Indexed OCR Text

Pages 41-60

الموطأ
التمهيد
حيثُ شاء(١).
وهذا معناه أنَّ المعتِقَ له سائبةً لم يكنْ حيًّا ولا عَصَبَتُه، ومَن كانت
هذه حالَه ، فمَذْهبُ ابنِ مسعودٍ فيه وفى كلِّ مَن لا وارِثَ له ، أَنَّه يَضَعُ مَالَه
حيثُ شاء. وأجاز له أن يُوصِىَ بمالِهِ لمن شاء. وهو قولُ مسروقٍ ،
وعبيدةً ، والشعبىِّ، وأكثرِ أهلِ العراقِ(٢) .
وأمَّا الذى يُسلِمُ على يدَى رجلٍ أو يُوالِيه، فإِنَّ مالكًا، وأصحابَه،
وعبدَ اللهِ بنَ شُبْرُمَّةَ، والثوريَّ، والأوزاعيَّ، والشافعيَّ، وأصحابَه ، قالوا :
لا ميراثَ للذى أسلَم على يَدْهِ، ولا ولاءَله بحالٍ ، وميراثُ ذلك المسلم إذا
لم يَدَعْ وارثًا لجماعةِ المسلمينَ. ("وهو قولُ أحمدَ وداودَ، ولا ولاءَ إلّا
للمُعِقِ ". وحجّتُهم فى ذلك قولُ رسولِ اللهِ وَالَ: ((الولاءُ لمَن أعتَق)).
قالوا : وهذا غيرُ مُعتِقٍ، فكيف يكونُ له ولاءُ مَن أسلَم على يَدْهِ ! "ومِن
حُجَّتِهم أيضًا أنَّ الميراثَ بالمعاقدةِ مَنسوخٌ، فبطَل بذلك أنْ يُوالِىَ أحدٌ
أحدًا؛ لأنَّ الولاءَ نَسَبٌ ٢). قال أشهب عن مالكِ: جاءَنى(٤) رجلٌ مِن أهلِ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٩/١١، والدارمى (٣١٥٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤٠٣/٤، والبيهقى
٣٠٢/١٠ من طريق شعبة به .
(٢) ينظر سنن سعيد بن منصور (٢١٩ - ٢٢٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٤١٣/١١، وسنن
الدارمى (٣١٦٤).
(٣ - ٣) سقط من: س.
(٤) فى ك ١، م: ((جاء).
٤١

الموطأ
التمهيد مصرَ ذكّر أنَّ فى يَدِه ألف دينارٍ مِن مالٍ رجلٍ هَلَك، وقد أسلم على
يَديْه ، فقيل له: ليس لك هذا. فلا أَرَاه إلا ردَّها. قال أشهبُ : الرجلُ
الذى جاء هو موسى بنُ عُلَىٌّ بنِ رَبَاحِ(١) . وقال ربيعةُ بنُ أبى عبد
الرحمنِ : إذا أسلَم رجلٌ(٢) كافرٌ على يَدَى(٢) مسلمٍ بأرضِ العدوِّ، أو
بأرضٍ المسلمین، فمِیراُه للذی أسلم على يَدَيْه. وقال يحيى بن سعيد
الأنصارىُّ: إذا كان بأرضِ(٤) العدوِّ، فجاء فأسلَم على يَدئْ رجلٍ
مسلم(٢) ، فإِنَّ ولاءَه للذى(٥) والاه، ومَن أسلَم مِن أهل الذُّمَّةِ على يَدَىْ
رجلٍ مسلمٍ، فولاؤُه للمسلمين عامَّةً. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: مَن
أسلَم على يَدَىْ رجلٍ ووالاه وعاقدَه، ثم ماتَ ولا وارثَ له(٢) غيرُه،
فميراثُه له . وقال الليثُ بنُ سعدٍ: مَن أسلَم على يَدَىْ رجلٍ فقد والآه،
وميراثُه للذى أسلَم على يَدَيْه إذا لم يَدَعْ وارثًا غيرَه .
وحجّةٌ مَن قال بهذا القولِ ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال :
القبس
(١) موسى بن على بن رباح أبو عبد الرحمن اللخمى، الأمير العادل، نائب الديار المصرية لأبى
جعفر المنصور، كان رجلا صالحاً يتقن حديثه لا يزيد ولا ينقص، صالح الحديث، كان من
ثقات المصريين، مات بالإسكندرية سنة ثلاث وستين ومائة. سير أعلام النبلاء ٧/ ٤١١.
(٢) سقط من : ك١، م .
(٣) فى م: ((يد رجل)).
(٤) فى ك ١، م: ((من أرض)).
(٥) فى ك ١، م: ((لمن)).
.
٤٢

