Indexed OCR Text
Pages 301-320
الموطأ
مِن أوَّلِ الحمل إلى آخِرِه ؛ لأنَّ عِدَّتَها أن تَضَعَ ما فى بَطنِها، وكذلك ثَبَت التمهيد
عن النبيِّ وَلّفى حديثِ ابنِ عمرَ، أَنَّه أَمَرَه أن يُطَلِّقَها طاهرًا أو حامِلًا،
ولم يَخُصَّ أوَّلَ الحملِ مِن آخِرِهِ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا : حدثنا قاسمُ بنُ
أَصْبَغَ، قال : حدثنا ابنُ وضَّاحِ، قال: حدثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال :
حدثنا وكيع، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ مَوْلَى آلِ
طلحةً(٢ ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ طَلَّقَ امرأته وهى حائضٌ، فذكَر
ذلك عمرُ للنبيّ وَّ فقال له(٢): ((مُرْه فليراجِعْها، ثم لْيُطلِّقْها طاهِرًا أو
(٣)
حاملًا))(٣).
قال أبو عمرَ : لا يجوزُ عندَ العلماءِ طلاقُ مَن لم يَستَبِنْ حَملُها ، على
ما قَدَّمْنا ذكرَه عن ابنِ عباسٍ فى أوَّلِ هذا البابِ(٤) ، فإذا اسْتَبَانَ حَملُها
طَلَّقَها متى شاء، على عُمُومِ هذا الخبرِ. وأجمَع العلماءُ أنَّ المطلَّقةَ الحاملَ
القبس
(١ - ١) فى م: ((لطلحة)). وينظر التاريخ الكبير ١٤٦/١.
(٢) ليس فى: الأصل، ق، م.
(٣) ابن أبى شيبة ٣/٥ - وعنه مسلم (٥/١٤٧١)، وابن ماجه (٢٠٢٣) - وأخرجه أحمد ٨/ ٤٠٨،
١٨٦/٩ (٤٧٨٩، ٥٢٢٨)، وأبو داود (٢١٨١)، والترمذى (١١٧٦)، والنسائي (٣٣٩٧)
من طريق وكيع به .
(٤) ينظر ما تقدم ص ٢٧٦، ٢٧٧ .
٣٠١
الموطأ
التمهيد ◌ِدَّتُها وضعُ حملِها. واختلفوا إذا كان فى بَطنِها وَلَدانٍ فَوَضَعتْ
أحدَهما، هل تَنقَضى بذلك عدَّتُها ؟ فقال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو
حنيفةً، والثورىُّ، والأوزاعيُ، وأكثرُ أهلِ العلم : لا تَنقَضِى عِدَّتُها حتى
تضَعَ جميعَ حَملِها ، وإن وَضَعتْ ولدًا ، وبَقِى فى بَطنِها آخرُ، فلزوجِها
عليها الرجعةُ إذا لم يَبِتَّ طلاقَها ثَلاثًا حتى تضَعَ الولدَ الثانىَ. وقال
آخرون: إذا وَضَعت أحدَهما فقد انقَضَت عِدَّتُها. ورُوِى ذلك عن
عكرمةَ، والحسنِ، وإبراهيمَ. وقد رُوِى عن الحسنِ، وإبراهيمَ ، خلافُ
ذلك، أنَّ زوجَها أحقُّ بها ما لم تَضَع الآخَرَ. وعلى هذا القولِ الناسُ ، وقد
أجمعوا على أنَّها لا تَنكِحُ وفى بَطنِها وَلَدٌ ، فبان بإجماعِهم هذا خَطأُ قولِ
مَن قال : إِنَّها تَنْقَضِى عِدَّتُها بوضعِ أحدِهما .
وذكر أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(١)، حدثنا عبدُ الأعلَى، عن سعيدٍ ، عن
قتادة ، عن عكرمةَ قال : إذا وَضَعتْ أحدَهما فقد انقَضَت عِدَّتُها . قيل له :
فتُزوَّجُ ؟ قال : لا . قال قتادةُ : خُصِم العبدُ .
قال(١): وحدثنا أبو داود، عن هشامٍ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ فى
رجلٍ طَلَّقَ امرأته، وفى بَطْنِها وَلَدانٍ ، قال: هو أحقُّ بَرَجعتِها ما لم تَضَعِ
الآخَرَ. وتَلَا: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤].
القبس
(١) ابن أبى شيبة ١٧٦/٥.
٣٠٢
الموطأ
وذكَرِ المُعَلَّى ، حدثنا مُشَيْمٌ، عن يُونسَ، عن الحسن قال: إذا طَلَّقَها التمهيد
وفى بَطنِها وَلَدان، فوَضَعت أحدَهما، فقد انقَضَت عِدَّتُها(١).
قال: وحدثنا هُشَيْمٌ، أخبرنا أشعَتُ(٢)، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ
(٣)
مثله(٣) .
أخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدثنا قاسمٌ، قال: حدثنا محمدُ بنُ
شاذَانَ ، قال: حدثنا المُعَلَّى، قال: حدثنا عبَّدُ بنُ العَوَّامِ ، أخبرنا سعيدٌ ،
عن قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، والحسنِ، وعطاءٍ ، قالوا: هو أحقُّ بها
ما لم تَضَعِ الآخَرَ(٤).
وهذا هو الصَّوابُ؛ لظاهِرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَأُوْلَتُ اُلْأَحْمَالِ
أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. ومَن بَقِى فى بَطنِها وَلَّدٌ فلم تَضَعْ
حَمَلَها، والأصلُ أَنَّه أَمْلَكُ بها ، فلا يَزُولُ ملكُه(٥) مِن ذلك إِلَّا بِيَقِينٍ ، ولا
يقينَ إِلَّا بوضع جميع الحملِ. وما وَضَعَتْه الحاملُ مِن مُضْغَةٍ أَو عَلَقَةٍ ، فقد
حَلَّتْ به عندَ مالكٍ وأصحابِهِ . وهو قولُ إبراهيمَ وغيرِه. وقال الشافعىُّ
القبس
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٢١٠٠) عن هشيم به .
(٢) فى الأصل، ن، م: ((شعبة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧٧/٣.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٢١٠٥) عن هشيم به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٦/٥ من طريق سعيد به بذكر: ((سليمان بن يسار)). بدلًا من:
((الحسن)).
(٥) فى الأصل، ق، م: ((ما له)).
٣٠٣
الموطأ
التمهيد وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبلٍ: لا تَحِلُ إِلَّا بوَضْعِ ما يُبيِّنُ فيه شىءٌ مِن خلقٍ
الإنسان . وهو قولُ الحسنِ البصرىِّ وغيرِه (١) .
وطلاقُ السُّنَّةِ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ فى الحامِلِ، والصغيرةِ التى لم
تَحِضْ، واليائسةِ مِن المحِيضِ، أن يُطلَّقنَ واحدةً متى شاء، وتَحِلُّ
الحامِلُ بآخِرٍ وَلدٍ فى بطنِها ، والصغيرةُ واليائسةُ بتمامِ ثلاثة أشهرٍ .
ومَن كانت(٢) عِدَّتُها بالشُّهورِ؛ كاليائِسَةِ والصغيرةِ، فَطُلِّقَتْ فى
بعضٍ اليومٍ، لم تَعْتَدَّ بباقى ذلك اليومِ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ . وأمّا سائِرُ
العلماءِ، فتعتدُّ به عندَهم إلى مثله من اليومِ الذى تَتِمُ بهِ عِدَّتُها . فإن طُلِّقَت
الصغيرةُ أو اليائسةُ عندَ استهلالِ الهِلالِ ، اعتدَّت بالأهلةِ ؛ تِسعًا وعشرينَ
كان الهلالُ أو ثلاثين. وإن طُلِّقَتْ فى بعضِ الشهرِ، أَتَمَّتْ بَقيَّةً الشهرِ،
واعتدَّتْ بالأهلَّةِ الشهرَينِ، وتَبْنِى على بقيةِ ذلك الشهرِ، تمامَ ثلاثين يومًا .
والمستحاضةُ عندَ مالكٍ وأصحابِه أيضًا يُطلَّقُها زوجها للسنةِ متى
شاء، وعِدَّتُها سَنَةٌ ، إلّا أن تَرِتابَ فتُقيمَ إلى زَوالِ الرِّيبةِ، وهذا إذا كانتٍ
المستحاضَةُ لا تُميِّزُ دَمَ خَيضيتِها من دَمِ استحاضَتِها ، فإن ميَّزَتْه، لم يُطلِّقْها
زوجها للسُّنةِ إلَّا فى طُهرِها المعروفِ، وتعتَدُّ به قُرْءًا إذا كان دَمُ حيضتِها
بعدَه معروفًا. هذا قولُ مالكِ، والشافعيِّ، وأكثرِ أهلِ العلم. وقد قال
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٧٧/٥.
(٢) بعده فى الأصل، م: ((فى)).
٣٠٤
الموطأ
التمهيد
مالكٌ أيضًا: إِنَّ المستحاضَةَ لا يُثْرِثُها إِلَّ السَّنَةُ أبدًا، مَّرَتْ دَمَها أو لم
تُميِّزْ؛ لأنَّ الاستحاضةَ رِيبَةٌ. وهذا أشهرُ فى مذهبِه عندَ أصحابِه . وعندَ
الشافعيّ، إذا كانت مُشتَبِهةَ الدم، لا تَدْرِى دَمَ حيضَتِها مِن دَمِ
استِحاضَتِها، وكان حيضُها قبلَ الاسْتِحاضَةِ وبعدَها سواءً، فإنَّها تَعْتَدُّ
بقدرٍ أَيَّامِ حيضَتِها ، وأمَّا إذا ميَّزَتْ ، فهو قُرُؤُها لعدَّتِها وصلاتِها .
وفُروُ هذا البابِ تطولُ، وقد ذكرنا من ◌ُصُولِهِ ما يُشْرِفُ(١) الناظرُ
فيه على المرادِ منه، وسنذكُرُ مسائلَ الحيضِ واختلافَهم فيها، فى
بابِ نافعٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، مِن كتابِنا هذا(٢) إن شاء اللهُ .
وأمَّا قولُهُ مَّه فى هذا الحديثِ: ((ثم تَطهُرَ(٣)، ثم إن شاء طَلَّقَ، وإن
شاء أمسَكَ، فتلك العِدَّةُ التى أَمَرَ اللهُ تعالى أن يُطلَّقَ لها النساءُ)). ففيه
دليلٌ بَيِّنٌّ على أنَّ الأقرَاءَ التى تَعتَدُّ بها المطلّقةُ هى الأطهارُ، واللهُ أعلمُ؛
لأَنَّ اللهَ تبارك وتعالى جعَل المُطلَّقاتِ يتَربَّصْنَ بأنفسِهنَّ ثلاثةَ قُروءٍ، فلمَّا
نَهَى رسولُ اللهِ وَ له عن الطلاقِ فى الحيضِ، وقال: إنَّ الطلاقَ فى
الطُّهُورِ هو الطلاقُ الذى أذِنَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيه للعِدَّةِ بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ﴾. أو: (لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ). عُلِمٍ أَنَّ الأَقْرَاءَ التى تَعْتَدُّ بها المُطلَّقَةُ هى
القبس
(١) فى ق: (يستشرف)).
(٢) تقدم فى ٥٥٠/٣ - ٥٨٦.
(٣) بعده فى م: ((ثم تحيض، ثم تطهر)).
٣٠٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٠/١٥)
الموطأ
التمهيد الأطهارُ؛ لأنَّ الطلاقَ للعِدَّةِ إنَّما يكونُ فيها، وليس الطلاقُ فى الحيضِ
للعِدَّةِ، وفى ذلك بَانُ أنَّ الأَقْرَاءَ الأطهارُ. واللهُ أعلمُ .
