Indexed OCR Text
Pages 221-240
الموطأ الشعبىِّ، عن مسروقٍ، أنه سُئِل عن قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأُمَّهَتُ الاستذكار نِسَآئِكَكُمْ﴾. قال: هى مُبهَمَةٌ، فأُرسِلوا ما أرسَل اللهُ، وما بيَّن فاتَّبِعوه. فكان يكرَّهُ الأمَّ على كلِّ حالٍ ، ويُرخِّصُ فى الرَّبِيبةِ إذا لم يُدخَلْ بأمِّها ، ويقولُ : أرسَل اللهُ هذه وبين هذه(١). وقال أبو بكرٍ (١) : حدَّثنى علىُّ بنُ مُشْهِرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ ، عن الحسن، عن عمرانَ بنِ مُحُصينٍ فى: ﴿ أُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾ . قال: هى مُبهَمةٌ . وبه قال الحسنُ ، وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنٍ مسعودٍ ، وبه قالت طائفةٌ مِن التابعين ؛ منهم طاوسٌ وابنُ شهابِ الزهرىُّ(٢) ، وإليه ذهَب مالكٌ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأصحابُهم، والأوزاعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ ، وإسحاقُ ، وأبو عبيدٍ، وأبو ثورٍ ، وداودُ، والطبرىُّ. وقد روَى المُثنّی بنُ الصَّبَّاحِ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدِّه، أن النبيَّ وَلّ قال: ((أيُّما رجلٍ نكَح امرأةٌ، فدخَل بها أو لم يدخُلْ القبس : (١) أخرجه البيهقى ١٦٠/٧ من طريق يزيد به بنحوه. (٢) ابن أبى شيبة ٤/ ١٧٣. (٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٨١٤، ١٠٨١٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٧٣/٤. ٢٢١ الموطأ الاستذكار بها ، فلا تحِلُّ له أمُّها))(١) .. وأما زيدُ بنُّ ثابتٍ ، فروَى قتادةُ ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ ، عنه خلافَ ما ذكره مالكٌ ، عن یحیی بنِ سعیدٍ ، عنه . روَى سعيدُ بنُ أبى عروبةَ وحمادُ بنُ سلمةً، عن قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن زيدٍ ، أنه كان يقولُ: إن طلَّق الابنةَ طلاقًا قبلَ أن يَدْخُلَ بها تزوَّج أمَّها إن شاء، وإن ماتت فأصابَ ميراثَها، فليس له أن يتزوَّجَ أمَّها(٢) . فهذا قول ثالث . ویحتمِلُ أن يكونَ ما ذكرناه عن ابنٍ جریج ، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ مِثْلَ قولِ زيدِ بنِ ثابتٍ ؛ لأنه ذكر الموتَ فيه ولم يَذْكُرِ الطلاقَ . وهو عندى قولٌ لا حَظَّ له مِن النظرِ ؛ لأن إصابتَه الميراثَ ليس بدخولٍ ولا مَسِيسٍ ، واللهُ عزَّ وجلّ قد شرَط الدخولَ . وباللهِ التوفيقُ . وأجمَع العلماءُ على أن مَن وطِئ امرأته ، فقد حَرُمَتْ عليه ابنتُها وأَمُّها ، وأنه قد استوفَى معنى قولِ اللهِ تعالى: ﴿الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾. واختلفوا القبس ٠ (١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٢١، ١٠٨٣٠)، وابن جرير فى تفسيره ٥٥٧/٦، ٥٥٨، والبيهقى ١٦٠/٧ من طريق المثنى بن الصباح به . (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤ / ١٧١، ١٧٢، وابن جرير فى تفسيره ٥٥٧/٦ من طريق سعيد بن أبى عروبة به، وأخرجه ابن حزم فى الإحكام ٥٩٤/٤ من طريق حماد به . ٢٢٢ الموطأ قال يحيى : قال مالكٌ فى الرجلِ تكونُ تحتَه المرأةُ ، ثمَّ يَنكِحُ أُمَّها فيُصيبُها ، أنها تَحرُمُ عليه امرأتُه، ويُفارقُهما جميعًا، وتخرُمان عليه أبدًا إذا كان قد أصاب الأُمّ ، فإن لم يُصِبِ الأُمَّ لم تَحرُمْ عليه امرأَتُه، وفارَق الأُمّ. الاستذكار فيما دونَ الوطءِ؛ مثلَ اللَّمْسِ، والتجريدِ ، والنظرِ إلى الفَرْج لشهوةٍ أو غيرِ شهوةٍ ، هل ذلك كالوطءِ الذى هو الدخولُ المُجتَمعُ عليه أم لا ؟ فقال مالكٌ، والأوزاعىُ، وأبو حنيفةً، والثورىُّ، والليثُ، والشافعىُّ: إذا لمَسها بشهوةٍ حَرُمت عليه أمُّها وابنتُها . واختلفوا فى النظر إلى فرجِها وإلى محاسنِها لشهوةٍ ، هل يُحَرِّمُ ذلك الابنةَ والأمّ أم لا؟ وسنذكُرُ ذلك فى بابِ النهي عن أن يُصِيبَ الرجلُ أَمَةً كانت لأبيه(١) إن شاء الله تعالى. قال مالكٌ فى الرجلِ تكونُ تحتَه المرأةُ ، ثم يَنكِحُ أمَّها فيصيئها ، أنها تَحْرُمُ عليه امرأتُه ، ويُفارِقُهما جميعًا ، وتَخْرُمان عليه أبدًا إذا كان قد أصابَ الأمّ ، فإن لم يُصِبِ الأمّ لم تَحرُمْ عليه امرأتُه، وفارَق الأمّ . قال أبو عمرَ : إنما قال ذلك للأصل الذى قدَّمنا، وهو قولُ اللهِ عزَّ وجلّ فى تحريم مَن حَرَّمِ مِن النساءِ: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾. فمَن كان تحتَه امرأةٌ قد دخَل بها حَرُمَتِ الأُمُّ عليه بإجماعٍ مِن المسلمين ؛ لأنها مِن أمهاتِ النساءِ المدخولِ بهن، ولو لم يدخُلْ بها حَرُمت عليه أمُّها بالسُّنَّةِ القبس (١) ينظر ما سيأتى ص ٢٨٧ - ٢٩٢ . ٢٢٣ الموطأ الاستذكار عندَ الجمهورِ، على ما ذكرنا فى هذا البابِ عنهم فى أن الآيةَ مُبْهَمَةٌ فى أمهاتِ النساءِ، دخَل بهن أو لم يدخُلْ، فإذا أصابَ الأمّ بذلك النكاح حَرُمت عليه الابنةُ بشُئهةِ النكاح - وإن كان العقدُ فاسدًا؛ لأن غيرَنا يُحرِّمُه بالزِّنى، فتحريمُه بشُبْهةِ النكاح الذى يلزَمُ فيه مهرُ المِثْلِ أولى - وقد كانت الأمُّ مُحَرَّمَةً بالعقدِ على الابنةِ ، فمِن هذا وجَبت عليه مفارقتُهما جميعًا ، وحَرُمَتا عليه أبدًا، فإن لم يُصِبِ الأمّ(١) بشُبهةِ ذلك النكاح فُسِخ نكاحُها؛ لأنه نكاحٌ فاسِدٌ غيرُ مُنعقِدٍ، وقَوَّ مع امرأتِه. وهذا كلَّه قولُ الكوفيِّين، والشافعىّ ، وجمهورِ الفقهاءِ . (٢ قال أبو عمرَ: قد مضى القولُ فى الرَّبِيبةِ بما فيه شفاءٌ إن شاء اللهُ. وأما بنتُ الرَّبِيبةِ ، فقد اختُلِف فى تحريمِها ؛ فقال الجمهورُ: إنها مُحَرَّمَةٌ تحريمًا مطلقًا؛ " كالبناتِ وبناتِ" البناتِ، وكالأمهاتٍ وأمهاتِ الأمهاتِ وإن عَلَوْنَ. وعلى هذا القولِ مذاهبُ جمهورِ الفقهاءِ؛ منهم مالكٌ والشافعىُّ وأصحابُهما . رُوِى ذلك عن الحسنِ البصرىِّ، وعطاءِ بنِ أبى رباحٍ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، ويحيى بنٍ سعيدٍ، وأبى الزنادِ ، وأهلِ المدينةِ. وقالت طائفةٌ مِن الكوفيين : تَزَوُّجُ ابنةِ الرَّبِيَةِ حلالٌ إذا لم يَدخلْ بأمِّها. وجعَلوها كابنةِ العمةِ وابنةِ الخالةِ ، فإن اللهَ حَرَّمهما كتحريم الرَّبِيَةِ أو أبينَ وأَحَلَّ بناتِهما٢) . القبس (١) بعده فى ح، هـ، م: ((إلا)). (٢ - ٢) سقط من: ح ، هـ . . (٣ - ٣) فى الأصل: ((كبنات البنات وبنات))، وفى م: ((كبنات)). والمثبت يقتضيه السياق. ٢٢٤ وقال مالكٌ فى الرجلِ يتزوَّجُ المرأةَ ، ثُمَّ يَنكِحُ أَمَّها فيُصِيبُها ، أنه لا تَحِلُّ له الموطأ أمُّها أبدًا، ولا تَحِلُّ لأبيه ولا لابنِه ، ولا تَحِلّ له ابنتُها ، وتَحرُمُ عليه امرأتُه . قال مالكٌ: فأمّا الزِّنى فإنه لا يُحرِّمُ شيئًا من ذلك؛ لأن الله تبارك الاستذكار « واحتجوا بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ حینَ حژّم ما ذكره فی کتابه ، ثم قال : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وقد أجمَع العلماءُ على أن ما لم يُحَرِّمْه اللهُ فهو مُبَاحٌ . والقولُ فى تحريمِ (٢) بنتِ الرَّبِيَةِ أعم وأكثرُ، وبه أقولُ. وبالله التوفيقُ(١). وأما قولُ مالكِ فى هذا البابِ فى الرجلِ يتزوَّجُ المرأةَ ، ثم يَنكِحُ أمَّها فيصيئُها ، أنه لا تَحِلُّ له أمُّها أبدًا، ولا تَحِلُّ لأبيه ولا لابنه ، ولا تَحِلُّ له ابنتُها ، وتَحْرُمُ عليه امرأتُه . فالقولُ فى المسألةِ قبلَها يُغنِى عن الكلامِ فيها، إلا فى قولِه : لا تَحِلُّ لابنه ولا لأبيه . فإن معنى قولِه فى ذلك ظاهرُ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَآؤُكُمْ فِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]. ولم يَخُصَّ نكاحًا فاسدًا مِن صحيحٍ، فكلُّ نكاحٍ يُدرأُ به الحدُّ ويلزَمُ فيه الصداقُ يُحَرِّمُ مِن الأمّ والابنةِ على الأبِ والابنِ ما يُحَرِّمُ النكاح الصحيح ، وكذلك حلائلُ الأبناءِ سواءٌ. وأما قولُه فى هذا البابِ : قال