الموطأ
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ ، التمهيد
قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ ، عن عبدِ العزيزِ بنِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن
عبدِ اللهِ بنِ مَوهَبٍ، عن تميم الدَّارِىِّ قال: سألتُ رسولَ اللهِ وَ لَه عن
المشرِكِ يُسلِمُ على يَدَى الرجلِ المسلم، فقال: ((هو أحقُّ الناسِ وأولَى
النَّاسِ بِمَحْيَاه ومماتِه)). قال عبدُ العزيزِ: فحدَّث به ابنُ مَوهَبٍ عمرَ بنَ
عبدِ العزيزِ، فَشَهِدتُه قضَى بذلك فى رجلٍ أسلم على يَدَىْ رجلٍ مسلمٍ ،
فمات وترَك مالاً وابنةً ، فقسَم مالَه بينَه وبينَ ابنتِهِ ، فأعطَى الابنةَ النِّصفَ،
وأعطَى الذى أسلَم على يَدَيْه النّصفَ(١).
وذكَّر عبدُ الرزاقِ(١) ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ قال: قضَى عمرُ بنُ
الخطابِ فى رجلٍ والَى قومًا ، فجعَل ميراثَه لهم وعَقْلَه عليهم . قال معمرٌ :
وقال الزهرىُّ : إذا لم يُوالِ أحدًا وَرِثه المسلمون .
القبس
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى (٦٤١٣) من طريق عبد الله بن داود به، وأخرجه أحمد ١٤٤/٢٨،
١٤٨، ١٥٢ (١٦٩٤٤، ١٦٩٤٨، ١٦٩٥٣)، والدارمى (٣٠٧٦)، والترمذى (٢١١٢) ،
والنسائى فى الكبرى (٦٤١٢) ، وابن ماجه (٢٧٥٢) ، والباغندى فى مسند عمر بن عبد العزيز
(٨٦)، وأبو نعيم فى المعرفة (١٢٩٤) من طريق عبد العزيز بن عمر به، والزيادة فى آخره عند
الباغندى وأبى نعيم، وزادا قبيصة بن ذؤيب بين عبد الله بن موهب وتميم.
(٢) عبد الرزاق (١٦١٧٢) .
٤٣

١
الموطأ
٤,٠٠٠٠
التمهيد
" قال أبو عمرَ: فى هذه المسألةِ أقوالٌ؛ أحدُها ، ما قِدَّمنا عن مالكٍ
والشافعيِّ ومَن تابَعهما، أنَّه لا يكونُ وَلاؤُه ولاءَ ميراثٍ لمن أسلَم على
يَدَيْهِ، وسواءٌ والاه أو لم يُوالِه . وقولٌ آخرُ، إذا أسلم على يَدَيْهِ وَرِثَه وإن لم
يُوالِه . رُوِى ذلك عن عمرَ بنِ الخطّابِ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. وبه قال اللَّيْثُ
ابنُ سعدٍ، جعَل إسلامَه على يَديْه مُوالاةً . ومِن حُجَّةٍ مَن ذهَب إلى هذا
حديثُ تميم الدارىِّ المذكورُ، وما روَاه حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن جعفرٍ بنِ
الزبير، عن القاسم بنِ عبد الرحمنِ، عن أبى أمامةً، عن النبيِّ نَ لِ قال:
ءِ
((مَن أسلم على يَدَیْ رجلٍ فله ولاؤُه))(٣) .
وذکر سعیدُ بنُ منصور ) ، عن عیسی بن یونسَ ، عن الأحوصِ بنِ
حكيم، عن راشدِ بنِ سعدٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن أسلَم على
يَدَيْه رجلٌ فهو مَولَاه)). وهى آثارٌ ليست بالقويَّةِ ومراسيلُ.
وقالت طائفةٌ : إذا والَى رجلٌ رجلًاً(٤) وعاقدَه، فهوٌ يَعقِلُ عنه ويَرِثُه،
إذا لم يُخلِّفْ ذا رَحِم . ورُوِى عن عمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ، وابنٍ مسعودٍ ،
أنَّهم أجازوا الموالاةَ وَرَّثوا بها (٥) . وعن عطاءٍ، والزهرىِّ، ومکحولٍ ،١
القبس
(١ - ١) سقط من : س .
(٢) أخرجه ابن عدى ٥٥٩/٢، والبيهقى ٢٩٨/١٠، وابن الجوزى فى الموضوعات ٢٣٠/٣ من
طریق جعفر به .
(٣) سعيد بن منصور (٢٠١) .
(٤) فى ك ١: ((موالاة رجل)).
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦١٦٨ - ١٦١٧٢، ١٦١٧٤، ١٦١٧٦ - ١٦١٧٩،=
٤٤

الموطأ
(٢)
" نحوُّهُ(١) .
التمهيد
وقالت طائفةٌ : إن عقَل عنه ورثه ، وإن لم يعقِلْ عنه لم یرِثْه . ژُوِی عن
سعيدِ بنِ المسيبِ : أيُّما رجلٍ أسلَم على يَدَىْ رجلٍ فَعَقَل عنه وَرِثَه ، وإن
لم يَعْقِلْ عنه لم یرِثْه .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه : إذا والَاه على أن يَعقِلَ عنه ويَرِثَه عَقَّل
عنه، ووَرِثه إذا لم يُخلِّفْ وارثًا مَعروفًا. قالوا: وله أن يَنْقُلَ ولاءَهُ عنه،
ما لم يَعقِلْ عنه أو عن أحدٍ مِن صغارٍ ولدِهِ، وللمُوالِ أن يَيْرَأَ مِن ولائِه
بحضرتِه، ما لم يَعقِلْ عنه. قالوا: وإن أسلَم على يَدَىْ رجلٍ ولم يُوالِه
لم يَرِثْه ولم يَعقِلْ عنه. وهو قولُ الحكم، وحمَّادٍ ، وإبراهيمَ . وهذا
كلُّه فيمَن لا تُعرِفُ له عَصَبَةٌ، ولا ذُوَ رحِمٍ يَرِثُ بها ) .
وأمّا قولُه فى الحديثِ: ((ألم أرَ بُرمةٌ فيها لحم؟)). فقيل:
بلى يا رسولَ اللهِ، ولكنَّ ذلك لحم تُصُدِّقَ به على بَرِيرةَ، وأنت
لا تأكُلُ الصدقةَ. فقال وَّةِ: ((هو عليها صدقةٌ، وهو لنا هَدِيَّةٌ)).
القبس
= ١٦١٨١)، وسنن سعيد بن منصور (٢٠٩، ٢١٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٤٠٩/١١، ٤١٠.
(١ - ١) سقط من : س.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق ( ١٦١٦٨، ١٦١٧٢ - ١٦١٧٥).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٩٨٧٣، ٩٨٧٤، ١٦٢٧٢، ١٦٢٧٣)، وسنن سعيد بن
منصور (٢١١، ٢١٤) .
٤٥

