Indexed OCR Text
Pages 321-340
الموطأ
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنى قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدثنا الاستذكار
أحمدُ بنُ زهيرٍ ، قال : حدثنى عفانُ ، قال : حدثنى أبانٌ ، قال : حدثنى قتادةُ ،
عن الحسن، عن سَمُرةَ، أن النبىَّ وَ لَ قالَ: ((كلُّ غلامِ مُرتَهَنٌّ بعقيقتِه تُذبَحُ
عنه يومَ سابعِه، ويماطُ عنه الأُذَى، ويُسمَّى)) (١).
قال قاسم: وأملَى علىُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدثنى مُعلَّى(١) بنُ أسدٍ ،
قال : حدثنى سلّامُ بنُ أبى مطيعٍ ، قال : حدثنى قتادةُ ، عن الحسنِ ، عن سَمُرةً ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّ: ((الغلامُ مرتهَنٌّ بعقيقتِه، تُذْبَحُ عنه يومَ سابعِه،
وُحلَقُ رأسُه، ويُسمَّى))(٢).
قال أبو عمرَ: الحلقُ هو معنى: ((أميطوا عنه الأذَى)). وذهَب الليثُ بنُ
سعدٍ إلى أنها واجبةٌ عن(٤) المولودِ فى سابعِه، وغيرُ واجبةٍ بعدَ سابعِه. وقال
مالكٌ فى البابِ بعدَ هذا من ((الموطأُ)) (٥) : العقيقةُ ليست بواجبةٍ ، ولكنها
يُستحَبُّ العملُ بها. وهذا الأمرُ الذى لم يَزِلْ عليه الناسُ عندَنا . وقال فى غيرِ
((الموطأُ)): لا يُعَقُّ عن المولودِ إلا يومَ سابعِه ضَحوةٌ، فإن جاوَز السابعَ لم يُعَقَّ
عنه، ولا يُعَقُّ عَنْ كبيرٍ .
وقال الشافعىُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، والطبرىُّ: العقيقةُ سنةٌ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣٠٥.
(٢) فى الأصل، م: ((يعلى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٨٢/٢٨.
(٣) تقدم تخريجه ص٣٠٤، ٣٠٥.
(٤) فى ح، هـ: ((على)).
(٥) الموطأ عقب الحديث (١٠٩٨).
٣٢١
( موسوعة شروح الموطأ ٢١/١٣ )
الموطأ
الاستذكار يجِبُ العملُ بها ، ولا ينبغى تركُها لمن قدَر عليها . وقال أبو الزنادٍ : العقيقةُ من
أمرِ المسلمين الذى كانوا يكرهون تركَه . وقال الثورىُّ : ليست العقيقةُ بواجبةٍ ،
وإن صُنِعت فحسَنٌ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: هى تطوٌّ، كان المسلمون
يفعلونها(١)، فنسخَها ذبحُ(٢) الأضحى؛ فمَن شاء فَعَل ، ومَن شاء ترَك .
قال أبو عمرَ: ليس ذبْجُ الأضحى بناسخِ للعقيقةِ عندَ جمهورِ العلماءِ،
ولا جاء فى الآثارِ المرفوعةِ ولا عن السلفِ ما يدُلَّ على ما قال محمدُ بنُ
الحسنِ، ولا أصلَ لقولِه (١) فى ذلك. وتحصيلُ مذهَبٍ أبى حنيفةَ وأصحابِه أن
العقيقةَ تطوٌُّ؛ فمَن شاء فَعَلها، ومَن شاء ترَكها .
وفى قولِه عليه السلامُ فى حديثِ هذا البابِ: ((مَن وُلِد له ولدٌ فَأَحَبَّ أن
ينشُكَ عنه فلْيفعَلْ))(٤). دليلٌ على أن العقيقةَ ليست بواجبةٍ ؛ لأن الواجبَ لا
يُقالُ فيه: مَن أحَبَّ أن يفعَلَه فعَله . بل هذا لفظُ التخييرِ والإباحةِ . قال مالكٌ:
يُعَقُّ عن اليتيمِ ، ويَعُقُّ العبدُ المأذونُ له فى التجارةِ عن ولَدِه، إلا أن يمنَعَه سيدُه .
وقال الشافعىُّ: لا يَعُقُّ العبدُ المأذونُ له فى التجارةِ عن ولَدِه ، ولا يُعَقُّ عن اليتيم
كما لا يُضَخَّى عنه. وقال مالكٌ: ولا يُعَدُّ اليومُ الذى وُلِد فيه المولودُ ، إِلَّ أن
يُولَدَ قبلَ الفجرِ مِن ليلةِ ذلك اليومٍ . وقال عطاءُ بنُ أبى رباح : إن أخطأَهم أمرٌ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((يصنعونها)) .
(٢) فى الأصل، م: ((عيد)).
(٣) فى الأصل، م: ((لقولهم)).
(٤) تقدم فى الموطأ (١٠٩٢).
٣٢٢
العملُ فى العقيقةِ
الموطأ
١٠٩٥ - مالكٌ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ لم يكُنْ يسألُه أحدٌ
من أهلِه عَقيقةٌ إلا أعطاه إياها ، وكان يَعُقُّ عن ولدِهِ بشاةٍ شاةٍ ؛ عن
الذكورِ والإناثِ .
العقيقةِ يومَ السابع، أحببتُ أن يؤخّروه إلى يومٍ السابع الثانى . ورُوِى عن الاستذكار
عائشةَ أنها قالت : إن لم يُعَقَّ عنه يومَ السابع ، ففى أربعَ عشرةَ ، فإن لم یکنْ ففى
إحدی وعشرین(١) . وبه قال إسحاقُ بنُ راهویه . وهو مذهبُ ابنٍ وهبِ صاحبِ
مالكِ . وروَى ابنُّ وهبٍ ، عن مالكِ ، أنه قال: إن لم يُعَقَّ عنه فى اليومِ السابعِ
عُقَّ عنه فى السابع الثانى. قال ابنُ وهبٍ: ولا بأسَ أن يُعَقَّ عنه فى السابع
الثالثِ . وقال الليثُ : يُعَنُّ عن المولودِ فى أيام سابعِه كلِّها فى أيُّها شاء منها ، فإن
لم تتهيّأْ لهم العقيقةُ فى سابعِه، فلا بأسَ أن يُعَقَّ عنه بعدَ ذلك ، وليس بواجبٍ أن
يُعَقَّ عنه بعدَ سبعةٍ أيامٍ . وقال أحمدُ : يُذْبَحُ يومَ السابع . وقال مالكٌ: إن مات
قبلَ يومٍ السابعِ لم يُعَقَّ عنه. ورُوِى عنِ الحسنِ مثلُ ذلك(١) . وقال الليثُ فى
المرأةِ تلِدُ ولدَينٍ فى بطنٍ واحدٍ ، أنه يُعَقُّ عن كلِّ واحدٍ منهما .
قال أبو عمرَ: لا أعلَمُ فى ذلك خلافًا .
بابُ العملِ فى العقيقةِ
مالكٌ، عن نافع، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ لم يكنْ يسألُه أحدٌ مِن أهلِه حقيقةً إِلَّ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣٠٩.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣١٠.
٣٢٣
الموطأ
الاستذكار أَعطَاه إيَّها، وكان يَعُقُّ عن ولدِهِ بشاةٍ شاةٍ ؛ عن الذكورِ والإناثِ (١) .
قال أبو عمرَ: حمّل(٢) قومٌ خبرَ ابنِ عمرَ هذا على أنه كان يُجيزُ أن يُعَقَّ عن
الكبيرِ والصغيرِ. وليس فى الحديثِ عنه ما يدُلُّ على ذلكَ؛ لأَنه يحتمِلُ أن
يكونَ السائلُ له من أهلِه سأله العقيقةَ عن ولدِه وعن نفسِه .
وروَى هذا الحديثَ عبيدُ اللَّهِ وأيوبُ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان لا
يسألُه أحدٌ من أهلِه عقيقةً إلا أعطاه إِيَّاها . قال: وكان يقولُ: عن الغلامِ شاةٌ ،
وعن الجارية شاةً(٣).
قال أبو عمرَ : أجازَ بعضُ مَن شدَّ أن يَعُقَّ الكبيرُ عن نفسِه ؛ لحديثِ یروِیه
عبدُ اللهِ بنُ مُحرَّرٍ، (" عن قتادةَ، عن أنس قال: عقَّ النبيُِّوَلِّ عن نفسِه" بعدَما
بُعِث بالنبوةِ .
وعبدُ اللهِ بنُ مُحرّر لیس حدیثُه بحجّةٍ ، وقد قيل عن قتادة أنه كان يُفتِی به ،
وروَى عنه معمرٌ، قال: مَن لم يُعَقَّ عنه أجزَأته أضحيتُه(٦).
القبس
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٣٥)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٦٠)، وبرواية يحيى بن بكير (١٦/١٣ظ -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٨٧). وأخرجه البيهقى ٣٠٢/٩ من طريق مالك به .
(٢) فى الأصل، م: ((عمل)). والمثبت يقتضيه السياق .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٦٤)، وابن أبى شيبة ٥١/٨ من طريق أيوب به .
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٦٠)، والبزار (١٢٣٧ - كشف)، والرويانى (١٣٧١)، وابن عدى
٤ / ١٤٥٢، والبيهقى ٣٠٠/٩ من طريق عبد الله بن محرر به.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٦٧) عن معمر به .
٣٢٤
١٠٩٦ - مالكٌ، عن ربيعةً بنِ أبى عبدِ الرحمنِ ، عن محمدِ بنِ الموطأ
إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيمىِّ ، أنه قال : سمِعتُ أبى يَستحِبُّ العَقيقةَ ولو
بعصفور .
الاستذكار
قال أبو عمرَ: فى قولِ رسولِ اللهِ وَله: ((مَن وُلِد له ولدٌ فَأَحَبَّ أَن يَنْسُكَ
عنه)). وقولِه وَّله: ((مع الغلامِ عقيقةٌ)). و: ((الغلامُ مرتَهَنَّ بعقيقتِه)).
ورُوِى: ((المولودُ مرتَهَنٌ بعقيقتِه))(١). وذلك كلُّه سواءٌ - دليلٌ على أن العقيقةَ
عن الغلامِ لا عن الكبيرِ، على ذلك مذاهبُ الفقهاءِ فى مراعاةِ السابع الأولِ ،
والثانى ، وفى الثالثِ، على ما ذكرنا عنهم فى البابِ قبلَ هذا .
وأما قولُه : كان يَعُقُّ عن ولدِه شاةً شاةً؛ عن الذكورِ والإناثِ . فهذا موضٌ
اختلَفت فيه الآثارُ وعلماءُ الأمصارِ .
مالكٌ ، عن ربيعةَ بنِ أبى عبدِ الرحمنِ ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ
التيمىِّ، أنه قال : سمِعتُ أبى يَستَحِبُّ(٢) العقيقةَ ولو بعصفورٍ .
هكذا رواه عبيدُ اللهِ بنُ يحيى، عن أبيه يحيى بنِ يحيى. ورواه ابنُ وضاحٍ،
عن يحيى فقال فيه : سمِعتُ أبى يقولُ: تستحَبُّ العقيقةُ ولو بعصفورٍ. وكذلك
رواه أكثرُ الرواةِ، عن مالك فى ((الموطأُ)).
ورواه مطرّفٌ، و"ابنُ القاسم، وعلىُّ بنُ زیادٍ ، وغيرهم ، فقالوا فيه : عن
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٦٥) عن مكحول مرسلا .
(٢) فى الأصل، ح: ((يقول تستحب)).
(٣) سقط من: م .
٣٢٥
الموطأ
١٠٩٧ - مالكٌ، أنه بلَغه أنه عُقَّ عن حسنٍ وحسينٍ ابنَىْ علىٍّ بنِ
أبى طالبٍ .
الاستذكار محمدِ بنِ إبراهيمَ، أنه قال: تُستحَبُّ العقيقةُ ولو بعصفورٍ (١). ولم يقولوا: عن
أبيه . وليس فى هذا الخبرِ أكثرُ مِن استحبابِ العقيقةِ. وقد تقدَّم القولُ فى
وجوبِها واستحبابِها(٢) .
وأما قولُه : ولو بعصفورٍ . فإنه كلامٌ خرَج على التقليلِ والمبالغة ؛ كما قال
رسولُ اللهِ وَ ل - لعمرَ فى الفرسِ: ((ولو أعطاكه بدرهم)) ". وكما قال فى
الأُمَةِ إذا زنَت: (( ثم بيعوها ولو بضَفيرٍ)) (١) . وقد أجمع العلماءُ أنه لا يجوزُ
فى العقيقةِ إلا ما يجوزُ فى الضحايا مِن الأزواج الثمانيةِ ، إلا مَن شذَّ ممن
لا يُعَدُّ خلافًا .
مالكٌ ، أنه بلغه أنه عُقَّ عن حسنٍ وحسينٍ ابنَىْ علىٍّ بنِ أبى طالبٍ (١).
وهذا قد تقدَّم متصلًا مسندًا فى أولِ هذا البابٍ(١) .
القبس
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٣٧)، وبرواية يحيى بن بكير (١٧/١٣ و - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (٢١٨٨).
(٢) ينظر ما تقدم ص٣٢٠ - ٣٢٢.
(٣) تقدم فى الموطأ (٦٢٩).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٦٠٣).
(٥) الموطأ برواية أبى مصعب (٢١٨٤).
(٦) تقدم تخريجه ص ٣١١.
٣٢٦
١٠٩٨ - مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، أن أباه عروةَ بنَ الزبيرِ كان الموطأ
يَعُقُّ عن بَنِيه الذكورِ والإناثِ بشاةٍ شاةٍ .
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى العقيقةِ، أن مَن عَقَّ فإنما يَعُقُّ عن ولدِه
بشاةٍ شاةٍ ؛ الذكورِ والإناثِ ، وليسَت العَقيقةُ بواجبةٍ ، ولكنها يُستحَبُّ
العملُ بها ، وهى من الأمرِ الذى لم يَزَلْ عليه الناسُ عندَنا .
الاستذكار
وقولُ مالكِ فى هذا البابٍ من ((الموطأً)): عن هشام بن عروةَ ، أن أباه
عروةً بنَ الزبيرِ كان يَعُقُّ عن بنيه الذكورِ والإناثِ بشاةٍ شاقٍ .
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى العقيقةِ ، أن مَن عقَّ فإنما يَعُقُّ عن ولدِه بشاةٍ
شاةٍ ؛ الذكورِ والإناثِ .
قال أبو عمرَ : الحُجَّةُ لمالكٍ ومَن قال بقولِه فى ذلك حديثُ أيوبَ ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ بَلَّ عقَّ عنِ الحسنِ والحسينِ كبشًا
كبشًا. ذكَره أبو داودَ ، عن أبى معمرٍ، عن عبدِ الوارثِ، عن أيوبَ(٢) .
وروَى جعفرُ بنُ محمدٍ ، عن أبيه ، أن فاطمةَ ذَبَحت عن حسنٍ وحسينٍ
کبشًا کبشًا .
وهو قولُ ابنِ عمرَ ١ ، وعروةَ بنِ الزبيرِ ، وأبى جعفرِ محمدِ بنِ علىٍّ. وقال
القبس
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٣٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١٧/١٣ و - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (٢١٨٩). وأخرجه البيهقى ٣٠٢/٩ من طريق مالك به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٣١١ .
(٣) تقدم فى الموطأ (١٠٩٥).
٣٢٧
الموطأ
الاستذكار الشافعىُ، وأحمدُ ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ ، والطبرىُّ: عن الغلامِ شاتان ،
وعن الجارية شاةٌ. وهو قولُ عائشةً(١). ورُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ أيضًا (١).
والحُبَّةُ لهم حديثُ عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن حبيبةَ بنتِ ميسرةَ بنِ أبى خُثَيم
الفِهريةِ مولاتِه، أنها أخبَرَته عن أمّ كُرْزِ الكعبيةِ، سمِعتْها تقولُ: سمِعتُ رسولٌ
اللهِ وَلَه يقولُ فى العقيقةِ: ((عن الغلامِ شاتانِ مكافِئتان، وعن الجارية شاةٌ)).
رواه عمرُو بنُ دِينارٍ وابنُ جريج عن عطاء .
وقال ابنُ جريجٍ فيه: عن أُمِّ بنى كُرْزِ الكعِين، أنها سألت رسولَ اللهِ وَلَه
عن العقيقةِ، فقال: ((عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاةٌ)) . قال(٣).
قلتُ: ما المكافِئتان؟ قال: المِثلان، والضأنُ أحبُّ إلىّ من المَعزِ،
وذُكْرَانُها(١) أحبُّ إلىّ(٤) من إنائِها. قال ابنُ جريج: كان هذا رأيًا مِن عطاءٍ (١).
قال أبو عمرَ: قد روَى حديثَ أمُّ كُرْرٍ هذا عبيدُ اللهِ بنُ أبى
يزيدَ(٧)، ("عن سباع بنٌٍ) ثابتٍ، أُخبرَه عن محمدِ بن ثابتِ بنِ سِباعٍ،
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣١١.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣١١، ٣١٢.
(٣) فى ح، هـ، ومصنف عبد الرزاق: ((قالت)).
(٤) فى الأصل، م: ((إليه )).
(٥) فى م: ((ذكر أنها)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٥٣)، وأحمد ٤٥/ ٣٧٠، ٣٧١ (٢٧٣٧٢)، وابن حبان (٥٣١٣)،
والطبرانى ١٦٥/٢٥ (٤٠٠) من طريق ابن جريج به .
(٧) بعده فى م: ((عن أبيه)).
(٨ - ٨) فى الأصل: ((بن سابع عن)).
(٩ - ٩) سقط من: م.