وهذا موضِعٌ اختلف فيه العلماءُ من الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم من
الخالِفين؛ لأَنَّه موضعُ اشتِباهٍ وإشكالٍ، لأَنَّ الحيضَ فى كلامِ العربِ
يُسَمَّى قُرْءًا، والطّهرَ أيضًا فى كلام العربِ يُسَمَّى قُرْءًا، وأصلُ القُرْءِ فى
اللغةِ الوقتُ، والظَّهُورُ(١)، والجمعُ، والحملُ أيضًا، فقد يكونُ القُرْءُ وقتَ
جمعِ الشىءٍ، وقد يكونُ وقتَ ظُهُورِه (١) ، وَقْتَ حَبْسِه والحَمْلِ به . قال
أبو العباس أحمدُ بنُ يحبى ثعلبٌ : القُرُوءُ الأوقاتُ، والواحدُ قُرْءٍ، وهو
الوقتُ ، وقد يكونُ حَيْضًا ، ويكونُ طُهْرًا. وقال الخليلُ (٢): أقرَأْتِ المرأةُ،
إذا دَنا حيضُها، " وأَقْرَأتْ، إذا دنا طُهْرُها، فهى مُفْرِىٌ، وقَرَأْتِ الناقةُ ، إذا
حمَلَت، فهى قارئ٤ٌ) ، وأَقْرَأَتْ، إذا استقرَّ الماءُ فى رَحِمِها، وقَعَدَتِ
المرأةُ أيامَ أَقْرَائِها ، أى: أيَّامَ حيضَتِها. وقال قُطْرُبٌ(*) : تقولُ العربُ : ما
القبس
(١) فى م: ((الطهور)).
(٢) فى م: ((طهوره)).
(٣) العين ٢٠٥/٥.
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) محمد بن المستنير أبو على، قطرب، مولى سلم بن زياد، أخذ النحو عن سيبويه، له
((معانى القرآن)) و((الاشتقاق)) و((المثلث)) وغيرها، توفى سنة ست ومائتين. تاريخ العلماء
النحويين ص ٨٢، وإنباه الرواة ٢١٩/٣.
٣٠٦
الموطأ
أَقْرَأتْ هذه الناقةُ سَلَّى(١) قَطُّ. أى: لم تَرْم به. وقالوا: أَقْرَأْتِ(١) النَّقَةُ التمهيد
أَقْرُؤًا(٣) . وذلك مُعاوَدَةُ الفحلِ إِيَّاها أوَانَ كُلِّ ضِرَابٍ(٤). وقالوا أيضًا:
قَرَأْتِ المرأةُ قُرْءًا، إذا حاضَتْ أو طَهُرَتْ، وقَرَأَتْ أيضًا، إذا
حَمَلَتْ .
قال أبو عمرَ : فى الأقْراءِ شواهِدُ مِن أشعارِ العربِ الفُصَحاءِ، مَعانِيها
مُتقارِبَةٌ، فمنها قولُ عمرو بنٍ كُلُومٍ(٥) :
هِجانِ اللَّوْنِ لم تَقْرَأْ جَنِينًا(٦)
ذِراعَىْ عَيْطَلٍ أدماءَ بِكرٍ
وقال محُمَيْدُ بنُ ثورٍ() :
القبس
(١) السَّلَى: الجلدة الرقيقة التى يكون فيها الولد يكون ذلك للناس والخيل والإبل، وقيل: هو
فى الماشية السّلى وفى الناس المشيمة. اللسان (س ل ی).
(٢) فى الأصل، م: ((قرأت)).
(٣) فى ن: ((قرأ))، وفى م: ((أقرءًا)).
(٤) بعده فى الأصل: ((وقال)).
(٥) البيت من معلقته المشهورة، وهو فى شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات ص ٣٧٩،
٣٨٠، وشرح القصائد التسع المشهورات ٧٨٢/٢، وشرح القصائد العشر ص ٢٢٤.
والشطر الثانى فى شرح القصائد السبع وشرح القصائد العشر:
· تربعت الأجارع والمتونا .
(٦) العيطل: الناقة القوية فى حسن منظر وسمن، وأدماء : من الأدمة، وهى فى الإبل بياض
مع سواد المقلتين، والهجان من الإبل: البيض الكرام. اللسان (ع ط ل، أ د م، هـ ج ن ).
(٧) ديوانه ص ٢١.
٣٠٧
الموطأ
مِرَاحًا ولم تَقْرَأْ جَنِينًا ولا دَمَا
التمهيد أَرَاهَا غُلَامَاها الحِمَى (١) فتَشِذَّرَتْ(٢).
أى: لم تجمَعْ ولم تَضُمَّ فى رَحِمِها جَنيئًا فى وَقْتِ
الجمعِ .
وقال الهُذَلئ(٣):
إذا هَبَّتْ لقارِئِها الرِّياح
كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بنى شُلَيْلٍ(4)
أى: لوَقتِها(٥).
وقال الأعشَى(٦) ، فجعَلَ الأَقْرَاءَ الأطهارَ -:
أَفِى(٧) كلِّ عامٍ أنت جاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لِأُقْصاها عزيمَ عَزَائِكًا
لما ضاع فيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا
مُوَرِّثَةٍ مَالًا وفى الحىّ(٨) رِفْعَةً
القبس
(١) فى الديوان: ((الخلى)). والخَلَى: الرطبُّ من النبات، واحدته خلاةٌ . اللسان (خ ل ى).
(٢) التشذُّر: النشاط والسرعة فى الأمر، وتشذّرت الناقة: إذا رأت رعيًا يسرها فحركت برأسها
مرحا وفرحا. اللسان ( ش ذ ر ).