الموطأ
التمهيد ففيه " من الفقهِ) إباحةُ أكْلِ اللحم، وهو يَرُدُّ قولَ مَن كَرِهَه مِن
الصُّوفيةِ والعُبَّادِ، ويُبَيِّنُ معنَى قولِ عمرَ: إِيَّاكم واللحمَ، فإنَّ له ضراوةً
كضَراوةِ الخمرِ (٢). وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ وَ أَنَّه قال: ((سيِّدُ إدامِ
الدُّنيا والآخرةِ اللحمُ)) (٢). وسيأتى مِن هذا المعنى ذِكْرُ عندَ
قولِهِ وَِّ: ((نكّبْ عن ذاتِ الدَّرِّ)). فى موضعِه مِن هذا الكتاب(4) إن
شاء الله .
(٥ ذكَر الحسنُ بنُّ علىّ الحُلْوانُ، قال: حدَّثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ،
قال : حدَّثنا بكّارُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ بُريدِ الكندىُّ، قال: حدَّثنا غالبٌ
القطّانُ قال: كان للحسنِ كلّ يومٍ لحمّ ينصفِ درهم، وما وجَدتُ مَرَقَّةً
قطُّ أطيَبَ رِيحًا مِن مَرَقَّةِ الحسنِ .
قال: وحدَّثنا عائذٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ قال: ما°)
القبس
(١ - ١) سقط من: ك١، م.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٨٠٨).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٣٠٥)، وابن الجوزى فى الموضوعات ٢/ ٣٠١، ٣٠٢ من حديث
أبى الدرداء، وأخرجه الطبرانى فى الأوسط (٧٤٧٧)، والبيهقى فى الشعب (٥٩٠٤،
٦٠٧٦، ٦٠٧٧) من حديث بريدة، وأخرجه العقيلى ٣/ ٢٥٨، وأبو نعيم فى الحلية ٣٦٢/٥،
وابن الجوزى فى الموضوعات ٣٠٢/٢ من حديث ربيعة بن كعب .
(٤) سيأتى فى شرح الحديث (١٨٠٠) من الموطأ .
(٥ - ٥) سقط من: س.
٤٦

الموطأ
التمهيد
( وَجَدتُ مَرَقَّةً أَطيَبَ ريحًا مِن مرقةِ الحسَنِ(١) .
(١
قال: وحدَّثنا عبدُ الصمدِ، قال: حدَّثنا أبو هلالٍ، قال: ما دخَلنا
على الحسن قطّ إلا وقِذْرُه تفورُ بلحم طيَِّةِ الرِّيح . قال: ودخَلتُ يومًا على
محمدٍ وهو يأكُلُ مُتَكئًا مِن سَمَكِ صِغارٍ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا أنَّ الصدقةَ كان رسولُ اللهِ وَلَوِ لا
يأكُلُها، وكان يأكُلُ الهَدِيَّةَ. وأَجمَع العلماءُ أنَّ الصدقةً كانت لا تَحِلُّ
له على لسانِه وَ له، ثبَتَ عنه وَّهِ أَنَّه قال: ((إنَّ(٢) الصدقةَ لا تَحِلُ
لمحمدٍ، ولا لآلِ محمدٍ ))(٤). وأنَّه كان يأكُلُ الهديَّةَ، ولا يأكُلُ
الصدقةَ .
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، حدَّثنا أبو طالبٍ محمدُ بنُ زكريا
المقدسىُّ، حدَّثنا عُبيدُ بنُ الغازِى أبو ذُهْلِ(٥) ، حدَّثنا أبو عاصم
النَّبِيلُ، حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابنٍ أبى مُليكةً، عن ابنِ
عباسٍ، عن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ وَّهِ يقبَلُ الهدِيَّةَ و(١) لا
القبس
(١ - ١) سقط من: س.
(٢) أخرجه ابن سعد ١٦٧/٧ من طريق حماد به.
(٣) سقط من: ك ١، م.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٤٩.
(٥) فى ك ١، س: ((دهل)). وينظر الثقات ٤٣٣/٨.
(٦) بعده فى ك ١، م: ((كان)).
٤٧

الموطأ
التمهيد يقبلُ الصَّدقةَ(١).
وقالت طائفةٌ مِن أهلِ العلمِ: إِنَّ صدَقةَ التَّطوُّعِ كان رسولُ اللهِ وَةِ
يَتنزَّهُ عنها، ولم تكنْ عليه مُحرَّمَةً. وقال آخرونَ، وهم أكثرُ أهلِ
العلم: كلُّ صدقةٍ فداخلٌ تحتَ قولِهِ وَّةِ: ((إِنَّ الصدقةَ لا تَحِلّ
لنا))(٢). واستَدَلُّوا بأنَّه كان ◌ََّ لا يأكُلُ صدقةَ التَّطوّع. وقالوا فى
اللَّحم الذى تُصُدِّقَ به على بَريرةَ: إِنَّه كان مِن صَدَقاتِ التَّطوُّع؛ لأُنَّ
المعروفَ فى الصدقاتِ المفروضاتِ أَنَّها لا تُفرَّقُ لحمًا، وإنَّما تُفَّقُ
لحمًا لُحومُ الأُضحِيةِ، والعَقيقةِ، وغيرِ ذلك مِن التطوعٍ.
قال أبو عمرَ: أمَّا تحريمُ الصدقةِ المفترَضَةِ عليه وعلى آلِهِ ، فَأَشهَرُ عندَ
أهلِ العلمِ مِن أن يُحتاجَ فيها إلى إكثارٍ ، ونحن نذكُرُ مِن ذلكَ هلهنا ما فيه
کفایٌ إن شاء اللهُ .
ذكَر عبدُ الرزاقٍ(٢)، عن معمرٍ، عن همَّامٍ بنِ منبّهِ، أَنَّه سمِع أبا هريرةَ
يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إِنِّى لأُدخُلُ بيتِى فَأُجِدُ التمرةَ مُلْقَةً على
فِراشى، فلولا أنِّى أخشى أن تكونَ مِن الصدقةِ لأَكَلتُها)).
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٣٨٨/١ عن أبى عاصم به .
(٢) سیأتی تخريجه ص ٥٠.
(٣) عبد الرزاق (٦٩٤٤) .
%
٤٨