مالكٌ: فأمَّا الزِّنى فإنه لا يُحَرِّمُ شيئًا مِن فأما إذا كان الزِّنى بالمرأةِ وأمَّها، فقد قال مالكٌ فى ((موطئِه)) الذى صنَّفه القبس (١ - ١) سقط من: ح ، هـ . (٢) ليس فى: الأصل، م. والمثبت يقتضيه السياق، وينظر الكافى للمصنف ٥٣٥/٢، ٥٣٦. ٢٢٥ ( موسوعة شروح الموطأ ١٥/١٤ ) الموطأ وتعالَى قال: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾. فإنما حرَّم ما كان تزويجًا ، ولم يذكرْ تحريمَ الزِّنى، فكلّ تزويج كان على وجهِ الحلالِ يُصيبُ صاحبُه امرأته ، فهو بمنزلةِ التزويج الحلالِ . فهذا الذى سمِعتُ ، والذى عليه أمرُ الناسِ عندَنا . الاستذكار ذلك؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾. فإنما حرَّم ما كان تزويجًا، ولم يَذْكُرْ تحريمَ الزنى ، فكلُّ تزويج كان على وجهِ الحلالِ يُصِيبُ صاحبُه امرأتَه ، فهو بمنزلةِ التزويج الحلالِ . فهذا الذى سمِعتُ ، والذى عليه أمرُ الناسِ عندَنا . القبس بيده، وكتبه للناس بنفسِه، وقرّأَه عليهم طُولَ عُمُرِه: إن الزِّنى لا يُحَرِّمُ؛ فإن الحرامَ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ . وإن كان قد أفتَى لبعضٍ أصحابِهِ فى المجالسِ بالتحريمِ، حَسَبَ ما قاله أهلُ العراقِ ، والمسألةُ مشهورةٌ فى الخلافِ بينَ العلماءِ، ولكن الصحيحَ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ أن الزِّنى لا يوجِبُ حرمةٌ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ جعَل المُصاهَرَةَ مِنَّةً عدَّدها على الخليقةِ، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. فى مَعْرِض الامتنانِ والكرامةِ، والمِنَّهُ لا تتعلَّقُ بالمعصية؛ ألا ترى أن النسبَ لم يتعلَّقْ به؟ ولذلك قال مالكٌ فى ((الموطأ)): " هذا الذى سمِعتُ، وهذا الذى عليه أمرُ الناسِ عندَنا. وقال": إن الذى حرَّم اللهُ تعالى ما أُصِيبَ بالحلالِ على وجهِ الشُّبْهِ فى النكاح. قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. وهذه الآيةُ مِن فضائلِ النّبِيِّ بَه (١ - ١) سقط من : د. ٢٢٦ الموطأ قال أبو عمرَ : قد جَوَّدَ مالكٌ فيما احتجَّ به مِن ذلك، وسنذكُرُ اختلافَ الاستذكار العلماءِ فى التحريم بالزِّنى، وهل يُحَرِّمُ الحرامُ حلالاً أم لا؟ فى البابِ بعدَ هذا إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ. وقد اختلف أصحابُ مالكٍ فيمَن تزوَّج امرأةً وابنتَها فى عُقْدَةٍ واحدةٍ ، ففُرِّق بينَهما قبلَ المَسِيسِ ، هل تحِلُّ له الأمُّ أم لا؟ فقال ابنُّ القاسم فى ((المدونةِ)): إذا تزوَّج الأمّ والابنةَ معًا فى عُقْدةٍ واحدةٍ ، ولم يَمَسَّها حتى فُرِّق بينَهما، تزوَّج الأُمّ إن شاءَ. وقال سُحنونٌ: لا يَتَزوَّجُها ؛ للشبهةِ التى فيها . قال أبو عمرَ : فإن مسَّ واحدةً منهما، ففى ((المدونةِ)) لابنِ القاسمِ: يُفرَّقُ بينَهما ، وقد حَرُمَت عليه التى لم يدخُلْ بها أبدًا، ويتزوَّجُ التى دخَل بها إن شاء، كانت الأُمَّ أو الابنةَ. وفى ((العُتْبِيَّةِ)) روَى أصبغُ، عن ابنِ القاسم ، أنه إن كان دخَل بالأمّ حَرُمَتا عليه جميعًا أبدًا ، وإن كان دخَل بالابنةِ تزوَّجها إن شاء. وهذا أصحُ إن شاء اللهُ تعالى . وباللهِ التوفيقُ ، وهو حسبی ونعم الوكيلُ . القبس وخصائصِه ، وقد بيَّنَّا ذلك فى مُعْجزاتِه . ٢٢٧ الموطأ نكاحُ الرجلِ أُمّ امرأةٍ قد أصابها على وجهِ ما يكرَهُ ١١٤٨ - قال مالكٌ فى الرجلِ ثَرنى بالمرأَةِ، فَيُقام عليه الحدُّ فيها ، أنه يَنكِحُ ابنتَها، ويَنكِحُها ابنُه إن شاء؛ وذلك أنه أصابها حرامًا ، وإنما الذى حرَّم اللهُ ما أُصِيبَ بالحلالِ أو على وجهِ الشبهةِ بالنكاح. قال مالكٌ: قال اللهُ تبارَك وتعالَى: ﴿وَلَا شَكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]. قال مالكٌ : فلو أن رجلًا نكَح امرأةً فى عِدَّتِها نكاحًا حلالاً فأصابها ، حرمت على ابنِه أن يتزوَّجَها ؛ وذلك أن أباه نكحها على وجهِ الحلالِ لا يُقامُ عليه فيه الحَدُّ، ويُلحَقُ به الولدُ الذى يُولَدُ فيه الاستذكار بابُ نكاح الرجلِ أمَّ امرأةٍ قد أصابها على وجهِ ما يكرَهُ قال مالكٌ فى الرجلِ يزنى بالمرأةٍ ، فيُقام عليه الحدُّ فيها ، أنه ينكحُ ابنتَها ، ويَنكِحُها ابنُّه إن شاء؛ وذلك أنه أصابَها حرامًا، وإنما حرَّم اللهُ ما أُصِيب بالحلالِ أو على وجهِ الشبهةِ بالنكاح. قال مالكٌ : قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال مالكٌ: فلو أن رجلًا نكَح امرأةً فى عِدَّتِها نكاحًا حلالاً فأصابها ، حَرُمَت على ابنِه أن يتزوَّجَها؛ وذلك أن أباه نكحها على وجهِ الحلالِ() لا يقامُ عليه فيه الحدُّ، ويُلحقُ الولدُ الذى يولدُ فيه بأبيه، وكما حَرُمَت على القبس (١) سقط من: ح ، هـ . ٢٢٨ بأبيه ، وكما حرُمت على ابنِه أن يتزوَّجَها حينَ تزوَّجها أبوه فى عِدَّتِها الموطأ وأصابها ، فكذلك تحرُّمُ على الأبِ ابنتُها إذا هو أصاب أُمَّها . الاستذكار ابنِه أن يتزوَّجَها حينَ تزوَّجها أبوه فى عدَّتِها فأصابها ، فكذلك يَحْرُمُ على الأبِ ابنتُها إذا هو أصاب أمَّها(١) . قال أبو عمرَ: قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ وَبَاتُكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ وَأُمَّهَتُ نِسَآَبِكُمْ وَرَبَيِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾. ثم قال: ﴿ وَحَلَبِلُ أَبْنَابِكُمُ﴾. وقال تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾. وأجمَع العلماءُ على أن النكاحَ(١) الصحيحَ يُحَرِّمُ أَمَّ المرأةِ وابنتَها إذا دخَل بها. وكذلك كلَّ نكاح يُلحَقُ فيه الولدُ، ويُدرَأَ به الحدُّ، يُحَرِّمُ أمّ المرأةِ على زوجِها (١)، ويُحرِّمُ زوجةَ الابنِ وزوجةَ الأَبِ بنصِ الكتابِ والسنةِ المجتمعِ عليها . واختلفوا فى الرجلِ يزنى بالمرأةِ ، هل يَحِلُّ له نكائحُ ابنتِها وأمّها ؟ وكذلك لو زنَى بالمرأةِ ، هل يَنكِحُها ابنُه أو يَنكِحُها أبوه ؟ وهل الزنَى فى ذلك كلِّه يُحَرِّمُ ما يُحرِّمُ النكاح الصحيحُ أو النكاح الفاسدُ أم لا ؟ فقال مالكٌ فى ((موطئِه)): إن الزنَى بالمرأةِ لا يُحَرِّمُ على مَن زنَى بها القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/١٢ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٥٠٣). (٢) بعده فى الأصل، م: ((الحلال)). (٣) فى الأصل، م: ((أمها ، ويحرم ربيبتها إذا دخل بها)). ٢٢٩ الموطأ ٠ الاستذكار نكاح ابنتِها ولا نكاحَ أمِّها، ومَن زنَى بأمّ امرأتِه لم تَحْرُمْ عليه امرأتُهُ(١)، ولا يُحَرِّمُ الزنَى شيئًا يُحَرِّمُه النكاحُ الحلالُ. وهو قولُ ابنِ شهابٍ الزهرىِّ وربيعةً، وإليه ذهَب الليثُ بنُ سعدٍ ، والشافعىُّ، وأبو ثورٍ ، وداودُ. ورُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وقال فى ذلك: لا يُحَرِّمُ الحرام الحلالَ(٢) . واختُلِف فيه عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، ومجاهدٍ، (٣) والحسن (١). وذكر ابنُ القاسم عن مالكٍ خلافَ ما فى ((الموطأُ)) ؛ فقال: مَن زنَى بأمّ امرأتِه فارَق امرأته. وهو عندَه فى حكم مَن نكَح أمَّ امرأتِه ودخَل بها . وهو قولُ أبى حنيفةً وأصحابِهِ، والثورىِّ، والأوزاعىِّ، كلَّهم يقولُ: مَن زنَى بأمّ امرأتِه حَرُمت عليه امرأتُه. قال سُحنونٌ: أصحابُ مالكِ كلُّهم يُخالِفون ابنَ القاسم فيها ويذهَبون إلى ما فى ((الموطأُ)). وقال الأوزاعىُّ عن الزهرىِّ فى الرجلِ يزنى بالمرأةِ : إن شاء تزوَّج ابنتها . قال الأوزاعى : لا نأخُذُ به . وقال الأوزاعىُ ، عن عطاءٍ ، أنه كان يفسّرُ قولَ ابنِ عباسٍ : لا يُحرِّمُ حرامٌ حلالاً . أنه الرجلُ يزنِى بالمرأةِ ، فلا يُحَرِّمُ عليه نكاحَها زِنَاه القبس (١) بعده فى الأصل، م: ((بل يُقتل)). (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٧٦٩)، وسعيد بن منصور (١٧١٩)، وابن أبى شيبة ١٦٥/٤ بنحوه. (٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٢٧٦٣، ١٢٧٦٥، ١٢٧٦٦، ١٢٧٦٨، ١٢٧٧٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٦٦/٤. ٢٣٠ ٠ ٠ ٠ ٠ الموطأ بها (١) . وقال الليثُ: إِن وطِئها وهو يَتوهَّمُها جاريتَه لم يُحرِّمْها ذلك على الاستذكار ابنِه . قال الطحاوىُّ: وهذا خلافُ قولِ الجميع إلا شيئًا رُوِى عن قتادةَ. ورُوِى عن عمرانَ بنِ حُصينٍ فی رجلٍ زنَی بأمّ امرأته ، قال: قد حَرُمَت علیه عد (٢) امرأتُهُ(٢) . قال أبو عمرَ: قد خالَفه ابنُ عباسٍ فى ذلك، فقال: لا تَحْرُمُ عليه . واللهُ عزَّ وجلَّ إنما حرَّم على المسلم تزويجَ أمُّ امرأته وابنتِها ، وكذلك إذا ملَكت يمينُه امرأةٌ ، فوطِئها بمِلْكِ اليمينِ ، حَرُمَت عليه أمُّها وابنتُها ، وكذلك ما وطِئَ أبوه بالنكاح أو مِلْكِ اليمينِ، وما وَطِئَ ابنُّه بذلك، فدَلَّ على أن(٢) المعنَى فى ذلك الوطءُ الحلالُ، والله المستعانُ. وقد أجمَع الفقهاءُ أهلُ الفَتَوَى بالأمصارِ أنه لا يَحْرُمُ على الزانى نكاح المرأةِ التى زنَى بها إذا استبرَأَها، فنكاحُ أمِّها وابنتِها أحرَى. وبالله التوفيقُ. وسنذكُرُ اختلافَ السلفِ فى تحريم نكاح الزانيةِ على مَن زنَى بها فى موضعِه إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ . القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٧٦١) عن ابن جريج عن عطاء به بنحوه . (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٧٧٦)، وابن أبى شيبة ٤ / ١٦٥. (٣) سقط من النسخ ، والمثبت يقتضيه السياق . ٢٣١ الموطأ جامعُ ما لا يجوزُ من النكاح ١١٤٩ - مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ نَّ نهى عن الشِّغارِ . والشِّغارُ أن يُروِّجَ الرجلُ ابنتَه على أن يُزْوِّجَه مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّهِ نهى عن الشِّغارِ (١). التمهيد القبس جامعُ ما لا يجوزُ مِن النكاح بؤَّب مالكٌ رحِمه اللهُ على ما لا يجوزُ مِن النكاح ، وهذا أمرٌ لا ينحصِرُ فى البيانِ ، ولا يدخُلُ تحتَ التقديرِ (١) ، إنما المُنْحصِرُ النكاحُ الجائزُ، وشروطُه خمسةٌ؛ فعاقدان(١) حصَلت فيهما أهليةُ العقدِ ، ووَلِّ استقلَّ بأهليةِ الولايةِ ، وصَداقٌ يقبَلُ العِوضيَّةَ ، وإعلانٌ يُفارِقُ به السّفاحَ الذى حرَّم اللهُ عزَّ وجلَّ، فإذا اختلَّ شرطٌ مِن هذه الشروطِ تطرّق الفسادُ إلى النكاح، ومداخلُ الاختلالِ لا تُخْصَى، إلا أن مالكًا أراد بالتبويبِ أمَّهاتِ الفسادِ ومشهوراتِه ، وذلك ثلاثُ مسائلَ : المسألةُ الأُولى: نكاح الشِّغارِ، وقد اختلف الناسُ فيه جوازًا وفسادًا ، واختلف قولُ مالكٍ فيه فسخًا وإمضاءً ، وله صُوَرٌ ؛ أشدُّها أن يقولَ : زوَّجْتُك ابنتى على أن تُزَوِّجَنى ابنَتَك . وهذا هو الذى فسَّر الراوى فى الحديثِ ، وليس مِن كلامٍ النبيِّ وَّةِ. وفى اشتقاقِ الشِّغارِ اختلافٌ، أَصَحُه أنه النكاحُ الخالى عن الصَّداقِ ، مِن قولهم : بلدٌ شاغِرٌ . إذا كان خاليًا، وهذا العقدُ على هذا الوجهِ لم يَفْسُدْ ؛ لأنه (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٣٣)، وبرواية يحيى بن بكير (٤/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٥٠٦). وأخرجه أحمد ١٢٢/٨، ٢١٦/٩ (٤٥٢٦، ٥٢٨٩)، والدارمى (٢٢٢٦)، والبخارى (٥١١٢)، ومسلم (٥٧/١٤١٥)، وأبو داود (٢٠٧٤)، وابن ماجه (١٨٨٣)، والترمذى (١١٢٤)، والنسائي (٣٣٣٧) من طريق مالك به. (٢) فى ج، م: ((التعديد)). (٣) فى ج: ((متعاقدان))، وفى م: ((متعاقد إن)). ٢٣٢ الآخَرُ ابنتَه ، ليس بينَهما صَداقٌ . الموطأ هكذا روَاه جملةُ أصحابِ مالكِ ، وقال فيه ابنُ وهبٍ ، (١ عن مالك(١): التمهيد عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللّهِ فَ له نهى عن نكاحِ الشِّغَارِ(١). وكلُّهم ذكَر عن مالكٍ فى تفسيرِ الشِّغَارِ أَنَّه الرجلُ يُزَوِّيجُ ابنته - أو وَلِّيَّتَه - مِن رجلٍ، على أن يُزَوِّجَ ذلك الرجلُ منه ابنتَه أيضًا - أو وَلِيَّتَه - ويكونُ بُضْعُ كلِّ واحدةٍ منهما صَداقًا للأخرى دونَ صَدَاقٍ . وهذا ما لا خلافَ بينَ العلماءِ فيه أنَّه الشِّغارُ المنهِىُّ عنه فى هذا الحديثِ ، وللشِّغَارِ فى اللغةِ معنًى لا مَدْخَلَ له هلهنا؛ وذلك أنَّه مأخوذٌ عندَهم من: شَغَرَ الكلبُ . إذا رفَعَ رِجَلَه ليبولَ(٢) ، وذلك - زَعَموا - لا يكونُ منه إلا بعدَ مُفارقَةِ حالِ الصِّغَرِ إلى حالٍ يمكِنُ فيها طلبُ الوثوبِ على الأنثى للنسلِ ، وهو عندهم للكلبِ إذا فعَلَه علامَةُ بُلُوغِه إلى حالِ الاحتلامِ مِن الرجالِ ، ولا يرفَعُ رجَلَه للبولِ إلّا وهو قد بلَغ ذلك المِثْلَغَ ، يُقالُ منه: شَغَر الكلبُ يشغَرُ شَغْرًا. إذا رفَع رجلَه القبس خَلا عن الصداقِ ، وإنما فسَد لأنه مجعِل فيه صَداقًا (٤) ما ليس بصداقٍ ، وقُوپِل البُضْعُ بالبُضْعِ، فأما نكاح يُعْقَدُ لا للصداقِ فيه ذكرٌ فهو جائزٌ إجماعًا . وقد قال أبو المعالى الجوينىُ: إنما فسَد نكاحُ الشِّغارِ مِن جهةٍ أنه عُلِّق على شرطٍ ، والنكاح لا يقبَلُ الإغرارَ والإخطارَ بخلافِ الطلاقِ. وفيه (١ - ١) ليس فى: الأصل. (٢) أخرجه البيهقى ١٩٩/٧، والخطيب فى المدرج ٣٨٧/١ من طريق ابن وهب به، بلفظ: ((نهى عن الشغار)) . (٣) فى الأصل، م: ((للبول)). (٤) فى د، ج: ((صداق)). ٢٣٣ الموطأ التمهيد فبال أو لم يَبْلْ، ويقالُ: شَغَرْتُ بالمرأةِ أَشْغُرُها شَغْرًا . إذا رفَعْتَ رجَلَيْها للنكاح. فهذا معنى الشِّغارِ فى اللغة ، وأمَّا معناه فى الشريعةِ، فأن يُنْكِحَ الرجلُ رجلًا وَلِيَّتَه على أَنْ يُنْكِحَه الآخَرُ وَلِيَّتَه بلا صَدَاقٍ بينَهما . على ما قاله مالكٌ وجماعةُ الفقهاءِ، وكذلك ذكَره الخليلُ فى ((كتابِهِ)) (١) أيضًا . وأجمَع العلماءُ على أنَّ نكاحَ الشِّغَارِ مكروهٌ لا يجوزُ ، واختلفوا فيه إذا وقَع ، هل يَصِحُّ بمهرِ المثلِ أم لا؟ فقال مالكٌ: لا يصحُّ النكاحُ فى الشِّغَارِ ، دخَل بها أو لم يدخُلْ، ويُفْسَخُ أبدًا. قال: وكذلك لو قال: أَزَوِّجُكَ ابنتى على أن تُزَوِّ جَنى ابنتَكَ بمائةٍ دينارٍ . ولا خيرَ فى ذلك . قال ابنُ القاسم : لا يُفْسَخُ النِّكاحُ فى هذا إن دخَل بها(٢)، ويثبتُ مهرُ(٢) المثلِ، ويُفْسَخُ فى الأولِ، دخَل أو لم يدخُلْ. على ما قال مالكٌ. وقال الشافعىُّ: إذا لم يُسَمِّ لواحدةٍ منهما مهرًا، وشرَط أن يُزَوِّجَه ابنته على أن يُزَوِّجَه الآخرُ ابنَتَه، وهو يَلِى أمرَها، على أنَّ صَدَاقَ كلِّ واحدةٍ منهما بُضْعُ الأُخرى، ولم يُسَمِّ صَدَاقًا، فهذا الشِّغارُ، ولا يصِحُ، ويُفْسَخُ . قال: ولو سَمَّى لإحداهما أو لهما صَداقًا، فالنكاح ثابتٌ بمهرِ المثلِ، والمهر فاسدٌ ، ولكلٍ واحدةٍ منهما مهر مثلها إن كان دخَل بها ، ونصفُ القبس تفصيلٌ، بيانُه فى ((المسائلِ))، وأدلتُه اسْتَوفَيناها فى ((مسائلِ الخلافِ)). ولعل الإشارةَ إنما وقَعت فيه إلى ما كانت الأعرابُ تفعَلُه مِن المعاوضةِ بالبناتِ (١) العين ٣٥٨/٤. (٢) ليس فى: الأصل، م. (٣) فى الأصل، م: ((بمهر)). ٢٣٤ الموطأ التمهيد مهرِ مثلِها إن كان طلَّقها (١) قبلَ الدخولِ. وقال أبو حنيفةَ: إِذا قال: أَزَوِّ حُكَ ابنتى - أو أختى - على أن تُزَوِّجَنى ٦ ابنتَكَ، وتكونُ كلُّ واحدةٍ منهما مهرَ الأخرى. فهو الشِّغَارُ، ويصِحُ النكاح بمهرِ المثلِ. وهو قولُ الليثِ بنِ سعدٍ ، وبه قال الطبرُّ. قال أبو عمرَ : حُجَّةُ مَن قال هذا القولَ أنَّ الشريعةَ قد نهَتْ عن صَداقٍ الخمرِ ، والخنزير ، والغَرَرِ، والمجهول ، والنکامڅ فى ذلك کلّه یصِمُ بمھر المثلِ ، والأُصلُ عندَهم أنَّ التزويجَ مُضَمَّنٌ بنفسِه لا ببَدَلِهِ ، وليس بِمُفْتَقَرٍ فى العقدِ إلى الصَّدَاقِ ؛ لأَنَّ القرآنَ قد ورَد بجوازِ العقدِ فى النكاحِ دُونَ صَداقٍ ، بقولِه: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن ◌َلَّفْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ ج لَهُنَّ فَرِيضَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. يريدُ: ما