(٣) هو مالك بن الحارث الهذلى، والبيت فى ديوان الهذليين ٨٣/٣، وينسبه الجمحى وأبو
عبد الله إلى تأبط شرا الفهمى يجيب به مالك بن الحارث. ينظر شرح أشعار الهذليين ٢٣٩/١.
(٤) العقر: القصر، أو هو مكان ، شليل: من بجيلة، وهو جد جرير بن عبد الله البجلى. شرح
أشعار الهذليين ٣/ ٢٣٩.
(٥) بعده فى م: ((والعقر ههنا موقف الإبل إذا وردت الماء)).
(٦) ديوانه ص ٩١.
(٧) فى الديوان: ((وفى)).
(٨) فى الديوان: ((الحمد)).
٣٠٨
الموطأ
فالقُرُوءُ فى هذا البيتِ الأطهارُ، قال ابنُ قتيبةً: لأَنَّه لما خرَجَ إلى الغزوِ التمهيد
لم يَقرَبْ نِساءَه أيَّامَ قُرُوئِهِنَّ، أى: أطهارِ هِنَّ.
قال أبو عمرَ: يَدُلَّكَ على أنَّ الأقراءَ فى بَيتِ الأعشَى الأطهارُ وإن
كان ذلك فيه بَيًِّا والحمدُ للهِ، قولُ الأخطَل (١):
قومٌ إذا حارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُم دُونَ النِّساءِ ولو باتَتْ بأطهارٍ
وقال آخرُ فجعَلَ القُرْءَ الحيضَ(٢):
(٣)
یا ژُبَّ ذِی ضَبٍّ علىَّ فارِضِ
له قروءٌ كقروءِ الحائضِ
قالوا : القُرْءُ فى هذا البيتِ الحيضُ ، يريدُ أنَّ عداوتَه تَهِيجُ فى أوقاتٍ
مَعْلُومةٍ ، كما تَحِيضُ المرأةُ فى أوقاتٍ معلومةٍ . وقال القُتَبِىُّ(٤) فى قولِ اللهِ
عزَّ وجلّ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]: هى الحيضُ ، وهى الأطهارُ أيضًا ،
القبس
(١) ديوانه ص ٨٤.
(٢) الرجز فى الحيوان ٦٦/٦، ٦٧، وغريب الحديث لابن قتيبة ٢٠٦/١ واللسان والتاج
(ف رض)، والبيت الأول فى الحيوان :
علىّ ذی ضغن وضب فارض
وفى بقية المصادر :
يا رب ذی ضغن علىّ فارض
(٣) الفارض: المسنة. اللسان ( ف رض ).
(٤) فى ن: ((العتبى)). وينظر غريب الحديث لابن قتيبة ٢٠٥/١.
٣٠٩
الموطأ
التمهيد واحدُها قُرْءٍ، وتُجمَعُ أَقْرَاءٌ، وإنَّما نجعِل الحيضُ قُزْءًا، والطُّهرْ قُرْءًا؛ لأَنَّ
أصلَ القُرْءِ فى كلامِ العربِ الوقتُ ، يقالُ: رجَع فلانٌ لقُرْيِه، ولقارئِه،
أى: لوَقتِه . وأُنشَد بيتَ الهُذَلِيِّ المَذْكُورَ.
قال أبو عمرَ: فهذا أصلُ القُرْءِ فى اللغةِ ، وأمَّا معناه فى الشريعةِ،
فاختلف العلماءُ فى مُرادِ اللهِ عزَّ وجلَّ مِن قولِه: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾. فقال منهم قائِلون: الأقراءُ الحيضُ ههُنا .
واستَدَلَّوا بأشياءَ كثيرةٍ ؛ منها قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوٍَّ﴾. قالوا :
والمطَلِّقُ فى الطهرِ إذا مَضَى بعضُه واعتَدَّتْ به امرأتُه، فلم تعتدَّ ولم تَتربَّصْ
ثلاثةَ قُرُوءٍ، وإنَّما تَربَّصَتْ قُرْءَينِ وبعضَ الثالثِ إذا كانَتِ الأقراءُ الأطهارَ.
قالوا: واللهُ عزَّ وجلّ يقولُ: ﴿ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾. فلا بُدَّ أن تكونَ كامِلَةً .
وفَّقوا بينَ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾. فلا تكونُ إِلَّ(١) ثلاثةٌ كامِلَةٌ
عندَهم، وبينَ قولِه: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وإنَّما هى
شَهرانٍ وبعضُ الثالثِ عندَ الجميع، فقالوا: ذكَّر اللهُ فى القُروءِ ثَلاثَةٌ
عَدَدًا، ولم يَذْكُرْ فى أشهرِ الحجِّ عَددًا ، وما ذُكِر فيه عددٌ فلا بُدَّمِن إكمالٍ
ذلك العَدَدِ. واحتَجُوا أيضًا بقول رسولِ اللهِ وَ له للمُستحاضَةِ: ((اتركى
الصلاةَ أَيامَ أَقرائِكِ))(٢) . أى: أَيَّامَ حيضِكِ(٣).
القبس
(١) بعده فى ق: ((من)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣١٩.
(٣) فى ق: ((حيضتك)).
٣١٠
الموطأ
وبما حدثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، التمهيد
قال : أخبرنا مُطَّلِبُ بنُ شُعَیْب ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح ، حدثنا
اللیثُ ، عن تزِید بن أبی حییپ ، عن بُگیْرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجُّ، عن
المنذِرِ بنِ المغيرةٍ ، عن عروةَ بنِ الزبيرٍ ، أنَّ فاطِمةً ابنةً أبى حبيشِ حدَّثته ،
أنَّها أَتَتِ النبىَّ وَِّ فِشَكَتْ إليه الدَّمَ، فقال لها رسولُ اللهِ وَةِ: ((إنَّما
ذلك عِرْقٌ، فانظُرى، إذا أتاكِ قُرُؤُكِ فلا تُصَلِّى، وإذا مَرَّ القرءُ فتَطَهَّرى ، ثم
صَلِّى ما بينَ القُرْءِ إلى القُرْءِ))(١).