٣٢٨
الموطأ
=
أن أمَّ كُوْزِ أخبَرته أنها سألت رسولَ اللهِ وَلِ عن العقيقةِ، فقال: ((نعم؛ عن الاستذكار
الغلامِ شاتان، وعن الجارية شاةٌ، ولا يضُرُكم ذُكرانًا كُنَّ أو إناثًا)).
وهذا يَرُدُّ قولَ عطاءٍ فى أن الذكَرَ أحبُّ إليه فى ذلك من الأنثى. وهذا
الحديثُ رواه ابنُ جريج (١) وابنُ عيينةً(٢) ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبى يِزِيدَ . إلا أن ابنَ
عيينةً قال فيه : حدَّثنى عبيدُ اللهِ بنُ أبى يزيدَ ، قال: أخبرنى أبى، أنه سمِع سِباعَ
ابنَ ثابتٍ يحدِّثُ أنه سمِع أمَّ كُوْرِ الكعبيةَ تقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَله .
وقال ابنُ جريجٍ: عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي يزيدَ ، أنه أخبَرَه. فذكَر ما أثبتنا فى الإسنادِ
قبلَ هذا عنه. وقد ذكرنا الأسانيدَ عنهم فى أحاديثِ هذا البابِ كلِّها فى ((التمهيدِ)).
قال أبو عمرَ : وانفرد الحسنُ بقولِه: لا يُعَقُّ عن الجاريةِ، وإنما يُعَقُّ عن
الغلامُ . وقد رُوِى أن قتادةَ تابَعَه على ذلك. وأظنُّهما ذهبا إلى ظاهرِ حديثٍ
سلمانَ الضبيِّ، عن النبيِّ وََّ: ((مع الغلامِ عقيقتُه)) (١). وإلى حديثٍ سَمُرةَ
ابنِ جُندُبٍ، عن النبيِّ وَّةٍ: ((الغلامُ مرتهَنٌ بعقيقتِه))). وكذلك انفرد
الحسنُ وقتادةُ أيضًا بأن الصِىَّ يُمَسُّ رأسُه بقطنةٍ قد غُمِست فى دم(١). وأنكَر
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٩٥٤)، وأحمد ٣٧١/٤٥ (٢٧٣٧٣)، والترمذى (١٥١٦) من طريق
ابن جريج به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٣١٢، ٣١٣.
(٣) تقدم تخريجه ص٣١٤ .
(٤) تقدم تخريجه ص ٣٠٥، ٣٠٦.
(٥) تقدم تخريجه ص٣٠٤، ٣٠٥.
(٦) ينظر ما تقدم ص٣١٤ .
٣٢٩
الموطأ
فمَن عَقَّ عن ولدِه فإنما هى بمنزلةِ النُّسُكِ والضحايا ؛ لا يجوزُ فيها
عوراءُ، ولا عجفاءُ، ولا مكسورةٌ ، ولا مريضةٌ ، ولا يُباعُ من لحمِها
شىءٌ ، ولا جلدُها ، وتُكسَرُ عظامُها ، ويأكُّلُ أهلُها من لحمِها،
ويتصدَّقون منها ، ولا يُمَسُّ الصبىُّ بشىءٍ من دِمِها .
الاستذكار جمهورُ العلماءِ ذلك، وقالوا: هذا كان فى الجاهليةِ، فتُسِخ بالإسلامِ.
واحتَجُوا بحديثٍ سلمانَ بنِ عامرٍ الضبيِّ أن رسولَ اللهِ وَ الإِ قال: ((فأهَرِيقوا
عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذَى)). قالوا: فكيف يأمُرُنا بإماطةِ الأُذَى عنه ، ونحمِلُ
على رأسِه الأَذَى؟! وأنكروا حديثَ همامٍ ، عن قتادةَ، عنِ الحسنِ، عن سَمُّرةَ،
عنِ النبيِِّنَّه قال: ((كلَّ غلامِ مرتهَنٌّ بعقيقتِهِ، تُذْبَحُ عنه يومَ السابع، ويُحَقُ
رأسُه، ويُدَمَّى))(١). وقالوا: هذا وهمّ مِن همام؛ لأنه لم يقُلْ أحدٌ فى ذلك
الحديثِ: ((ويُدَمَّى)). غيرُه، وإنما قالوا: ((ويُحلَقُ رأسُه، ويُسمَّى)) .
وذكروا حديثَ بريدةً(١) الأسلميّ، قال: كنا فى الجاهليةِ إذا وُلِدَ لأحدِنا
غلامٌ ذبح شاةً ، ولطَخ رأسَه بدمِها، فلما جاء اللهُ بالإسلامِ كنا نذبَحُ شاةً،
ونحلِقُ رأسَه، ونَلطَخُه بزعفرانٍ(٢).
قال أبو عمرَ: قد ذكَرنا الأسانيدَ بهذه الأخبارِ كلِّها فى ((التمهيدِ)).
قال مالكٌ : مَن عَقَّ عن ولدِه فإنما هى بمنزلةِ النُّسُكِ والضحايا؛ لا يجوزُ
فيها عوراءُ، ولا عجفاءُ، ولا مكسورةٌ ، ولا مريضةٌ ، ولا يباعُ مِن لحمِها شىءٌ،
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣١٦، ٣١٧.
(٢) فى الأصل، م: ((ابن بردة)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٣١٦ .
٣٣٠
الموطأ
ولا جلدُها ، وتُكسَرُ عظامُها ، ويأكُلُ أهلُها من لحمِها، ويتصدَّقون منها، ولا الاستذكار
يُمَسُّ الصبىُّ بشىءٍ من دمِها .
