Indexed OCR Text

Pages 41-60

الموطأ
فيهم. قال: وقد أمَر رسولُ اللهِ وَّ نُعيمًا أن يُؤْامِرَ أُمّ ابنته(١).
التمهيد
قال أبو عمرَ : ذكَّر مَن ذهَب هذا المذهبَ أيضًا ما رَواه معمرٌ،
والأوزاعىُ ، وهشام الدَّستُوائىُ ()، وغیرُهم ، عن یحیّی بنِ أُبی كثيرٍ، عن
المهاجرِ بنِ عكرمةَ قال: كان النبيُّ وَّلَه يستأمرُ بناتِه إذا أنكحهنَّ. قال:
كان يجلِسُ عندَ خِدرٍ المخطوبةِ فيقولُ: ((إنَّ فلانًا يذكُرُ فلانةَ)). فإن
حرّكتِ الخِدْرَ لم يزوِّجْها، وإن سكتتْ زوَّجَها .
وذكر ابنُ أبى شيبةً(٤) عن حفصٍ بنِ غياثٍ ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
عطاءٍ مرسلاً مثلَه سواءً .
وروَى الثَّورىُّ(٥) ومعمرٌ(٢)، عن عبدِ الكريم الجزرىِّ، عن ابنِ المسيبِ
قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((استأمِروا الأبكارَ فى أنفسِهنَّ، فإنَّهنَّ
يَستحيين، فإِذا سكتتْ فهو رِضاها)). هذا لفظُ الثورىِّ.
قال الشافعىُّ : وهذا فى الآباءِ على استطابةِ النَّفسِ مَّن له أنْ يُنكِحَها ،
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٢/١٠ (٥٧٢٠)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣٦٨/٤، ٣٦٩، والبيهقى
١١٦/٧ من حديث ابن عمر .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٢٧٧) عن معمر به.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٢٧٨)، وسعيد بن منصور (٥٦٢)، والبيهقى ١٢٣/٧ من طريق
هشام به .
(٤) ابن أبى شيبة ١٣٦/٤.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠٢٨٠) عن الثورى به .
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٠٢٨١) عن معمر به بنحوه .
٤١
1

الموطأ
•
التمهيد كما أمَر نُعيمًا أَنْ يشاورَ أَمَّ ابنتِه ، ومعلومٌ أنَّها لا أمرَ لها معه فى ابنتِهِ ، ولما
عسى أنْ يكونَ عندَها ممّا يخفَى عليه مِن ذلك .
وقال آخرونَ : الأَيِّمُ كلُّ امرأةٍ لا زوجٌ لها، بكرّا كانت أمْ ثِيًَّا .
واستشهَدوا بقولِ الشاعرِ (١) :
وإن كنتُ أَقْتَى منكمُ أتأيّمِ
فإن تَنْكِجِى أَنْكِعْ وإنْ تَتْأَّمى
قال أبو عمرَ : ومِن هذا قولُ الشَّمَّاخِ (٢) :
يُقِرُّ بعَهِى أَنْ أُنَبَّأَ أنَّها وإن لم أنَلْها أيِّمٌ لم تَزَوَّجِ
وأبينُ مِن هذا قولُ أميّةَ بنِ أبى الصلتِ(٣):
للهِ دَرُّ بنى علىٍّ أَيِّم منهم وناكِع
شَغْوَاءَ تُحِزُ) كلَّ نابِع
إن لم يُغيروا غارةً
قالوا : فالأيُّمُ كلِّ مَن لا زوجَ لها مِن النساءِ . قالوا: وكذلك كلَّ رمجل
لا امرأةً له أيُّمْ أيضًا، فالرَّجلُ أَيِّمٌ إذا كان لا زوجةً له، والمرأةُ أَيِّم إذا
کانت لا زوج لها .
القبس
(١) البيت بدون نسبة فى مجاز القرآن ٦٥/٢، وتفسير ابن جرير ٢٧٤/١٧، وتفسير القرطبى
٢٤٠/١٢، واللسان ( أى م ) ، والشطر الثانى فى اللسان :
* يدا الدهر ما لم تنكحى أتأيم .
(٢) ديوانه ص ٧٦ .
(٣) سيرة ابن هشام ٣٢/٢، والعقد الفريد ٣٠١/٣، ٣٠٢.
(٤) تُجحره: أى: تُلجئه إلى أن يدخل جحره. اللسان ( ج ح ر).
٤٢

الموطأ
واحتجوا أيضًا بما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ التمهيد
ابنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا موسَى بنُ إسماعيلَ ،
قال : حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن علىٍّ بنِ زيدٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ،
قال : آمَتْ حفصةُ ابنةُ عمرَ مِن زوجِها ، وآمَ عثمانُ مِن رقيَّةَ بنتِ رسولٍ
اللهِ وَّه، فمرَّ عمرُ بعثمانَ، فقال: هل لك فى حفصةً؟ فلم يُحِرْ إليه
شيئًا، فَأَتَى عمرُ النبىَّ وَ لَّ فقال: أَلَم تَرَ إلى عثمانَ، عرَضتُ عليه
حفصةً، فأعرضَ عنِّى، ولم يُحِرْ إِلىَّ شيئًا؟ فقال النبيُّ وَله: ((فخيرٌ مِن
ذلك؟ أتزوَّجُ أنا حفصةَ، وأزوّبج عثمانَ أمّ كلثومٍ)). فتزوَّجَ النبىُّ
صَلَى اللّه
وَسَلم
حفصةَ، وزوَّجَ عثمانَ أُمَّ كلثومٍ(١) .
ألا ترى أنَّ فى هذا الحديثِ: آمَتْ حفصةٌ ، وآمَ عثمانُ ؟ قالوا : ففى
ذلك دليلٌ على أنَّ مَن لا زوجَ له فهو أيِّمْ ؛ ثيّبًا كان أو بكرًا، رجلًا كان أو
امرأةٌ .
قال أبو عمرَ: ذهَب إلى هذا القولِ طائفةٌ مَّن قال: لا نكاحَ إلّ بولىٍّ.
وكلُّ مَن قال: النِّكاحُ جائزٌ بغيرٍ ولىٍّ. وسنبيِّنُ اختلافَ العلماءِ فى النِّكاح
بغيرِ ولىِّ بعدَ هذا إن شاء اللهُ .
ومعنى قولِهِ وَله: ((الأَيُمُ أحقُّ بنفْسِها مِن وليّها)). عندَ هذه الطَّائفةِ
القائلةِ: لا نكاحَ إلّا بولىٌّ. أنَّه مَن عَدا الأبَ مِن الأولياءِ، وأَنَّ الأبَ لم يُرَدْ
القبس
(١) أخرجه الحاكم ١٤/٤ من طريق موسى بن إسماعيل، وأخرجه ابن سعد ٨٣/٨، وإسحاق بن
راهويه (٢٥) من طريق حماد بن سلمة به .
٤٣