واحتَمُوا أيضًا بالإجماع على أنَّ عِدَّةَ أُمّ الوَلَدِ حيضَةٌ ، وبأشياءَ يطولُ
ذِكرُها، هذه مجُمْلَتُها. وممَّن ذهَب إلى هذا؛ سفيانُ الثورىُّ،
والأوزاعىُ ، وأبو حنيفةً، وأصحابُه، وسائِرُ الكوفيّين، وأكثرُ العِرَاقِيِّين،
وهو الذى استَقَوّ عليه أحمدُ بنُ حنبلٍ فيما ذكَرَ الخِرَقِىُّ عنه، خِلافُ ما
حكَى الأثرمُ عنه ، قال : إذا طَلَّقَ الرجلُ امرأتَه وقد دخَل بها ، فعِدَّتُها ثَلاثُ
حِيَضٍ غيرَ الحيْضةِ التى طَلَّقَها فيها إِن طَلَّقَها حائضًا، فإذا اغتسَلت من
الحيضةِ الثالثةِ أَبِيحَتْ للأزْوَاجِ. حَكَى ذلك عنه عُمَرُ بنُ الحسينِ الخِرَقیُّ
فى ((مُختَصَرِه)) على مذهبٍ أحمدَ بنِ حنبلٍ. وهذا مذهبُ الفقهاءِ الذينَ
ذكَرناهم، وهو المروِىُّ عن أبى بكرِ الصِّدِّيقِ، وعمرَ بنِ الخطابِ ، وعلىٍّ
ابن أبى طالبٍ ، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، وأبی موسى الأشعرىِّ، ومعاذِ بنِ
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٥٤٤/٣ .
٣١١
الموطأ
التمهيد جبلٍ، وأبى الدَّرْداءِ، وعُبَادَةَ بنِ الصامتِ ، وابنٍ عباسٍ، وجماعةٍ مِن
التابعين بالحجازِ، والشامِ، والعراقٍ، وقولُهم كلِّهم: إِنَّ المُطلَّقةَ لا تَحِلُّ
للأزواجِ حتى تغتسِلَ مِن الحيضةِ الثالثةِ(١).
وقال آخرون: الأقراءُ التى عنَى اللهُ عزَّ وجلّ وأرَادَها بقولِه فى
المطلقاتِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾. هى الأطهارُ، ما بينَ
الحيضةِ والحيضةِ قُرءٍ. قالوا : وهو المعروفُ مِن لسانِ العربِ. على ما
ذكرنا عن أهلِ العلم باللغةِ فى هذا البابِ . قالوا: وإنَّما هو جَمْعُ الرَّحم الدَّمَ
لا ظُهورُه(٢)، ومنه: قَرَأْتُ الماءَ فى الحوضِ، أى: جمَعتُه، وقرأتُ
القرآنَ، أى: ضمَمْتَ بعضه إلى بعضٍ بلسانِك. قالوا : والدليلُ على أنَّ
الأطهارَ هى الأقراءُ التى أمَرَ اللهُ المطلّقةَ أنْ تَتَرَبَّصَها، أمرُ رسولِ اللَّهِ وَه
بالطلاقٍ فى الطهرِ لمن شاءَ أن يُطلِّقَ، و(٣) قولُه: ((هى(٤) العِدَّةُ التى أمَر اللهُ
عزَّ وجلَّ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ)). فبيَّنَ مُرادَ اللهِ عزَّ وجلَّ مِن قولِه:
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٩٨٣ - ١٠٩٨٥، ١٠٩٨٧، ١٠٩٨٨، ١٠٩٩٠،
١٠٩٩٤ - ١٠٩٩٧، ١١٠٠٠، ١١٠٠٢)، وسنن سعيد بن منصور (١٢١٦، ١٢١٧ -
١٢٢٣، ١٢٣٠، ١٢٣٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٩٢/٥ - ١٩٤، وتفسير ابن جرير ٨٩
- ٩٥، وسنن البيهقى ٤١٧/٧.
(٢) فى م: ((طهوره)).
(٣) بعده فى ن: ((هو)).
(٤) فى الأصل، ق، م: ((فى)).
٣١٢
الموطأ
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾. أو: ( لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ). وهو المُبيِّنُ عن اللـهِ مُرادَه التمهيد
وَه . وستَزِيدُ هذا الوجهَ حُجَّةٌ وبيانًا فيما بعدُ مِن هذا البابِ ، إذا أُتَيْنا على
نقضٍ ما احتجَّ به القائلونَ بالقولِ الأُولِ إن شاء اللهُ. ومِمَّن ذهَب إلى أنَّ
الأَقْرَاءَ الأطهارُ؛ مالكٌ، والشافعىُّ، وداودُ بنُّ علىٍّ، وأصحابُهم. وهو
قولُ عائشةَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وروِی أيضًا عن ابنٍ
عباسٍ. وبه قال القاسمُ، وسالمٌ، وأبانُ بنُ عثمانَ، وأبو بكرِ بنُ
عبدِ الرحمنِ ، وسليمانُ بنُ يسارٍ ، وعروةُ بنُ الزبيرِ ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ،
وابنُ شهابٍ، وربيعةُ، ويحيى بنُ سعيدٍ، كلَّ هؤلاءٍ يقولون: الأقراءُ
الأطهارُ(١) . فالمطلّقةُ عندَهم تَحِلُّ للأزواجِ وتخرجُ مِن عِدَّتِها بُدُخولِها فى
الدَّمِ مِن الحيضةِ الثالثةِ ، وسَواءٌ بَقِى مِن الطّهرِ الذى طُلِّقَتْ فيه المرأةُ يومٌ
واحِدٌ ، أو أقلُّ، أو أكثرُ، أو ساعةٌ واحدةٌ ، فإِنَّها تَحتسِبُ به المرأةُ قُرْءًا؛
لأَنَّ المُبتَغَى مِن الطُّهرِ دخولُ الدم عليه، وهو الذى يُنْبِئُ عن سَلامةٍ
الرحِمِ ، وليستِ استدامةُ الطهرِ بشىءٍ. وهذا كلُّه قولُ مالكِ ، والشافعىِّ،
وسائرِ الفقهاءِ القائلين بأنَّ الأقراءَ الأطهارُ، إلَّ الزهرىَّ وحدَه، فإِنَّه قال فى
امرأةٍ طُلِّقَتْ فى بعضِ طُهْرِها: إنَّها تعتدُّ ثلاثةَ أَطهارٍ سِوَى بَقِيَّةِ ذلك
٠۵
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٠٠٣ - ١١٠٠٦، ١١٠٠٨)، وسنن سعيد بن منصور
(١٢٢٥ - ١٢٢٩، ١٢٣١، ١٢٣٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٩١/٥، ١٩٢، وتفسير ابن
جرير ٩٥/٤ - ١٠٠، وسنن البيهقى ٤١٥/٧، ٤١٦، وما سيأتى فى الموطأ (١٢٤٧ -
١٢٥٤) .