قال أبو عمرَ : على هذا جمهورُ الفقهاءِ ، أنه يُجتنَبُ فى العقيقةِ مِن العيوبِ
ما يجتنَبُ فى الأضحيةِ ، ويؤكَلُ منها ، ويُتصدَّقُ ، ويُهدَى إلى الجيرانِ . وهو
قولُ الشافعىِّ. قال الشافعىُّ: العقيقةُ سنةٌ واجبةٌ ، ويُتَّقَى فيها من العيوبِ ما يُتَّقَى
فى الضحايا، ولا يباعُ لحمُها، ولا إِهائُها، وتُكسَرُ عظامُها ، ويأكُلُ أهلُها
منها ، ويتصدَّقون ، ولا يُمَسُّ الصبىُّ بشىءٍ من دمِها. ونحوُ هذا كلِّه قال
أحمدُ ، وأبو ثورٍ ، وجماعةُ العلماءِ. وقولُ مالكِ مثلُ قولِ الشافعيّ ، أنه تُكسَرُ
عظامُها ، ويُطعَمُ منها الجيرانُ، ولا يُدعَى الرجالُ كما يُفعَلُ بالوليمةِ ، ويُسَمَّی
الصيِىُّ يومَ سابعِه إذا عُقَّ عنه. قال عطاءٌ: تُطبَخُ وتُقطَّعُ قِطعًا، ولا يُكسَرُ لها
عظمٌ(١). وعن عائشةَ مثلُهُ(٢) . وقال ابنُ شهابٍ: لا بأسَ أن تُكسَرَ عظامُها. وهو
قولُ مالك . وقال ابنُ جريج: تطبَخُ أعضاءً، ويؤكَلُ منها ويُهدَى، ولا يُتصدَّقُ
بشىءٍ منها .
ثمّ كتابُ العقيقةِ بحمدِ اللهِ وعَونِه.
القبس
٠
(١) تقدم تخريجه ص ٣١٧ .
(٢) تقدم تخريجه ص٣١٨ .
٣٣١
الموطأ
كتابُ الفرائض
كتابٌ(*) الفرائض
الاستذكار
القبس
كتابُ الفرائضِ
اعلَموا وفَّقكم اللهُ أن الفرائضَ أصلٌ مِن أصولِ الدينِ ، ومِن أهمِّ علومِه، حَضَّ
النبيُّ ◌َّهِ عليها، فقال: ((تَعَلَّموا القرآنَ والفرائضَ، وعَلِّموها الناسَ، فإنى
مَقْبوضٌ))(١). وقال ◌ِِّ: ((العلمُ ثلاثٌ؛ آيةٌ مُحْكَمَةٌ، وسُنَّةٌ قائمةٌ، وفريضةٌ
عادلةٌ))(٢). تولَّى اللهُ عزَّ وجلَّ تقديرَها ، وبيَّن أحكامَها. والأُصلُ فيها آيةُ المواريثِ؛
قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ إلى آخرٍ
الآياتِ [النساء: ١٢،١١]. والأصلُ فيها مِن الشُنَّةِ حديثُ ابنِ عباسٍ، قال النبيُّ ◌َةِ :
(أَلْحِقُوا الفرائضَ بأهلِها، فما أبقَت الفرائضُ فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)(١). كمَّل النبىُ وَّ
أمرَها بالحديثِ الصحيح حينَ قال: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا فهو (٤) صَدَقةٌ))(٥). وقال
وَلُّ : ((لا تَرِثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ)) (١). وقد قرأناها على ستةِ أنواع؛
(*) من هنا ينتهى الخرم فى المخطوط (ب))، والمشار إليه فى ٤٩٤/١٢ .
(١) أخرجه الترمذى (٢٠٩١) من حديث أبى هريرة، وأخرجه النسائى فى الكبرى (٦٣٠٥) من
حديث ابن مسعود .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٨٥) ، وابن ماجه (٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٣) سيأتى تخريجه ص٣٤٣.
(٤) سقط من : ج ، م .
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٩٣٩).
(٦) سيأتى تخريجه ص ٤٧٣، ٤٧٤، ٤٨٤.
٣٣٢
الموطأ
میراثُ الصلب
١٠٩٩ - حدَّثَنى يحيى عن مالك، أن الأمرَ المجتمعَ عليه عندَنا ،
والذى أدرَكتُ عليه أهلَ العلم ببلدِنا فى فرائضِ المواريثِ ، أن ميراثَ
الولدِ من والدِهم أو والدتهم، أنه إذا تُؤْمِّىَ الأبُ أو الأُمُّ وترَكا ولدًا رجالًا
ونساءً، فللذكَرِ مِثلُ حظِّ الأَنْتَيْنِ، فإن كُنَّ نساءً فوقَ اثنتَيْنِ فلهنَّ ثُلنا ما
ترَك ، وإن كانت واحدةً فلها النّصفُ ، فإن شركهم أحدٌ بفريضةٍ
الاستذكار
بابُ ميراثِ الصُّلْب
قال مالكٌ: الأمرُ المجتمَعُ عليه عندَنا، والذى أدرَكتُ عليه أهلَ العلم
ببلدِنا فى فرائضٍ المواريثِ ، أن ميراثَ الولدِ من والدِهم أو والدَتِهِم أنه إذا تُوفِّی
قرَ أناها على القرآنِ وعلى السنةِ، وعلى الاتفاقِ والاختلافِ، وعلى القُرْبَى، وعلى القبس
(٣)
الأعيانِ )، وعلى الإلغاءِ(١) . وبهذه الأصولِ الستةِ تنضبِطُ ، وبقَلْبها ظهرا لبطنٍ"
تَتَحصَّلُ، ولكنَّ مالكًا فى ((الموطأ)) تولَّى تِئِينَها على القُرْبَى، فنحن على مِنْوالِه
ننسج ، وفی سبیله نَشْتنهِجُ .
ميراثُ الصُّلْبِ
وهى كلمةٌ بديعةٌ ، هو أولُ مَن تلقَّفَها مِنِ القرآنِ فى قولِه عزَّ وجلّ : ﴿يَخْجُ مِنْ بَيِِّ
(١ - ١) سقط من: م، وفى د: ((وعلى الأحيان))، وفى ج: ((وعلى الاحياز)). ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) فى ج: ((الإلقاء)).
(٣) قلب الأمر ظهرا لبطن: مثل يضرب فى حسن التدبير. والمعنى : أى قلب ظهر الأمر على بطنه
حتى علم ما فيه . مجمع الأمثال ٤٧٦/٢ .
