Indexed OCR Text
Pages 61-80
الموطأ
بينَهما؟ إلا أنَّ أهلَ العلم حمَلوا نَهيَه عن ١ شراءِ الصدقةِ والعَودَةِ فيها على التمهيد
سبيلِ التَّنَزُّهِ عنها لا على سبيلِ التَّحريم، ولِما فى ذلك مِن قَطْع الذرِيعةِ ؛
لئلّا يُطلَقَ للناسِ اشتراءُ صدقاتِهم، فيَشتَرونَها مِن الساعى والمتصدَّقِ عليه
قبلَ القبضِ، فَيَدخُلَ فى ذلك بيعُ ما لم يُقْبَضْ، وإعطاءُ القيمةِ عن العينِ
الواجبة ، وسنذكرُ ما للعلماءِ فى هذا المعنى ، فى بابٍ زیدِ بنِ أسلمَ ، مِن
كتابنا هذا، عندَ ذكرٍ حديثٍ عمرَ فى الفرَسِ (١) إن شاء اللهُ. وأمَّا رُجوعُها
بالميراثِ إلى المتَصَدِّقِ بها ، فلا تُهَمَةَ فيها ولا كراهيةَ تَدخُلُه، ("إلى ما٢)
رُوِى عن النبيِّ بَلَه مِن جوازِه.
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ ،
قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ يُونسَ، قال: حدَّثنا زُهيرٌ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ عطاءٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُريدةً، عن أبيه، أنَّ امرأةٌ أَتَت
رسولَ اللهِ وَِّ فقالت: كنتُ تصدَّقتُ على أَمِّى بوليدةٍ، وإنَّها ماتَت
وتَرَكَت تلك الوليدةَ. فقال: ((وجَب أجركٍ، ورجَعت إليكِ
بالميراثِ))(٤).
٠
القبس
(١) فى ك ١، م: ((على)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٥٩/٨ - ٥٦١.
(٣ - ٣) أشار فى حاشية س إلى أنه فى نسخة: ((لما)).
(٤) أبو داود (١٦٥٦، ٢٨٧٧، ٣٣٠٩)، وأخرجه البيهقى ٣٣٥/٤ من طريق أحمد بن
يونس به، وأخرجه النسائى فى الكبرى (٦٣١٧) من طريق زهير به .
٦١
الموطأ
التمهيد
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، حدَّثنا أبو بكرٍ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ نُميرٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ (١) عطاءٍ، عن ابنِ بُريدةَ، عن أبيه قال: كنتُ جالسًا عندَ النبىّ
نَّه إذ جاءَتِ امرأةٌ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إِنِّى كنتُ تصدَّقتُ على أَمِّى
بجاريةٍ فماتت، وبَقِيتِ الجاريةُ. فقال لها رسولُ اللهِ وَله: (( وجَب
أجرك ، ورجعت إليكِ بالميراثِ))(٢) .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ
ابنِ دَاسَةً ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأشعثِ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ
مرزوقٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أنس بن مالك، أنَّ النبيَّ وَله
أَنِّى بلحم، فقال: (( ما هذا؟)). فقالوا: شىءٌ تُصُدِّقَ به على بَريرةَ . قال :
((هو لها صدقةٌ، ولنا هديَّةٌ))(٣).
قال أبو عمرَ : ففى هذه الآثارِ ما يَدُلَّ على أنَّ الصدقةَ إذا تحوَّلَتْ إلى
القبس
(١) فى س: ((عن)).
(٢) ابن أبى شيبة ٦/ ٢٧٠، ٢٧١ - وعنه مسلم (١٥٨/١١٤٩). وأخرجه أحمد ١٤٠/٣٨
(٢٣٠٣٢) عن ابن نمير به .
(٣) أبو داود (١٦٥٥). وأخرجه أبو نعيم فى مستخرجه (٢٤٠٠)، والمزى فى تهذيب الكمال
٢٣٠/٢٢ من طريق عمرو بن مرزوق به، وأخرجه أحمد ٢٠٢/١٩، ٣٣١، ٢٢٤/٢٠
(١٢١٥٩، ١٢٣٢٤، ١٢٨٥٨)، والبخارى (١٤٩٥، ٢٥٧٧)، ومسلم (١٠٧٤)،
والنسائى (٣٧٦٩) من طريق شعبة به .
٦٢
الموطأ
غيرِ معنَاها حلَّتْ لمن لم تكنْ تَحِلُّ له قبلَ ذلك. وفى قولِهِ مَّاله: ((هو التمهيد
عليها صدقةٌ، وهو لنا هديّةٌ)). دليلٌ واضحٌ(١) على أنَّ ما لم يُحرَّمْ لعينِه؛
كالميْتَةِ، والخنزيرِ ، والدمٍ، والعَذِراتِ، وسائرِ النَّجاسَاتِ ، وما أشبهَها،
وحُرِّم لعلَّةٍ عرَضت مِن فعلٍ فاعلٍ إلى غيرِهِ مِن العِلَلِ، فإنَّ تَحريمَه يَزولُ
بزوالِ العَّةِ ، ألا ترَى أَنَّ الدِّرهمَ المغصوبَ والمسروقَ حرامٌ على الغاصبِ
والسارقٍ مِن أجلِ غَصْبِهِ له وسَرِقتِه إيَّه ، فإن وهَبَه له المغصوبُ منه أو
المسروقُ منه طَيِّةً به نفسُه، حلَّ له، وهو الدِّرهمُ بعينِه .
