Indexed OCR Text

Pages 101-120

الموطأ
أيوبَ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، لم يروِه غيرُه مِن أصحابٍ أيوبَ فيما الاستذكار
علِمتُ ، وقد ذكرتُه بإسنادِه فى ((التمهيدِ))(١)، ويحتمِلُ أن يكونَ زوَّجها
مِن غيرِ كفءٍ، أو ممن يضُرُّ بها ولا يُؤْمَنُ عليها، لو صحَّ حديثُ جريٍ
هذا. وقد رُوِى أن هذه القصةَ كانت فى خنساءَ بنتِ خِذَام وهى ثَيِّبٌ ،
وسيأتى ذكرُ ذلك فى موضعِه مِن هذا الكتابِ(٢) إن شاء اللّهُ.
قال أبو عمرَ : يحتمِلُ أن تكونَ البِكْرُ المذكورةُ فى حديثٍ يحيى بنِ
أبى كثيرٍ هى اليتيمةَ المذكورةَ فى حديثِ محمدِ بنِ عمرو ، فيكونَ حديثُ
محمدِ بنِ عمرٍو مُفَسِّرًا لحديثِ يحيى، وإذا حُمِل على هذا لم يتعارضِ
الحديثانِ، وهو عندى حديثٌ واحدٌ، عن أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ،
أجمَله يحيى بنُّ أبى كثيرٍ، وفّره محمدُ بنُ عمرٍو. واللهُ أعلمُ .
واختلفوا فى غيرِ الأَبِ من الأولياءِ، هل له أن يُزوّجَ الصغيرةَ؟ فقال
مالكٌ والشافعىُ : لا يجوزُ لأحدٍ مِن الأولياءِ غيرِ الأَبِ أَن يُزَوِّجَ الصغيرةَ
قبلَ البلوغ، أخّا كان أو غيرَه. هذا هو تحصيلُ مذهبٍ مالكِ عندَ
البغداديين مِن المالكيِّين ، وعليه يُناظِرون. وهو قولُ ابنِ القاسم وأكثرٍ
أصحاب مالكٍ، وهو قولُ الشافعيّ وأصحابِه، وقولُ ابن أبى ليلى
والثورىٌّ، وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ فى روايةٍ ، وأبو ثورٍ ، وأبو عبيدٍ. وحُجَّةُ
مَن قال بهذا القولِ حديثُ النبيِّ وَلَ: ((تُستأمَرُ اليتيمةُ فى نفسِها، فإن
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٧٠، ٧١ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١١٥٠).
١٠١

الموطأ
سكَتت فقد أَذِنت )).قالوا : والصغيرةُ ممن لا إذنَ لها، فلم يَجُزِ العقدُ
الاستذ کار
ر
عليها إلا بعدَ بلوغِها ، ولأن مَن عدا الأبَ مِن أوليائِها - أخًا كان أو غيرَه -
ليس له أن يتصرّفَ فى مالِها، فكذلك فى بُضْعِها .
واختلَف أصحابُ مالكٍ فى اليتيمةِ تُنكحُ قبلَ البلوغ، وهى فى(١) فاقةٍ
شديدةٍ ، هل يُفَرَّقُ بينَهما؟ وهل يُفسخُ نكاحها " بعدَ الدخولِ ؟ على ما
قد ذكَّرناه فى كتابٍ (( اختلافِ أقوالِ مالكٍ وأصحابِهِ ))، والذى رواه
عيسى عن ابنِ القاسم ، قال: إن زوَّجها وليّها) قبلَ البلوغ نزَلت المواريثُ
فى ذلك النكاح، ولا أعلَمُ أن مالكًا كان يبلُغُ به إلى قطع المواريثِ فيه،
وهو أمرٌ قد أجازه جُلَّ الناسِ ، وقد زوَّج عروةُ بنُ الزبيرِ ابنةَ أُخيه وهى صبيةٌ
مِن ابنِهُ ١ ، والناسُ يومَئذٍ مُتوافِرون ، وعروةُ مَن هو .
وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ : لا أَرَى للقاضى ولا للوالى أن يُنكِحَ اليتيمةَ
حتى تبلُغَ تسعَ سنينَ . قال : فإن زَوَّجها صغيرةٌ دونَ تسع سنينَ ، فلا أرى
أن يُدخَلَ بها حتى تبلُغَ تسعَ سنينَ .
قال أبو عمرَ : هذا أخَذه مِن نكاح عائشةَ، واللهُ أعلمُ، ولا معنى
*(٤)
للحدّ(٤) فى ذلك.
وقال أبو حنيفةً ومحمدُ بنُ الحسنِ : يجوزُ أَن يُزَوِّجَ الصغيرةَ وليُّها مَن
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((غير)).
(٢ - ٢) سقط من: ح ، هـ .
(٣) ينظر سنن سعيد بن منصور (٧٧٥) .
(٤) فى الأصل، م: ((للجد )).
١٠٢

الموطأ
نان - أبًا أو غيرَه - غيرَ أن لها الخيارَ إذا بلغت. وهو قولُ الحسنِ، وعطاءٍ، الاستذكار
وطاوسٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقتادةً ، وابنٍ شُبْرُمةَ، والأوزاعىّ(١).
وقال أبو يوسفَ: لا خيارَ للصغيرةِ إِذا بلغت، زَوَّجها أبوها أو غيرُه مِن
أوليائها .
وكلُّ هؤلاء يقولون : مَن جاز أنْ يُزُوِّجَها كبيرةً، جاز أن يزوِّجَها
صغيرةً . واللهُ أعلمُ .
قال أبو عمرَ : فى هذا البابِ نوازلُ ليس هذا موضعَ ذكرِها ؛ الذى
تزوَّج بغيرِ ولىِّ ثم يُجيزُه الولىُ قبلَ الدخولِ وبعدَه، وكنكاح العبدِ أو
الأُمةِ بغيرِ إذنِ سيدِهما، هل هو موقوفٌ على إجازةِ الولىِّ أو السيِّدِ أم
لا ؟ ومثلُ ذلك مِن نوازلِ هذا البابِ، ليس كتابُنا موضعًا لها. واللهُ
الموفّقُ للصوابِ .
واختلفوا فى سكوتِ اليتيمةِ البكرِ ، هل يكونُ رضًا منها قبلَ إذنها فى
ذلك وتفويضِها؟ فعندَ مالكٍ وأصحابِه أن البكرَ اليتيمةَ إذا لم تأذنْ فى
النكاح فليس السكوتُ منها رضًا، فإن أذِنت وفوَّضت أمرَها، وجعَلت
عقدَ نكاحِها إلى وليّها، فأنكَحها ممن شاء، ثم جاء يستأمِرُها ؛ فإن إذنَها
حينئذٍ الصمتُ عندَهم ، إذا كانت بكرًا بالغًا كما ذكرنا . وفى مذهبٍ أبى
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٧٣ ، ٧٤ .
١٠٣