الموطأ
التمهيد بذلك. ومَمَّن قال بهذا؛ مالكٌ وأصحابُه وجماعةٌ. قال إسماعيلُ بنُ
إسحاقَ : إِنكاحُ غيرِ الأبِ لا يجوزُ إلَّا بأمرِ المرأةِ. قال: وأمَّا الأَبُ فيجوزُ
إِنكاح ابنته البكرِ بغيرِ أمرِها؛ لأَنَّه غيرُ منَّهم فى ولدِه، كما لا يَتَّهَمُ فى
نفْسِه ومالِه ؛ لأنَّ ولدَه هبةٌ له كسائرِ مالِه. قال اللهُ عزَّ وجلّ : ﴿هَبْ لِ مِن
لَُّنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]. قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُرُ إِسْحَقَ﴾
[الأنعام: ٨٤، والأنبياء: ٧٢، والعنكبوت: ٢٧]. وليس غيرُ الأُبِ مِن الأولياءِ
كذلك، فلا يجوزُ لغيرِ الأَبِ أَنْ يزوِّجَ وليَّتَه إلَّ بأمرِها، ﴿ قَال ◌َِّّ:
((الأَيْمُ أحقُّ بنفْسِها مِن وليّها))١). قال إسماعيلُ: والأُيِّمُ التى لا زوجَ لها؛
بالغًا كانت أو غيرَ بالغ ، بكرًّا كانت أم ثيًّا . قال: ولم يدخُلِ الأُبُ فى
جملةِ الأولياءِ؛ لأنَّ أَمَرَه فى ولدِه أجلُّ مِن أنْ يدخُلَ مع الأولياءِ الذين لا
يُشبهونَه ، وليست لهم أحكامُه، ولو دخَل فى جملةِ الأولياءِ لما جاز له أنْ
يُنكحَ ابنتَه الصغيرةَ ثم لا يكونُ لها خيارٌ عندَ بلوغ ولا غيرِه . قال: وقد
توهَّمَ قومٌ أنَّ الأَيِّمَ فى هذا الحديثِ الثيّبُ، وهو غلطٌ شديدٌ ، وإََّا
توهَّموا ذلك حينَ خُصَّتِ البكرُ بأنَّ إذنَها صُماتُها ، فِظَنُّوا أنَّ الأَيُّمَ هى
الثَّيْبُ ، ولو كان الأمر كما توهَّموا لكانت الشَّيِّبُ أحقَّ بنفْسِها مِن وليِّها ،
وكانت البكرُ ليست بأحقَّ بنفسِها، وكان الاستثمارُ لها إنَّما هو على
التَّرغيبِ فى ذلك لا على الإيجابِ - إذا كانت ليست بأحقَّ بنفْسِها مِن
وليِّها - وهذا الحديثُ إِنَّا جاءَ فى الأيامَى جملةً، وكأنَّه، واللهُ أعلمُ ،
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل .
٤٤

الموطأ
التمهيد
إعلامُ للناسِ إِذْ أُمِروا بإنكاح الأيامَى فى القرآنِ مع ما أُمِروا به مِن إنكاح
العبيدِ والإِماءِ، أنَّهنَّ لسنَ بمنزلةِ العبيدِ والإِماءِ، وأنَّهنَّ إنما يُنكِحُهنَّ الأولياءُ
بأمرِهنَّ، وأنَّهنَّ أحقُّ بأنفسِهنَّ، ولولا ذلك لكان للأولياءِ أنْ يُنكِحوهنَّ
بغيرِ أمرِهِنَّ، كما يُنكِحُ السَّيِّدُ أُمتَه وعبدَه بغيرِ أمرِهما، إذْ كان ظاهرُ
القرآنِ فى اللَّفظِ قد أجرينَ فيه مُجرِّى واحدًا. قال اللهُ تبارَك وتعالَى :
[النور : ٣٢].
﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآَبِكُمْ﴾
فأمِروا بإنكاح مَن لا زوجَ له - وهُنَّ الأيامَى - ولم يؤمَروا بإنكاح الشَّيِّبِ
دونَ البكرِ . وذكر حديثَ سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، قال: آمَتْ حفصةُ مِن
زوجِها ، وآمَ عثمانُ مِن رقِيَّةَ . الحديثَ. وذكَر حديثَ ابنِ أخى الزُّهرىِّ،
عن عمِّه، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ قال : آمَتْ حفصةُ مِن خُنيسٍ بنِ
حذافةَ السَّهميِّ. الحديث(١). ثم قال: حدَّثنا الحوضىُّ وسليمانُ بنُ
حربٍ، قالا: حدَّثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ ، عن هانئٌّ بنِ هانىٌّ قال :
رأيتُ امرأةٌ جاءَتْ إلى علىّ رضوانُ اللهِ عليه ذاتَ شارةٍ ، فقالت : هل لكَ
فى امرأةٍ لا أيِّم ولا ذاتِ بعلٍ؟ وذكَر الحديثَ(٢). قال: وأَّما يقال: آمَتْ
منه زوجتُه .أىَّ: صارتْ غيرَ ذاتِ زوج، وليس أنَّها صارَتْ ثيًّا بموتِه أو
بفراقِهِ، وَما تصير أيُّمًا بموتِه أو بفراقِه إذ(١) صارت غيرَ ذاتِ زوجٍ. قال:
ويقالُ للرَّجلِ أيضًا: أيِّمْ. إذا لم تكنْ له زوجةٌ. وأنشَد قولَ الشاعرِ(:
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣٧ .
(٢) أخرجه البيهقى ٢٢٧/٧ من طريق شعبة به، وينظر ص ١٩٠، وما سيأتى فى شرح الأثر
(١٢٧٠) من الموطأ.
(٣) فى الأصل، ص ١٦، ص ٢٧، م: ((إذا)).
(٤) تقدم ص ٤٢ .
٤٥