٣٣٣
الموطأ مُسمَّاةٍ وكان فيهم ذكَرٌ ، بُدِئ بفريضةِ مَن شرِ كهم، و کان ما بقِی بعدَ
ذلك بينَهم على قَدْرِ مواريثِهم .
الاستذكار الأبُ أو الأمّ وتركا ولدًا رجالاً ونساءً، فللذكرِ مثلُ حظّ الأنثيَين، فإن كُنَّ نساءً
فوقَ اثنتينٍ فلهن ثُلُثًا ما ترَك ، وإن كانت واحِدةً فلها النصفُ ، فَإِن شَرِكهم أحدٌ
بفريضةٍ مسماةٍ وكان فيهم ذكرٌ ، بُدِئ بفريضةٍ مَن شَرِكهم، وكان ما بقى بعدَ
ذلك بينَهم على قدرِ مواريثهم(١).
قال أبو عمرَ : ما ذكره مالكٌ فى ميراثِ البنين ؛ ذُكرانًا كانوا أو إناثًا ، من
آبائهم أو أمهاتِهم، فكما ذكر، لا خلافَ فى شىءٍ من ذلك بينَ العلماءِ ، إذا كانوا
أحرارًا مسلمين، ولم يَقُلْ واحدٌ منهم أباه أو أمَّه" عمدًا. وأما قولُه عزَّ وجلَّ:
﴿ فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ﴾. فالمعنَى فى ذلك عندَ جمهورِ العلماءِ ، وجماعةِ
الفقهاءِ الذين تدورُ عليهم فى الأمصارِ الفتوى: إن كُنَّ نساءً اثنتينِ فما فوقَهما .
وما أعلمُ فى هذا خلافًا بينَ علماءِ المسلمين ، إلا روايةً شاذةً لم تصِحَّ عن ابنٍ
عباسٍ ، أنه قال : للاثنتينِ النصفُ كما للبنتِ الواحدةِ ، حتى تكونَ البناتُ أكثرَ
من اثنتين فيكونَ لهن الثُّلثان . وهذه الروايةُ منكَرةٌ عندَ أهلِ العلم باطلةٌ ، كلّهم
ينكرُها ، ويدفعُها بما رواه ابنُ شهابٍ ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ
مسعودٍ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه جعَل للبنتين الثُّلُثين . وعلى هذا جماعةُ الناسِ.
القبس
اَلْقُلْبِ وَالتَِّبِ﴾ [الطلاق: ٧]. فذكَر قَرابةَ الأَبِ التى هى الأصلُ، وبدَأ بها لأنها أصلُ
الولادةِ، فيها تَجَمَّعُ وعنها تَتَفرَُّ، فإذا خرَجت عنها وانفصَلت منها، تَنزَّلَت فى
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/٨ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٣٠٢٦).
(٢ - ٢) فى ب: ((ابنه أو أباه)).
٣٣٤
الموطأ
الاستذكار
وقد رُوِى عن النبيِّ بَّه من أخبارِ الآحادِ العدولِ، مثلُ ما عليه الجماعةُ فى ذلك.
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا:
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثْنا الحارثُ بنُ أبِى أسامةَ ، قال: حدَّثنا
إسحاقُ بنُ عيسى الطَّاعُ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ ثابتِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
محمدِ بنِ عَقيلٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، أن امرأةً من الأنصارِ أتتِ النبىَّ وَه
بابنتَى سعدِ بنِ الربيعِ فقالت: يا رسولَ اللهِ ، إن سعدَ بنَ الربيعِ قُتِل يومَ أحدٍ
شهيدًا، فأخَذ عمُّهما كلَّ شيءٍ من ترِكَتِه ولم يَدَعْ لهما من مالٍ أبيهما شيئًا ،
واللهِ ما لهما مالٌ، ولا تُنكحان إلا ولهما مالٌ. فقال لها رسولُ اللهِ مَّ :
((سيقضِى اللهُ فى ذلك ما شاء)). فنزَلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِّ فَإِنِ كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ اثْنَتَبْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾. فدعا رسولُ
اللهِ وَّعمَّهما، فقال: ((أَعْطِ هاتين الجاريتين التُّلُثين مما ترَك أبوهما، وأعطِ
أمَّهما الثُّمُنَ، وما بقِى فهو لك))(١).
منازلِ التطويرِ، وتَغيَّرت بأحكامِ التقديرِ (١، وتَفضَّلَت بأحكامِ التدبيرِ، حتى تعودَ القبس
خلقًا سويًّا مِن السُّلالةِ إلى استواءِ الخِلْقةِ. فهاتان الحالتان هما أخصُّ الأحوالِ
بالإنسانِ، فوجب أن تَقَعَ البدايةُ بها )، ولذلك لم يُؤْثِرِ اللهُ تعالى شيئًا عليها(*) ، قال
عزَّ وجلَّ: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِىّ أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْشَيَيْنِّ﴾. أنَّفَقَت الأُمَّةُ
على أنها عامَّةٌ جَارِيةٌ على شُمُولِها، مُنْتَظِمةٌ على جملتِها وتفصِيلِها إلا فى ثلاثٍ
مسائلَ :
(١) تقدم تخريجه فى ٤٦٥/١٢، ٤٦٦.
(٢) فى د: ((التقرير)).
(٣) فى م: ((بهما)).
(٤) فى م: ((عليهما)).
٣٣٥
الموطأ
الاستذكار
روى هذا الحديثَ جماعةٌ من الأئمةِ عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ
عَقيلٍ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَلِ مثلَه. وعبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عَقيلٍ قد
قبل جماعةٌ من أهلِ العلم بالحديثِ حديثَه واحتجُوا به، وخالَفهم فى ذلك
آخرون .