الموطأ
وروَى حمادُ بنُ سلمةً، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ وَهِّ كان يَمُرُّ التمهيد
بالتمرة ، فما يَمنَعُه مِن أَخذِها إلا مخافةُ أن تكونَ صدقةً(١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ويَعيشُ بنُ سعيدٍ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ
ابنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى العؤَّام ، قال: حدَّثنا أبو عاصم
النبيلُ، قال : حدَّثنا ثابتُ بنُ عُمارةَ، عن ربيعةَ بنِ شيبانَ ، قال : قُلتُ
للحسنِ بنِ علىٍّ: هل حَفِظتَ مِن رسولِ اللهِ وَ لَّ شيئًا ؟ قال:
نعم، دخَلتُ غُرفةَ الصدقةِ فأخَذتُ تمرةً من تمرِ الصدقةِ، فألقَيتُها فى
فمِى، فقال النبيُّ وَِّلّهِ: ((انزِعْها؛ فإنَّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لمحمدٍ، ولا
لأهله))(٣).
روَى شعبةُ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبى هريرةَ، أنَّ النبيَّ
وسيلم
صَلى الله
أُتِى بتمرٍ مِن تمرِ الصدقةِ، فتناوَلَ الحسنُ(٤) بنُ علىَّ(٥) تمرَةً
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٥٧/٢٠، ٣١٠، ٢٦٥/٢١ (١٢٩١٣، ١٣٠٠٥، ١٣٧٠٦)، وأبو
داود (١٦٥١) من طريق حماد به .
(٢) فى ك ١: ((للحسين)). وينظر التعليق الآتى .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٧/٢، ٢٩٧/٣ من طريق أبي عاصم به، وأخرجه أحمد
٢٥٠/٣، ٢٥٥ (١٧٢٤، ١٧٣١)، وابن خزيمة (٢٣٤٩)، والطبرانى (٢٧٤١) من طريق
ثابت بن عمارة به، وهو عند أحمد فى الموضع الثانى من مسند الحسين .
(٤) فى ك ١: ((الحسين)).
(٥) بعده فى ك ١، م: ((منها)).
٦
٤٩
F
( موسوعة شروح الموطأ ٤/١٥)

الموطأ
التمهيد فلاَكَها (١)، فقال له النبيُّ بَله: ((كَخْ؛ إنَّه لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ))(٢).
قال أبو عمرَ: أمَّا الصدقةُ المفروضةُ فلا تَحِلَّ للنبيِّ وَله، ولا لبنى
هاشم، ولا لمواليهم، لا خلافَ بينَ عُلماءِ المسلمينَ فى ذلك، إلا أنَّ
بعضَ أهلِ العلمِ قال: إنَّ موالىَ بنى هاشم لا يَحْرُمُ عليهم شىءٌ مِن
الصدقاتِ. وهذا خلافُ الثابتِ عن النبيِّ وَلِهِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ علىّ، قال: حدَّثنا
يحيى، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: حدَّثنا الحكمُ ، عن ابنٍ أَبی رافعٍ، عن
أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلّهِ استَعمَل رجلاً من بنى مخزومٍ على الصدقةِ،
فأراد أبو رافع أن يَتَبَعَه، فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((إنَّ الصدقةَ لا تَحِلُّ
لنا، وإنَّ مولِّى(٣) القومِ مِنهم))(٤).
القبس
٠
(١) فى س: ((ليأكلها)).
(٢) أخرجه أحمد ١٧٧/١٥، ٤٥٣، ١٤٤/١٦ (٩٣٠٨، ٩٧٢٨، ١٠١٧٣)، والدارمى
(١٦٨٢)، والبخارى (١٤٩١، ٣٠٧٢)، ومسلم (١٠٦٩)، والنسائى فى الكبرى
(٨٦٤٥) من طريق شعبة به .
(٣) فى س: ((موالى)).
(٤) النسائى (٢٦١١)، وفى الكبرى (٢٣٩٤). وأخرجه أحمد ١٦٢/٤٥ (٢٧١٨٢)،
وابن حبان (٣٢٩٣) من طريق يحيى به، وأخرجه أحمد ٣٠٠/٣٩ (٢٣٨٧٢) ، وأبو داود
(١٦٥٠)، والترمذى (٦٥٧)، وابن خزيمة (٢٣٤٤) من طريق شعبة به.
٥٠