الموطأ ١١٢٩ - مالكٌ، أنه بلغه أن القاسمَ بنَ محمدٍ وسالمَ بنَ عبدِ اللهِ كانا
يُنكِحان بناتِهما الأبكارَ ولا يَستأمِرانِهِنَّ.
قال يحبى : قال مالكٌ: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا فى نكاحِ الأبكارِ .
قال مالكٌ : وليس للبِكرِ جوازٌ فى مالِها حتى تَدخُلَ بيتَها ويُعرَّفَ
من حالِها .
١١٣٠ - مالكٌ، أنه بلغه أن القاسمَ بنَ محمدٍ ، وسالمَ بنَ
الاستذكار حنيفة والشافعيّ وغيرِهما أن سكوتَ البكرِ اليتيمةِ إذا اسْتُؤمِرت ، وذُكِر
لها الرجلُ وصفًا، وأَخِيِرت بأنها تُنكَحُ منه، وذُكِر لها الصَّداقُ،
ءُ
وأخبرتْ بأن سكوتَها يُعَدُّ رضًا منها، فسكتت بعدَ ذلك، فقد لزِمها
النكاح .
قال أبو عمرَ : ذكَر مالكٌ فى آخرِ هذا البابِ عن القاسم بن محمدٍ
وسالم بنِ عبدِ اللهِ ، أنهما كانا يُتْكِحان بناتِهما الأبكارَ ولا يَسْتَأَ مِرانِهِنَّ(١).
قال : وعلى ذلك الأمرُ عندَنا فى نكاحِ الأبكارِ .
وذكَر مالكٌ، أنه بلَغه عن القاسمِ بنِ محمدٍ ، وسالم بنِ عبدِ اللهِ ،
وسليمانَ بنِ يسارٍ ، أنهم كانوا يقولون فى البكرِ يُزَوِّيجُها أبوها بغيرِ إذنِها :
إن ذلك لازمٌ لها (٢) .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٢ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٧٢) . وأخرجه
البيهقى ١١٦/٧ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/١٢ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٧١) . =
١٠٤

عبدِ اللهِ ، وسُليمانَ بنَ يَسارٍ، كانوا يقولون فى البِكرِ يُزوّجُها أبوها بغيرِ
إذنِها : إن ذلك لازمٌ لها .
الموطأ
وقد تقدَّم القولُ فى معنى هذه الأخبارِ فى دَرْج هذا البابِ. الاستذكار
ومعلومٌ أن مَن جاز له أن يُزَوِّجَ الصغيرةَ وهى ممن لا يُعَدُّ إذنُها إذنًا،
جاز له أن يُزَوِّجَها بالغًا دونَ إذنِها إذا كانت بكرًا، ولكن العلماءَ
يستحِبُّون مُشاوَرَتَهنَّ وذِكْرَ ذلك لهن لتَطِيبَ أنفسهنَّ "بما سبق من
ذلك٢)، وهو أحرَى أن يُؤْدَمَ(١) بينَهما.
وأما قولُ مالكِ فى هذا البابِ : وليس للبكرِ جوازٌ فى مالِها حتى تدخُلَ
بيتَها ويُعرفَ مِن حالِها. فإنه يذهَبُ إلى أن البكرَ على السَّفَهِ أبدًا حتى
تُنكحَ ويدخُلَ بها زوجها ، ويُعرفَ رُشْدُها وحُسْنُ نظرِها ، فإذا كان ذلك
جاز فعلُها فى مالِها ، إلا أن يعترضَها زوجها فى أكثرَ مِن ثُلُثِها، على ما
يأتى ذكرُه فى موضعِه إن شاء اللهُ تعالى . وقال الشافعىُّ والكوفىُّ : البكرُ
البالغُ وغيرُها سواءٌ فيما تملِكُه - حتى يثبُتَ سَفَهُها ويَحْجُرَ الحاكمُ عليها -
كالرجلِ . واحتجُوا بظاهرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ
نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِّيْئًا مَّيًِّا﴾ [النساء: ٤]. ولم يَخُصَّ بكرًا مِن ثيِّبٍ . وعندَ مالكٍ
أن ذلك فيمَن تجوزُ هِبْتُه منهن. واللهُ أعلمُ .
القبس
= وأخرجه البيهقى ١١٦/٧ من طريق مالك به .
(١) ينظر ما تقدم ص ٦٦ - ٧٣ .
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل .
(٣) فى ح، هـ: ((يدوم)). ويؤدم بينهما: أى تكون بينهما المحبة والاتفاق. النهاية ٣٢/١.
١٠٥