فكان هذا من سنةِ رسولِ اللهِ وَّل بيانًا لمعنى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنِ كُنَّ
نِسَآءُ فَوْقَ اثْنَتَيْنٍ﴾. أى: اثنتين فما فوقَهما. ونسخًا لِما كان عليه أهلُ
الجاهليةِ مِن تركِهم توريثَ الإناثِ مِن أولادِهم، وإنما كانوا يُورِّثون الذكورَ،
القبس
المسألةُ الأولى: تَخْصِيصُها بجانبِ النبيِّ وَِّ؛ لقولِه: ((لا نُورَثُ، ما ترَكْنا
صَدَقةٌ) . قالت فاطمةُ لأبى بكرٍ : أرأيتَ لو مِتَّ لكانت تَرِتُك ابنتك ؟ قال لها : نعم .
قالت: فأعطِنِى سَهْمى. قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ له يقولُ: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا
صَدَقةٌ)). فكانت إحدى خِصالِهِ الكريمةِ ، فذكَرها (١) مَن سمِعها، وأصغَى لها مَن
غابَ عنها ، وائْتَلَفَت الخَلِيقةُ عليه .
المسألةُ الثانيةُ: هى مخصوصةٌ فى الكافرِ بحديثِ النبيِّ بَِّ الصحيحِ:
((لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ)). وقيل له وَلِّ: أين تنزِلُ؟ حين جاء مكةً
- قال: ((وهل " ترَك لنا" عَقِيلٌ مِن مَنْزِلٍ؟))(٣). وذلك إجماع أيضًا .
المسألةُ الثالثةُ: أَّفقَ العلماءُ مِن الصحابة والتابعين على أن مَن لا يَرِثُ لأجلٍ
الكفرِ لا يَحْجُبُ ، إلَّا عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ؛ فإنه حَجَبَ بالابنِ الكافرِ مَن يُحْجَبُ
(١) فى ج: ((تذكرها))، وفى م: ((يذكرها)).
(٢ - ٢) فى ج: ((نزل لها)).
(٣) أخرجه البخارى (٤٢٨٢)، ومسلم (١٣٥١) من حديث أسامة بن زيد.
٣٣٦
الموطأ
حتی نزلت : ﴿يُوصِيكُمُ الله في آولَدِكُمْ﴾ الآية . كذلك رُوِی عن ابن مسعود
وابنِ عباسٍ(١).
الاستذكار
وقد استدلَّ من العلماءِ قومٌ ممن لم يثبُتْ عندَهم هذا الحديثُ ، بدلائلَ
على أن الابنتين حكمُهما فى الميراثِ حكمُ البناتِ؛ منها أن الابنةَ لَّ
أخَذت مع أخيها الثلثَ(٢) كان أحرَى أن تأخُذَ ذلك مع أختِها، ومنها أن
البنتَ لَّ كان لها النصفُ وكان للأختِ النصفُ، وجعَل اللهُ للأختين
الثُّلثين، كانت الابنتان أولَى بذلك قياسًا ونظرًا صحيحًا. وفى حديث ابنٍ
مسعودٍ، عن النبيِّ بَلّ أنه قضَى فى بنتٍ، وبنتِ ابنٍ، وأختِ ؛ فجعَل
بالابنِ المسلم ، وهذا ضعيفٌ؛ لأن الله تعالى أنزله فى الميراثِ معدومًا، فكذلك فى القبس
الحَجْبِ، وتحريرُه لأحدٍ (٢) فائدَتى القَرابةِ فى الميراثِ، فأسقط حكمَها الكفرُ،
أصلُه السهمُ، يزيدُه إيضاحًا أن المذكورَ فى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِىّ
أَوْلَدِكُمْ﴾. سهمًا، هو المذكورُ فى قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُربَ
وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]. حَجْبًا .
مسألةٌ أصوليةٌ: قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَ أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ
حَظِ اٌلْأُنثَيَيْنِ﴾. اتَّفَقِ المُفسّرون على أن هذه الآيةَ نسَخت آيةَ الوصيةِ
(١) ينظر تفسير ابن جرير ٤٥٨/٦، وتفسير ابن أبى حاتم ٨٨٢/٣ (٤٨٩٦).
(٢) فى م: ((السدس)).
(٣) فى ج: ((أحد)).
(٤) فى ج، م: (وهو)).
٣٣٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢٢/١٣)
٤
ومنزلةُ ولدِ الأبناءِ الذكورِ إذا لم يكُنْ دونَهم ولدٌ كمنزلةِ الولدِ
الموطأ
سواءٌ ؛ ذكَرُهم كذكَرِهم وأُنتاهم كأُنتاهم ، يرثون كما يرثون ،
ويحجبون كما يحجبون .
الاستذكار للابنةِ النصفَ، ولابنةِ الابنِ السدُسّ، وجعَل الباقىَّ للأختِ ) . فلمَّا جعَل
للابنةِ وابنةِ الابنِ الثلثينِ، كانت الابنتان أولَى بذلك؛ لأن الابنةَ أقربُ من
ابنةِ الابنِ .
قال مالكٌ : ومنزلةُ ولدِ الأبناءِ الذكورِ إذا لم يكُنْ دونَهم ولدٌ كمنزلةِ الولدِ
سواءٌ، ذَكرُهم كذكرِهم، وأنتاهم كأنثاهم، يَرثون كما يَرثون ، ويَحجُبون
كما يحجبون .
القبس
للأقربين(١) . وهذا لا يَصِحُ؛ لأن مِن شروطِ النسخ الأربعةِ - وهو أصلُها -
المُعارضةَ؛ حتى لا(٢) يُمْكِنُ الجمعُ، والجمعُ بينَ الآيتين مُمْكِنٌ، فاسْتَحالَ أن
يقالَ: إِن إحداهما نسخت الأخرى. وقالت طائفةٌ: نسخها قولُ النبىّ ◌َّةٍ:
((إن اللهَ قد أعطَى كلَّ ذى حقٌّ حقَّه، ولا وصيةَ لوارثٍ)) (٤). وهذا الحديثُ
اتَّفِقَتِ الأُمَّةُ عليه .
قلنا : هذا باطلٌ؛ لأن الأُمَّةَ لم تَتَّفِقْ على نَقْلِهِ لفظًا ، والحديثُ ضعيفٌ ، ولو
كان قويًّا واردًا عن العَدلِ بالعَدْلِ، ما جازَ نسخُ القرآنِ به؛ لأنه خبرُ واحدٍ ، ونسخُ
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٧٠، ٣٧١.