الموطأ
وأبو رافع مولَى النبيِّ نَله، واسمُه: أسلمُ. وقيلَ: إبراهيمُ . وقيل غيرُ التمهيد
ذلك، على ما قد ذكرنا فى كتابٍ ((الصحابةِ)) (١).
واختلف العلماءُ أيضًا فى جوازِ صدَقةِ التَّطوُعِ لبنى هاشم ، والذى عليه
جمهورُ أهلِ العلم - وهو الصحيحُ عندَنا - أنَّ صدَقَةَ التَّطوَّع لا بأسَ بها
لبنى هاشم ومواليهم، وممَّا يدُلَّك على صحّةٍ ذلك أنَّ عليًّا والعباسَ
وفاطمةَ رضِى اللهُ عنهم وغيرَهم تَصدَّقوا، وأوقَفوا أوقافًا على جماعةٍ مِن
بنى هاشم، وصَدَقاتُهم الموقوفةُ معلومةٌ(٢) مشهورةٌ .
ولا خلافَ عَلِمتُه بينَ العلماءِ أَنَّ(١) بنى هاشم وغيرهم فى قَبولِ الهدايا
والمعروفِ سواءٌ، وقد قال ◌َله: ((كلُّ معروفٍ صَدَقةٌ))(٤). وسنزيدُ هذا
البابَ بِيَانًا فى أَوْلَى المواضعِ به مِن كتابنا هذا إن شاء اللهُ .
وأمَّا امتناعُه ◌َلِّ مِن أكلِ صَدَقةِ التَّطوُّعِ، فمشهورٌ منقولٌ مِن وُجُوهِ
صِحاح .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بن أسدٍ ، قال : حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ
القبس
(١) الاستيعاب ٤ / ١٦٥٦.
(٢) فى ك ١، م: ((معروفه)).
(٣) فى م: ((فى)).
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٥٠) من الموطأ .
٥١

الموطأ
التمهيد علىٍّ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب ، قال: أخبرنا زيادُ بنُ أيوبَ ، وحدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ،
حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ بنِ هارونَ الصَّبَّاحِىُّ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ
الدَّورَقِيُ، قالا : حدَّثنا أبو عبيدةَ عبدُ الواحدِ بنُ واصلٍ، قال: حدَّثنا بهزُ
ابنُ حكيم، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان النبىُ نَّهِ إِذا أَتِى بشىءٍ سأل
عنه: ((أصدقةٌ أم هَديَّةٌ؟)). فإن قيل: صَدَقَةٌ. لم يَأْكُلُ(١)، وإن قيلَ:
هديةٌ . بَسَط يَدَه(٢) .
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسمِ ، حدَّثنا مُؤْمَّلُ بنُ يحيى بنِ مهدىٍّ،
حدَّثنا محمدُ بنُّ جعفرِ بنِ حفصٍ بنِ راشدِ الإمامُ، حدَّثنا علىُ بنُ
المدينىّ، حدَّثْنا مَكَهُ بنُ إبراهيمَ ويوسفُ بنُ يعقوبَ السَّدُوسِىُّ،
قالا: حدَّثنا بَهْزُ بنُ حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ
إنَِّ كان إذا أَتِى بهديةٍ قَبِلها، وإذا أَتِى بصدقةٍ أَمَر أصحابَه
فأكَلوها(٣) .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا ابنُ
القبس
(١) بعده فى ك ١، م: ((منه)).
(٢) النسائى (٢٦١٢)، وفى الكبرى (٢٣٩٥).
(٣) أخرجه الترمذى (٦٥٦) من طريق مكى بن إبراهيم ويوسف بن يعقوب به .
٥٢

الموطأ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا عبيدُ(١) اللهِ بنُ التمهيد
موسى، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى قُرَّةَ الكندىِّ ، عن
سلمانَ الفارسيِّ قال: كنتُ مِن أبناءِ أَساورةٍ(٢) فارسَ، وكنتُ فى كُتَّابٍ،
وكان معى غُلامانٍ ، فإذا أتَيا مِن عندٍ مُعلِّمِهما أَتَّيا قِشًا، فدخَلا عليه ،
فدخَلتُ معهما عليه ، فقال: ألم أَنْهَكما أن تَأتِيانِى بأحدٍ ؟ فجعَلتُ أختلِفُ
إليه حتى كنتُ أَحَبَّ إليه منهما ، فقال لى : إذا سألك أهلُك : ما حبَسكَ ؟
فقلْ: مُعلِّمِى. وإذا سألَك مُعلِّمُكَ: ما حبَسك؟ فقلْ: أهلى. ثم إنَّه أراد
أن يَتحوَّلَ، فقلتُ له: أنا أتحوَّلُ معك. فتَحوَّلتُ معه، فنزَل(٢) قريةً
فكانتِ امرأةٌ تأتيه ، فلمَّا حُضِر قال لى: يا سلمانُ، احفِرْ عندَ رأسِى .
فحَفَرتُ عندَ رأسِه ، فاستَخرَجتُ جَرَّةً مِن درَاهِمَ ، فقال لى: صُبَّها على
صدرِى. فصَبَبتُها على صدرِه ، فجعَل يقولُ: ويلٌ لاقتنائى. ثم إِنَّه ماتَ ،
فهَمَمتُ بالدراهِم أن أُحوّلَها ، ثم إنِّى ذكَرتُ قولَه فترَكتُها ، ثم إِنِّى آذَنتُ
القِسِّيسينَ والرّهبانَ به فحضَرُوه ، فقلتُ لهم : إنَّه قد ترك مالًا . فقام شبابٌ
مِن القريةِ، فقالوا: هذا مالُ أبينا. فأخذوه، قال: فقلتُ للُّهبانِ :
أخبرونى برجلٍ عالم أتَّبِعْه . فقالوا: ما نَعلَمُ فى الأرضِ رجلاً أعلمَ مِن رجلٍ
بحِمصَ . فانطلَقتُ إليه فَلَقِيتُه ، فقصَصتُ عليه القصةَ ، قال : وما جاء بك
القبس
(١) فى ك ١، م، وابن أبى شيبة، والحاكم: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ١٦٤/١٩.
(٢) الأساورة والأساور جمع الأسوار والإسوار: قائد الفُرْس. اللسان (س ور).
(٣) فى ك ١، م: ((فنزلت)).
٥٣