الموطأ
ما جاء فى الصداقِ والحِياءِ
التمهيد
القبس
ما جاء فى الصَّداقِ والحِيَاءِ
الصَّداقُ عقدٌ منفصلٌ عن النكاح، بائٌ عنه فی ذاتِه وأحكامه ، والدليلُ علی
صحةِ ذلك أن النكاحَ يجوزُ دونَه؛ لأن عقدَ النكاحِ إنما رُكْناه الزوج والزوجةُ ،
كلُّ واحدٍ منهما يَحِلُّ لصاحبِه ويستمتعُ به، وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَءَاتُواْ
اَلْنِسَآءَ صَدُقَتِنَّ غِلَةٌ﴾ [النساء: ٤]. وقال: ﴿وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِلْمَعْرُوفِ﴾
[النساء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿الَّتِىّ ءَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. فى أزواج
النبيِّ بَّهِ، فَرَدَّد اللهُ تعالى الصَّداقَ بينَ النِّحْلةِ المُبتدَأةِ التى لا يُقابِلُها عِوَضٌ وإنما
وتجبت على الزوج بفضيلةِ القِواميةِ وبمنزلةِ الذكورية، وبينَ الأجرةِ والعِوَضِيَّةِ.
وفى هذا رَدِّ على مَن أنكَر مِن الفقهاءِ تَعارُضَ الأدلةِ، وتردُّدَ الفرع بينَ الأصلَين،
وحكمُه إذا تَردَّد بينَهما أن يُوفََّ على(٢) كلِّ واحدٍ شَبَهُه، ويُرَكَّبَ عليه حكمُه،
وهو أصعبُ مسائلِ النظرِ؛ ولذلك قال مالكٌ تارةً : النكاحُ أشبهُ شيءٍ بالبيوعِ .
وتارةً جَرَّده(٣) عنها وخزَلَ(٤) حكمَه منها .
وكذلك اختلف قولُه فى الصَّداقِ الفاسدِ على ثلاثةِ أقوالٍ ؛ أحدُها : أنه
(١ - ١) فى م: ((بفضلية القوامة)).
(٢) سقط من : ج .
(٣) فى ج: (( جوزه)).
(٤) فى ج: ((خذل)). والخزل: القطع. اللسان ( خ زل).
١٠٦

الموطأ
التمهيد
يمضِى بنفسِ العَقْدِ. والثانى: أنه (١) يُفْسَخُ قبلَ الدخولِ . والثالثُ: أنه يُفْسَخُ قبلُ
وبعدُ .
القبس
واختلَف الناسُ فى تأويلاتٍ هذه الأقوالِ ؛ فمنهم مَن جعَلها مطلَقةً، ومنهم
مَن قال: إنها مبنيةٌ على قوةِ الفسادِ وضعفِه. وتفصيلُ ذلك مُسْتَوفَّى فى
((المسائلِ)).
واختلف العلماءُ - بعدَ الاتفاقِ على وجوبِه - فى تقديرِه؛ فمنهم مَن نَفَى
التقديرَ، وجَوَّزه بكلٌ قليلٍ وكثيرٍ - وهو الشافعىُّ - وروَى فى ذلك أحاديثَ لیس
لها أصلٌ، مِن جملتِها: ((الصَّداقُ ما تراضَى عليه الأهْلون))(١). ومنهم مَن قَدَّره،
واختلفوا فى التقديرِ ؛ فقال أهلُ الكوفةِ : أقلُه عشَرةُ دراهمَ . وهو أقلُّ ما تُقْطَعُ فيه يدُ
السارقِ عندَهم. ومنهم مَن (١) قَدَّره بربع دينارٍ ، وهم أهلُ المدينةِ؛ لأن القطعَ
عندَهم أيضًا مُقَدَّرٌ بربعٍ دينارٍ . ومنهم مَن قدَّره بدرهم ونحوِه - كالسَّوْطِ والنَّعْلِ -
وهو ابنُ وهبٍ، وتَعلَّق(٢) فى ذلك بطلبٍ النبيِّ وَّرِ فى حديثٍ سهلٍ فى
الصَّداقِ خاتَمًا مِن حديدٍ، (ووَسَطُ قيمتِه درهم لأجلِ الصَّنْعةِ التى فيه .
(١) بعده فى م: ((لا)).
(٢) الطيرانى (١٢٩٩٠)، والدارقطنى ٢٤٤/٣، والبيهقى ٢٤١/٧.
(٣) سقط من : م .
(٤) فى ج، م: ((المتعلق)).
(٥) فى ج، م: ((طلب)).
(٦ - ٦) فى د: ((وسوط))، وفى م: ((وسط)).
١٠٧

الموطأ
١١٣١ - مالكٌ، عن أبى حازم بنِ دينارٍ ، عن سهلِ بنِ سعدٍ
الساعدىِّ، أن رسولَ اللّهِ وَهِ جاءَته امرأةٌ فقالت: يا رسولَ اللَّهِ،
إنى قد وهَبتُ نفسى لكَ . فقامت قيامًا طويلاً ، فقام رجلٌ فقال :
يا رسولَ اللهِ ، زوّجْنیها إن لم تكُنْ لكَ بها حاجةٌ . فقال رسولُ
اللهِ وَهُ: ((هل عندَك من شىءٍ تُصدِقُها إِيَّاه؟)). فقال: ما عندى
التمهید
مالكٌ، عن أبى حازمٍ بنِ دينارٍ، عن سهلِ بنِ سعدِ الساعدىِّ ، أن
رسولَ اللهِ وَلَه جاءَته امرأةٌ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنى قد وهَبتُ نفسى
لك. فقامت قيامًا طويلًا، فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ ، زوّجْنِيها إن لم
يكنْ لك بها حاجةٌ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: « هل عندَك من شىءٍ تُصْدِقُها
القبس والصحيح أنه مُقدَّرٌ بنصابِ القطع، وأن القطعَ مُقدَّرٌ بربع دينارٍ ، وقد بيَّنَّا ذلك فى
((مسائلِ الخلافٍ)).
وفى حديثٍ سهلٍ بنِ سعدٍ هذا دليلٌ على وجوبِ الصَّداقِ؛ لأنَّ النبيَّ وَله
طلَبه من طرقٍ ، فهذا يَدُلِّ على تَعَيِّنِه وإلزامِه ، حتى طلَب سُوَرًا مِن القرآنِ يُعَلِّمُها
إِيَّها، وقد اختلف العلماء فى كونٍ الإجارةِ صَداقًا على ثلاثة أقوالٍ ، وقد رُوِى فى
هذا الحديثِ: ((عَلِّمُها مِن القرآنِ))(١). وفى ((سنن أبى داودَ))(٢): ((قُمْ فعلِّمْها
عشرينَ آيةً)). ودخولُ الإجارةِ فى النكاح تحقيقُه فى ((المسائلِ))، فأمَّا هذا
الحديثُ ، فلا أدرى كيف أغفَل العلماءُ حقيقته ، فإنه ليس بجارٍ فى شىءٍمِن ذلك
(١) مسلم (٧٧/١٤٢٥).
(٢) أبو داود (٢١١٢) .
١٠٨