وقد اعتَلَّ قومٌ ممَّن نفَى القياسَ فى الأحكام ، وزعم أنَّ التعَتَّدَ بالأسماءِ
دُونَ المعانى، بحديثٍ بريرةَ هذا فى قصةِ اللحم والصدقةِ بهِ والهديَّةِ ،
وزعَم أنَّ ذلك اللحمَ لمَّا سُمِّى صدقةً حَرُم ، فلمَّا سُمِّى هديةً حَلَّ . فجاء
بتخليطٍ مِن القولِ وخَطَلِ(١) ، واحتجَّ على مذهبِه فى ذلك بقولِ اللهِ عَّ
وجلّ: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤].
وللكلامِ فى هذا البابِ موضعٌ غيرُ هذا، ولو ذكرناه هلهنا خرَجنا عمَّا
شرَطنا وعمَّا له قَصَدنا . وباللهِ توفيقُنا .
القبس
(١) سقط من: ك ١، م.
(٢) فى ك ١: ((خطأ))، وبعده فى م: ((منه).
٦٣
١٢١٤ - وحدَّثنى عن مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه
الموطأ
كان يقولُ فى الأمَةِ تكونُ تحتَ العبدِ فتَعتِقُ : إن لها الخِيارَ ما لم
يَمَنشَها
قال يحيى : قال مالكٌ: وإن مشَهَا زوجُها فزعَمت أنها جهِلتْ أن
لها الخِيارَ ، فإنها تُنَّهُمُ ولا تُصدَّقُ بما ادَّعتْ من الجهالةِ ، ولا خیارَ لها
بعدَ أن مَشَها .
١٢١٥ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عُروةَ بنِ
الزبيرِ ، أن مولاةً لبنى عَدِيٍّ يقال لها : زَبْرَاءُ . أخبَرَتْه أنها كانت تحتَ
عبدٍ ، وهى أمَّةٌ يومَئذٍ ، فعتَقَتْ . قالت : فأرسَلتْ إلىَّ حفصةُ زوج
١ روی مالكٌ ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه کان یقولُ فی
الاستذكار
الأَمَةِ تكونُ تحتَ العبدِ فتَعتِقُ : إن لها الخيارَ ما لم يَمَسَّها زوجها(٢).
قال مالكٌ: فإن مَسَها زوجها فزعَمت أنها جهِلت أن لها الخيارَ ، فإنها
تُثَّهَمُ ولا تُصَدَّقُ بما ادَّعت مِن الجهالةِ ، ولا خيارَ لها بعدَ أن مَشَها ) .
مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، أن مولاةً لبنى عَدِىٌّ يقالُ
لها : زَبْراءُ. أخبرته أنها كانت تحتَ عبدٍ، وهى أمَّةٌ يومَئذٍ ، فعتّقت .
القبس
(١ - ١) سقط من: ح ، هـ .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٧٣)، وبرواية يحيى بن بكير (١٠/١٢ ظ - مخطوط )،
وبرواية أبى مصعب (١٦٠٣). وأخرجه الشافعى ١٢٢/٥، والبيهقى ٢٢٥/٧ من طريق مالك به.
٦٤
النبيِّ ◌َّ فِدعَتنى، فقالت: إِنِّى مُخبِرَتُكِ خبرًا، ولا أُحِبُّ أن تصنَعى الموطأ
شيئًا ؛ إن أمرَكِ بيدِكِ ما لم يَهْسَسْكِ زوجكِ ، فإن مسّكِ فليس لكِ من
الأمرِ شىءٌ . قالت : فقلتُ : هو الطلاقُ، ثمَّ الطلاقُ، ثمَّ الطلاقُ .
ففارَقتْه ثلاثًا .
الاستذ کار
قالت: فأرسَلتْ إلىَّ حفصةُ زوجُ النبيِّ وَلَّ فَدَعَتْنى، فقالت: إنى
مُخْبِرَتُكِ خبرًا ، ولا أَحِبُّ أن تصنَعِى شيئًا؛ إِنَّ أمرَكِ بيدِكِ ما لم يَمْسَسْكِ
زوجكِ، فإن مَسَّكِ فليس لك مِن الأمرِ شىءٌ. قالت: فقلتُ : هو
الطلاقُ ، ثم الطلاقُ، ثم الطلاقُ. (١ففارَقَتْه ثلاثًا(١) .
قال أبو عمرَ: لا أَعلَمُ مُخالفًا لعبدِ اللهِ وحفصةَ ابنَى عمرَ، فى أن
الخِيارَ لها ما لم يَمَسَّها زوجها .
القبس
وأما حديثُ زَبْراءَ (٢) الذى أدخَله مالكٌ فى هذا البابِ عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، أنها ١
قالت " فى زوجِها) حينَ عَتَقَت: هو الطلاقُ، ثم الطلاقُ، ثم الطلاقُ. ففارقَته
ثلاثًا ، فإنما أراد به أن ذلك الفِراقَ كان ثلاثًا مِن قولِها، لا أنه كان مِن حكمِ اللهِ
عزَّ وجلَّ فيها .
(١ - ١) سقط من: ح ، هـ .