٣١٣
الموطأ
التمهيد الطُّهْرِ (١). فعلى قولِه، لا تَحِلُّ المطلَّقةُ حتى تدخُلَ فى الحيضةِ الرابعةِ.
والحُجَّةُ لمالكِ، والشافعيِّ، ومَن قال بقولِهما، أنَّ النبيَّ وَّ أَذِنَ فِى
طَلاقِ الطَّاهرِ مِن غيرِ جماعٍ، ولم يقلْ: أوَّلَ الطهرِ. ولا: آخِرَه.
وذكَر أبو بكرِ الأَثْرَمُ أنَّ أحمدَ بنَ حنبلٍ کان یذهَبُ إلی قولِ عمرَ ،
وعلىٍّ، وعبدِ اللهِ ، وأبى موسى ، ثم رَجَع عن ذلك، وقال : رأيتُ حدیثَ
عمرَ وعبدِ اللهِ يَختلِفُ فى إسنادِه الأعمشُ، ومنصورٌ، والحكمُ، وحديثُ
علىِّ رَوَاه سعيدُ بنُ المسيَّبِ عن عليٍّ، وليس هو عندى سمائٌ، أرسَله
سعيدٌ عن علىٍّ ، وحديثُ الحسنِ عن أبى موسى الأشعرىِّ منقِطِعٌ؛ لأنَّ
الحسنَ لم يَسمَعْ مِن أبى موسى ، وسائرُ الأحاديثِ عن الصحابةِ فى هذا
مُرسَلٌ . قال: والأحاديثُ عمَّن قال : إنه أحقُّ بها حتى تَدخُلَ فى الحيضةِ
الثالثةِ. أسانيدُها صِحاحٌ قَويَّةٌ. قال: ثم ذهَب بعدُ أحمدُ إلى هذا .
قال أبو عمرَ : الاختلافُ الذى حِكَاه أحمدُ بنُ حنبلٍ فى حديثٍ عُمرَ
وعبدِ اللهِ، هو أن الأعمشَ يَروِيه عن إبراهيمَ، عن عُمرَ وعبدِ اللهِ ، أنَّهما
قالا : هو أحقُّ بها ما لم تَغتسِلْ مِن الحيضةِ الثالثةِ(١).
ء
وكذلك روَاه حَمَّادٌ، عن إبراهيمَ، مرسَلًا عن عمرَ وعبدِ اللهِ(٣)، كما
القبس
(١) ذكره ابن حزم ٦٣٢/١١.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (١٢٣٠)، وابن أبى شيبة ١٩٢/٥، وابن جرير فى تفسيره ٩٢/٤ من
طريق الأعمش به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٨٩)، والطبرانى (٩٦١٨) من طريق حماد به .
٣١٤
الموطأ
روَاه الأعمشُ. وكذلك رواه أبو مَعشَرٍ أيضًا(١).
التمهيد
وروَاه الحكمُ، عن إبراهيمَ، عن الأُسودِ ، عن عمرَ وعبدِ اللهِ ، قالا :
هو أحقُّ بها ما لم تَغْتسِلْ مِن الحيضةِ (٢) الثالثَةِ(٣).
فهذا هو الاختلافُ الذى عَنَى أحمدُ بنُ حنبلٍ. واللهُ أعلمُ .
ومَن خالَفَنا يقولُ : إِنَّ مَراسِيلَ إبراهيمَ عن ابنٍ مسعودٍ وعمرَ صِحَاحٌ
كلُّها، وما أُرسِلَ منها أقوَى مِن الذى أُسنِد، حكَى هذا القولَ يحتِى
القطانُ وغيرُه . وقد ذكّرنا فى صدرِ هذا الدِّيوانِ ما يَشْفِى فى هذا المعنَى ،
عن إبراهيمَ وغيرِه (٤).
وأمَّا حديثُ علىّ، فروَاه قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن
(٥)
علىّ (٥).
وروَاه جعفرُ بنُّ محمدٍ ، عن أبيه ، عن علىّ ، أَنَّه قال: له الرجعَةُ حتى
تَغْتَسِلَ مِن الخَيضةِ الثالثةِ(١).
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٨٩/٤، ٩٠، ٩٢، ٩٣ من طريق أبى معشر به.
(٢) ليس فى : الأصل، ق، م.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٩٢/٥، ١٩٣، وابن جرير فى تفسيره ٤/ ٩١، ٩٢ من طريق
الحكم به .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٣٢٣/١ - ٣٣٣ .
(٥) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٩٧/٤ من طريق قتادة به .
(٦) أخرجه سعيد بن منصور (١٢٣٣) من طريق جعفر به .