الموطأ
إلا إزارى هذا. فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إن أعطَيْتَها إِيَّاه جلَستَ
لا إزارَ لك، فالتَمِسْ شيئًا)). فقال: ما أجِدُ شيئًا. قال: ((التَمِسْ
ولو خاتمًا من حديدٍ)). فالتمَسَ فلم يَجِدْ شيئًا ، فقال له رسولُ
اللهِ وَخَّ: ((هل معَكَ من القرآنِ شىءٌ؟)). قال: نعمْ، سورةُ كذا
وسورةُ كذا. لشُوَرِ سمَّاها، فقال رسولُ اللَّهِ وَله: ((قد
أنكَحْتُكها بما معَكَ من القرآنِ».
إِيَّاه؟)). فقال: ما عندى إلا إزارى هذا. فقال رسولُ اللهِ وَه: ((إن التمهيد
أعطيتَها إِيَّه جلَستَ لا إزارَ لك، فالتمِسْ شيئًا)). فقال: ما أجِدُ شيئًا .
قال: ((التمِسْ ولو خاتماً من حديدٍ)). فالتمَس فلم يجِدْ شيئًا، فقال له
رسولُ اللهِ وَهُ: ((هل معكَ من القرآنِ شىءٌ؟)). قال: نعم ، سورةُ كذا
وسورةُ كذا. لشُوَرِ سمَّاها، فقال رسولُ اللهِ وَليل: « قد أنكحْتُگها بما
معك من القرآنِ )) (١) .
القبس
المضمارِ؛ لأنه إن كان الصَّداقُ تعليمَها ، فلا بُدَّ مِن تقديرِ المدةِ فى إقرائِها ، وإن
كان على أن يستظهِرَها ، فهى جَعَالةٌ مجهولةُ المدةِ ، فلا يَصِحُ أن يكونَ صداقًا ،
وإنما مخرجُ الحديثِ أن النبيَّ وَِّ لمَّا عَدِمِ عندَه الصداقَ، تَحقَّق له الفقرُ،
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١/١٢ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٧٧) . وأخرجه
أحمد ٤٩٨/٣٧ (٢٢٨٥٠)، والبخارى (٢٣١٠، ٥١٣٥، ٧٤١٧)، وأبو داود (٢١١١)،
والترمذى (١١١٤)، والنسائى (٣٣٥٩) من طريق مالك به .
١٠٩

الموطأ
التمهيد
روَى هذا الحديثَ عن أبى حازم، عن سهل، جماعةٌ،
وأحسنُهم كلِّهم له سِياقةً مالكٌ رحِمه اللهُ. وهذا الحديثُ يدخُلُ فى
التفسيرِ المسنَدِ فى قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا
لِلنَّبِّ﴾ الآية. والموهوبةُ خُصَّ بها رسولُ اللهِ وَّهِ وحدَه دونَ سائرٍ
أمتِهِ نٍَّ؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينْ
قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىّ أَزْوَجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. يعنى من
القبس فطلَب منه(١) فضيلةً يُزَوِّبجه(٢) بها، وليس إلّا(١) استظهارَ القرآنِ أو شيءٍ منه، كما
رُوِى أن أبا طلحةَ تزوَّج أمَّ سُليمٍ على الإسلامِ() . ليس أن الإسلامَ كان صداقًا ،
ولكن لأنه فضيلةٌ اسْتَحَقَّ بها ذلك، و"بَتْقَى الصداقُ - فى حديثِ أمِّ سليمٍ وفى
حدیثِ الموهوبة - فی ذمته، ویکونُ ذلك نکاح تفويض .
مسألةٌ: قال النبىّ وَلَهِ: ((قد أَنْكَحْتُكها بما معك مِن القرآنِ)). ورُوِى: ((قد
زَوَّجْتُكها))(١). ورُوِى: ((قد مَلَّكْتُكها))(٢). واختلف العلماءُ فى النكاح بغيرِ لفظٍ
الإنكاحِ؛ فمنَعه الشافعىُّ، وجوَّزه أبو حنيفةَ بكلِّ لفظٍ يَقْتَضِى الثَّمْليكَ على
(١) سقط من : د .
(٢) فى م: ((يزوجها)).
(٣) سقط من : م .
(٤) النسائى (٢٣٤١)، وينظر ما سيأتى ص١٢٣، ١٢٤.
(٥ - ٥) فى د: ((أبقى الحديث))، وفى م: ((هى الصداق)).
(٦) البخارى (٥١٣٢) .
(٧) سيأتى تخريجه الصفحة التالية .
١١٠

الموطأ
الصَّداقِ ، فلا بدَّ لكلِّ مسلم مِن صَداقٍ - قلَّ أو كثُر - على حَسَبٍ ما التمهيد"
للعلماءِ فى ذلك من التحديدِ فى قليلِه دونَ كثيرِه، على ما نُورِدُه فى هذا
البابِ إن شاء اللهُ. وخُصَّ النبيُّ وَلِّ بأن الموهوبةَ له جائزةٌ دونَ صَداقٍ .
وفى القياس أن كلَّ ما يجوزُ البدلُ منه والعِوَضُ جازت هبتُه، إلا أن
اللهَ عزَّ وجلّ حرَّم الأبضاعَ من النساءِ إلا بالمهورِ - وهِى الصَّدُقاتُ
ج
المعلوماتُ - قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَئِنَّ نِحِلَّةٌ ﴾ [النساء: ٤].
التأبيدِ ، وجوَّزه مالكٌ بكلٌ لفظٍ يَتفاهَمُ به المُتناكِحانِ مَقْصِدَهما. وتَعلَّق مَن جوّز القبس
النكاحَ بغيرِ لفظِ الإنكاح بقولِهِ وَالَ: ((مَلَّكْتُكَهَا)). رَواه معمرٌ، ويعقوبُ
الإسكندرانىُ، وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، وخَرَّجه البخارىُّ (١ ، وقال الدارقطنىُ: هذا
وهمّ منهم؛ خالَفهم حمادُ بنُ زيدٍ(١) ، وأبو غسّانَ، وفُضيلُ بنُ سليمانَ ،
وؤُهيبٌ، والثورىُّ، وابنُ عيينةَ، وهم أحفظُ؛ قالوا كلُّهم: ((قد زَوَّجْتُكها)) .
وخذوا نكتةً أصوليةً : إذا اختلفت ألفاظُ الحديثِ فى الروايةِ فتَأَمَّلوا الحديثَ ؛ فإن
كان مما يتكرّرُ، فكلُّ لفظٍ أصلٌ يُمَهَّدُ وتُبْتَى عليه الأحكامُ، وإن كان مما لا
يتكرَّرُ، فَيُعلَمُ قطعًا أن النبيَّ وَّهِ إنما قال أحدَها، وأن الراوىَ هو الذى عبّر عن
تلك الحالةِ الواحدةِ بألفاظِ مُترادفةٍ أو مُتقاربةٍ ، فتُغْرَضُ الألفاظُ على الأصولِ
والأدلةِ، فما استمرّ منها عليها هو الذى يُثْنَى عليه الحكمُ .
ومسائلُ الصداقِ تتفاوتُ فى العددِ ، وتَلْحَقُها أحكامٌ مِن البيوعِ، فلا يُمْكِنُ
التعرضُ(٥) لها فى هذه العُجالةِ ، ذكّر منها مالكٌ فى هذا البابِ خمسَ مسائلَ ؛ منها
(١) عبد الرزاق (١٢٢٧٤)، والطبرانى (٥٩٦١).
(٢) البخارى (٥٠٣٠) من طريق يعقوب .
(٣) البخارى (٥١٤١) بلفظ: ((ملكتكها)).
(٤) فى ج، م، وحاشية د: ((وهب)). والمثبت من ((د))، وهو الصواب. وينظر تهذيب الكمال ١٦٤/٣١.
(٥) فى ج: ((التعريض)).
١١١
١