الموطأ
وإنْ كنتُ أَنْتَى منكمُ أتأيّمٍ
التمهيد فإن تَنْكِحِى أَنْكِحْ وَإِن تتأيَّمِى
وأنشدَ أيضًا بيتَى الأسدىِّ يومَ القادسيَّةِ، وقد تقدَّمَ ذكرنا لهما(١). ثم
قال: ويُقالُ فى بعضِ الحديثِ، وأحسبُه مرفوعًا: ((أعوذُ باللهِ مِن بوارٍ
الأَيِّم))(٢) . قال: وهذا فى اللُّغةِ أشهرُ مِن أن يُحتاج فيه إلى إكثارٍ .
ثم قال: وأَما كان فى الحديثِ معنيانٍ ؛ أحدُهما ، أنَّ الأيامَى كلَّهنّ
أحقُّ بأنفسِهنَّ مِن أوليائِهنَّ، وهم مَن عَدا الأبَ مِن الأولياءِ . والمعنى
الآخرُ، تعليمُ الناسِ كيفَ تُستأذَنُ البكرُ ، وأنَّ إذنَها صُماتُها؛ لأنَّها
تَستحيى أنْ تجيبَ بلسانِها. قال إسماعيلُ : فهذا معنى الحديثِ عندَ
مالكٍ؛ أنَّ الأيّمَ أحقُّ بنفْسِها مِن وليّها ، إنما هو لسائرِ الأولياءِ دونَ الأَبِ،
وأنَّ الأَبَ أقوى أمرًا مِن أن يدخُلَ فى هذه الجملةِ ، ولو كان داخلًا فيها لما
جاز له أنْ يزوِّجَ ابنته الصغيرةَ؛ لأنَّها داخلٌ فى جملةِ الأيامَى ، ولو كانت
أحقَّ بنفْسِها لم يجزْ له أن يزوِّجَها حتى تبلُغَ وتُستأمَرَ، إذ(٣) كان التزويج
أمرًا يلزمُها فى نفْسِها لا حيلةَ لها فيه، كما أنَّ غيرَ الأَبِ مِن الأولياءِ لا
يجوزُ له أنْ يزوِّجَ صغيرةً، والأبُ له أنْ يزوّجَ الصغيرةَ - بإجماع مِن
المسلمينَ - ثم يلزمُها ذلك، وألا يكونُ" لها فى نفْسِها خيارٌ إذا بلَغْتْ .
القبس
(١) تقدما ص٣٦ .
(٢) أخرجه الطبرانى (١١٨٨٢) من حديث ابن عباس .
(٣) فى الأصل، م: ((إذا)).
(٤ - ٤) فى ص، ص ١٧: ((لكن)).
٤٦

الموطأ
التمهید
هذا كلُّه كلامُ إسماعيلَ بنِ إسحاقَ .
قال أبو عمرَ: فحصَل أنَّ الولىَّ المذكورَ فى هذا الحديثِ هو الأُبُ
عندَ الشَّافعىِّ، وعندَ مالكِ (١ ما عدا الأبَ مِن سائرِ الأولياءِ، وهو
عندَ الكوفيِّينَ الأَبُ وغيرُ الأَبِ مِن سائرِ الأولياءِ كلُّهم فى النكاح .
وسيأتى مذهبهم فى ذلك ملخّصًا(١) فى هذا البابِ بعدُ إن شاء اللهُ
تعالى .
قال أبو عمرَ: فى قولٍ رسولِ اللهِ وَله: ((الأَيِّمُ أحقُّ بنفْسِها مِن
وليّها)). دليلٌ على أنَّ للولىِّ حقًّا فى إنكاح وليَّتِه، على ما مضى فى
هذا البابِ مِن القولِ على الفرقِ بينَ التَّيِّبِ والبكرِ، وعلى الجمعِ بينَهما
فى المعنى المرادِ بالولىِّ المذكورِ فى الحديثِ على حسَبٍ ما وصَفْنا، وقد
اختلف العلماءُ فى هذا المعنى ؛ فقال منهم قائلونَ: لا نكاحَ إلّا بولىٌّ،
ولا يجوزُ للمرأةِ أن تباشرَ عقدَ نكاحِها بنفْسِها دونَ وليّها ، ولا أن
تعقدَ نكاحَ غيرِها. وثمَّن قال هذا؛ مالكٌ، والشافعىُ، وسفيانُ
الثورىُّ، وابنُ أبى ليلى، وابنُ شُبرمةً، وابنُ المباركِ، وعبيدُ اللهِ بنُ
الحسنِ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأبو عبيدٍ، والطَّبرىُّ. ورُوِى
ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنٍ مسعودٍ، وابنٍ عباسٍ، وأبى هريرةَ . وهو
قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، والحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وجابرِ بنِ زيدٍ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((فى غير)).
(٢) فى الأصل: ((مخلصًا)).
٤٧