الموطأ
التمهيد إلّا طلبُ العلم ؟ قلتُ : ما كان إلا طلبُ العلم. فقال: إِنِّى لاء أعلمُ اليومَ
فى الأرضِ أحدًا أعلمَ مِن رجلٍ يأتِى بيتَ المقدسِ كلَّ سنةٍ ، إن انطلقتَ
الآنَ وافَقتَ حمارَه. فانطلَقتُ، فإذا أنا بحمارِهِ على بابٍ بيتٍ
المقدس، فجلَستُ عندَه وانطلَق، فلم أرَه حتى الحَوْلِ، فجاءَ فقلتُ :
يا عبدَ اللهِ : ما صنَعتَ بى؟ قال: وإنّك لههنا؟ قلتُ: نعم. قال: فإِنِّى
واللهِ ما أعلمُ اليومَ رجلا أعلمَ مِن رجلٍ خرَج بأرضٍ (١) تَيْماءً(١)، وإن
تَنْطَلِقِ الآنَ تُوافقْه، وفيه ثلاثُ آياتٍ؛ يأكُلُ الهديَّةَ، ولا يأْكُلُ الصَّدَقَةَ،
وعندَ غُرْضُوفٍ(٢) كَتِفِه اليُمنَى خاتَمُ النُّبوةِ، مثلُ بَيْضَةِ الحمامةِ ، لونُها
لونُ جِلدِه. قال: فانطلَقتُ تَرفَعُنِى أَرضّ وتَخْفِضُنِى أُخرَى، حتى
مرَرتُ بقومٍ مِن الأعرابِ فاستَعبَدونى، فباعونى حتى اشتَرَتنى امرأةٌ
بالمدينةِ ، فسَمِعتُهم يَذْكُرون النبىَّ عليه السّلامُ، وكان العيشُ عَزِيزًا ،
فقلتُ لها: هبى لى يومًا. فقالت. نعم. فانطلَقتُ فاحتَطَبتُ حطبًا
فِعتُه، فأتَيتُ به النبيَّ ◌َ - وكان يَسيرًا - فوضَعتُه بِينَ يَدَيه، فقال:
:
القبس
(١) فى ك ١، م: ((من أرض)).
(٢) تيماء: البلدة المشهورة قديما تقع فى الشمال الغربى للمملكة العربية السعودية، تعد الآن
تابعة لإمارة تبوك ، وكانت قبل سنوات تابعة لإقليم حايل إداريا . المعجم الجغرافى للبلاد العربية
السعودية ١/ ٢٧١، وينظر جغرافية شبه جزيرة العرب ص ١٢٦.
(٣) فى ك ١: ((طرف)). والغرضوف: مثال عصفور، هو كل ما لان من اللحم، وبعضهم
يقول: كل ما لان من العظم. وقد يقال: غضروف . بتقديم الضاد على الراء لغةً على القلب .
وغضروف كتفه: رأس لوحه. ينظر النهاية ٣/ ٣٧٠، والمصباح المنير (غ رض).
٥٤

الموطأ
التمهيد
((مَا هذا؟)). قلتُ: صدَقةٌ. فقال لأصحابِه: ((كُلُوا)). ولم يَأْكُلْ،
قلتُ: هذه مِن علامتِه (١) . ثم مكثتُ ما شاءَ اللهُ أن أَمكُثَ ، ثم قلتُ
المولاتِى: هَيِى لى يومًا. فقالت: نعم. فانطلَقتُ فاحتَطَبتُ حَطبًا ،
فبِعتُه بأكثرَ من ذلك، وصنَعتُ طعامًا، فَأَتَيتُ به النبيَّ وَّ وهو بينَ
أصحابِهِ، فوضَعتُه بِينَ يَدَيه، فقال: ((مَا هذا؟)). فقلتُ: هديةٌ. فوضَع
يَدَه، وقال لأصحابِهِ: ((خُذُوا(٢) باسم اللهِ)). (٢وقُمتُ مِن) خلفِه،
فوضَع رداءَه فإذا خاتَمُ النبوةِ ، فقلتُ: أَشهَدُ أنّكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليك. فقال: ((وما ذاك؟)). فحدَّثتُه عن الرجلِ، ثم قلتُ: أيدخُلُ
الجنةَ يا رسولَ اللهِ ، فإنَّه حدَّثنى أنَّك نبىٌّ؟ فقال: ((لن يَدخُلَ الجنَّةَ إلَّا
نفسٌ مسلمةٌ)) (٤) .
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسوَرِ ، حدَّثنا
مِقدامُ(٥) بنُ داودَ، حدَّثنا عبدُ الأحدِ بنُ الليثِ بنِ عاصم أبو زرعةَ ، حدَّثنی
القبس
(١) فى م: ((علاماته)).
(٢) فى حاشية س: (( كلوا)).
(٣ - ٣) فى ك ١، م: ((فقمت)).
(٤) ابن أبى شيبة ٣٢١/١٤ - ٣٢٤. وأخرجه ابن سعد ٤/ ٨١، والحاكم ١٠٨/٤ من طريق
عبيد الله بن موسى به، وأخرجه أحمد ١١٧/٣٩ (٢٣٧١٢)، وابن حبان (٧١٢٤) ،
والطبرانى (٦١٥٥) من طريق إسرائيل به .
(٥) فى س: ((مقداد)). وينظر سير أعلام النبلاء ٣٤٥/١٣.
٥٥