الموطأ
التمهيد قال أبو عبيدةً (١) : يعنى عن طيب نفس بالفريضةِ التى فرضها اللهُ من ذلك
دونَ جَبٍ(٢) حكومةٍ (٢) . قال: وما أُخِذ بالحُكَّامِ فلا يُقالُ له : نِعْلةٌ .
وقد قيل : إن المخاطَبَ(٤) بهذه الآيةِ الآباءُ؛ لأنهم كانوا يستأثرون
بمهورِ بناتِهم التى فرضها اللهُ لهنَّ. وقال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ
الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبَلِكُمْ إِذَاَ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ
أَجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. يعنِى مُهورَهنَّ. وقال فى الإماءِ: ﴿ فَأَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ
أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أَجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. يعنى مهورَهن. وأُجمَع علماءُ
القبس مسألةُ المُفوِّضةِ، وبيانُها فى ((مسائلِ الخلافِ))، ومنها مسألةُ العفوِ عن الصَّداقِ ،
وبيانُها فى كتابٍ ((الأحكامِ))، ومسألةُ تقديرِ الصداقِ(٥)، وقد سبقت الإشارةُ
إليها، ومسألةُ إِنكاح الرجلِ ابنَه الصغيرَ، وبيانُها فى ((المسائلِ))، وأغربُ ما فيه
قولُ علمائِنا : إن الوَصِىَّ يُزوَّجُ الصغيرَ قبلَ البلوغ، ولا يُزوّجُ الصغيرةَ حتى تَبْلُغَ .
وكان ينبغى أن تكونَ المسألةُ بالعكسِ ؛ لأن زواجَ المرأةِ مِنْحةٌ ، وزواجَ الصغيرِ
عَزْمةٌ (١) ، فلا أَراه بحالٍ حتى يبلُغَ ويعلَمَ قَدْرَ ما يدخُلُ فيه ، ومنها مسألةُ عمرَ بنِ
(١) مجاز القرآن ١١٧/١.
(٢) فى م: ((خير)).
(٣) فى ص ١٦: ((بحكومة)).
(٤) فى ص ١٦: ((المخاطبين)).
(٥) فى د: ((النكاح)).
(٦) فى د: ((جزم))، وفى حاشيتها: ((عزم)).
١١٢

الموطأ
المسلمين أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يطَأَ فَوْجًا وُهِب له وَطؤُه دونَ رَقبتِه بغيرِ التمهيد
صَداقٍ ، وأنَّ الموهوبةَ لا تَحِلُّ لأحدٍ غيرِ النبيِّ وَلَه. واختلفوا فى عقدِ
النكاحِ بلفظِ الهِيَةِ - مثلَ أن يقولَ الرجلُ للرجلِ (١) : قد وهَبتُ لك ابنتى أو
وليَّتى. وسمَّى صَداقًا أو لم يُسَمِّ - فقال الشافعىُّ: لا يَصِحُ النكاح بلفظِ
الهِبَةِ ، ولا ينعقِدُ حتى يقولَ: قد أنكَحتُكَ. أو: زوَّجتُكَ. وممَّن أبطَل
النكاح بلفظِ الهِبةِ ؛ ربيعةُ ، والشافعىُّ ، ومالكٌ على اختلافٍ عنه، وأبو
تَورٍ ، وأبو عبيد ، وداودُ ، وغيرهم . وذهبت طائفةٌ من أصحاب مالك إلى"
أن النكاحَ ينعقِدُ بلفظِ الهبةِ؛ لأنه لفظْ يصِحُ للتمليكِ، والاعتبارُ فيه
القبس
عبدِ العزيزِ؛ حيثُ كتَب إلى بعضٍ (١) عُمَّالِه، ما كان مِن شرطٍ يَقَعُ به ) النكاحُ فهو
لابنتِه . الحديث إلى آخرِهِ ) . وتحقيقُ المسألةِ أن الولىَّ إن شرَط الحِبَاءَ للزوجةِ
فهو لها، وإن شرَّطه لنفسِه فينبغى أن يسقُطَ ولا يكونَ لأحدٍ ؛ أمَّا أنه لا يكونُ
للزوجةِ؛ فإنه لم يُسَمَّ لها فى المَهْرِ)، وأمَّا أنه لا يكونُ للولىٌ، فلأنه أكلُ مالٍ
بالباطلِ لا مقابلَ له، وإنما كان شيئًا تفعلُه الأعرابُ فى الجاهليةِ ، ثم هدَم اللهُ تعالى
ذلك بالإسلام .
(١) ليس فى: الأصل، ص ١٦، ص٢٧ .
(٢) ليس فى: الأصل ، ص ١٦ ، ص ٢٧ ، م .
(٣) ليس فى : د .
(٤) فى ج، م: ((فى)) .
(٥) سيأتى فى الموطأ (١١٣٤) .
(٦ - ٦) فى د: ((فى المهر))، وفى ج: ((لها)).
١١٣
( موسوعة شروح الموطأ ٨/١٤ )