الموطأ
التمهيد أبى الشَّعثاءِ(١). وخالفَ هؤلاء أهلُ الرأْيِ مِن الكوفيِّينَ، وطائفةٌ مِن
التَّابعينَ، وسنذكُرُ قِولَهم ههُنا إنْ شاء اللهُ تعالى، بعونِه وفضلِهِ،
وكلُّهم يقولُ : لا ينبغى أنْ ينعقدَ نكاح بغيرِ ولىٍّ .
قال أبو عمرَ: حَجّةُ مَن قال: لا نكاحَ إِلَّ بولىٌّ. أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه
قد ثبَت عنه أَنَّه قال: ((لا نكاحَ إلّا بولىٌّ))(٢). وقال الله عزَّ وجلّ: ﴿وَإِذَا
◌َلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
وهذه الآيةُ نزَلتْ فى مَعقِلٍ بنِ يسارٍ إِذْ عضَل أختَه عن مراجعةِ زوجِها ،
ولولا أنَّ له حقًّا فى الإنكاح ما نُهِىَ عن العضْلِ. وأمَّا افتتاح هذه الآيةِ
بذكرِ الأزواج، ثم الميلُ إلى الأولياءِ، فذلك معروفٌ فى لسانِ العربِ ،
كما قال: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾. فخاطَب المتبايعَيْن،
ثم قال: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فخاطبَ الحكّامَ،
وهذا كثيرٌ، والرّوايةُ الثابتةُ فى معقلِ بنِ يسارٍ تبيِّنُ ما قلنا، وسنذكُرُّها
إن شاء الله .
ورُوِّينا عن أبى هريرةَ أَنَّه قال: البغايا اللََّتى يُنكِحْن أنفسهنَّ بغيرِ وليّ(١).
القبس
(١) ينظر فى هذه الآثار مصنف عبد الرزاق (١٠٤٧٦، ١٠٤٨٠ - ١٠٤٨٦، ١٠٤٨٨،
١٠٤٩٣ - ١٠٤٩٦، ١٠٤٩٨، ١٠٥٠٦)، وسنن سعيد بن منصور (٥٣٠ - ٥٣٣، ٥٣٧،
٥٣٨، ٥٥٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٢٩/٤ - ١٣٢، ١٣٥، وسنن الدارقطنى ٢٢٥/٣،
٢٢٧ - ٢٢٩، وسنن البيهقى ١١١/٧، ١١٢.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٢ - ٥٤ .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٤٩٤)، وابن أبى شيبة ١٣٥/٤.
٤٨

الموطأ
وعن عائشةَ أنَّها كانت إذا أنكَحتْ رجلًا مِن قرابتها(١) امرأةٌ منهم ، ولم يبقَ التمهيد
إِلَّ العقدُ، قالت: اعقِدوا؛ فإِنَّ النِّساءَ لا يعقِدْن. وأمَرتْ رجُلًا فأنكَحَ(٢).
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر
ابن(٢) عبدِ الرزاقِ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأشعثِ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ كثيرٍ، قال : أخبرنا سفيانُ، قال : حدَّثنا ابنُ جريج، عن
سليمانَ بنِ موسَى، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةً ، قالت : قال
رسولُ اللَّهِ وَّةِ: ((أَيُّما امرأةٍ نَكَحتْ بغيرِ إذنٍ وليّها، فنكاحها باطلٌ -
ثَلاثَ مرَّاتٍ - فإنْ دخَل بها فالمهرُ لها بما أصابَ منها، فإن تشاجروا
فالسُلطانُ ولِىُّ مَن لا ولىَّ له))(٤).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثْنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا
سفيانُ وعبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ الْمُزَنِئُ (٥)، قالا: حدَّثنا ابنُ جريج، عن سليمانَ
٦)
ابنِ موسَى، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةً، عن النبيّ
وستِلمً
القبس
(١) بعده فى ص ٢٧: ((أو)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٤٩٩)، وابن أبى شيبة ١٣٥/٤، والطحاوى فى شرح المعانى ١٠/٣،
والبيهقى ١١٢/٧ .
(٣) فى الأصل، م: ((عن)).
(٤) أبو داود (٢٠٨٣). وأخرجه أبو عوانة (٤٠٣٨)، والدارقطنى فى العلل (٥/ق١١٣ -
مخطوط) من طريق الثورى به .
(٥) فى ص ١٦: ((البصرى)).
(٦ - ٦) ليس فى: الأصل، ص ١٦، ص ٢٧ .
٤٩
. ( موسوعة شروح الموطأ ٤/١٤ )

الموطأ
التمهيد فذكّره سواءً(١) .
٠
قال أبو عمرَ : روَى هذا الحديثَ إسماعيلُ ابنُ عليَّةً، عن ابنٍ جريجٍ،
عن سليمانَ بنِ موسَى ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةً، كما رَواه
غيرُه، وزادَ عن ابن جريج، قال: فسألْتُ عنه الزهرىَّ فلم يعرفْه(٢). ولم
يقلْ هذا أحدٌ عن ابنٍ جريج غيرَ ابنِ عليَّةً ، وقد رَواه عنه جماعةٌ لم يذكروا
ذلك، ولو ثبت هذا عن الزهرىِّ لم يكنْ فى ذلك حجَّةٌ؛ لأنَّه قد نقله عنه
ثقاتٌ؛ منهم سليمانُ بنُ موسَى وهو فقيةٌ ثقةٌ إمامٌ ، وجعفرُ بنُ ربيعةً(٣)،
والحجَّائجُ بنُ أرطاةً(٤)، فلو نسِيَه الزهرىُّ لم يضُرَّه ذلك شيئًا(٥)؛ لأنَّ
النِّسيانَ لا يُعصَمُ منه الإنسانُ، قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: «نسِیَ آدم فنسِيَت
ذرِّيَتْه))(٦). وإذا(٧) كان رسولُ اللهِ وَلَه ينسَى، فمَن سواه أحرى أنْ
ينسَى ، ومَن حفِظ فهو حجَّةٌ على مَن نسِىَ ، فإِذا روَى الخبرَ ثقةٌ عن ثقةٍ ،
فلا يضُرُّه نسيانُ مَن نسِيَه. هذا لو صحَّ ما حكَى ابنُ عليَّةً عن ابنٍ جريجٍ،
القبس
(١) الحميدى (٢٢٨). وأخرجه الترمذى (١١٠٢) من طريق ابن عيينة - وحده - به ، وأخرجه
أحمد ١٩٩/٤٢ (٢٥٣٢٦)، وابن ماجه (١٨٧٩)، والنسائى فى الكبرى (٥٣٩٤) من طريق ابن
جريج به .
1
(٢) أخرجه أحمد ٢٤٣/٤٠ (٢٤٢٠٥) عن ابن علية به .
(٣) سيأتى تخريجه ص٥١، ٥٢ .
(٤) سيأتى تخريجه ص٥٢ .
(٥) فى النسخ: ((شىء)).
(٦) تقدم تخريجه فى ٤٥٤/٤ .
(٧) سقط من: ص، ص١٦، ص١٧، ص٢٧ .
٥٠
:
٠٫٠٠

الموط
فكيفَ وقد أنكر أهلُ العلم ذلك مِن حكايتِه ولم يعَرِّجوا عليه؟ وقد ذكرنا التمهيد
هذا المعنى بأوضحَ مِن ذكرِنا له ههُنا ، فى بابٍ جعفرِ بنِ محمدٍ مِن كتابِنا
هذا فى حديثِ اليمينِ مع الشاهدِ(١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ الهيثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا عبدُ الغفَّارِ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا
ابنُّ لَهِيعةَ - وسمِعه منه - عن جعفرِ بنِ ربيعةً بنِ شرحبيلٍ ابنِ حسَنةَ ، عن ابنِ
شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةً، أنَّ النبيَّ وَ لّ قال: ((أيُّما امرأةٍ نگحتْ بغيرِ
إذنٍ وليِّها ، فنكاحُها باطلٌ - ثلاثَ مرَّاتٍ - فإن وطِئها فلها المهرُ بما استحلّ
مِن فرجِها، فإنِ استجَروا فالسُّلطانُ ولُّ مَن لا ولىَّ له)) .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا القعنبىُ، قال: حدَّثنا ابن لهيعةً ، عن جعفر بنِ ربیعةً ، عن
ابنِ شهابٍ، عن عروةً، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌َلِّ. فذكَره(٢).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا
محمدُ بنُ شاذانَ ، قال: حدَّثنا المعلَّى بنُ منصورٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةً،
قال : حدَّثْنا جعفرُ بنُ ربيعةً، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٤٦٢) من الموطأ .
(٢) أبو داود (٢٠٨٤). وأخرجه أحمد ٤٣٥/٤٠ (٢٤٣٧٢)، وأبو يعلى (٤٨٣٧)، والطحاوى
فى شرح المعانى ٧/٣ من طريق ابن لهيعة به .
٥١

الموطأ
التمهيد النبيِّ نَّهِ. فذكره سواءً، إِلَا فى قوله: ((فإن وطِئها فلها المهرُ)). فإِنَّه لم
یذکُوْه(١) .
وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ
ابنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ
عيسَى، قال: حدَّثنا هشيمٌ، عن الحجّاج، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن
عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ وَلَه: ((لا نكاحَ إلّا بولىٌّ، والسُّلطانُ ولُّ
مَن لا ولئَّ له))(٢) .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قدامةَ بنِ أعينَ، قال: حدَّثنا أبو عبيدةَ
الحدَّادُ ، عن يونسَ - وإسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ - عن أبي بردةً، عن أُبی
موسَى ، عن النبيّ ◌َێ قال: ((لا نكاح إلا بولى))(٣) . قال أبو داود : يونسُ
لقِى أبا بردةً .
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال : حدَّثنا قاسمٌ، قال : حدَّثنا الحارثُ ،
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١٠٦/٧ من طريق المعلى بن منصور به .
(٢) أخرجه أبو يعلى (٢٩٠٦) من طريق هشيم به، وأخرجه أحمد ٢٨٧/٤٣ (٢٦٢٣٥) ، وابن
ماجه (١٨٨٠) من طريق الحجاج به .
(٣) أخرجه البيهقى ١٠٩/٧ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٢٠٨٥). وأخرجه أحمد
٥٢٢/٣٢ (١٩٧٤٦) من طريق أبى عبيدة عن يونس عن أبى بردة به، وأخرجه أحمد ٤٨٢/٣٢
(١٩٧١٠)، وابن الجارود (٧٠١، ٧٠٢) من طريق يونس، وإسرائيل به .
٥٢

الموطأ
قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عيسَى، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ ، التمهيد
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ شاذانَ ، قال : حدَّثنا المعلَّى بنُ منصورٍ، قالا
جميعًا: أخبرنا أبو عوانةً، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى بردةَ، عن أبيه أبى
موسَى، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَيهِ: ((لا نكاحَ إلَّا بولىٌ))(١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ
شاذانَ ، قال: حدَّثنا المعلَّى بنُ منصورٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى زائدةً ، قال :
حدَّثنى إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى بردةَ بنِ أبى موسَى ، عن أبيه،
قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((لا نكاح إلا بوليٌ)) .
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى دُليم ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ
ابنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قالا: حدّثنا ابنُ وضَّاحِ، قال :
حدَّثنا موسَى بنُ معاويةَ ، قال: حدَّثنا وكيع، عن إسرائيلَ وسفيانَ، عن
أبى إسحاقَ، عن أبى بردةَ بنِ أبى موسَى، عن أبيه، عن النبيِّ وَ لِّ قال:
((لا نكاح إلا بوليٌ))(٢). وليس فى حديثٍ سفيانَ: عن أبيه .
القبس
(١) أخرجه الحاكم ١٧١/٢ من طريق ابن شاذان به ، وأخرجه البيهقى ١٠٧/٧ من طريق المعلى به ،
وأخرجه ابن ماجه (١٨٨١)، والترمذى (١١٠١) من طريق أبى عوانة به . وينظر النكت الظراف
بهامش تحفة الأشراف ٤٦٠/٦ .
(٢) ذكره الحاكم ١٧٠/٢ عن يحيى بن أبى زائدة به، وأخرجه أحمد ٢٨٠/٣٢ (١٩٥١٨)،
والبزار (٣١٠٥، ٣١٠٦) من طريق إسرائيل به .
(٣) أخرجه أحمد ٢٨٠/٣٢ (١٩٥١٨)، وابن الجارود (٧٠٢) من طريق وكيع ، عن إسرائيل به ،
وأخرجه عبد الرزاق (١٠٤٧٥) ، والطحاوى فى شرح المعانى ٩/٣ من طريق سفيان الثورى به
مرسلاً .
٥٣