٣١٥
الموطأ
التمهيد
ورَواه الزهرىُّ أيضًا عن سعيدٍ، عن عليٍّ. ذكَره الحُمَيْدِىُّ، عن
سفيانَ ، عن الزهرىِّ، قال: أخبرنى سعيدٌ، عن علىّ، أَنَّه أحقُّ بها ما لم
تَغْتَسِلْ مِن الثالثةِ(١) . وهو قولُ سعيدٍ(٢).
وأمَّا حديثُ أبى موسى ، فإنَّما يَروِيه الحسنُ، عن أبى موسى(١) . ولم
یسمَغْ منه كما قال أحمدُ .
وأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍٍ ، فرواه ابنُ أبى يحبّى ، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ،
عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ . وروَاه جعفرُ بنُ محمدٍ أيضًا ، عن أبيه ، عن
ابنِ عباسٍ .
وأمَّا سائِرُ الأحاديثِ عن الصحابةِ الذين رُوِى عنهم أَنَّه أحقُّ بها ما لم
تَغْتسِلْ مِن الحيضَةِ الثالثةِ ، فإنَّما هى مِن مراسِيلٍ مكحولٍ والشعبىِّ،
وكلُّ هؤلاءِ يقولون: الأقراءُ الحِيَضُ. وأمَّ الأحاديثُ عن الصحابةِ القائلين
بأنَّ الأقراءَ الأطهارُ، فأسانيدُها صِحَاحٌ . روَى حديثَ عائشةَ ابنُ شِهَابٍ ،
القبس
(١) أخرجه الشافعى ١٧٩/٥، وابن أبى شيبة ١٩٣/٥، والطحاوى فى شرح المعانى ٦٢/٣
من طريق سفيان به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٩٣/٥.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٩٤ - ١٠٩٩٧)، وسعيد بن منصور (١٢٢٠، ١٢٢٢)، وابن
جرير فى تفسيره ٩٠/٤ من طريق الحسن به .
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٩٣/٥، والناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٢١٥، والمحلى ٦٢٧/١١.
٣١٦
الموطأ
التمهيد
عن عروةَ وعمرةً(١)، عن عائشةَ، أنَّ الأقراءَ الأطهارُ(٢).
وحديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ "رواه مالكٌ(٤) ، عن نافع وزيدِ بنِ أسلَمَ ، عن
سليمانَ بنِ يسارٍ، عن زيد بن ثابتٍ ٢٢، أنه قال: إذا دخَلَت فى الدَّمِ مِن
الحيضةِ الثالثةِ ، فقد بَرِثَتْ منه وبَرِئ منها، ولا تَرِثُه ولا يَرِثُها .
وحديثُ ابنِ عمرَ روَاه مالكٌ (*)، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ قال: إذا
طَلَّقَ امرأْتَه فدخَلَت فى الدَّمِ مِن الحيضةِ الثالثةِ ، فقد بَرِثَتْ منه وبَرِئَّ منها ،
ولا تَرِثُه ولا يَرِثُها. وابنُ عمرَ روَى الحديثَ عن النبيِّ وَلِّ أنه قال:
(( فتلك العِدَّةُ التى أمرَ اللهُ أن يُطَلَّقَ لها النِّسَاءُ)). وله عَرَضَتِ القِصَّةُ إِذْ طَلَّقَ
امرأته حائضًا، وهو أعلمُ بهذا، ومعه زيدُ بنُ ثابتٍ ، وعائشةُ، وجمهورُ
التابعين بالمدينة، ومعه دليلٌ آخَرُ، حديثُ النبيِّ وَلَةِ، وهو الحُجَّةُ
القاطعةُ عندَ التنازعِ فى مثلِ هذا . وباللهِ التوفيقُ .
وقد روَينا عن ابنِ عباسٍ خلافَ ما روَى المخالفون عنه .
أُخبرَنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
م
القبس
(١) فى النسخ: ((غيره)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٢٤٧).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٢٤٩).
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٢٥١).
٣١٧
1
الموطأ
التمهيد حدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضى ، حدثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدثنا عبدُ
العزيزِ بنُ محمدٍ ، عن ثورِ بنِ زيدِ الدِّيلىّ، عن عكرمةَ ، أنَّ ابنَ عباسٍ كان
يقولُ : إِذا حاضَتِ الثالثةَ فقد بانَتْ مِن زَوْجِها .
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمٌ، قال : حدثنا
محمدُ بنُ شاذانَ ، قال: حدثنا المُعَلَّى، قال: أخبرنى عبدُ العزيزِ بنُ
محمدٍ ، أَنَّ ثورَ بنَ زیدِ الکِنَانِئِّ حدَّثه، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ قال :
إذا حاضَتِ المطلّقةُ الحيضةَ الثالثةَ فقد بانَتْ مِن زوجِها ، إلّا أنَّها لا تَتَزَوَّجُ
(١)
حتى تَظْهُرَ(١).
وهذه الزيادةُ ، قولُه: إلّا أنها لا تتزوَّجُ حتى تطهُرَ. ضَعِيفَةٌ فى النَّظَرِ،
فإِن صَحَّت، احتمَلَ أن يكونَ استحبَابًا مِن ابنِ عباسٍ أَلَا يَعقِدَ على
الحائض أحدٌ خوفًا أن تَدْعُوَه الشهوةُ إلى الوَطْءِ فی حیضِها ، وهی عندى
زيادةٌ مُنكَرَةٌ، وحَسْبُه أَنَّه قد أُخْرَجَها مِن العِدَّةِ بقولِه: فقد بانَتْ مِن
زوجِها . وإذا خرَجَت مِن العِدَّةِ ، فالنكاحُ لها مُباعٌ فى الأُصُولِ كلِّها .
وأمَّا حُجَّةُ مَن احتَجَّ (" بأنَّ اللهَ قال٢): ﴿ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فوجَبَ أن تكونَ ثلاثةً كاملةً، وقال فى قوله: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ
القبس
(١) أخرجه سعيد بن منصور (١٢٢٧)، وابن حزم ٦٢٤/١١ عن عبد العزيز بن محمد به ..