والأثر فى الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٧٤)، وبرواية يحيى بن بكير (١٠/١٢ظ -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٦٠٤). وأخرجه الشافعى ١٢٢/٥، ١٣٩، والطحاوى فى
شرح المشكل ٢٠٣/١١، ٢٠٤، والبيهقى ٢٢٥/٧ عن مالك به .
(٢) فى ج، م : (( زيد)).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((لزوجها)).
٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٥/١٥ )
الموطأ
وفى حديثٍ ابنِ عباسٍ فى قصةٍ بريرةً ما يشهَدُ بصحَّةٍ قولِهما .
الاستذكار
وقد رُوِى عن النبيِّ عليه السلامُ مثلُ ذلك، حدَّثنی عبدُ اللهِ ، قال :
حدَّثنى محمدٌ، قال: حدَّثنى أبو داودَ، قال: حدَّثنى عبدُ العزيزِ بنُ يحبى
الحَرَّانُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ سلمةَ، عن محمدِ بنِ إِسْحاقَ ، عن أبى
جعفرٍ، وعن أبانِ بنِ صالحٍ، عن مجاهدٍ ، (وعن هشامٍ بنٍ) عروةَ، عن
القبس
هذا هو الصحيحُ فى الدليلِ و (١)الروايةِ، وكلُّ أَمَةٍ عَتَقَت تحتَ عبدٍ فلها
الخيارُ، إلا فى مسألةٍ واحدةٍ فلا خيارَ لها؛ وهى : رجلٌ كانت له مائةُ دينارٍ ، وله
أمّةٌ قيمتها مائةُ دينارٍ ، زوَّجها بمائةٍ مِن عبدٍ وقبَضها، فصارَت بيدِه ثلاثمائةٍ
دينارٍ ، ثم أعتقها فى مرضٍ موتِه قبلَ الدخولِ ، فلا سبيلَ لها إلى الخيارِ ؛ لأنها إن
اختارَت نفسَها سقَط نصفُ المَهْرِ، فَرَقَّ بعضُها، فسقَط خيارُها ، فلما أَدَّى
إثباتُ الخيارِ إلى إسقاطِه سقط فى نفسِه، وهذه مِن مسائلِ الدَّوْرِ (١) ، ولها نظائرٌ
فى الفقهِ وفى أصولِ الدينِ، وهى مِن دلائلِ حدَثٍ (٤) العالمِ، حَسَبَ ما يَنَّاه فى
موضعِه .
(١ - ١) فى ك ١: ((عن)).
(٢) فى ج، م: ((من)).
(٣) يقال : دارت المسألة ، أى كلما تعلقت بمحل توقف ثبوت الحكم على غيره ، فينتقل إليه
ثم يتوقف على الأول ، وهكذا . المصباح المنير (دور) .
(٤) فى ج: (( حديث)).
٦٦
الموطأ
أبيه، عن عائشةً، أن بريرةَ عتَقت وهى عندَ مُغِيثٍ - عبدٍ لآل أبى (١) الاستذكار
أحمدَ - فخيَّرها رسولُ اللهِ وَله وقال لها: ((إن قَرِبك فلا خيارَ
لكِ)) (٢).
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إذا علِمتْ بالعتقِ (١) وبأنَّ لها الخيارَ،
فخيارُها على المجلسِ . وقال الأوزاعىُّ : إذا لم تَعْلَمْ بأنَّ لها الخيارَ حتى
غشِيها زوجها ، فلها الخيارُ .
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنى قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنى محمدُ بنُ وَضَّاحِ، قال: حدَّثنى يوسفُ(٤) بنُ عَدِيٍّ، قال:
حدَّثنی عَبْدةُ بنُ سليمانَ ، عن سعيدٍ ، عن أيوبَ وقتادةً، عن عكرمةً ، عن
ابنِ عباسٍ ، أن زوجَ بَريرةً كان عبدًا أسودَ يومَ أُعتِقت ، فوالله لكآنِّی به فى
طرُقِ المدينةِ ونواحيها(*) ، وإن دموعَه لتتحدَّرُ على لحيتِه يَتْبَعُها يترضَّاها
لتختارَه، فلم تفعَلْ(٩).
القبس
(١) ليس: فى ك ١.
(٢) أخرجه البيهقى ٢٢٥/٧ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٢٢٣٦).
(٣) فى ك ١: ((فى العتق))، وفى ح، هـ: ((بالفتوى)).
(٤) فى ك ١: ((قاسم)).
(٥) فى ك ١، ح، هـ: (يواجهها))، وفى م: ((يوجهها)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٦) تقدم تخريجه ص ١٧.
٦٧
الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ ما يُبطِلُ أن يكونَ خيارُها على
المجلس ؛ لأَن مشيَها فى المدينةِ لم يُطِلْ خيارَها . وفيه أيضًا حُجَّةٌ لمَن
قال: لا خيارَ لها تحتَ الحُرِّ. لأن خيارَها إنما وقَع مِن أجلِ كونِ زوجِها
عبدًا . واللهُ أعلمُ .
وفيه ما يَعْضُدُ قولَ مَن قال مِن العلماءِ: إِنَّ زوجها كان عبدًا . وهم
عروةُ ، والقاسمُ، وجمهورُ فقهاء الحجازِ، والمغربِ، والشامٍ . ورواه
عروةُ والقاسمُ ، عن عائشةً .
حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال:
حدَّثنا عثمانُ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن هشام بن عروةَ ، عن
أبيه، عن عائشةً فى قصةٍ بَرِيرةَ، قالت: وكان زوجها عبدًا، فخيَّرها
رسولُ اللهِ نَّهِ فاختارت نفسَها، ولو كان حرًّا ما خيَّرها(١).
(٢) قال: حدَّثنى عثمانُ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنى حسينُ بنُ علىِّ
والوليدُ بنُ عقبةَ، عن زائدةَ ، عن سِمَاكِ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ ، عن
أبيه، عن عائشةً، أن بريرةَ خَيَّرِها رسولُ اللهِ وَلَهِ، وكان زوجها عبدًا) .
القبس
(١) أبو داود (٢٢٣٣) - ومن طريقه ابن حزم ٤٣٦/١١. وأخرجه أحمد ٢٢٧/٤٢ (٢٥٣٦٧)،
ومسلم (٩/١٥٠٤)، والترمذى (١١٥٤)، والنسائى (٣٤٥١) من طريق جرير به.
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ .
والأثر عند أبى داود (٢٢٣٤).
٦٨
الموطأ
الاستذكار
وأما اختلافُهم فى الأمَةِ تعتِقُ تحتَ الحُرِّ ؛ فقال مالكٌ ، وأهلُ المدينةِ
وأصحابُهم، والأوزاعىُ (١) ، والليثُ، والشافعىُّ: إذا أُعتقتِ الأَمَةُ تحتَ
الحُرِّ فلا خيارَ لها. وبه قال أحمدُ وإسحاقُ . وهو قولُ ابنِ أبى ليلَى. ومِن
حُجَّتِهم أنَّها لم يَحْدُثْ لها حالٌ ترتفعُ به عن الحُرِّ، فكأنَّهما لم يزالا
مُرَّين، ولمَّا لم يَنْقُصْ حالُ الزوج عن حالِها ، ولم يَحْدُثْ به عيبٌ ، لم
يكنْ لها خيارٌ. وقد أجمع العلماءُ أنْ لا خيارَ لزوجةِ العِنِّينِ إذا ذهَبت العُنَّةُ
قبلَ أن يُقْضَى لها بفراقِه، وكذلك سائرُ العيوبِ زوالُها ينفِى الخيارَ.
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه، (٢ والثور٢ُ) ، والحسنُ بنُ حىّ: لَها
الخيارُ، حرًّا كان زوجها أو عبدًا. ومِن ◌ُحَّتِهم أن الأمَّةَ لم يكنْ لها فى
إنكاح مولاها إِيَّاها رأىٌ مِن أجل أنَّها كانت أمَةً ، فلما عتَقَت كان لها
الخيارُ؛ أَلَا تَرَى إلى إجماعِهم على أنَّ الأُمَّةَ يُزَوِّبجها سيدُها بغيرِ إذنِها ، فإذا
كانت محُرّةً كان لها الخيارُ الذى لم يكنْ لها فى حالٍ أَمُوَّتِها . قالوا : وقد
ورَد تخييرُ بريرةَ، وليس فى الحديثِ أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال لها: إنما
وجَبَ لكِ الخيارُ مِن أجلِ كونِ زَوجِك عبدًا. فالواجبُ أن يكونَ لها
الخيارُ على كلِّ حالٍ .
قالوا: وقد رُوِى فى قصةٍ بريرةَ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قال لها: ((قد
القبس
(١) بعده فى ح، هـ: ((وأهل الشام)).
(٢ - ٢) ليس فى: ك ١.
٦٩
الموطأ
الاستذكار ملکتٍ نفسك فاختارِی))(١). قالوا: فكلُّ مَن ملكتْ نفسها اختارَتْ ؛
تحتَ حُرِّ كانت أو عبدٍ .
ورَوَوا عن الأسودِ، عن عائشةَ، أن زوجَ بريرةً كان حرًّا .
ذكَر أبو بكرٍ(٢)، قال: حدَّثنا حفصٌ(٣)، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ،
عن الأسودِ ، عن عائشةَ، أنها اشْتَرت بريرةَ فأُعتَقَتْها، فخَيَّرها رسولُ اللهِ
اڅ، و کان لها زوج حٌّ .
ورَوَوا عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ مثلَه(١).
وهو قولُ مجاهدٍ ، وابنٍ سيرينَ، والشعبىِّ، وإبراهيمَ، كلَّ هؤلاء
يقولون: تُخَيَّرُ تحتَ الحرّ والعبدِ(٤).
وقالوا: مَن قال: إِنَّ زوجَ بريرةَ كان حرًّا. فقولُهُ أَوْلى؛ لأن الرّقَّ ظاهرٌ
والحريةَ طارئةٌ ، ومَن أنبأ عن الباطنِ كان الشاهدَ دونَ غيرِه .
قال أبو عمرَ: أما احتجابجهم بقولِ رسولِ اللهِ وَلَه البَريرةَ: ((قد
ملَكتِ نفسَك فاختارِى)) . فإنه خطابٌ ورَد فيمن كانت تحتَ عبدٍ ، فأمَّا
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٥.
(٢) ابن أبى شيبة ٤ /٢١١.
(٣) فى ح، هـ: ((أبو الأحوص)).