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : روَى هذا الحديثَ شعبةُ (١)، والثورىُّ(٢)، عن أبى
إسحاقَ، عن أبى بردةَ، عن النبيِّ وَلَّهِ مرسلاً. فمَن يَقبَلُ المراسيلَ يلزَمُه
قَبولُه - وقد مضَى فى صدرٍ هذا الدِّيوانِ ذكرُ مَن يَقبَلُها ويحتجُ بها مِن
العلماءِ، ومَنِ يأْتَى مِن قَبولِها(١) - وأمَّا مَن لا يَقبَلُ المراسيلَ فيلزَمُه أيضًا
قَبَولُ حديثٍ أبي بردةَ هذا؛ لأنَّ الذين وصَلوه مِن أهلِ الحفظِ والثّقةِ ،
وإسرائيلُ ومَن تابَعه حفاظٌ ، والحافظُ تُقبَلُ زيادتُه، وهذه زيادةٌ تعضُدُها
أصولٌ صحاحٌ. وقد رُوِى مِن حديثٍ يزيدَ بنِ زُريع، عن شعبةً(٤) ، ومِن
حديثٍ بشرِ بنِ منصورٍ، عن الثورىِّ(٥) - هذا الحديثُ مسنَدًا، ولكنَّ
الصحيحَ عنهما إن شاء اللهُ إرسالُه .
وقد رُوِى عن النبيِّ نَّهِ: ((لا نكاحَ إلَّ بولىٍّ وشاهدَينِ عدلَينِ)) . مِن
حديثِ ابنِ عباسٍ (١)، وحديثِ أبى هريرةً(٢)، وحديثِ ابنِ عمرَ(٨)، إلّا أنَّ
فى نَّقَلةِ ذلك ضعفًا ، فلذلك لم أذكُرْه .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٩/٣ من طريق شعبة به .
(٢) تقدم تخريجه الصفحة السابقة .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٢٩٦/١ - ٣٠٢.
(٤) أخرجه البزار (٣١١١)، والدارقطنى ٢٢٠/٣، وابن حزم ٢٤/١١ من طريق يزيد بن زريع به.
(٥) أخرجه البزار (٣١٠٨)، وابن الجارود (٧٠٤)، وتمام فى فوائده (٧٥٧ - روض) من طريق بشر به .
(٦) أخرجه الدارقطنى ٢٢١/٣، ٢٢٢.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٠٤٩٣)، وابن عدى ١١٠١/٣، والطبرانى فى الأوسط (٥٥٦٣، ٦٣٦٦).
(٨) أخرجه ابن عدى ٥٢١/٢، ٥٢٢، والدارقطنى ٢٢٥/٣.
٥٤

الموطأ
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قال: حدَّثنا التمهيد
عبَّادُ بنُ راشدٍ ، عن الحسنِ، قال: حدَّثنا معقِلُ بنُ يسارٍ قال: كانت لی
أختٌ تُخطَبُ إلىّ، فأتانى ابنُ عمّ لى، فأنكَحتُها إِيَّهُ ، ثم طلَّقها طلاقًا له
رجعةٌ، ثم ترَكها حتى انقضَتْ عدَّتُها، فلمَّا خُطِبَت أتانى يخطُبُها ،
فقلتُ: واللهِ لا أنكَحْتُكها أبدًا. قال: ففىَّ نزَلتْ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِسَآءَ
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾. قال: فَكَفَّرْتُ عن
يمينى، فأنّكَحْتُها إِيَّه(١) .
وذكَر البخارىُّ(٢) ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو
عامرِ العَقَدىُّ، قال: حدَّثْنا عبَادُ بنُ راشدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ ، قال :
حدَّثنى معقلُ بنُ يسارٍ قال : كانت لى أختّ تُخطَبُ إلىّ. فذكَر
الحديثَ .
قال البخارىُّ(٢): وأخبرنا أبو معمرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا
يونسُ ، عن الحسنِ، أنَّ أختَ معقل بنِ يَسارٍ طلّقها زوجها ، فتركها حتى
انقضَتْ عدَّتُها، ثم خطَبها، فأتَى معقلٌ، فنزَلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١٠٤/٧ من طريق محمد بن بكر. وهو عند أبى داود (٢٠٨٧) . وأخرجه ابن
جرير فى تفسيره ١٨٨/٤، والطبرانى ٢٠٤/٢٠ (٤٦٨) من طريق أبي عامر به ، وأخرجه الطيالسى
(٩٧٢)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٤١) من طريق عباد به .
(٢) البخارى (٤٥٢٩).
(٣) البخارى عقب الحديث (٤٥٢٩) .
٥٥

