌ . القبس (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٩٨١، ١١٩٩٤). (٢) فى الأصل: ((نظر فيه فهو))، وفى م: ((انظر فيه فهو)). ٨٣ ٨ الموطأ ما جاء فى الخُلْعِ ١٢١٨ - حدَّثنى عن مالكِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ بنتٍ عبدِ الرحمنِ بنِ سعدٍ بنِ زُرارةَ الأنصاريةِ ، أنها أخبَرَتْه عن حَبيبةً بنتٍ سهل الأنصارىِّ ، أنها كانت تحتَ ثابتٍ بنٍ قيسٍ بنِ شَمَّاسٍ ، وأن رسولَ اللهِ پّلّ خرَج إلى الصبح، فوجَد حَبيبةً بنتَ سهلٍ عندَ بابِه فى الغَلَسِ، فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((مَن هذه؟)). فقالت: أنا حَبيبةُ بنتُ سهلٍ يا رسولَ اللهِ . قال: ((ما شأنُكِ؟)). قالت: لا أنا ولا ثابتُ بنُ قيس . لزوجِها ، فلمَّا جاء زوجُها ثابتُ بنُ قيس قال له رسولُ اللهِ وَلَّ: ((هذه حَبيبةُ بنتُ سهل، قد ذكرتْ ما شاء اللهُ أن تَذكُرَ)) . التمهيد مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن عمرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ بنِ سعدِ بنِ زُرَارةَ الأنصاريةِ ، أنها أخبَرَتْه عن حبيبةً بنتِ سهلٍ، أنها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسٍ بِنِ شَمَّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ وَّ خِرَج إلى الصبحِ، فوجَد حبيبةً بنتَ سهلٍ عندَ بابِهِ فى الغَلَسِ، فقال رسولُ اللهِ وَلِيّةٍ : ((من هذه؟)). فقالت: أنا حبيبةُ بنتُ سهلِ يا رسولَ اللهِ. قال: ((ما شأنُكِ ؟)) . قالت: لا أنا ولا ثابتُ بنُ قيسٍ. لزوجها، فلما جاء زوجها ثابتُ بنُ قیس قال له رسولُ اللهِ هله: « هذه حبيبةُ بنتُ سهل ، قد ذكرت القبس ما جاء فى الخُلْعِ مسائلُ الخُلْعِ كثيرةٌ، ونُكْتُه أنه فِراقٌ بَعِوَضٍ، كما كان النكاحُ ٨٤ الموطأ فقالت حبيبةُ : يا رسولَ اللهِ ، كلَّ ما أعطانى عندى . فقال رسولُ اللهِ وَّ لثابتِ بنِ قيسٍ: ((خُذْ منها)). فأخَذ منها، وجلست فى أهلِها . التمهيد ما شاء اللهُ أن تذكُرَ)). فقالت حبيبةُ: يا رسولَ اللهِ ، كلَّ ما أعطانِی عندى. فقال رسولُ اللهِ وَّ لثابتٍ: ((خُذْ منها)). فأخَذ منها، وجلَستْ فى أهلِها(١) . لم يُختلَفْ على مالكِ فى هذا الحديثِ ، وهو حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ مستَدٌ متصِلٌ، وهو الأصلُ فى الخُلْعِ. وفيه إباحةُ اختلاعِ المرأةِ من زوجِها بجميع صَدَاقِها ، وفى معنى ذلك جائزٌ أن تختلِعَ منه بأكثرَ من ذلك وأقلَّ ؛ لأنه مالُها، كما الصداقُ مالُها، فجائزٌ الخُلْعُ بالقليلِ والكثيرِ ، إذا لم يكنِ الزوجُ مُضِرًّا بها ، فتفتدِىَ من أجلٍ ضررِهِ . وأجمَع العلماءُ على إجازةِ الخُلْعِ بالصداقِ الذى أصدَقها إذا لم يكنْ مضِرًا بها ، وخافا ألَّا يُقيما تَلاقِيًّاً) بعِوَضٍ، وحكمُ العِوَضَينِ فى الجَوازِ والرَّدِّ سواءٌ، وهو مكروة كراهيةَ القبس الطلاقٍ، وقد روَى الترمذىُّ وغيرُه، عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ))(٢). وذلك إن صَحَّ، واللهُ أعلمُ، مع استمرارِ الألفةِ ودوام الأَدْمَةِ(٤) ؛ (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/١٢ظ، ١١و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦١٠). وأخرجه أحمد ٤٣٢/٤٥ (٢٧٤٤٤)، وأبو داود (٢٢٢٧)، والنسائى (٣٤٦٢) من طريق مالك به . (٢) فى د ، ج : ((تلاق)). (٣) الترمذى (١١٨٦) . (٤) الأَدْمَة : الخلطة والموافقة . القاموس المحيط (أ د م). ٨٥ الموطأ التمهيد حدودَ اللهِ. واختلفوا فى