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣٠٢٩)، وسنن سعيد بن منصور (١٢٥٤، ١٢٦٤)،
ومصنف ابن أبى شيبة ٢١١/٤، ٢١٢.
٧٠
الموطأ
مَن أُعتقت(١) تحتَ حٍّ، فلم تملك بذلك نفسها ؛ لأنه ليس فى حريّتِها
شىءٌ يوجِبُ مِلْكَها لنفسِها .
الاستذ کار
وأما روايةُ الأُسودِ بنِ يزيدَ، عن عائشةَ، أنَّ زوجَ بريرةَ كان حرًّا . فقد
عارَضه عن عائشةً مَن هو مثلُه أو فوقَه ، بل مَن هو ألصَقُ بعائشةَ وأعلمُ بها
منه ، وذلك القاسمُ بنُ محمدٍ ابنُ(١) أخيها، وعروةُ بنُ الزبيرِ ابنُ أختِهاً ) ،
رَوَيا عن عائشةَ أَنَّ زوجَ بَرِيرةَ كان عبدًا .
رواه عبدُ الرحمنِ بنُ القاسم وأسامةُ بنُ زيدٍ ، عن القاسم، عن عائشةً(٢) .
وفى حديثٍ عروةً فى قصةٍ زَبْراءَ، أن الزوجَ كان عبدًا. ويشهَدُ بصحةٍ
روايتهما عن عائشةَ الحديثُ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ زوجَ بَريرةَ كان عبدًا
أسودَ ، يُسَمَّى مُغِيئًا، لبعضٍ بنى مخزومٍ.
حدَّثنى سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا : حدَّثنى قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنى أبو بكرٍ بنُ أبى
شيبةَ، قال: حدَّثنى عقَّانُ(٥) ، قال: حدَّثنى همَّام، قال: حدَّثنى قتادةُ ،
4
القبس
(١) فى ح، هـ: ((كانت)).
(٢) سقط من: م.
(٣) تقدم تخريجه ص ١٦ .
(٤) تقدم تخريجه ص ١٧، ١٨ .
(٥) فى ح، هـ، م: ((عثمان)).
٧١
الموطأ
الاستذكار عن عكرمةً، عن ابنِ عباس، أن زوجَ بَريرةَ كان عبدًا أسودَ يُسَمَّى مُغِيثًا،
فقضَى فيها رسولُ اللهِ وَلّهِ بأربع قَضِيَّاتٍ؛ أن مواليَها اشترطوا الولاءَ،
فقضَى أن الولاءَ لمَن أُعطَى الثمنَ، وخَيَّرها، وأمَرها أن تَعْتَدَّ، وتُصُدِّق
عليها بصدقةٍ، فأُهْدَت منها إلى عائشةَ، فذُكِر ذلك للنبيِّ وَّهِ، فقال:
((هو لها صدقةٌ ولنا هَدِيَّةٌ))(١).
واختلف الفقهاءُ فى فُرقةِ المُعتَقَّةِ إذا اختارَت فراقَ زوجِها ؛ فقال
مالكٌ، والأوزاعىُ ، والليثُ بنُ سعدٍ : هو طلاقٌ بائنٌ .
وممن قال: إِنَّ اختيارَها لنفسِها واحدةٌ بائنةٌ . قتادةُ وعمرُ بنُ عبدِ
.(٢) .
العزيز
قال مالكٌ : هو طلاقٌ بائنٌ إلَّ أن تُطَلِّقَ نفسَها ثلاثًا ، فإِن طَلَّقَتْ نفسَها
ثلاثًا فذلك لها ، ولها أن تُطَلِّقَ نفسَها ما شاءت من الطلاقِ ، فإِن طَلَّقَتْ
نفسَها واحدةٌ فهى بائنةٌ .
وفى ((الموطأُ)) فى هذا البابِ: قال مالكٌ فى الأَمَةِ تكونُ تحتَ العبدِ ،
ثم تَعْتِقُ قبلَ أن يَدْخُلَ بها : إن اختارَت نفسَها فلا صَدَاقَ لها ، وهى
تطليقةٌ ، وذلك الأمر عندَنا .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٧، ٨.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣٠٠٣).
٧٢
الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : لا معنَى للثلاثِ فى طلاقِ الزوجة ، ولا فی طلاقِ العبد
عندَ مَن جعَل الطلاقَ بالرجالِ ؛ لأن طلاقَ الأُمَةِ تحتَ العبدِ تطليقتان ،
وطلاقَ العبدِ تطليقتان .
وقد ذكَر أبو الفرج، أنَّ مالكًا لا يُجيزُ لها أن تُوقِعَ إلَّ واحدةً ، فتكونُ
بائنةً ، أو تطليقتين، فلا تَحِلَّ له إلا بعدَ زوج. وهو أصلُ مذهبٍ مالكٍ .
وروَى ابنُ نافعٍ، عن مالكِ ، أن للعبدِ الرَّجعةَ إِن عتَق. قال ابنُ نافع: ولا أرَى
ذلك، ولا رجعةَ له وإن عتَق(١). قال الأوزاعىُّ: ولو أُعتق زوجها فى عِدَّتِها،
فإنَّ بعضَ شيوخِنا يقولُ: هو أملكُ بها . وبعضُهم يقولُ: هى بائنةٌ .