لم تَمَشُوهُنَّ، وما لم تفرِضُوا لهنَّ فريضةٌ . يعنى صَداقًا، فسمَّاه نكاحًا، وجعَل فيه الطلاقَ ، ولم يكنْ فيه ذكرُ صداقٍ. وحُجَّةُ مالكٍ، والشافعيِّ، ومَن أبطَل نكاحَ الشِّغارِ ، أنَّه(١) نكاح طابق النهىّ، ففسَد امتثالاً لنهيِه وَلّه؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا تَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. وقال ◌َّهَ: (( كلّ عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ))(١) . يعنى مردودًا . والأخواتِ؛ يُعْطِى الرجلُ أختَه أو ابنتَه ، على أن يُعْطِيَه الآخرُ أخته أو ابنته، وقد القبس هدَم اللهُ تعالى نكاحَ الجاهليةِ . (١) فى الأصل: ((طلاقها)). (٢) فى الأصل، ى: ((لأنه)). (٣) تقدم تخريجه فى ٨/١١ . ٢٣٥ الموطأ ١١٥٠ - مالك ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم ، عن أبيه ، عن عبدِ الرحمنِ ومُجَمِّع ابنَىْ يزيدَ بنِ جاريةَ الأنصارىِّ، عن خنساءً بنتِ خِذام الأنصاريةِ ، أن أباها زوَّجها وهى تَيِّبٌ ، فكرهت ذلك ، فأتَتْ رسولَ اللهِ وَهِ ، فَرَدَّ نكاحَه . التمهيد مالكٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عبد الرحمنِ ومُجمِّعٍ ابنَى يزيدَ بنِ جاريةَ الأنصارىِّ ، عن خنساءَ بنتٍ خِذام الأنصاريةِ ، أن أباها زوَّجها وهى ثيّبٌ، فكرِهَت ذلك، فجاءَت رسولَ اللهِ وَه، فرَّ (١) نكاحها(١) . وقد جرَى مِن ذكرِ خنساءَ فى كتابٍ ((الصحابةِ))(٢) ما فيه كفايةٌ . وهذا حديثٌ صحيحٌ مجتمَعٌ على صحتِه، وعلى القول به ؛ لأن القائلين : لا نكاح إلا بوليٌّ. يقولون: إن الثيِّبَ لا يُزُوِّجُها وَلِيُّها - أبًا كان أو غيرَه - إلا بإذنِها ورضاها. ومن قال: ليس للوليّ مع الثيِّبٍ أمرٌ. فهو أُخْرَى باستعمالِ هذا الحديثِ، وكذلك الذين أجازُوا النكاح بغيرِ ولىٍّ، وقد ذكرنا القائلين بهذه الأقوالِ كلِّها ، وذكرنا وجوهَها والاعتلالَ لها فى بابٍ - القبس (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٢٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٤/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٥٠٧). وأخرجه أحمد ٣٧٠/٤٤ (٢٦٧٨٦)، والبخارى (٥١٣٨، ٦٩٤٥)، وأبو داود (٢١٠١)، والنسائى (٣٢٦٨) من طريق مالك به . (٢) الاستيعاب ١٨٢٦/٤. ٢٣٦ الموطأ عبدِ اللهِ بنِ الفضلِ ) . ومدارُ هذا الحديثِ ومعناه الذى من أجلِه ورَد ، أن التمهيد الثيبَ لا يجوزُ عليها فى نكاحِها إلا ما تَرضَاه ، ولا أعلمُ مخالفًا فى أن الثيبَ لا يجوزُ لأبيها ولا لأحدٍ من أوليائها إكراهُها على النكاح، إلا الحسنَ البصرىَّ ، فإن أبا بكرِ بنَ أبى شيبةَ ذكَر (١)، قال: حدَّثنا ابنُ عُليةً، عن يونسَ، عن الحسن أنه كان يقولُ: نكاحُ الأَبِ جائزٌ على ابنته ، بكرًا كانت أو ثيبًا، كرِهَت(٢) أو لم تكرّة. وقال إسماعيلُ القاضى : لا أعلَمُ أحدًا قال فى الثيبِ بقولِ الحسنِ . وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (٤) ، أخبرنا معمرٌ، عن صالح بنِ كيسانَ، عن نافعِ ابنِ جبيرِ بنِ مُطْعِم، عن ابنِ عباس، أن رسولَ اللهِ وَلّه قال: ((ليس للوليّ مع الثیپٍ أمرٌ)). وقال ابنُ القاسم: قال لى مالكٌ فى الأخِ يُزوَّجُ أختَه الثيبَ برضاها ، والأبُ يُكِرُ : إن ذلك جائزٌ على الأبِ. قال مالكٌ: وما له ولها وهى مالكةٌ أمرَها ! وقال أبو حنيفةً وأصحابُه فى الثيبٍ : لا ينبغى لأبيها أن يزوِّجَها حتى يستأمِّرَها، فإن أمَرْه زوَّجها، وإن لم تأمُرْه لم يزوِّجْها بغيرِ أمرِها ، فإن القبس (١) تقدم ص ٤٧ وما بعدها . (٢) ابن أبى شيبة ١٣٦/٤. (٣) فى الأصل، ص ١٧، ص ٢٧، م: ((أكرهت)). (٤) عبد الرزاق (١٠٢٩٩). ٢٣٧ الموطأ التمهيد زوَّجها بغيرِ أمرِها ثم بلَغها، كان لها أن تُجيزَه فيجوزَ، أو تُبْطِلَه فِيَبْطُلَ . وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ (١) : قولُ مالكِ فى هذه المسألةِ أنه لا يجوزُ ، إلا أن يكونَ بالقربِ فإنه