الموطأ
التمهيد الليثُ بنُّ سعدٍ ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنَّ سلمانَ
الخيرَ كان خالَط ناسًا مِن أصحابٍ دانيالَ بأرضٍ فارسَ قبلَ الإسلامِ،
فسمِع ◌ِذِكْرَ النبيِّي وَ لّه وصِفَتَه، فإذا فى حديثهم(١): يأكُلُ الهديَّةَ ولا يَأْكَلُ
الصدقةً . فى أشياءَ مِن صفتِه ، فأراد الخروج فى التماسِه ، فمنَعه أبوه ، ثم
هَلَك أبوه، فخرَج إلى الشامِ يلتَمِسُ رسولَ اللهِ وَلَه، فكان هناك فى
كنيسةٍ، ثم سمِع بخروج رسولِ اللهِ نَّه وذِكرِه، فخرَج ◌ُرِيدُه، فأخَذَه
أهلُ تَيماءَ فاستَرَقُّوه، " ثم قَدِموا) به المدينةَ فباعُوه، ورسولُ اللهِ وَه
بمكةً ، فلمَّا قدِم المدينةَ أتاه سلمانُ بشيءٍ، فقال: (( ما هذا؟)). فقال:
صدقةٌ. فأمَرَ بها فصُرِفَت ، ثم جاء بشىءٍ، فقال: (( ما هذا؟)). فقال:
هديةٌ. فأكَل منها رسولُ اللهِ وَّ ◌ِهِ، فَأُسلَم سلمانُ عندَ ذلك، فأخبَر رسولَ
اللهِ وَِّ أَنَّه مملوكٌ، فقال: ((كاتِهم بغَرْسِ مائةٍ وَدِيَّةٍ(٣))). فرمَاه
الأنصارُ من وَدِيَّةٍ وودِيَّتَيْنِ، فغرَسها، فأقبَل يومًا آخرَ وإنَّه لفى سَقْي
* (٤)
ذلك الوَدِىِّ (٤) .
القبس
(١) بعده فى ك ١، م: ((إنه)).
(٢ - ٢) فى ك ١، م: ((فقدموا).
(٣) الوَدِىُّ صغار النخل، واحدتها ودِيَّة. النهاية ١٧٠/٥.
(٤) أخرجه أبو نعيم فى الدلائل - كما فى نصب الراية ٢٧٩/٤، وتغليق التعليق ٢٦٦/٣ -
من طريق الليث به .
٥٦

الموطأ
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ يحيى بن مهدىٌّ، التمهيد
حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ حفصٍ الإمامُ، حدَّثنا علىُّ بنُ المدينىِّ،
حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ ، حدَّثنا الحسينُ بنُ واقدٍ ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
بريدةَ(١)، عن أبيه، أنَّ سلمانَ أَتَى رسولَ اللهِ نَّه بصدقةٍ،
فقال(٢): صدقةٌ عليكَ وعلى أصحابِك. فقال رسولُ اللهِ وَله: ((إِنَّا
لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ)). فرفَعها(٣)، ثم جاءه مِن الغَدِ بمثلها، فقال:
هذه هديّةٌ لك. فقال (٤رسولُ اللهِ) بِِّ لأصحابِهِ: ((كُلُوا)). قال:
ثم اشترَى رسولُ اللهِ نَّهِ سلمانَ بكذا وكذا دِرهمًا مِن يَهودَ، وعلى
أنْ يَغْرِسَ لهم كذا وكذا من النَّخلِ يقومُ عليه حتى يُدرِكَ. قال :
فَغْرَس رسولُ اللهِ وَهِ النخلَ (٥) إلا نخلةً غَرَسَها عمرُ. قال: فأطعَمَ
النخلُ كلُّه إلا النخلةَ التى غَرَس عمرُ، فقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((مَن
غَرَس هذه النخلةَ؟)). فقالوا: عمرُ. قال: فقطَعها وغرَسها رسولُ اللهِ
وَِّ ، فَأَطعَمت مِن عامِها (١).
القبس
(١) فى ك١، م: ((يزيد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٨/١٤.
(٢) بعده فى س: ((هذه)).
(٣) فى ك ١، م: ((فدفعها)).
(٤ - ٤) سقط من : ك١، م .
(٥) بعده فى ك ١، م: (( كله)).
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٦/ ٥٥١، ٥٥٢، وأحمد ١٠٢/٣٨ (٢٢٩٩٧) ، والبزار =
٥٧

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُّ
خالدٍ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ عبدِ العزيزِ، حدَّثنا ابنُ الأصبهانيّ ، أخبرنا
شَريكٌ، عن عُبيدِ المُكْتِبِ، عن أبى الطُّفَيلِ، عن سلمانَ قال: أَتَيثُ
النبىَّ وَّهِ بصدقةٍ فردَّها، وأتَيْتُه بهديةٍ فقبِلها (١) .
وإنَّما لم تَجُزْ صدقةُ التَّطَوُّع للنبيّ ◌َّهِ واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ الصدقةَ لا
يُثابُ عليها صاحبُها ، لأنَّه ( " يَبتغِى بها٢) الآخرةَ، وأَبِيحت له الهديةُ؛ لأنَّه
يُثِيبُ عليها ، ولا تَلحَقُه ("فى ذلك٣) مِنَّةٌ .
وروَى مالكٌ(٤) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، أَنَّ رسولَ اللهِ
وَلِّ قال: ((لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنِيٌّ إلا لخمسةٍ؛ لغازٍ فى سبيلِ اللهِ، أو
لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجلٍ اشتراها بمالِه، أو لرجلٍ له جارٌ مسكينٌ،
فتُصُدِّق على المسكينِ، فأهدَى المسكينُ للغنىِّ)).
القبس
= (٢٧٢٦- كشف)، والحاكم ١٦/٢، والبيهقى ٣٢١/١٠ من طريق زيد بن الحباب به،
وأخرجه ابن عساكر ٣٩٤/٢١، ٣٩٥ من طريق الحسين بن واقد به .
(١) أخرجه الطبرانى (٦٠٧١) عن على بن عبد العزيز به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى
٨/٢، والبيهقى ٩٨/٢ من طريق ابن الأصبهانى به، وأخرجه أحمد ١٠٨/٣٩ (٢٣٧٠٤) من
طريق شريك به نحوه .
(٢ - ٢) فى ك١، م: ((لا يبتغى بها إلا)).
(٣ - ٣) فى ك ١، م: ((بذلك)).
(٤) تقدم فى الموطأ (٦٠٨).
٥٨