الموطأ
٠٠
التمهيد بالمعنَى لا باللفظِ. وقال ابنُ القاسم، عن مالكِ: لا تحِلَّ الهبةُ لأحدٍ بعدَ
النبيِّ وَّله. قال: وإن كانت هبتُه إِيَّها ليسَت على نكاح، إنما وهَبها له
ليحضُتَها أو ليكفُلَها ، فلا أُرَى بذلك بأسًا . قال ابنُ القاسم: وإن وهَب ابنتَه
وهو يريدُ إنكاحها، فلا أحفَظُه عن مالك، وهو عندی جائزٌ كالبيع . قال
مالكٌ: مَن قال : أهَبُ لك هذه السلعةً على أن تعطِيَنى كذا وكذا . فهو
بئْعٌ. وإلى هذا ذهب أكثرُ المتأخّرين من المالكيين البغداديِّين، وقالوا : إذا
قال رجلٌ لرجلٍ : قد وهَبتُ لكَ ابنتى على دينارٍ . جاز، وكان نِكاحًا
صحيحًا ، قياسًا على البيع. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ، والحسنُ
ابنُ حىٍّ: ينعقِدُ النكاح بلفظِ الهِبةِ إذا كان أَشْهَدَ عليه ، ولها المهرُ المسمَّى
إن كان سَمَّى ، وإن لم يُسَمِّ لها مَهْرًا فلها مَهْرُ مثلها . وممَّا اخْتَجّ به أصحابُ
أبى حنيفةً فى هذا، أن الطلاقَ يقَعُ بالتصريح وبالكِنايةِ ، قالوا : فكذلك
النكاح. قالوا: والذى خُصَّ به رسولُ اللهِ وَّه تَعَرِّى البُضْعِ من العِوَضِ لا
النكاح بلفظِ الهبةِ .
قال أبو عمرَ : الصحيحُ أنه لا ينعقِدُ بلفظِ الهِبةِ نكاحٌ، كما أنه لا
ينعقِدُ بلفظِ النكاح هبةُ شىءٍ مِن الأموالِ ، مع ما ورد به التنزيلُ المحكمُ فى
الموهوبةِ أنها للنبىِّ وَ لِّ خالِصةٌ دونَ المؤمنين، فلمَّا لم تصِحَّ الهِبَةُ فى ذلك
لم يَصحَّ بلفظِها نكاح، هذا هو الصحيحُ فى النظرِ . واللهُ أعلم . ومِن جهةٍ
النظرِ أيضًا ، أن النكاحَ مُفتقِرٌ إلى التصريح لتقَعَ الشهادةُ عليه، وهو ضِدُّ
الطلاقِ ، فكيف يُقاسُ عليه ؟ وقد أجمَعوا أن النكاحَ لا ينعقِدُ بقولِه : قد
٠
القبس
١١٤

الموطأ
أَبَحثُ لكَ. وقد أَحلَلْتُ لكَ. فكذلك الهِبَةُ. وقال رسولُ اللهِ وَِّّ: التمهيد
((اسْتَحلَلتُم فروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ)) (١). يعنى القرآنَ، وليس فى القرآنِ عَقدُ
النكاح بلفظِ الهِيَةِ ، وإنما فيه التزويجُ والنكاح، وفى إجازةِ النكاح بلفظِ
الهِيَّةِ إبطالُ بعضِ خصوصيةِ النبيِِّ وَله. واللهُ أعلمُ.
وفى هذا الحديثِ أيضًا من الفقهِ إجازةُ أخذِ الأجْرَةِ على تعليم
ءِ
القرآنِ ، وقد اختلف فى ذلك العلماءُ؛ فكرِهَه قومٌ؛ منهم أبو حنيفةً
وأصحابُه، وأجازه آخرونَ؛ منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ،
وأحمدُ . والحُجَّةُ فى جوازِ ذلك حديثُ هذا البابِ ، وحديثُ أبى سعيدٍ
الخدرىِّ، عن النبيِّ وَلِّ، أنه بعَث سَرِيَّةً فنزَلوا بحىٍّ، فسألُوهم القِرَى أو
الشِّراءَ ، فلم يفعَلوا، فَلُدِغ سيِّدُ الحىّ ، فقالوا لهم : هل فيكم من راقٍ ؟
فقالوا : لا ، حتى تَجْعَلوا لنا على ذلك جُعْلًا. فجعلوا لهم قطيعًا مِن
غنم، فأتاه (١) رجلٌ منهم، فقرَأ عليه ((فاتحةَ الكتابِ)) فبَرَأ، ( فذبَحوا
وشَوَوْا وأكَلوا، فلما قدِموا على رسولِ اللهِ وَ لَّ ذِكَروا ذلك له،
فقال: ((ومِن أين علِمتَ أنها رُقْيَةٌ؟ مَن أَخَذ برُقْيَةِ باطِل فلقد أخَذتَ برُقْيَةِ
حقِّ، اضرِبوا لى فيها بسهمٍ )) . رواه أبو المتَوَكِّلِ الناجِى(٤) ، وسُليمانُ بنُ
القبس
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥) من حديث جابر.
(٢) فى الأصل، م: (( فأتاهم )).
(٣ - ٣) ليس فى مصادر التخريج الآتى ذكرها.
(٤) أخرجه أحمد ٥/١٧ (١٠٩٨٥)، والبخارى (٢٢٧٦، ٥٧٣٦)، ومسلم (٢٢٠١) من طريق
أبى المتوكل به .
١١٥