استحسن إجازته؛ لأنه كأنَّه(٢) فى وقتٍ واحدٍ وفورٍ واحدٍ ، وإنما أبطَله مالكٌ لأن عقدَ الوليّ بغيرِ أمرِ المرأةِ كأنه لم يكنْ، ولو بلَغ المرأةَ فَأَنكَرَت لم يكنْ فيه طلاقٌ ؛ لأنه لم يكنْ هناك نكاح . وذكَر عن أبى ثابتٍ ، عن ابنِ القاسم قال: ولقد سألْتُ مالكًا عن الرجلِ يُزوِّيجُ ابنَهِ البالغَ المنقطِعَ عنه ، أو ابنتَه الثيبَ وهى غائبةٌ عنه ، فيرضیان بما فَعَل أبوهما ، فقال مالكٌ: لا يُقامُ على هذا النكاح وإن رضِيا ؛ لأنهما لو ماتا لم يكنْ بينهما ميراثٌ . قال : وسألْتُ مالكًا عن رجلٍ زوَّج أختَه ثم بلَغها فقالت: ما وكّلْتُ ، ولا أرضَى. ثم كُلِّمَت فى ذلك فرضِيتْ ، قال مالكٌ: لا أراه نكاحًا جائزًا، ولا يُقام عليه حتى يستأنفا نكاحًا جديدًا إن أحبَتْ . وقال الشافعىُّ وأحمدُ بنُ حنبلٍ: مَن زوَّج ابنتَه الثيبَ بغيرِ أمرِهاً) ، فالنكاح باطلٌ وإن رضِيَت. قال الشافعىُ: لأن رسولَ اللهِ ،عَ ليهِ لم يقلْ لخنساءَ: إلا أن تجيزی . القبس (١) بعده فى الأصل، ص ١٧، ص ٢٧: ((أصل)). (٢) فى م: ((كان)). (٣) فى ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧: ((إذنها)). ٢٣٨ الموطأ قال أبو عمرَ : ليس فى حديثِ مالك فى هذا البابِ ذكرُ من كانت التمهيد خنساءُ تحتَه حين ١٢ آمَتْ منه، ولا من الذى زوَّجها منه أبوها فکرِهَته ، ولا إلى من صارَت بعدَ ذلك، وكانت خنساءُ هذه تحتَ أنيس بنِ قتادةَ فَآمَتْ منه ، قُتِل عنها يومَ أَحدٍ، فزوَّجها أبوها رجلًا من بنى عوفٍ ، فكرِهَته وشكَت ذلك إلى رسولِ اللهِ وَِّ، فردَّ ذلك التزويجَ، ونَكَحت أبا لبابةَ بنَ عبدِ المنذرِ . قرأْتُ على خلفٍ بنِ القاسم ، أن أبا عليٍّ سعيدَ بنَ السَّكَّنِ حدَّثهم، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغوىُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ ابنُ عمرَ بنِ أبانٍ الجعفيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمانَ ، عن محمدٍ ابنِ إسحاقَ، عن حجاج بنِ السائبِ، عن أبيه، عن جَدَّتِهِ خنساءً بنتِ خذامٍ، أنها كانت أيِّمًا من رجلٍ، فزوَّجها أبوها رجلاً من بنى عوفٍ، فحنَّت إلى أبى لُبابةَ بنِ عبدِ المنذرِ، فارتفَع شأنُها إلى رسولِ اللهِ وَّله، فَأَمَرَ رسولُ اللهِ وَلَّ أباها أن يُلحِقَها بهواها، فتزوَّجت أبا لبابةَ(٢). القبس (١) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((حتى)). (٢) أخرجه الدارقطنى ٣/ ٢٣١، والبيهقى ١١٩/٧ من طريق عبد الله بن عمر به، وأخرجه الطبرانى ٢٥٢/٢٤ (٦٤٣) من طريق عبد الرحيم بن سليمان به . ٢٣٩ الموطأ ٠ التمهید وذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ الجَحْشىِّ، عن أبى بكرِ بنِ محمدٍ ، أن رجلاً من الأنصارِ يقالُ له: أُنْيُ بنُ قتادةَ. تزوَّج خنساءَ بنتَ خذامٍ، فقُتِل عنها يومَ أُحدٍ، فأنكحَها أبوها رجلاً(١)، فجاءت إلى النبيِّ وَ لَ فقالت: إن أبى أنكحنى رجلًا، وإن عمَّ ولدى أحبُّ إلىَّ منه. فجعَل النبىُّ وَّهِ أَمرَها إليها. قال(٢) : وأخبرنا ابنُ جريج، قال: أخبرنا عطاءٌ الخُراسانىُّ ، عن ابنِ عباسٍ، أن خِذامًا أبا وَديعةً أَنْكَح ابنتَه رجلًاً، فأَتَت النبيَّ وَه فاشتكَت إليه أنها أُنكِحَت وهي كارهةٌ، فانتزَعها النبىُّ وَلِّ من زوجِها ، وقال: ((لا تُكرِهُوهنَّ)). فنكَحت بعد ذلك أبا لبابةَ الأنصارىَّ، وكانت ثيبًا . قال ابنُ جريجٍ: أُخبِرْتُ أنها خنساءُ ابنةُ خذامٍ ، من أهلِ قباءٍ . قال عبدُ الرَّزَّاقِ(٤) : وأخبرنا الثورىُّ ، عن أبى الحويرث ، عن نافع بنِ جبيرٍ قال : آمَت خنساءُ بنتُ خذام، فزوَّجها أبوها وهى كارهةٌ، فَأَتَتِ النبىَّ وَّفقالت: إن أبى زوَّجنى وأنا كارهةٌ، وقد ملَكتُ أمرى. قال: ((فلا نكاحَ له، انكِحی مَن شِئْتِ)). فردَّ نكاحَه، ونكَحت أبا لبابةً الأنصارىَّ . القبس (١) عبد الرزاق (١٠٣٠٩). (٢) بعده فى الأصل، م: ((من بنى عوف)). (٣) عبد الرزاق (١٠٣٠٨). (٤) عبد الرزاق (١٠٣٠٧). ٢٤٠