الخلع على أكثرَ مما أعطاها؛ فذهَب مالكٌ والشافعىُّ إلى جوازِ الخلع بقليلِ المالِ وكثيرِهِ، وبأكثرَ من الصداقِ ، وبمالِها كلِّه، إذا كان ذلك من قِبَلِها، قال مالكٌ: لم أزلْ أسمعُ إجازةَ الفِدْيَةِ بأكثرَ من الصداقِ ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ولحديثِ حبيبة بنتِ سهلٍ مع ثابت بن قيسٍ . قال: فإذا كان النُّشُوزُ من قِبَلِها جاز للزوج ما أخَذ منها بالخُلْع وإن كان أكثرَ من الصداقِ ، إذا رضِيَت بذلك وكان لم يُضِرَّ بها ، فإن كان لخوفٍ ضررِه، أو لظلم ظلَمها ، أو أُضَرَّ بها ، لم يَجُزْ له أخذُه، وإن أخَذ شيئًا منها على هذا الوجهِ ردَّه ومضَى الخُلْعُ عليه . وقال الشافعىُّ: الوجهُ الذى تحِلُّ به الفِدْيَةُ والخُلْعُ ، أن تكونَ المرأةُ مانعةً لما يجبُ عليها ، غيرَ مؤدِّيةٍ حقَّه ، القبس فأما مع العجزِ عن إقامةٍ حدودِ اللهِ عزَّ وجلّ، ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهٌِ﴾، ولا أَبْيَنَ مِن حديثِ ثابتِ بنِ قِيسٍ بِنِ شَمَّاسٍ ، وفى الحديثِ الصحيحِ أن رسولَ اللهِ وَ لَه قال الثابتِ بنِ قيسٍ: ((خُذْ منها الحديقةَ)). فأخذها منها، وطَلَّقها تطليقةٌ . وهذا يَدُلُّ على أن الخُلْعَ طلاقٌ ، وقال الشافعىُّ: إنه فَشْخٌ. وقد بيََّّه فى ((مسائلِ الخلافِ))، وقد صرَّح فى الحديثِ الصحيح، كما قدَّمناه، أنه وقَع الخُلْعُ بِينَ يدَيِ النبيِّي ◌َِّ طلاقًا، وقد حقَّقنا فيما تقدَّم أن الله عزَّ وجلَّ جعَل مِن النكاحِ مَخْلَصًا بالطلاقِ ، فمتى ما خرَّج عنه الزوجان ، فخُروجهما طلاقٌ ؛ تلقَّظا به أو ذکرا معناه . ٨٦ الموطأ كارهةً له، فتحِلَّ الفديةُ حينَئذٍ للزوج. قال الشافعىُّ: وإذا حلّ له أن يأكُلَ التمهيد ما طابت به نفسًا على غيرٍ فراقٍ ، جاز له أن یأکُلَ ما طابت له به نفسًا ويأخُذَه بالفراقِ ، إذا كان ذلك برضاها ولم يُضِرَّها. قال الشافعىُّ: والمختلِعةُ لا يلحَقُها طلاقٌ وإن كانت فى العدَّةِ ، وهو قول ابنِ عباسٍ وابنٍ (١) الزبيرِ(١). قال أبو عمرَ : وبه قال مالكٌ، وهو القياسُ والنظرُ؛ لأنها ليست زوجةٌ . وقال إسماعيلُ القاضى: اختلف الناسُ فيما يأخُذُ منها على الخُلْعِ، فاحتجَّ الذين قالوا: يأخُذُ منها أكثرَ مما أعطاها . بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْئَدَتْ بِهُ﴾. قال إسماعيلُ: فإن قال قائلٌ: إنما هو معطوفٌ على ما أعطاها من صَداقٍ أو بعضِه. قيل له : لو كان كذلك لكان: فلا جناحَ عليهما فيما افتدَت به منه ، أو: من ذلك . قال : وهو بمنزلةٍ مَن قال: لا تضرِبنَّ فلانًا إلا أن تخافَ منه، فإن خِفتَه فلا جناحَ عليك فيما صنَعتَ به. فهذا إن خافه كان الأمرُ إليه فيما يفعلُ به ؛ لأنه لو أراد الضربَ خاصَّةً لقال: من الضربِ. أو: فيما صنَعت به منه . واحتجّ الذين قالوا: لا يحِلَّ له من ذلك شىءٌ حتى يراها على القبس (١) ينظر الأم ١١٥/٥، ومصنف عبد الرزاق (١١٧٧٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ١١٩/٥، وسنن البيهقى ٣١٧/٧. ٨٧ الموطأ ٠ التمهيد فاحشةٍ . بقولِه عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ [النساء: ١٩]. واحتجَّ الذين قالوا: إنه لا إِلََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ يجوزُ له الأخذُ إذا كانت الإساءةُ من قِبَلِه. بقولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدَتُمُ أُسْتِبْدَالَ زَوْجَ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ الآية [النساء: ٢٠]. هكذا قال إسماعيلُ . قال: ومن قال بأن قولَه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ﴾. منسوخٌ بالآيتين ، فإن قولَه مدفوعٌ بأنه إنما يكون النسخُ بالخلافِ ، ولا خلافَ فى الآيتين للآيةِ الأخرى ؛ لأنهما إذا خافا ألَّ يُقيما حدودَ اللهِ فقد صار الأمرُ منهما جميعًا، والعملُ فى الآيةِ الأُخرى منسوبٌ إلى الزوج خاصَّةٌ ، وذلك إرادتُه لاستبدالِ زوجٍ مكانَ زوجٍ، ولأن الزوجةَ إذا خافتَ ألَّا تُقيمَ حدودَ اللهِ فاختلَعت منه، فقد طابت نفسُها بما أعطَتْ، وهو قولُ عامّةِ أهلِ العلم . وذكَر حديثَ حبيبةً بنتِ سهلٍ ، عن أبى مصعبٍ ، عن مالكٍ . ثم قال : حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن حُميدٍ ، عن رجاءِ بنِ حيوةً، عن قَبيصةَ بنِ ذؤيبٍ، أنه تلا: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْئَدَتْ بِهُ﴾. قال: هو أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها(١). القبس (١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤/ ١٦٠، ١٦١ من طريق حماد به، وأخرجه سعيد بن منصور (١٤٢٧)، وابن أبى شيبة ١٢٣/٥، ١٢٤، وابن جرير فى تفسيره ٤ /١٥٨، ١٥٩ من طريق حميد به . ٨٨ مے الموطأ قال : وحدثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، عن التمهيد هشامِ بنِ عروةَ قال : كان أبى يقولُ : إذا جاء الفسادُ من قِبَل المرأةِ حلّ له الخلعُ، وإن جاء من قِبَلِ الرجلِ فلا، ولا نعمةً(١). قال أبو عمرَ: ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ قال: لا يجِلُّ للرجلِ أن يأخُذَ من امرأتِه شيئًا من الفديةِ حتى يكونَ النشوزُ من قِبَلِها . قيل له: وكيف يكونُ النشوزُ؟ قال: أن تُظهِرَ له البغضاءَ، وتُسىءَ عِشْرَتَه، وتُظهِرَ له الكراهيةَ، وتعصِىَ أمرَه ، فإذا فعَلتْ ذلك فقد حلَّ له أن يقبَلَ منها ما أعطاها ، لا يجِلُّ له أكثرُ مما أعطاها . وهو قولُ أبى حنيفةً . قال أبو عمرَ : رُوِى عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ بإسنادٍ منقطع : لا يأخُذُ منها أكثرَ مما أعطاها(١). وهو فولُ الحسنِ، وعطاءٍ، وطاوسٍ() . وعن ابنٍ المسيَّبِ والشعبىِّ، كرها أن يأخُذَ منها كلَّ ما أعطاهاً) . ورُوِى عن ابنِ القبس (١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٤١/٤ من طريق حماد به. (٢) عبد الرزاق (١١٨١٥). (٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٨٤٤، ١١٨٤٥)، وابن أبى شيبة ١٢٢/٥، ١٢٣، وابن جرير فى تفسيره ١٥٥/٤. (٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٨١٧، ١١٨٣٨ - ١١٨٤١، ١١٨٤٨)، وسنن سعيد بن منصور (١٤٣٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٢٢/٥، ١٢٣، وتفسير ابن جرير ١٥٤/٤ - ١٥٦، والمحلى ١١/ ٥٩٣. (٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٨٤٦، ١١٨٤٧، ١١٨٤٩)، وتفسير ابن جرير ١٥٥/٤، ١٥٦، والمحلى ٥٩٣/١١، ٥٩٤. ٨٩ ١٠ الموطأ التمهيد عمرَ وابنِ عباسٍ، أنه لا بأسَ أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها . وهو قولُ عكرمةَ، وإبراهيمَ، ومجاهدٍ، وجماعةٍ(١). ذكَر عبدُ الرزاقِ(١) ، عن ابنِ جريجٍ، عن موسى بنٍ عقبةَ، عن نافع، أن ابنَ عمرَ جاءَتْه مولاةٌ لامرأتِه اختلَعت من زوجِها بكل شىءٍ لها ، وبكلٌ ثوبٍ عليها ، فلم يُنكِرْ ذلك عبدُ اللهِ . وقال عكرمةُ: يأخُذُ منها حتى قُرْطَها(٢). وقال مجاهدٌ وإبراهيمُ: يأخُذُ منها حتى عِقَاصَ رأسِها (٤). ١ واختلفوا فى فُرقةِ الخُلْع؛ فذهَب مالكٌ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهم ، إلى أن الخلعَ تطليقةٌ بائنةٌ . وهو أحدُ قولي الشافعىِّ ، وأُحَبُّ إلى المُزَنىِّ . وقال أحمدُ وإسحاقُ : الخلعُ فرقةٌ وليس بطلاقٍ. وهو قولُ داودَ . وقال الشافعىُّ فى (أحدٍ قولَيْهْ): إن الرجلَ إذا خلَع امرأته، فإن نوَى القبس (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٨٥٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٢٥/٥، وتفسير ابن جرير ١٥٨/٤، ١٦٠. (٢) عبد الرزاق (١١٨٥٣). (٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٨٥٤). (٤) العِقاص: الخيط الذى تُعقص به أطراف الذوائب. النهاية ٢٧٦/٣. وينظر سنن سعيد بن منصور (١٤٢٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٢٥/٥، وتفسير ابن جرير ٤ /١٥٩. (٥ - ٥) فى ف: ((آخر قوله)). ٩٠ الموطأ بالخلع طلاقًا أو سمَّاه فهو طلاقٌ ، فإن كان سمَّى واحدةً فهى تطليقةٌ التمهيد بائنةٌ ، وإن لم ينوِ طلاقًا ولا شيئًا لم تقع فرقةٌ. وقال أبو ثورٍ : إذا لم يسمِّ الطلاقَ فالخلعُ فرقةٌ وليس بطلاقٍ ، وإن سمَّى تطليقةً فهى تطليقةٌ ، والزوج أملَكُ برجعتِها ما دامت فى العِدَّةِ . قال أبو عمرَ : احتجَّ مَن لم يرَ الخلعَ طلاقًا بحديثٍ ابنٍ عيينةً، عن عمرٍو، عن طاوسٍٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، أن إبراهيمَ بنَ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ سأله فقال: رجلٌ طلَّق امرأته تطليقتَيْن، ثم اختلَعت منه، أيتزوَّجُها ؟ قال : نعم ، ليَنكحْها، ليس الخلعُ بطلاقٍ ؛ ذكَر اللهُ عزَّ وجلَّ الطلاقَ فى أولِ الآيةِ وَآخرِها، والخُلعَ فيما بينَ ذلك، فليس الخلعُ بشىءٍ. ثم قال : ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقرَأْ : ﴿ فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾(١) [البقرة :. واحتجَّ مَن جعَل الخلعَ طلاقًا بحديثٍ شعبةً، عن الحكم، عن خيثمةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ شهابٍ قال: شهِدتُ عمرَ بنَ الخطابِ أتتْه امرأةٌ ورجلٌ فى خلعٍ فأجازه، وقال: إنما طلَّقْكِ بمالِكِ(٢). وبحديثٍ مالكِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن مجُمْهانَ مولی القبس (١) أخرجه الشافعى ١١٤/٥، وعبد الرزاق (١١٧٧١)، وسعيد بن منصور (١٤٥٥)، وابن أبى شيبة ١١٢/٥، والبيهقى ٣١٦/٧ من طريق سفيان بن عيينة به . (٢) أخرجه ابن سعد ١٥٣/٦، وابن أبى شيبة ١١٦/٥ من طريق شعبة به . ٩١ الموطأ التمهيد الأسلميّين، عن أمّ بكرةَ الأسلميةِ ، أنها اختلَعت من زوجِها عبدِ اللهِ بنِ أَسيدٍ ، ثم أَتَيا عثمانَ بنَ عفانَ فى ذلك، فقال: هى تطليقةٌ ، إلا أن تكونَ سمَّيتَ ، فهو كما سمّيتَ(١) . وقال إسماعيلُ : وكيف يجوزُ القولُ فى رجلٍ قالت له امرأته : طلِقْنى على مائةٍ(٢) . فطلَّقها ، أنه لا يكونُ طلاقًا، وهو لو جعَل أمرَها بيدِها من غيرِ شىءٍ فطلّقتْ نفسَها كان طلاقًا؟ قال: فأما قولُه: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾. فهو معطوفٌ على: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ .. لأن قولَه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾. إنما يعنى به: أو تطليقٌ، واللهُ أعلمُ ، فلو كان الخلعُ معطوفًا على التطليقتَيْن، لكان لا يجوزُ الخلعُ أصلاً إلا بعدَ تطليقتَيْن، وهذا لا يقولُه أحدٌ. قال: ومثلُ هذا فى القرآنِ كثيرٌ، مثلُ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْ تُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِّْ وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى بَلُغَ الْهَدَىُ مَحِلَّهٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهى على كلِّ مَن حلَق محصَرٍ أو غيرِ محصّرٍ ؛ لأنه لم يَخُصَّ المحصّرَ، كما لم يَخُصَّ بالفديةِ مَن قد طلّق تطليقتَيْن ، بل هى للأزواج كلُّهم . واختلف الفقهاءُ أيضًا فى عِدَّةِ المختلِعةِ ؛ فقال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةً ، وأصحابُهم . وهو قولُ أحمدَ بن حنبل: عِدَّةُ المختلعةِ كعِدَّةٍ القبس ٠ (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٦٣)، وبرواية يحيى بن بكير (١١/١٢ و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦١٣). وأخرجه الشافعى ١١٤/٥، ١٣٩ - ومن طريقه البيهقى ٣١٦/٧ - عن مالك به . (٢) فى ف، ر: ((مال))، وفى م: ((ماله)). ٩٢ الموطأ المطلّقةِ ؛ فإن كانت ممن تحيضُ فثلاثُ حِيَضٍ ، وإن كانت من اليائساتِ التمهيد فثلاثةُ أشهرٍ. ويُروَى هذا عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنٍ عمرَ(١). وقال إسحاقُ وأبو ثورٍ : عدةُ المختلعةِ حيضةٌ. ويُروَى هذا عن النبىِّ وٍَّ من حديث هشام بنِ يوسفَ، عن معمرٍ ، عن عمرو بنِ مسلمٍ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، أن ثابتَ بنَ قيسٍ اختلَعت منه امرأتُه، فجعَل النبىُّ وَلَّ عِدَّتَها حيضةً . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا " محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَيُونٍ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحیم ، قال: حدثنا علىُّ بنُ بحرِ ، قال: حدثنا هشامٌ، عن معمرٍ، (٤) پاسنادِه(٤). ورواه عبدُ الرزاقٍ (١ ، عن معمرٍ ، عن عمرٍو بنٍ مسلم، عن عكرمةَ، القبس (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٨٦٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ١١٣/٥، واختلاف العلماء للمروزی ص ١٥٨. (٢ - ٢) سقط من: ر. وينظر سير أعلام النبلاء ٤١٢/١٤. (٣) فى ف، م: ((حرب)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٥/٢٠، ٣٢٦. (٤) أخرجه أبو داود (٢٢٢٩)، والترمذى (١١٨٥م) عن محمد بن عبد الرحيم به، وأخرجه الحاكم ٢٠٦/٢، والبيهقى ٤٥٠/٧ من طريق على بن بحر به، وأخرجه الطبرانى (١١٥١٣)، والدارقطنى ٢٥٦/٣ من طریق هشام بن يوسف به . (٥) عبد الرزاق (١١٨٥٨). ٩٣ الموطأ التمهيد مرسلاً. وقد رُوِى عن النبيِّ وَلّ أيضًا من وجهٍ آخرَ، وكلاهما ليس بالقوىِّ. حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ شاذانَ ، قال: حدثنا المعلَّى بنُ منصورٍ، حدثنا ابنُ لَهِيعةً، قال : حدثنى أبو الأسودِ ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ومحمدِ ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثوبانَ، عن رُبَّعِ بنتِ مُعَوِّذٍ قالت : سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يأمرُ امرأةً ثابتِ بنِ قيسٍ حينَ اختلَعت منه أن تعتَدَّ نيةٌ(١) . حيضة ورُوى عن عثمانَ بنِ عفانَ رضِى اللهُ عنه فى ذلك ما حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدثنا محمدُ ابنُ زَبَّانَ، حدثنا محمدُ بنُ رُمح، قال: حدثنا الليثُ بنُ سعدٍ ، عن نافعِ ، أنه سمِعُ(١) الرُّيَّعَ ابنةَ معوِّذِ ابنِ عفراءَ تخبرُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ أنها اختلَعت من زوجِها فى زمانٍ عثمانَ، فجاء معها عتُّها معاذُ ابنُ عفراءَ إلى عثمانَ ، فقال : إن ابنةَ معوِّذٍ اختلَعت من زوجِها ، أفتنتَقِلُ ؟ فقال عثمانُ : لتنتقِلْ، القبس (١) أخرجه الدارقطنى ٢٥٦/٣ من طريق محمد بن شاذان به، وأخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٣٣٣٧)، والطبرانى ٢٦٥/٢٤ (٦٧١) من طريق ابن لهيعة به، وأخرجه أبو عوانة (٤٧٢٩) من طريق أبى سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن به . (٢) فى ف: ((رأى)). ٩٤ الموطأ ولا ميراثَ بينَهما ، ولا عِدَّةَ عليها ، ولكن لا تَنكِحْ حتى تحيضَ حيضةً؛ التمهيد خشيةَ أن يكونَ بها حَمْلٌ. فقال ابنُ عمرَ: عثمانُ خيرنا وأعلمُنا (١). وفى روايةٍ أيوبَ وعبيدِ اللهِ بنِ عمرَ فى هذا الحديثِ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ : ولا نفقةً لها(٢) . قال أبو عمرَ : فى هذا الحديثِ أحكامٌ وعلومٌ، منها أن عثمانَ رضِی اللهُ عنه أجاز الخلعَ، وعلى ذلك جماعةُ الناسِ، إلا بكرَ بنَ عبدِ اللهِ المزنيّ(١)، فإنه قال: إن قولَه عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهِءٌ﴾. منسوخٌ، نسخَه قولُه: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُّمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَوْجَ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنَطَارًا﴾ الآية. قال عقبةُ بنُ أبى الصهباءِ: سألتُ بكرَ بنَ عبدِ اللهِ المزنيَّ عن الرجلِ يريدُ أن يخالعَ امرأتَه، فقال : لا يحِلُّ له أن يأْخُذَ منها شيئًا. قلتُ: فأين قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفَْدَتْ بِهِهُ﴾؟ قال: هى منسوخةٌ . قلتُ: وما نسَخها ؟ قال: ما فى سورةِ ((النساءِ))؛ قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ القبس (١) أخرجه النحاس فى ناسخه ص٢٢٨ عن محمد بن زبان به، وأخرجه البخارى فى التاريخ الصغير ٩١/١ مختصرا، وابن حزم ٥٨٨/١١ من طريق الليث به . (٢) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٢٢٨. (٣) بكر بن عبد الله أبو عبد الله المزنى البصرى، يذكر مع الحسن وابن سيرين، حدث عن المغيرة وابن عباس وابن عمر وغيرهم، كان ثقة ثبتا كثير الحديث حجة فقيها، مات سنة ثمان ومائة . سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٣٢. ٩٥ الموطأ التمهيد أُسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ الآية (١). قال أبو عمرَ: قولُ بكرِ هذا خلافُ الشّنةِ الثابتةِ فى قصةِ ثابتِ بنِ قيسٍ وحبيبةَ بنتِ سهلٍ، وخلافُ جماعةِ العلماءِ والفقهاءِ بالحجازِ والعراقِ والشام. وكان ابنُ سيرينَ وأبو قلابةَ يقولان: لا يحِلَّ للرجل الخلعُ حتى يجِدَ على بطنِها رجلًا؛ لأن الله عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَتٍْ﴾ [النساء: ١٩]. قال أبو قلابةً : فإذا كان ذلك ، جاز له أن يُضارَّها ويَشُقَّ عليها حتى تختلِعَ منه (٢). قال أبو عمرَ : ليس هذا بشىءٍ؛ لأن له أن يطلِّقَها أو يُلاعِنَها، وأما أن یضارها لیأخُذَ مالها ، فليس ذلك له . وفى حديثٍ عثمانَ أيضًا من الفقهِ إجازةُ الخلعِ عندَ غيرِ السلطانِ ، وهو خلافُ قولِ الحسنِ، وزيادٍ، وسعيد بن جبيرٍ، ومحمدِ بنٍ سيرينَ(١) . قال سعيدُ بنُ أبى عروبةَ: قلتُ لقتادةَ: عمَّن أخَذ الحسنُ : القبس (١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤/ ١٦١، ١٦٢ من طريق عقبة بن أبى الصهباء به . (٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٨٢٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٠٧/٥، وتفسير ابن جرير ٥٣٣/٦، والمحلى ١١ / ٥٩٦، ٥٩٧. (٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٨١٤)، والناسخ والمنسوخ لأبى عبيد ص ١٦٦، ١٦٧، وسنن سعيد بن منصور (١٤١٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ١١٧/٥، وتفسير ابن جرير ٤ / ١٤١، والناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٢٢٧. ٩٦ الموطأ الخلعُ إلى السلطانِ ؟ قال: عن زيادٍ(١). التمهيد وفيه أنه جعَله طلاقًا، خلافًا لقولِ ابنِ عباس أنه فَسْخٌ بغيرِ طلاقٍ(١) . وفيه أنه أجازه بالمالٍ ، ولم يسألْ: أهو أكثرُ من صداقِها، أو أقلُّ؟ على خلافٍ ما يقولُ أبو حنيفةً، والزهرىُّ، وعطاءٌ، ومَن تابَعهم (١) ، فى أن الخلعَ لا يكونُ بأكثرَ من الصداقِ . وفيه أنه أجاز للمختلعةِ أن تنتقِلَ ، فلم يجعَلْ لها سُكْنَى، وجعَلها خلافًا للمطلَّقةِ، وهذا خلافُ قولٍ مالكٍ، والشافعيّ ، وأبى حنيفةً . وفيه أنه لم يجعَلْ عِدَّتَها عِدَّةَ المطلقةِ، وجعَل عدَّتَها حيضةً . وبهذا قال إسحاقُ بنُ راهُويه وأبو ثورٍ . وهو قولُ ابنِ عباسٍ بلا اختلافي عنه (٤)، وأحدُ قولَي الشافعىِّ. ورُوِى عن ابنِ عمرَ مثلُ ذلك(٥) . ورُوِى عنه أن عِدَّةَ المختلعةِ عدَّةُ المطلقةِ . رواه مالكٌ(٦) وغيرُه، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ . وهو أصحُ عن ابنِ عمرَ ، وهو المشهورُ من قولى الشافعىِّ . وبه قال سعيدُ ابنُ المسيبِ ، وسليمانُ بنُ يسارٍ ، وسالمٌ، وعروةٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ، القبس (١) أخرجه ابن سعد ١٥٩/٧ من طريق شعبة، عن قتادة، وكذا ذكره النحاس فى ناسخه ص ٢٢٧، والقرطبى فى تفسيره ١٣٨/٣ عن شعبة، عن قتادة . (٢) تقدم تخريجه ص ٩١. (٣) تقدم تخريجه ص ٨٩ . (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٩٥/٦ (١٨٦٦٢) (طبعة الرشد) . (٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١١٤/٥. (٦) سيأتى فى الموطأ (١٢٢٠). ٩٧ ( موسوعة شروح الموطأ ٧/١٥) الموطأ التمهيد والزهرىُّ، والحسنُ، والنخعىُ(١) ، ومالكٌ، والأوزاعىُ، وأبو حنيفةً، وأحمد بن حنبلٍ . وفيه أن المختلِعةَ أَملَكُ بنفسِها ، لا تُنْكَحُ إلا برضاها ، خلافَ قولٍ أَبی ثورٍ . وفيه دليلٌ على أن المختلعةَ لا يلحَقُها طلاقٌ ، ولا ظِهَارٌ، ولا إيلاءٌ، ولا لِعَانٌ ؛ لأنه لم يجعَلْ لها سُكْنَى ولا نفقةً، ولا يتوارَثَان، وجعَلها بخلافِ الرجعيةِ ، وقولُ أبى حنيفةً أنها يلحَقُها الطلاقُ، ( خلافُ أقاويلِ الفقهاءِ" . وكذلك ما رواه طاوسٌ، عن ابنِ عباسٍ فى أن الخلعَ لیس بطلاقٍ(٣) . شذوذٌ فى الرواية، وما احتجَّ به فغيرُ لازمٍ؛ لأنَّ قولَه عزَّ وجلَّ : ﴿اَلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾. عندَ أهلِ العلم كلامٌ تامّ بنفسِه، وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾. حكم مستأَنَفٌ فيمن طُلِّقت وفيمن لم تُطلَّقْ، ثم قال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾. فرجع إلى المعنى الأولِ فى قوله : ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾. ومثلُ هذا التقديم والتأخيرِ ودخولٍ قصةٍ على أخرى فى القرآنِ كثيرٌ، ولطاوسٍ مع جلالته روايتان شاذَّتان عن ابن عباسٍ؛ هذه إحداهما فى الخلع، والأخرى فى الطلاقِ الثلاثِ القبس (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٨٦١)، ومصنف ابن أبى شيبة ١١٣/٥، ١١٤، وما سيأتى فى الموطأ (١٢٢٠، ١٢٢١). (٢ - ٢) ليس فى: ك ١، ر. (٣) تقدم تخريجه ص ٩١. ٩٨ الموطأ المجتمعاتِ أنها واحدةٌ(١) . وروَى عن ابنِ عباسٍ جماعةٌ من أصحابِه التمهيد خلافَ ما رَوى طاوسٌ فى طلاقِ الثلاثِ أنها لازمةٌ فى المدخولِ وغيرِ المدخولِ بها ثلاثٌ ثلاثٌ ، لا تحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه (٢) . وعلى هذا جماعةُ العلماءِ والفقهاءِ بالحجازِ، والعراقِ ، والشامِ ، والمشرقِ ، والمغربِ، من أهلِ الفقهِ والحديثِ، وهم الجماعةُ والحجةُ، وإنما يخالفُ فى ذلك أهلُ البدع؛ الخَشَبِيَّةُ ) وغيرهم من المعتزلةِ والخوارجِ، عصَمنا اللهُ برحمتِه . وذكَر إسماعيلُ القاضى ، حدثنا علىُّ بنُ المدينىٌّ ، حدثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابنٍ أبى نجيح قال: تكلّم طاوسٌ فقال : الخلعُ ليس بطلاقٍ ، هو فراقٌ . فأنكره عليه أهلُ مكةَ، فجمَع ناسًا؛ منهم ابنا عبَّدٍ وعكرمةُ بنُ خالدٍ ، فاعتذَر إليهم من هذا القول، وقال: إنما ابنُ عباسٍ قاله (٤) . وقال .1 القبس (١) أخرجه أحمد ٦١/٥ (٢٨٧٥)، ومسلم (١٤٧٢)، وأبو داود (٢٢٠٠)، والنسائى (٣٤٠٦). (٢) ينظر الأم ١٣٩/٥، ومصنف ابن أبى شيبة ١٣/٥، وشرح معانى الآثار ٣/ ٥٨، وسنن الدارقطنى ١٢/٤، ١٣، وسنن البيهقى ٣٣٧/٧. (٣) فى ص: ((الحسيه))، وفى ر: ((الخسيسه)). والخشبية: لقب أطلق على الرافضة لقولهم: لا نقاتل بالسيف إلا مع إمام معصوم . فقاتلوا بالخشب . وقيل: قوم من الجهمية يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم، وإن القرآن مخلوق . قاله الليث. وقال ابن الأثير: هم أصحاب المختار بن أبى عبيد، ويقال لضرب من الشيعة: الخشبية. قيل: لأنهم حفظوا خشبة زيد بن على حين صلب ، والوجه الأول ، لأن صلب زيد كان بعد ابن عمر بكثير. منهاج السنة النبوية ٣٦/١، والنهاية ٣٣/٢، واللسان والتاج (خ ش ب). وينظر السنة لعبد الله بن أحمد ٥٤٨/٢، والأنساب ٣٦٨/٢. (٤) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٩٢/٣ (١٨٤٦) من طريق ابن عيينة به . ٩٩ الموطأ التمهيد القاضى: لا نعلَمُ أحدًا من أهلِ العلم قاله إلا من روايةٍ طاوسٍ . قال أبو عمرَ: قال مالكٌ رحِمه اللهُ : المختلعةُ هى التى اختلَعت من جميع مالِها ، والمفتدِيَةُ هى التى افتدَت ببعضِ مالِها ، والمبارِئُ هى التى بارأت زوجَها من قبل أن يدخُلَ بها فقالت : قد أبرَأَتُكَ مما كان يلزَمُك من صداقِى، ففارِقْنى. قال: وكلَّ هذا سواءٌ، هى تطليقةٌ بائنةٌ . قال أبو عمرَ : قد يدخُلُ عندَ غيرِهِ من أهلِ العلم بعضُ هذه الألفاظِ على بعضٍ ، فيقالُ: مختلِعةٌ . وإن دفَعت بعضَ مالِها، وكذلك المفتديةُ ببعضِ مالِها وكلِّ مالِها، وهذا تُوجِبُه اللغةُ. واللهُ أعلمُ . قال أبو عمرَ : اختلف العلماءُ فى المختلعةِ ؛ هل لزوجِها أن يخطُبَها فى عدَّتِها، ويُراجعَها بإذنها ورضاها على حُكم النكاح ؟ فقال أكثرُ أهلٍ العلم : ذلك جائزٌ له وحدّه ، وليس لأحدٍ غيرِه أن يخْطُبَها فى عدَّتِها . وهو مذهبُ مالكِ، والشافعىِّ، وجمهورِ الفقهاءِ. وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيبٍ ، والزهرىِّ، وعطاءٍ، وطاوسٍ، والحسنٍ، وقتادةً، وغيرِهم(١). وقالت طائفةٌ من المتأخِرين: لا يخطُبُها فى عدَّتِها هو ولا غيرُه، وهو وغيرُه فى نكاحِها فى عدَّتِها سواءٌ. وهذا شذوذٌ . وباللهِ التوفيقُ والعصمةُ. القبس ٠ (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٧٩٢ - ١١٧٩٥، ١١٧٩٧). ١٠٠