الموطأ
يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾. قال البخارىُّ: وقال إبراهيمُ، عن يونسَ، عن
التمهيد
الحسنِ : حدَّثنی معقلُ بنُ یسارٍ .
قال أبو عمرَ : هذا أصحُ شيءٍ وأوضحُه فى أنَّ للوليّ حقًّا فى
الإنكاح، ولا نكاحَ إلّا به؛ لأنَّه لولا ذلك ما نُهِى عن العضْلِ، ولا ستُغْنِى
عنه. وقال مجاهدٌ، وعكرمةُ، وابنُ جريج: نزَلتْ: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ
يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾. فى أختِ معقلٍ بنِ يَسارٍ (١). قال ابنُ جريج: أختُه
جُمْلُ(٢) بنتُ يسارٍ، كانت تحتَ أَبى البدَّاحِ فطلَّقها وانقضَتْ عدَّتُها،
فرغِب فيها وخَطَبها، فعضَلها معقلُ بنُ يَسارٍ ، فنزلت هذه الآيةُ(٣).
قال أبو عمرَ : فقد صرّح الكتابُ والسنةُ بأن لا نكاح إلّا بولىّ ، فلا
معنى لما خالفَهما، ألا ترى أنَّ الولىَّ لَمَّا نُهِى عن العضلِ، فقد أُمِرَ بخلافٍ
العضلِ؛ وهو التَّزويجُ؟ كما أنَّ الذى نُهِى عن أن يبخسَ الناسَ قد أُمِرَ بأنْ
يُوفِىَ الكِيلَ والوزنَ ، وهذا بيِّنٌ كثيرٌ. وباللهِ التوفيقُ.
وقد كان الزهرىُّ والشعبىُّ يقولان : إذا تزوَّجتِ المرأةُ بغيرِ إذنٍ وليّها
كُفئاً، فهو جائزٌ(). وكذلك كان أبو حنيفةً يقولُ: إذا زوَّجَت المرأةُ
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٨٩/٤ .
(٢) فى ص، ص ١٧، م: ((حمل))، وفى ص ١٦، ص ٢٧: ((مُجُمَّيل)). ومجمل ومجمَيل مما
ورد فى اسمها . ينظر الإكمال ١٢٥/٢، والإصابة ٥٥٥/٧، وفتح البارى ١٨٦/٩.
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٨٩/٤، ١٩٠.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق عقب الأثر (١٠٤٧٢)، وعقب الأثر (١٠٤٧٩)، وسنن سعيد بن
منصور (٥٣٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٣٣/٤.
٥٦

الموطأ
نفْسَها كفئًا بشاهدَين، فذلك نكاح جائزٌ صحيحٌ - وهو قولُ زُفرَ - وإن التمهيد
زوَّجَت نفسَها غيرَ كفءٍ، فالنكاحُ جائزٌ، وللأولياءِ أن يفرّقوا بينَهما .
وقال أبو يوسفَ: لا يجوزُ النِّكاحُ إلّ بولىٌّ، فإنْ سلَّم الولُ جازَ ، وإِنْ أَتَى
أنْ يسلّمَ ، والزَّوجُ كفءٌ، أجازَه القاضى. وإَما يَتَمُّ النِّكاحُ فى قولِه حينَ
يُجيزُه القاضى . وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ. وقد كان محمدُ بنُ الحسنِ
يقولُ: يأمرُ القاضى الولىَّ بإجازته، فإن لم يفعَلْ، استأنَفا عقدًا .
قال أبو عمرَ : فى اتّفاقِهم على أنَّ للولىِّ فسخَ نكاح وليَّتِه إذا تزوَّجَت
غيرَ كفءٍ بغيرِ إذنِهِ، دليلٌ على أنَّ له حقًّا فى الإنكاح بالكفءِ وغيرِ
الكفءِ؛ لأنَّ الكفءَ وغيرَ الكفءِ فى ذلك سواءٌ. واللهُ أعلمُ. ولا
خلافَ بينَ (١) أبى حنيفةَ وأصحابِه أنَّه إذا أذن لها وليُّها، فعقَدتِ النِّكاحَ
لنفْسِها، جازَ. وقال الأوزاعىُ: إذا ولَّتْ أمْرَها رجلًا، فزوَّجَها كفئًا،
فالنِّكاح جائزٌ ، وليس للوليّ أَنْ يفرّقَ بينَهما ، إلّا أنْ تكونَ عربيَّةً تزوَّجَت
مولّى. وحمَل القائلونَ بمذهبِ الزهرىِّ، والشعبىِّ، وأبى حنيفةً،
والأوزاعيِّ، قولَه ◌َّهِ: ((لا نكاحَ إلّ بولىٌّ)). على الكمالِ لا على
الوجوبٍ، كما قال : ((لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلَّا فى المسجدِ))(٢). و: لا
حظّ فى الإسلام لمن ترَك الصَّلاةَ ) . ونحوَ هذا. وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ
القبس
(١) فى ص، ص ١٧: ((عن)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٥٨/٥.
(٣) تقدم فى الموطأ (٨١).
٥٧

الموطأ
التمهيد النَّهىَ حقُّه أن يُتَثَلَ الانتهاءُ عنه، ومعناه الزجرُ والإبعادُ والوجوبُ، لا
يخرجُ عن ذلك إلَّا بدليلٍ لا معارضَ له، ولولا ذلك لم تصِحَّ عبادةٌ ولا
فريضةٌ. وقد أوضحنا هذا البابَ فى غيرِ موضعٍ مِن هذا الكتاب(١).
والحمدُ للهِ .
وقال مالكٌ فيما ذكر ابنُ القاسم وغيرُه عنه : إذا كانت المرأةُ معتَقةٌ أو
مسكينةً دنيَّةً لا خطبَ لها، (٢أو المسالمةُ)، أو المرأةُ تكونُ فى قريةٍ لا
سلطانَ فيها ، فلا بأسَ أن تستخلفَ رجلًا يزوِّبجها ، ويجوزُ. قال مالكٌ:
وكلُّ امرأةٍ ذاتٍ نسبٍ وغنّى وقدْرٍ ، فإنَّ ذلك لا ينبغى أن يزوِّجَها إلّ ولى
أو السلطانُ . فإن فوَّضَتْ أمرَها إلى رجلٍ فزوَّجَها، فرضِى الولىُ بعدَ
ذلك؟ وقَف فيه مالكٌ لما سئِل عنه، وإن أرادَ الولُّ فسخَه بحِدْثانِ التزويج
فله ذلك، وإن طال وولَدتِ الأولادَ وكان صوابًا، لم يجُزِ الفسخُ . وقال
مالكٌ فى قوم من المَوالِى يأخذون الصَّبيَّةَ من الأعرابِ فتُربَّى ، أنه يجوزُ
نكاح الذى ربَّاها عليها. قال: وأجازَ مالكٌ للرجل أن يزوِّجَ المرأةَ وهو من
فخِذِها، وإن كان ثَمَّ من هو أقعدُ(١) بها منه . قال ابنُ القاسم: وإن كانت
بكرًا فزوَّجَها ذو الرَّأَىِ، وأصابَ وجهَ الرَّأي، ولها أخٌ أو غيرُه مِن الأولياءِ،
فهو عندى جائزٌ. قال مالكٌ: تُولِّى العربيَّةُ أمرَها المولَى مِن أهلِ الصَّلاحِ
دونَ الأولياءِ . قال ابنُ القاسم : ولا يكونُ عندَ مالكِ الأُقربُ مِن الأولياءِ
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٩/١٣، ٢١٨ - ٢٢١.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، ص، ص ١٧، م، وفى ص ٢٧: ((أو المسايلة)).
(٣) يقال: فلان أقعد من فلان . أى أقرب منه إلى جده الأكبر. ينظر التاج (ق ع د) .
٥٨