الموطأ
التمهيد قَنَّة١ً)، وأبو نَضْرةَ(١) ، عن أبى سعيدِ الخُدْرِىِّ.
وروَى الشعبىُّ، عن خارِجَةَ بنِ الصَّلْتِ، عن عِّه، عن النبيِّ وَلِّ مِثْلَهُ(١).
وحُجَّةُ أبى حنيفةً ومن قال بقولِه حديثُ سعدِ بنِ طَريفٍ ، عن
عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، أن النبىَّ وَلَّه قال: « مُعلُّمو صِبیانِكم شِرائُ كم ؛
أقلُّهم رحمةً باليتيمِ، وأغلَظُهم(٤) على المسكين (٥))).
وحديثُ علىِّ بنِ عاصمٍ، عن حمادِ بنِ سَلَمةً، عن أبى مُرْهُم ، عن
أبى هريرةَ قال : قلتُ : يا رسولَ اللهِ، ما تقولُ فى المعلِّمِين ؟ قال :
((دِرْهَمُهم حرامٌ، وقُوتُهم(١) سُخْتٌ، وكلامُهم رِياءٌ)) (١).
وحديثُ المغيرةِ بنِ زيادٍ ، عن عُبادةَ بنِ نُسَيٍّ ، عن الأسودِ بنِ ثَعْلَبةَ ،
القبس
(١) أخرجه أحمد ٥٠/١٨ (١١٤٧٢)، وابن حبان فى الثقات ٧/ ٨١، والدارقطنى ٦٤/٣ من
طريق سليمان به .
(٢) أخرجه أحمد ١٢٤/١٧ (١١٠٧٠)، وابن ماجه (٢١٥٦)، والترمذى (٢٠٦٣) من طريق
أبى نضرة به .
(٣) أخرجه أحمد ١٥٥/٣٦، ١٥٦ (٢١٨٣٥، ٢١٨٣٦)، وأبو داود (٣٩٠١)، والنسائى فى
الكبرى (١٠٨٧١) من طريق الشعبى به .
(٤) فى ص١٦، ص ١٧ : ((أغلظه)).
(٥) فى ص ١٦: ((المساكين)).
والحديث أخرجه ابن عدى ١٢٧١/٣، وابن الجوزى فى الموضوعات ٢٢٢/١، ٢٢٣ من
طريق سعد بن طريف به .
(٦) فى الأصل: ((ثوبهم)).
(٧) ذكره ابن حجر فى لسان الميزان ٢٥/٧ عن المصنف، وفيه: ((وكلامهم ربا)).
١١٦

الموطأ
عن عبادةَ بنِ الصامتِ ، أنه علَّم رجلًا مِن أهل الصُّفَّةِ، فَأَهْدَى له قَوْسًا ، التمهيد
فقال له رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِن سَرَّكَ أن يُطوِّقَكَ اللهُ طَوْقًا من نارٍ فاقبَلْه))(١).
ورُوِى مِن حديثِ أُبىّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ◌َِّ مثلُه.
وهذه الأحاديثُ مُنْكَرَةٌ ، لا يَصِحُ شىءٌ منها عندَ أهلِ العلمِ بالنقلِ .
وسعدُ بنُ طَرِيفٍ متروكُ الحديثِ، وأبو بُرْهُم مجهولٌ لا يُعرَفُ، ولم
يَرْوِ حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أحدٍ يُقالُ له : أبو بجرْهُم. وإنما رواه عن أبى
المهَزِّم، وهو متروكٌ أيضًا، وهو حديثٌ لا أصلَ له . وأما المغيرةُ بنُ زيادٍ ،
فمعروفٌ بحملِ العلم، ولكنه له مناكيرُ، هذا منها. وأما حديثُ
القَوْسِ ، فمعروفٌ عندَ أهلِ العلم؛ لأنه رُوِى عن عُبادةَ مِن وَجْهين،
ورُوِى عن أَبِّ بنِ كعبٍ مِن حديث موسى بنِ عُلىٍّ ، عن أبيه، عن أُبيِّ
ابنِ كعبٍ، وهو مُنقطِعٌ، وليس فى هذا البابِ حديثٌ تجبُ به حُجَّةٌ
مِن جهةِ النقلِ. واللهُ أعلمُ .
واحتَّجُوا أيضًا بقولِه وَه: ((اقرَُّوا القرآنَ ولا تأكلوا به، ولا
تَسْتَكْثِرُوا))(٢) . وهذا يَحتمِلُ التأويلَ، وكذلك حديثُ عُبادةَ وأَبِىِّ يَحتمِلُ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٦٣/٣٧ (٢٢٦٨٩)، وأبو داود (٣٤١٦)، وابن ماجه (٢١٥٧) من طريق
المغيرة به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٥/٦ من طريق موسى بن على به .
(٣) أخرجه أحمد ٢٨٨/٢٤، ٢٩٥، ٤٤١ (١٥٥٢٩، ١٥٥٣٥، ١٥٦٧٠)، وأبو يعلى
(١٥١٨)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٨/٣ من حديث عبد الرحمن بن شبل.
١١٧

الموطأ
التمهيد التأويلَ أيضًا؛ لأنه جائزٌ أن يكونَ علَّمه للهِ ، ثم أخَذ عليه أجرًا ، ونحوَ هذا.
واختَلَف الفقهاءُ أيضًا فى محكم المصَلِّى بأُجْرةٍ ؛ فروَى أشهبُ ، عن
مالك ، أنه سُئل عن الصلاة خلفَ من استُؤْجِر فی رمضانَ يقومُ بالناسِ،
فقال: أرجو ألا يكونَ به بأسٌ، إن كان به بأسٌ فعليه . وروى عنه ابنُ
القاسم أنه كرِهه، وهو أشدُّ كراهيةً له فى الفريضةِ. وقال الشافعىُّ
وأصحابُه وأبو ثورٍ : لا بأسَ بذلك، ولا بأسَ بالصلاةِ خلفَه. وذكَر
الوليدُ بنُ مَزْيَدٍ ، عن الأوزاعىِّ ، أنه سُئِل عن رجلٍ أَّ قومًا فأخَذ عليه
أجرًا، فقال: لا صلاةً له. وكرِهه أبو حنيفةً وأصحابُه . وهذه المسألةُ
مُعلَّقةٌ مِن التى قبلَها ، وأصلُهما واحدٌ . وفى هذه المسألةِ اعتلالاتٌ يطولُ
ذكرها .
وفيه أيضًا من الفقهِ أن الصَّداقَ كلَّ ما وقَع عليه اسمُ شيءٍ مما يصحُ
تَمَلُّكُه، قلَّ أو كثُر؛ لأن النبىَّ وَِّ لم يقلْ له : التِمِسْ رُبُعَ دينارٍ فصاعدًا .
ولا عشَرةَ دراهمَ فصاعدًا. ألا ترَى إلى قولِه: ((هل عندَك من شىءٍ
تُصدِقُها؟)). ثم قال: (( التمِسْ ولو خَاتَماً من حديدٍ))؟ فقال أصحابنا :
يريدُ بقوله: ((التمِسْ شيئًا)). و: ((هل عندَك من شىءٍ؟)). أى: من شىءٍ
تُقَدِّمُه إليها من صَداقِها؛ لأن عادتَهم جرَت بأن يُقدِّموا من الصَّداقِ
بعضَه . وقال الشافعىّ وأصحابُه: يريدُ شيئًا تُصدِقُها إياه ، فيَقتَضِى أن كلّ
القبس
(١) فى ص ١٦: ((ليؤم)).
١١٨