(٢ - ٢) فى الأصل، ق، ن: ((بأن قال)).
٣١٨
الموطأ
· [البقرة: ١٩٧]. فجائزٌ أن تكونَ شهرَينٍ وبعضَ الثالثِ ، وفَّقَ التمهيد
مَعْلُومَتٌ﴾
بينَ ذلك بذِكْرِ العَدَدِ . فلا وجهَ لما قال ؛ لأنَّ المبتغَى مِن الأقراءِ ما يَبْرَأْ به
الرحمُ ، وهو خُروجُ المرأةِ مِن الطهرِ إلى الدمِ ، فذلك الوقتُ هو المبتغَى
والمرَاعَى، وقد حصَلَ منه ثلاثةُ أوقاتٍ كاملةٍ بدُخُولِها فى الدمٍ مِن
الحيضةِ الثالثةِ . ودليلٌ آخرُ، وهو أنَّ الطهرَ مُذكَّرٌ، فهو أشبهُ بقولِ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾. لإدخالِهِ الهاءَ فى ﴿ثَلَثَةَ﴾، وهى لا تدخُلُ إِلَّ فى
العددِ المذَكَّرِ ، والحيضةُ مُؤنَّئةٌ ، فلو أرادها لقال: ثَلاثَ قُرُوءٍ. وقد احتَجّ
أصحابُنا بهذا، وهذا عندى ليس بشىءٍ؛ لأنَّ التَّذكيرَ فى العددِ إنَّما جاء
على لفظِ القُرْءِ وهو مذكَّرُ). وأمَّا احتِجائجهم بقولِهِ وَ لّ للمُستحاضَةِ:
((اقْعُدى أيامَ أَقْرَائِكِ، وانظرى، إذا أتاكِ قُرْؤُكِ فلا تُصَلَّى)) (١). ونحوِ هذا،
فليس فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ الحيضَ قد يُسمَّى قُرْءًا، ولسنا نُنازِعُهم فى ذلك،
ولكنَّا نُنازِعُهم أن يكونَ اللهُ عزَّ وجلَّ أَرَادَه بقولِه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ
ثَلَاثَةَ قُرُوَةٍ﴾. على أنَّ هذا الحديثَ قد ضَعَّفَه أهلُ العلم ؛ لأَنَّه يُروَى عن
عائشةَ ، وعائشةُ لم يُختلَفْ عنها فى أنَّ الأقراءَ الأطهارُ، فيَبعُدُ عن عائشةً
أن تَروِىَ عن النبيِّ وَّ أنَّه قال للمُستَحاضَةِ: ((دعى الصلاةَ أيامَ أقرَائِكِ)).
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ق، م: ((هى مذكرة)).
(٢) أخرجه أحمد ٤٣٩/٤١ (٢٤٩٧٢)، والنسائى (٢٠٩، ٢١٠، ٣٥٤، ٣٥٥)،
والطحاوى فى شرح المعانى ٩٨/١، والبيهقى ٣٤٩/١، ٣٥٠ من حديث عائشة.
٣١٩
الموطأ
•
التمهيد وتقولَ : الأقراءُ الأطهارُ. فإن صَحَّ عن عائشةً، فهو حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ
عائشةَ تكونُ حينَئِذٍ أخبَرت بأنَّ القُرْءَ الذى يَمنَعُ مِن الصلاةِ ليس هو القُرْءَ
الذى تَعْتَدُّ به مِن الطلاقِ، وكَفَى بتفرقةِ عائشةً بينَ هذينٍ حُجَّةً . وأمَّا
حديثُ فاطمةَ بنتِ أبى حُبَيْشٍ، فلم يذكُرْ فيه هشامُ بنُ عروةَ مِن روايةٍ
مالكِ وغيرِهِ القُرْءَ، إِنَّما قال فيه : ((إذا أقبَلَتِ الحيضةُ فدَعِى الصلاةَ)) (١).
ولم يقلْ: إذا أتاكِ قُرُؤُكِ . وهشام أحفظُ مِن الذى خالَفَه فى ذلك ، ولو
صَعَّ، كان الوجهُ فيه ما ذكرنا عن عائشةَ . واللهُ أعلمُ. وقد أجمعوا على
أنَّ الطلاقَ للعِدَّةِ أن يُطلِّقَها طاهرًا مِن غيرِ جِماعٍ، لا حائضًا. وأجمعوا
على أنَّ كلَّ مُعتدَّةٍ مِن طَلاقٍ أو وفاةٍ تَحْتَسِبُ عِدَّتَها مِن ساعةٍ طلاقِها ، أو
وفاةٍ زوجِها ، وذلك دليلٌ على أنَّ الأَقْرَاءَ الأطهارُ لا الحِيَضُ؛ لأنَّ القائلين
بأنَّها الحِيَضُ يقولون: إنَّها لا تعتدُّ إلا بالحيْضةِ المقبِلَةِ بعدَ الطهرِ الذى
◌ُلِّقَتْ فيه . فجعَلوا عليها ثَلاثةً قُرُوءٍ وشيئًا آخَرَ، وذلك خِلافُ الكِتابِ
والسنةِ، ويَلزَمُهم أن يقولوا أنَّها قبلَ الحيضةِ فى غيرِ عِدَّةٍ. وحَسبُكَ
بهذا خِلافًا لظاهِرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق:
ولقولِ النبيِّ نَّه: ((فتلك العِدَّةُ التى أَمَرَ اللهُ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ)).
وأمَّا حُجَّتُهم بأنَّ أُمَّ الوَلَدِ عِدَّتُها حيضةٌ بإجماع، وأنها لا يحلُّ لها
النكاح حتى تطْهُرَ مِن حيضتِها، وذلك دليلٌ على أنَّ القُرْءَ الحيضةُ،
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٣٣).
٣٢٠