الموطأ
أقعدَ إِلَّ إذا تَشامحوا فى إِنكاحِها وخُطِبَت ورضِيَتْ ، فإذا كان ذلك كان التمهيد
الأقربُ فالأقربُ يُنكحُها دونَهم. قال : وقال مالكٌ فى المرأةِ الَّيِّبِ لها
الأبُ والأخُ، فزوَّجَها الأخُ برضاها وأنكرَ الأبُ - قال مالكٌ: ليس للأب
هلهنا قولٌ إِذا زوَّجَها الأخُ برضاها؛ لأنَّها قد ملكتْ أمرَها . فهذا كلُّه
رواياتُ ابنِ القاسمِ عن مالكِ.
وروَى ابنُ وهبٍ عن مالكِ، قال : الابنُ أولَى بإنكاح أُمّه مِن أبيها ،
وبالصَّلاةِ عليها إذا ماتَتْ ، والأخُ أولَى بإنكاح أختِهِ مِن الجدِّ، وبالصَّلاةِ
عليها إذا ماتَتْ . قال : وسمِعتُ مالكًا يقولُ فى الثيِّبِ يُنكحُها وليِ دونَه
ولّ، قال: إن كان بأمرِها نظَر فى ذلك الولىُ، فإن رأى سدادًا أجازَ. قال
ابنُ وهبٍ : وقال مالكٌ فى الرجلِ يزوِّجُ(١) المرأةَ من قومِه ولها ولٌّ غائبٌ:
إِنَّ ذلك النِّكاحَ لا يجوزُ، وإنَّه يفسَخُ ، إلّا أن يَرى السّلطانُ أنَّ ذلك النِّكاحَ
حسنٌ لا بأسَ به . فقيل لمالك: فالرجلُ يزوِّجُ أُختَه وأبوه غائبٌ ؟ فقال : لا
◌ُنکگھا حتی یکثُبَ إلى أبيه .
قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ : قال مالكٌ فى هذا البابِ أقاويلَ ، يظنُّ مَن
سمِعها أنَّ بعضَها يُخالفُ بعضًا، وجملةُ هذا البابِ أَنَّ اللهَ تباركَ وتعالى أمَر
بالنِّكاح، وحضَّ عليه الرسولُ وَّلَه، وجعَل اللهُ المؤمنينَ بعضَهم لبعضٍ
ج
أولياءَ، فقال تعالى: ﴿وَاَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
القبس
(١) فى ص، ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧: ((يتزوج)).
٥٩
٠٠

الموطأ
التمهيد والمؤمنون فى الجملةِ هكذا، يرثُ بعضُهم بعضًا، فلو أنَّ رجلًا مات لا
وارثَ له لكان ميراتُه للمسلمينَ ، ولو جنَى جنايةً لعقَل عنه المسلمونَ ، ثم
تكونُ ولايةٌ أقربَ مِن ولايةٍ ، وقرابةٌ أقربَ مِن قرابةٍ ، فإنَّما يجوزُ النِّكاح على
جهتِه، وبمن(١) هو أولَى بالمرأةٍ، وبَمَن(١) لو تشاجروا وترافَعوا إلى الحاكم
لجعَل أمرَ المرأةِ إلى ذلك الرَّجلِ ، فإذا كانت المرأةُ بموضع لا سلطانَ فيه ولا
ولَّ لها ، فإنَّها تصيّرُ أمرَها إلى مَن يوثَقُ به مِن جيرانِها ، فيزوِّبجها ، ويكونُ
هو وَليَّها فى هذه الحالِ ؛ لأنَّ الناسَ لابدَّ لهم مِن التزويج، وإنّما يَعملون فيه
بأحسنٍ ما يمكنُ، وعلى هذا قال مالكٌ فى المرأةِ الضعيفةِ الحالِ أنَّه يزوِّجها
مَن تُسندُ أمرَّها إليه؛ لأنَّها مَمَّن تضعُفُ عن السلطانِ ، وأَشْبَهتْ مَن لا
سلطانَ بحضرتِها ، ورجَعتْ فى الجملةِ إلى أنَّ المسلمين أولياؤُها ، ولذلك
قال مالكٌ فى المرأةِ التى لها أولياءُ أنَّه يزوِّبجها ذو الرأيِ منهم وإن كان أبعدَ
إليها مِن غيرِهِ ، على ما قال عمرُ بنُ الخطابِ: لا تنكَحُ المرأةُ إلّا بإذنِ وليّها ،
أو ذِى الوَّأيِ مِن أهلِها، أو السلطانِ(٢). لأنَّ ذلك وجةٌ مِن وجوهِ إنكاحِها،
بل هو أحسنُه ؛ لأَنَّه لو رُفِع إلى الحاكم أمرُها لأُسنَده إلى ذلك الرجلِ .
قال إسماعيلُ : وإذا صِيَّرَتِ المرأةُ أمرَها إلى رجلٍ وتَرَكِتِ الأولياءَ ،
فإنَّها أخَذتِ الأُمرَ مِن غيرِ وجهِه ، وفعَلت ما ينكِرُه الحاكمُ عليها وينكِرُه
المسلمون ، فيفسَخُ ذلك النِّكامح مِن غيرِ أنْ يُعلمَ حقيقةُ أنَّه حرام - لِما
القبس
(١) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((لمن)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١١٢٨).
٦٠