قال أبو عمرَ : لا معنَى لقولٍ مَن قال : إنها طلقةٌ رجعِيَّةٌ . لأنَّ زوجها
(٢ لو ملَك رجعتَها" لم يكنْ لاختيارِها نفسَها معنًى، وأُّ شىءٍ كان يُفيدُها
اختيارُها إذا ملَك زوجها رجعتَها .
وزُوِىَ عن ابنِ القاسم ، أنَّ زوجَها إِن أَعتقَ قبلَ أن تختارَ نفسَها، كان
لها الخيار .
·وهذا أيضًا لا حُجَّةَ له على مذهبِ الحجازيِّين؛ لأنَّ العِلَّةَ التى مِن
أجلِها كان لها الخيارُ قد ارتفعت ؛ كالعِنِينِ تزولُ عُنَّتُه قبلَ فِراقٍ امرأتِه له .
القبس
(١) سقط من: ح، هـ، وفى ك ١، م: ((عتقها)). والمثبت مما تقدم ص ١٣.
(٢ - ٢) ليس فى : ك ١.
٧٣
١٢١٦- وحدَّثنى عن مالكِ، أنه بلَغه عن سعيدٍ بنِ المسيَّبِ ، أُنه
الموطأ
قال: أيُّما رجلٍ تزوَّج امرأةً وبه مجنونٌ أو ضررٌ، فإنها تُخيَّرُ؛ فإن شاءت
قَرَّت ، وإن شاءت فارَقتْ .
الاستذكار وقال الثورىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه، والحسنُ بنُ حىٍّ، والشافعىُّ
وأصحابُه : إن اختارَت المُعتَقَةُ نفسَها، فَفُرْقتُها فسخٌ بغيرِ طلاقٍ . وهو
قولُ أحمدَ وإسحاقَ. وفى تَخْيِيرِ رسولِ اللهِ وَ له بَرِيرةَ بعدَ أن بِيعت مِن
عائشةَ دليلٌ على أن بيعَ الأُمَّةِ ليس بطلاقٍ لها . وستأتى هذه المسألةُ وما
للعلماءِ فيها فى صدرِ كتابٍ البيوعُ(١) إن شاء اللهُ تعالى .
مالكٌ، أنه بلغه عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه قال: أَيُّما رجلٍ تزوَّج
امرأةً وبه جنونٌ أو ضَرَرٌ، فإنها تُخيَّرُ؛ فإِنْ شاءت قَّت ، وإن شاءت
(٢)
فارَقتْه(٢) .
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم القولُ فى رَدِّ المرأةِ بالعيوبِ الأربعةِ ، وما
للعلماءِ فى ذلك مِن المُنازعةِ ، والقولُ فى تَخْيِيرِ المرأةِ إذا كانت تلك
العيوبُ بالزوجِ على نحوٍ ذلك(٣).
روَى معمرٌ، عن الزُّهرىِّ، أنه قال: إذا تزوَّج الرجلُ المرأةَ وبالرجلِ
القبس
(١) سيأتى فى شرح الأثر (١٣٣١) من الموطأ .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٣٩)، وبرواية يحيى بن بكير (١٠/١٢ ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٦٠٥).
(٣) تقدم فى ١٢٥/١٤ - ١٣٤.
٠٠
٧٤
قال مالكٌ فى الأمَةِ تكونُ تحتَ العبدِ ، ثمَّ تَعتِقُ قبلَ أن يَدخُلَ بها الموطأ
أو يَمَشَها ، أنها إن اختارت نفْسَها فلا صداقَ لها ، وهى تطليقةٌ ،
وذلك الأمرُ عندَنا .
عَيْبٌ لم تعلَمْ به ؛ جنونٌ أو بجذام أو بَرَضٌ، خُيّرَتْ (١) . وقال قتادةُ: تُخَيَّرُ الاستذكار
فى كلِّ داءٍ عُضَالٍ(١) . وقال الحكمُ : لا خِيارَ لها فى البَرَصِ ، وتُخَيَّرُ فى
الجنونِ والجُذَامِ(١) . وما رُوِى عن عمرَ هو قولُ مالكٍ وأصحابِه، والليثِ،
والشافعى، والکوفیین(٣).
قال مالكٌ: وللمرأةٍ مثلُ ما للرجلِ إذا تزوَّجها وبه جنونٌ أو جذام أو
بَرَضٌ أو عُنَّةٌ ، فلها الخيارُ؛ إن شاءت أقامتْ معه، وإن شاءت فارَقتْه، إلَّا
أن يَمَسَّها العِنِّينُ .
قال أبو عمرَ: للعِنِّينِ بابٌ تأتى فيه أحكامُه(٤) إن شاء الله تعالى .
وقال محمدُ بنُّ الحسنِ : إذا وجَدتِ المرأةُ زوجَها على حالٍ لا تُطيقُ
المُقامَ معه مِن بجذامٍ أو نحوِه، فلها الخيارُ فى الفسخ كالعِنِّينِ. وقال
الشافعىُّ بعدَ ذكرِهِ ردَّ المرأةِ بالعيوبِ الأربعةِ: وكذلك هى فيه، إن
اختارت فِراقَه قبلَ المسيس فلا مهرَ لها ولا متعةً ، وإن لم تعلَمْ حتى أصابها
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٧/٤ من طريق معمر به.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٧/٤.
(٣) تقدم فى ١٢٥/١٤ - ١٣٣.