الموطأ
شىءٍ وجَدَه ممّا يكونُ ثمنًا لشىءٍ جاز أن يكونَ صَداقًا، قَلَّ أو كَثُر. وقد التمهيد
مضَى القولُ فى هذا المعنى مُجَوَّدًا فى بابٍ حُمَيْدٍ من هذا الكتابِ(١) .
وأما اختلافُ العلماءِ فى مبلَغ أقلِّ الصداقِ ؛ فذهَب مالكٌ وأصحابُه
إلى أن النكاحَ لا يكونُ بأقلَّ من رُبُعِ دینارٍ ذهبًا، أو ثلاثةِ دراهمَ کیلاً من
وَرِقٍ ، أو قيمةٍ ذلك من الغُروضِ ، قياسًا على قطع اليدِ ؛ لأنه ◌ُضوٌ يُستبامح
بمقدَّرٍ مِن المالِ، فأشبهَ قطعَ اليدِ ، ولم يكنْ بُدٌّ من التقديرِ فى ذلك؛ لأن
اللهَ شرّط عدمَ الطَّوْلِ فى نكاح الإماءِ، وقلَّما يَعدَمُ الإنسانُ ما يَتموَّلُ أو
يَتْملَّكُ. وقد ذكَرْنا الحُجّةَ لهذا القولِ فى بابِ حُمْدِ الطويلِ من هذا
الكتاب(١) . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : لا يكونُ المهرُ أقلّ من عشَرةٍ
دراهمَ. قياسًا أيضًا على ما تُقطَعُ اليدُ فيه عندَهم . واحتجُوا بحديثٍ يُروَى
عن جابرٍ، عن النبيِّ وَلّ أنه قال: ((لا صَداقَ أقلُّ من عَشَرةِ دراهمَ)) (١).
وهو حديثٌ لا يَثْبُتُ .ورُوِى عن الشعبىِّ، عن عليٍّ مثلُهُ(٤) . ولا يَصِحُ
أيضًا عن علىٍّ. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: أَقلُّ المَهْرِ خمسةُ دَراهمَ . يعنى كيلاً،
وفى ذلك تُقطَّعُ اليدُ عندَه أيضًا. ورُوِى عن النَّخَعَىِّ ثلاثةُ أقاويلَ؛
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ٤٢٠ - ٤٢٤.
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٤٢٠ - ٤٢٣.
(٣) أخرجه الدارقطنى ٢٤٥/٣، والبيهقى ٢٤٠/٧.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٠٤١٦)، وابن أبى شيبة ١٨٨/٤، والدارقطنى ٢٤٥/٣، والبيهقى
٢٤٠/٧ من طريق الشعبى به .
١١٩

الموطأ
التمهيد أحدُها ، أنه كَرِهِ أن يَتَزوَّجَ بأقلَّ من أربعين درهمًا(١). وروى عنه أنه قال:
أكرَهُ أن يكونَ مثلَ مهرِ البغىّ، ولكن العشرةَ والعشرين (١) . وكان سعيدُ بنُ
جبيرٍ يَستحِبُّ أن يكونَ المهرُ خمسين درهمًا (١) . وقال الحسنُ البصرىُّ،
وسعيدُ بنُ المسيَّبِ ، وابنُ أبى ليلى، والثورىُّ، والأوزاعيُ، وعطاءٌ، وعمرُو
ابنُ دينارٍ ، والشافعىُّ، ومسلمُ بنُ خالدِ الزَّنْجُ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ،
وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ ، واللَّيْثُ بنُ سعدٍ، والحسنُ بنُّ حَىٍّ ، والطبرىُّ، وداودُ:
يجوزُ النكاح بقليلِ المالِ وكثيرِه (٤) . إلا أن الحسنَ يُعجِبُه ألا يكونَ أقلّ من
دينارٍ أو عشَرةٍ دراهمَ ، ويُجيزُه بدرهم. وقال الأوزاعىُّ: كلُّ نكاحٍ وقَع
بدرهم فما فوقَه لا ينقُضُه قاضٍ . قال: والصَّداقُ ما تَراضَى عليه الزوجان من
قليل أو كثيرٍ. وقال الشافعى: كلَّ ما كان ثمنًا لشىءٍ ، أو أَجْرةً ، جاز أن
يكونَ صَداقًا. وقال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: لو أَصْدَقَها سَوْطًا لحلَّت(٥).
أخبرَنا خَلَفُ بنُ قاسم، حدَّثنا ابنُ شعبانَ، حدَّثنا عمرانُ بنُ
موسى بن زكريا، حدَّثنا خُشَيْشُ بنُ أَصْرَمَ، حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، عن
معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ قال: النكاح جائزٌ على
مَوْزةٍ إذا هى رَضِيَت .
القبس
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٦٠٦)، وابن أبى شيبة ١٨٨/٤.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٤١٦)، وسعيد بن منصور (٦٠٥).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٦٠٧) .
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٠٣٩٤، ١٠٣٩٥، ١٠٤١٣، ١٠٤١٤)، وسنن سعيد بن منصور
(٦٠٨، ٦١٤، ٦٢٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٨٧/٤، ١٨٩.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠٤١٣، ١٠٤١٤)، وابن أبى شيبة ١٨٩/٤.
١٢٠