الموطأ
وهذا فى معنَى حديثٍ بَرِيرةَ سواءٌ، فى قولِه عليه السلامُ: (( هو لها التمهيد
صدقةٌ، ولنا (١) هديّةٌ)). وسيأتى هذا الحديثُ، ويأتى القولُ فيه، وفى
إسنادِه ومعانيه، فی بابٍ زیدِ بنِ أسلمَ(٢) من كتابنا هذا إن شاء اللهُ.
وقولُه: ((لا تَحِلُ الصدقةُ لغنىٌ إلا لخمسةٍ)). يريدُ الصدقةً
المفروضةَ، وأمَّا التَّطوُّعُ، فغيرُ مُحرَّمَةٍ على أحدٍ غيرِ مَن ذكَرنا، على
حسَبٍ ما وصَفنا فى هذا البابِ ، إلا أنَّ الَّتْرُّهَ عنها حسنٌّ، وقبولُها مِن غيرِ
مسألةٍ لا بأسَ به، ومسألتُها غيرُ جائزةٍ إلا لمن لم يَجِدْ بُدًّا. وسنُبَيِّنُ هذه
الوجوه كلَّها فى مواضعِها مِن كتابنا هذا إن شاء الله .
وقد استدلَّ جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ على جوازِ شِراءِ المتَصَدِّقِ
صَدَقتَه من الساعِى إذا قبَضها الساعى وبان بها إلى نفسِه، بحديثٍ
بريرةً هذا، وقالوا: شِراءُ الصدقةِ من الساعى ومن المتصدَّقِ عليه
جائزٌ؛ لأنَّها ترجِعُ إلى مُشترِيها مِن غيرِ تلك الجهةِ، لأَنَّه ليس بمانع
للصدقةِ ، ولا عائدٍ فيها مِن وجهِها . وقالوا: كما رجَعتِ الصدقةُ على
بَرِيرةَ هديةً إلى رسولِ اللهِ بَّله، ولم يكنْ بذلك بأسٌ، فكذلك إذا
اشترَاها المتصدِّقُ بها. قالوا: وكما أنَّه لو وَرِثَها لم يكنْ بذلك عندَ
أهلِ العلم بأسّ. وقيل: إنَّ اسْتِقاءَ عمرَ بنِ الخطابِ اللبنَ الذى سُقِيه
القبس
(١) فى س: ((هو علينا)).
(٢) تقدم فى ٤١٠/٨ - ٤٢٠.
٥٩

الموطأ
التمهيد مِن نَعَم الصدقةِ (١) إنَّما استقاءَه؛ لأنَّ الذى سقَاه إيَّه كان من الأغنياءِ
الذين لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ، ولا يَصِحُ لهم(١) مِلْكَها، ولو كان ممّن
تَحِلُّ له الصدقةُ ويَستَقِرُ عليها مِلْكُه ما استقاءَه عمرُ؛ لأنَّه كان تَحِلُّ له
حينئذٍ، لأَنَّه غنىٌ أهدى إليه رجلٌ مسكينٌ ممَّا تُصُدِّقَ عليه، على
حديثٍ بَرِيرً وغيرِهِ، وممَّا قد ذكرناه فى هذا البابِ. والحمدُ للهِ .
قال أبو عمرَ: أمَّا إهداءُ المسكينِ إلى الغنىِّ، فقد ثبت عن النبيِّ وَلَه
جوازُه مِن حديثٍ عائشةً(١) وغيرِه ، فى قصةٍ بَريرةَ ، ومِن حديثٍ أبى سعيدٍ
الخدرىِّ أيضًا(*) وغيرِهِ ، وكذلك ما رجَع بالميراثِ إلى المتَصَدِّقِ ، فقد
رُوِى عن النبيِّ وَله جوازُه أيضًا(٥)، فوجب الوقوفُ عندَ ذلك كلِّه على
حسَبٍ ما نُقِل عنه مِن ذلك وَلَه. وأمَّا شِراءُ الصدقةِ مِن المتَصَدَّقِ عليه
ومِن الساعى، فقد ثبت عن النبيِّ وَلَه النهى عن ذلك بقوله عليه السلامُ
لعمرَ فى الفرسِ التى حمّل عليها عمرُ فى سبيلِ اللهِ: (( لا تَشْتَرِها، ولا تَعُدْ
فى صدقتِك)) الحديث(١). فكيف يُجمَعُ بينَ أَمرَين فرّق رسولُ وَل
4
القبس
٠٠
(١) تقدم فى الموطأ (٦١٠) .
(٢) سقط من: م.
(٣) بعده فى ك ١، م: ((هذا)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٤١١/٨ - ٤١٣.
(٥) سيأتى تخريجه ص ٦١، ٦٢.
(٦) تقدم فى الموطأ (٦٢٩، ٦٣٠).
٦٠