(٤) سيأتى ص ٤٥٠ - ٤٦٠.
٧٥
١٢١٧ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ ، أنه سمِعه يقولُ :
الموطأ
إذا خيَّر الرجلُ امرأتَه فاختارتْه ، فليس ذلك بطلاقٍ .
قال مالكٌ : وذلك أحسنُ ما سمِعتُ .
الاستذكار فاختارت فِراقَه، فلها المَهرُ مع الفراقِ ، والذى يكونُ به مثلُ الرَّثْقِ بها أن
يكونَ مَجْبوبًا ، فَأُخيّرُها مكانَها ، وأيُّهما تركَه أو وطِئ فلا خيارَ. وقال فى
القديم: إن حدَث به(١) فلها الفسخُ وليس له . وقال المُزنِئُ : أَوْلِى بقولِه
أنهما سواءٌ فيما يحدُثُ، كما كانا سواءً فيه قبلَ الحدثِ .
مالك، عن ابن شهابٍ، أنه سمِعه يقولُ: إذا خَيَّر الرجلُ امرأتَه
فاختارَتْه ، فليس ذلك بطلاقٍ(٢) .
قال مالكٌ: وذلك أحسنُ ما سمِعتُ .
قال أبو عمرَ : على هذا جمهورُ أهلِ العلم ، وهو المأثورُ الصحيحُ عن
النبيِّ وَ لَه، أنه خيَّر نساءَه فاخْتَرْنَه، فلم يكنْ فى ذلك طلاقٌ، والخلافُ
فى هذا شذوذٌ .
ورُوِى عن الحسنِ البصرىِّ أنها إذا اختارت زوجَها فواحدةٌ ، وإن
القبس
(١) سقط من النسخ . والمثبت من مختصر المزنى ص ١٧٦ .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٦٠٩).
٧٦
الموطأ
الاستذكار
اختارت نفسَها فثلاثٌ(١). ورُوِى ذلك عن علىٍّ وزيدٍ، ولا يَصُِ
عنهماً(١) . والذى عليه جماعةُ الفقهاءِ وعامَّةُ العلماءِ، أنها إذا اختارَتْ
زوجَها فلا شىءَ. وقد رُوِى ذلك عن علىٍّ وزيدٍ أيضًا(٣).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ بكرٍ ، قال :
حدَّثنى أبو داودَ ، قال: حدَّثنى مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنى أبو عوانةً، عن
الأعمش، عن أبى الضُّحَى ، عن مسروقٍ ، عن عائشةً، قالت : خيَّرنا
رسولُ اللهِ وَِّ فَاخْتَرْناه، فلم يَعُدَّ ذلك شيئًا (٤).
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنى قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنى محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنى سُحنونُ بنُ سعيدٍ ، قال : حدَّثنی
عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ ، قال: حدَّثنى موسى بنُ عُلىٍّ، ويونسُ بنُ يزيدَ، عن
ابنِ شهابٍ ، قال: أخبرنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، أن عائشةً
زوجَ النبيِّ وَّ قالت: لمَّا أُمِر رسولُ اللهِ بتَخْييرٍ أزواجِه بدَأ بى، فقال:
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٩٧٩)، وسعيد بن منصور (١٦٥٧).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٩٧٥، ١١٩٧٧، ١١٩٧٩)، وسنن سعيد بن منصور (١٦٥١ -
١٦٥٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ٥٩/٥ - ٦٠، وشرح معانى الآثار ٣٠٩/٣ - ٣١٠، وسنن
البيهقى ٣٤٥/٧، ٣٤٦.
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٩٨١)، ومصنف ابن أبى شيبة ٦٠/٥ - ٦١، وسنن البيهقى
٣٤٥/٧، ٣٤٦.
(٤) أبو داود (٢٢٠٣). وأخرجه سعيد بن منصور (١٦٤٥) عن أبى عوانة به، وأخرجه البخارى
(٥٢٦٢)، ومسلم (٢٨/١٤٧٧)، والترمذى عقب الحديث (١١٧٩)، والنسائى (٣٢٠٢،
٣٤٤٥)، وابن ماجه (٢٠٥٢) من طريق الأعمش به .
٧٧
الموطأ
الاستذكار ((إنى ذا كرّلكِ أمرًا، فلا عليكِ ألا تَعْجلِى حتى تَسْتَأْمِرى أبويكِ)). قالت:
وقد عَلِم أَنْ أَبواىَ (١) لم يكونا يأمُرانى بفراقِه. قالت: ثم تلا هذه الآيةَ:
(﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزَّوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِّعْكُنَّ سَرَاهَا جَمِيلًا﴾﴾)) [الأحزاب: ٢٨]. قلتُ : أفى
هذا أستأمِرُ أَبَوىَّ؟! فإنى أريدُ الله ورسوله والدارَ الآخرةَ. قالت عائشةُ: ثم
فَعَل أزواج النبيِّ وَّ مثلَ ما فعَلتُ، فلم يكنْ ذلك حينَ قاله لهنَّ وَلِلّه
واختَرْنَه طلاقًا؛ مِن أجلِ أنهن اخْتَوْنَه(٢).
قال ابنُ وهب : وحدَّثنی مالكٌ ، عن ابن شهاب ، أنه قال : لقد خيّر
رسولُ اللهِ وَّهِ نساءَهُ حينَ أمَره اللهُ بذلك، فاخْتَوْنَه(٣) ، فلم يكنْ
تخييرُهن طلاقًا(٤) .