(٢) فى ج: ((للوالدين والأقربين)).
(٣) سقط من : م .
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديثين (١٥٢٦، ١٥٣١) من الموطأ، وينظر ما تقدم فى
٤٤٦/١٢، ٤٤٧ .
٣٣٨
الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : قولُه : ولدِ الأبناءِ الذكورِ . يريدُ البنين والبناتِ من الأبناءِ
الذكورِ . فابنُ الابنِ كالابنٍ عندَ عدِم الابنِ، وبنتُ الابنِ كالبنتِ عندَ عدمِ
١)
البنتِ ، وليس أولادُ البناتِ من ذلك فى شىءٍ. وسيأتى ذِكرُ ذَوِى الأرحامِ فى
موضعِه إن شاء اللهُ تعالى . قال الشاعرُ(٢):
بَنونا بنو أبنائنا وبناتُنا بَنُوهن أبناءُ الرجالِ الأباعدِ
وما ذكره مالكٌ فى هذا الفصلِ ، إجماعٌ أيضًا من علماءِ المسلمين، فى
أن بَنِى البنينَ يقومون مقامَ ولدِ الصُّلْبِ عندَ عدمٍ ولدِ الصُّلْبِ، يرثون كما
القرآنِ لا يجوزُ بخبرِ الواحدِ بإجماع مِن الأُمَّةِ، وأما إن كانت الأَمَّةُّ أجمَعت القبس
على معناه ، فالنسُ بالإجماعِ مُحَالٌ؛ لأنه لا يَصِحُ تَصوّرُه إلا بعدَ عَدَمِ الشريعةِ
الواردةِ بتيانِ الأحكامِ على التَّْصيصِ فى المقالِ خاصةً . فإن قيل: إجماعُ الأَمَّةِ
لا يكونُ إلا عن حديثٍ يسمَعونَه مِن النبيِّ بَلِّ، فإذا أجمَعوا علِمْنا ضرورةً وُجُودَ
الأَثَرِ. قلنا : هذا مذهبُ محمدِ بنِ جرير الطبرىِّ، وهو ساقطٌ قطعًا، فإن الأُمَّ قد
تُجْمِعُ(٢) على النظرِ كما تُجْمِعُ(٣) على(٤) الأَرِ، وقد بينًا ذلك فى ((أصولٍ
(١ - ١) سقط من: هـ، ح.
(٢) البيت فى خزانة الأدب ١/ ٤٤٤. قال صاحب الخزانة: وهذا البيت لا يعرف قائله مع شهرته
فى كتب النحاة وغيرهم ..... ورأيت فى شرح الكرمانى فى شواهد شرح الكافية للخبيصى أنه قال :
هذا البيت قائله أبو فراس همام الفرزدق بن غالب، ثم ترجمه، والله أعلم بحقيقة الحال . أهـ وينظر
البيت فى ديوان الفرزدق ص ٢١٧.
(٣) ج، م: ((تجتمع)).
(٤) فى د: ((عن)).
٣٣٩
الموطأ
٨
فإن اجتمع الولدُ للصُّلبِ وولدُ الابنِ فکان فی الولدِ للصُّلب ذكَرٌ،
فإنه لا ميراثَ معَه لأحدٍ من ولدِ الابنِ ، وإن لم يكُنْ فى الولدِ للصُّلبِ
ذكَرٌ، وكانتا اثنتَيْنِ فأكثرَ من ذلك من البناتِ للصُّلبِ ، فإنه لا ميراثَ
لبناتِ الابنِ معَهن ، إلا أن يكونَ مع بناتِ الابنِ ذكَرٌ هو مِن المُتوفّى
بمنزلتِهنَّ، أو هو أطرفُ منهن، فإنه يَرُدُّ على مَن هو بمنزلتِه ومَن هو
الاستذكار يرثون، ويَحجُبون كما يَحجُبون، إلا شىءٌ رُوى عن مجاهدٍ أنه قال: ولدُ
الابنِ لا يَحُجُبون الزوجَ، ولا الزوجةَ، ولا الأمَّ. ولا أعلمُ أحدًا) تابعه
على ذلك؛ ومَن شدَّ عن الجماعةِ فهو محجوبجٌ بها، يلزَمُه الرجوعُ إليها .
قال مالكٌ : فإن اجتمع ولدُ الصُّلْبِ وولدُ الابنِ، وكان فى الولدِ للصلبِ
ذَكرٌ، فإنه لا ميراثَ معه لأحدٍ من ولدِ الابنِ، فإن لم يكُنْ فى الولدِ للصُّلْبِ
ذَكرٌ، وكانتا اثنتينٍ فأكثرَ من ذلك من البناتِ للصُّلْبِ، فإنه لا ميراثَ لبناتٍ
الابنِ معهن ، إلا أن يكونَ مع بناتِ الابنِ ذكَرٌ هو من المتوفَّى بمنزلتِهن، أو هو
الفقهِ)). ومنهم مَن قال: إنما سقطت الوصيةُ للوالدين والأقربين؛ لقولِه فى
القبس .
الحديثِ الصحيح: (أَلْحِقوا الفرائضَ بأهلِها، فما أَبقَت الفرائضُ، فهو لأَوْلَى
عَصَبةٍ ذَكَرٍ))(١) . قلنا: كما لم يُشْقِطْ هذا الحديثُ أصلَ الوصيةِ فى آيةٍ
المواريثِ، لا يُشْقِطُ وصفَ الوصيةِ للأقرَبين، وإنما معنى هذا الحديثِ
المخصوصِ : فما بقِى بعدَ الوصيةِ والدَّينِ، كيفما تُصُرِّفَت وجوُه الوصيةِ،
(١ - ١) فى الأصل، ح، هـ، م: ((يعلم أحد )).
(٢) سيأتى تخريجه ص٣٤٣.
(٣) فى ج، م: ((الخصوص)).
٣٤٠