قال ابنُ وهبٍ : وحدَّثنى رجالٌ مِن أهلِ العلم عن عائشةَ، وزیدِ بنِ
ثابت ، وعبد الله بن مسعودٍ ، وعمر بن الخطاب ، وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ،
وعطاءِ بنِ أبى رباحٍ، وسليمانَ بنِ يسارٍ ، وربيعةً بن أبى عبد الرحمن ، وابنٍ
القبس
(١) كذا فى النسخ وعند النسائى. ولعله على اعتبار ((أنْ)) المخففة من الثقيلة، وهى إذا خففت
قل عملها، وفى بقية المصادر: ((أبوىّ)). على ك ١. وينظر النحو الوافى ٦٧٣/١ وما بعدها.
(٢) سحنون فى المدونة ٢/ ٣٨١. وأخرجه مسلم (١٤٧٥)، والنسائى (٣٤٣٩)، وابن جرير
فى تفسيره ٨٩/١٩، ٩٠، وأبو عوانة (٤٥٥٧) من طريق ابن وهب به .
(٣) بعده فى النسخ: ((بذلك)). والمثبت كما مصدر التخريج.
(٤) سحنون فى المدونة ٢/ ٣٨١.
٧٨
قال مالكٌ فى المُخيَّرةِ : إذا خيَّرها زوجها فاختارت نفْسَها فقد الموطأ
طلَقتْ ثلاثًا، وإن قال زوجها: لم أُخيّرْكِ إلا واحدةً . فليس ذلك له،
وذلك أحسنُ ما سمِعتُ .
قال مالكٌ : وإن خيَّها فقالت : قد قبلتُ واحدةً . وقال: لم أُرِد.
هذا، وإنَّما خيَرتُكِ فى الثلاثِ جميعًا. أنها إن لم تَقبَلْ إلا واحدةٌ
أقامت عندَه ، ولم يكُنْ ذلك فِراقًا .
شهابٍ ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، كلَّهم يقولُ: إن اختارت زوجَها فليس الاستذكار
(٢)
بشىءٍ () .
قال مالكٌ فى المُخَيَّرةِ : إذا خيَّرها زوجها فاختارت نفسَها فقد طَلَقت
ثلاثًا ، وإن قال زوجها: لم أُخيّرْكِ إلا واحدةً. فليس ذلك له، وذلك
أحسنُ ما سمِعتُ .
قال مالكٌ : وإن خيَّرها فقالت : قد قبلتُ واحدةً . وقال: لم أرِدْ هذا ،
وإنما خيَّرتُكِ فى الثلاثِ جميعًا. أنها إن لم تَقْبَلْ إلا واحدةٌ أَقامَتْ عندَه ،
ولم يكن ذلك فِراقًا .
قال أبو عمرَ : فَرَّق مالكٌ بينَ التمليكِ والخيارِ ؛ فقال فى التَّملِيك ما
القبس
(١) فى ح، هـ: ((نفسها)).
(٢) سحنون فى المدونة ٢/ ٣٨٢.
٧٩
الموطأ
الاستذكار قدَّمنا ذكرَه عنه فى أبوابِهِ مِن هذا الكتابِ أن له أن يُناكِرَها، ويحلفَ على
ما أراد مِن عددِ الطلاقِ . وقال فى الخيارِ : إذا اختارت نفسَها فهو الطلاقُ
كلُّه، فإن أنكر ذلك زوجها فلا نَكَرَةَ له ولا ينفَعُه. قال: وإن اختارت
واحدةً فليس ذلك بشىءٍ. قال: وإنما الخيارُ البَّنَاتُ؛ إِما أخَذتْه، وإما
تر کته .
واختلف قولُه فى الخيارِ والتمليكِ؛ هل هما على المجلس أم
ذلك بيدِها حتى تقضىَ فيه ؟ فقال مرةً، وهو المشهورُ المعمولُ به مِن
قوله : إن الخيارَ على المجلسِ، وإنهما إن افترقا مِن مجلسِهما قبلَ أن
تقضىَ فى الخيارِ فلا خيارَ لها . ومرةً قال: إذا خيَّر امرأتَه فالأمرُ بيدِها
تختارُ فيه فراقَه إن شاءت وإن قاما مِن المجلسِ ، ولها الخيارُ حتى
توقفَ أو يجامعَها. وقد بيَّنًّا هذا فى ((التمهيدِ)) (١)، فاختار ابنُ القاسم
القولَ الأولَ . وقال الليثُ ، والشافعىُّ، وسفيانُ الثورىُّ، وأبو حنيفةً
وأصحابُه، والأوزاعىُّ: الخيارُ على المجلسِ. وهو قولُ جمهورٍ
التابعين بالحجازِ والعراقِ ، كلُّهم يقولُ بمعنَّ واحدٍ : الخيارُ لها ما لم
يقوما مِن مجلسِهما. وقال الزهرىُّ وقتادةُ: المُخَيَّرةُ والمُمَلُّكَةُ أَمرُها
بيدِها حتى تقضىَ فيه (١). وهو قولُ عثمانَ البَتِّيٌ، وبه قال أبو عبيدٍ،
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٩ - ١١.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٩٤٣، ١١٩٥٥، ١١٩٥٧).
٨٠