Indexed OCR Text
Pages 281-300
الموطأ الانتفاع به، وحمَل الحديثَ على ظاهرِهِ وعمومِه، وإنَّما سُئِل عن الشربِ فيها التمهيد ونحوِ ذلك ، فأُطْلَق الطهارةَ عليها إطلاقًا غيرَ مُقَيَّدٍ بشىءٍ ، ولم تَخْتَلِفْ فتوَى ابنٍ عباسٍ وأصحابِهُ(١) أنَّ دِباغَ الأَدِيمِ طَهورُه. وكذلك لم يَخْتَلِفْ قولُ ابنِ مسعودٍ وأصحابِه فى ذلك(١). " وقال مالكٌ وأكثرُ " أصحابِه حاشا ابنَ وهبٍ ١٢: يُنْتَفَعُ بجلودِ الميْنَّةِ اذا دُبِغَتْ فى الجلوسِ عليها، والعملِ والامْتِهانِ فى الأشياءِ اليابسةِ ؛ كالغَرْبَلَةِ وشِئْهِها ، ولا تُباعُ ، ولا يُتَوَضَّأَ فيها، ولا يُصَلَّى عليها؛ لأنَّ طَهارتَها ليست بطهارةٍ كاملةٍ . ومن حُجَّتِهم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ حرَّم الميْنَةَ، فثبَت تَحْرِيمُها بالكتابِ ، وأباح رسولُ اللهِ وَّهِ الاسْتِمتاعَ بجِلْدِها والانتفاعَ به بعدَ الدِّباغ . وروَى مالكٌ(٥) ، عن يزيدَ بنِ قُسَيْطٍ ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثَوبانَ ، عن أُمِّه، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ أَمَر أنْ يُسْتَمْتَعَ بجلودِ الميْنَةِ إذا دُبِغَتْ . وفهِمَتْ عائشةُ المرادَ من ذلك، فكانت تَكْرَهُ الفِراءِ من الجلودِ التى ليست مُذّاً . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا أبو يحيى بنُ أبى مسرَّةَ ، قال: حدَّثنا مطرّفٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن القاسمِ بنِ القبس (١) فى م: ((غيره). (٢) ينظر الأوسط لابن المنذر ٢٦٧/٢. (٣ - ٣) فى م: ((وكان مالك و)). (٤) بعده فى م: ((يرون أن)). (٥) سيأتى فى الموطأ (١٠٩٠). ٢٨١ الموطأ محمدٍ ، أَنَّه قال لعائشةَ: أَلَا نَجْعَلُ لكِ فَرْوًا تَلْبَسِينَه؟ قالت: إِنِّى لأْرَهُ جلودَ التمهيد الميْنَةِ. قال: إِنَّا لا نَجْعَلُهُ إِلَّ ذَكِيًّا. فجعَلْناه، فكانت تَلْبَسُه(١). وروَى مجاهدٌ و(١) نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان لا يَلْبَسُ إلَّا ذَكِيًّا(٢). وقد تقدَّم عن عمرَ وغيرِه من الصحابةِ مثلُ ذلك. وفى نَعْلَئْ مُوسى عليه السلامُ ما يُحْتَجُّ به هلهنا. فهذا ما فى طهارَةِ جلودِ الميْنَةِ عندَ العلماءِ قديمًا وحديثًا . والحمدُ للهِ . وأمَّا قولُهُ وَّةِ: ((أَيُّما إهابٍ)). فإِنَّمَا(٤) يُقْتَضِى عمومَ(٥) جميعِ الأُهُبِ، وهى الجلودُ كلُّها؛ لأنَّ اللفظَ جاء فى ذلك مَجِىءَ عُمُومٍ لم يَخُصَّ شيئًا منها ، وهذا أيضًا مَوْضِعُ اختلافٍ وتَنازُعِ بينَ العلماءِ؛ فأمَّا مالكٌ وأكثرُ أصحابِهِ، فالمشهورُ من مذهبهم أنَّ جلدَ الخنزيرِ لا يدْخُلُ فى عُمومٍ قولِهِ وَلٍّ: ((أيُّما إهابٍ دُبِغ فقد طَهُرَ)). لأَنَّه مُحَرَّمُ(١) العَيْنِ حَيَّا وَمَيًِّا، جلدُه مثلُ لحمِه، لا يعْمَلُ فيه الدِّباُ، كما لا تَعْمَلُ فى لَحْمِه الذَّكَاةُ، ولهم فى هذا الأصلِ اضطرابٌ . القبس (١) أخرجه ابن سعد ٧٢/٨ من طريق مطرف به، وأخرجه عبد الرزاق (١٩٩) من طريق نافع به . وفيهما : عن القاسم بن محمد أن محمد بن الأشعث سأل عائشة. وينظر ما تقدم ص ٢٧٢، ٢٧٣. (٢) فى س: ((عن)) . (٣) أخرجه ابن المنذر (٨٦٥) من طريق مجاهد، عن ابن عمر. (٤) فى ص ٤، م: ((فإنه)) . (٥) سقط من: ص ٤، وفى م: ((عمومه)). (٦) فى س: ((نجس)). ٢٨٢ الموطأ أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشرٍ(١)، حدَّثنا ابنُ أبى دُلَيم، حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، التمهيد قال : حدَّثنا الصُّمادحِىُّ، عن مَعْنِ بنِ عيسى، قال: سمِعْتُ مالِكًا وسُئِلَ عن جلدِ الخنزيرِ إذا دُبِغ، فقال : لا يُنْتَفَعُ به . حدَّثنِى عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ یوسفَ ، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: سَمِعْتُ أبا عمرٍو (١) بنَ أبى زيدٍ يقولُ: سمِعتُ ابنَ وَضَّاح يقولُ: حدَّثنا موسى بنُ معاويةً، عن مَعْنِ بنِ عيسى، عن مالكِ، أَنَّه قال: لا يُنْتَفَعُ بجِلْدِ الخنزيرِ وإن دُبِغ. قال: وقال لى سُحْنُونٌ : لا بَأْسَ به . وأخبرنا سعيدُ بنُ سيدٍ ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاويةً، عن معنِ بنِ عيسى ، عن مالكِ ، أَنَّه سئِل عن جلدِ الخنزيرِ إذا دُبِغ، فكَرِهه . قال ابنُ وضَّاحِ : وسمِعْتُ سُحْنُونَ يقولُ : لا بأسَ به . ٦ قال أبو عمرَ : "وكذلك قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم وداودُ ابنُ علىٍّ وأصحابُهم . وحُجَّتُهم ما حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال : القبس (١) فى س: ((نصر)). (٢) فى س: ((عمر)). وينظر جذوة المقتبس ص ٣٠٦. (٣ - ٣) فى م: ((قول سحنون هذا هو قول محمد بن عبد الحكم وقول)). ٫٠٠ ٢٨٣ الموطأ التمهيد حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ (١)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبى مريمَ، قال: حدَّثنا أبو غشَانَ محمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ أسلمَ، عن عبد الرحمنِ بنِ وَعْلَةَ، أَنَّه قال لابنِ عباسٍ: إنَّا قومٌ تَغْزُو أرضَ المغربِ، وإنَّما أسْقيتنا جلودُ الميْنَةِ؟ فقال ابنُ عباس: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لِّ يقولُ: ((أَيُّما مَسْكِ دُبغ فقد (٢) طَهُرَ))(٢). حمَلوه على العمومِ فى كلِّ جلدٍ . قال أبو عمرَ: يَخْتمِلُ أن يكونَ أراد بهذا القولِ عمومَ الجلودِ المعهودِ الانتفاع بها ، وأمَّا جلدُ الخنزيرِ فلم يَدْخُلْ فى هذا المعنى؛ لأنَّه لم يدْخُلْ فى السّؤالٍ؛ لأَنَّ غيرُ معهودٍ الانتفاعُ بجِلْدِه، إذ لا تَعْمَلُ فيه الذَّكَاةُ، وإنَّما دخَل فى هذا العمومِ، واللهُ أعلمُ، مِن الجلودٍ (٢) ما لو ذُكِّىَ لاسْتَغتَى عن الدِّباغ، وأمَّا جلدُ الخنزيرِ فالذَّكَاةُ فيه والمَيْنَةُ سواءٌ؛ لأنه لا تَعْملُ فيه الذكاةُ . ودليلٌ آخرُ، وهو ما قاله النَّضْرُ بنُّ شُمَيلٍ أنَّ الإهابَ جلدُ البقرِ والغنمِ والإِبِلِ، وما عداها فإنَّما يقالُ له: جلدٌ. لا إِهَابٌ. وذكر ابنُ القاسم، عن مالك، أنَّه خفَّفَ الذكاةَ(٤) فى جلودِ السِّباع، وكَرِهِ جلودَ الحميرِ المذَكَّاةِ . قال ابنُ القاسم : أمَّا جلدُ السَّبُعِ والكلبٍ إذا ذُكِّى، فلا بأسَ بِبَيْعِه ، والشربِ فيه، والصلاةِ به . القبس (١) بعده فى س، ص ٤: ((ابن يونس)). (٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١/ ٤٧٠، وشرح المشكل (٣٢٤٥) من طريق سعيد بن أبى مريم به . (٣) فى س: ((المسوك)). (٤) فى م: ((ذلك)). ٢٨٤ الموطأ قال أبو عمرَ : الذَّكاةُ عندَ مالك وابنِ القاسم عاملةٌ فى السِّباع لجلودِها، التمهيد وغيرُ عاملةٍ فى الحميرِ والبِغالِ لجلودِها، والتَّهْىُ عندَ جمهورِ أهلِ العلم عن (١) أكل كلِّ ذى نابٍ مِن السِّبَاعِ أقوَى مِن النَّهي عن أكلٍ لحومِ الُمُرِ؛ لأنَّ قومًا قالوا : إنَّ النَّهْىَ عن الحُمُرِ إِنَّما كان لقِلَّةِ الظَّهْرِ. وقال آخرون: إِنَّما نُهِى منها عن الجَلَّالةِ. ولم يَعْتَلَّ بمثلِ هذه العِلَلِ فى السِّباعِ . وقال عبدُ الملكِ بنُ حبيب : لا يجوزُ بِيعُ جلودِ السِّبَاعِ ولا الصلاةُ فيها وإِن دُبِغَتْ إذا لم تُذَكَّ. قال: ولو ذُكِّيتْ لجلودِها لحَلَّ بيعُها والصلاةُ فيها. جعَل التَّذْكِيَةَ فى السّباع لجلودِها أكملَ طهارةً مِن دِباغِها، وهذا على ما ذكّرنا مِن أصولِهم فى أنَّ الذَّكاةَ عاملةٌ فى السّباع لجُلُودِها ، وأنَّ طَهارَةَ الدِّباغ ليست عندَهم طهارةً كاملةً ، ولكنَّها مُبِيحةٌ للانتفاع فيما ذكروه على ما تَقدَّم ذِكْرُه فى هذا البابِ ، وهذا هو المشهورُ من مذهبٍ مالكِ وأصحابِهِ . وَأَمَّا أَشْهَبُ ، فقال: جِلْدُ الميْنَةِ إذا دُبغ لا أكْرَهُ الصلاةَ فيه ولا الوضوءَ منه، وأكْرَهُ بَيْعَه ورَهْنَه، فإن بِيعَ أو رُهِن لم أَفْسَخْه. قال : وكذلك جلودُ السّباع إذا ذُكِّيَتْ ودُبِغَتْ، وهى عندى أخفُّ لموضع الذِّكاةِ مع الدِّباغ، فإن لم تُذَكَ جلودُ السِّباعِ، فهى كسائرٍ جلودِ الميتَةِ إذا دُبِغَتْ . قال أَشْهَبُ : وأمَّا يُجُلُودُ السّباع إذا ذُكِّيَتْ ولم تُدْبَغْ، فلا يَجوزُ بيعُها ، ولا ارتِهانُها ، ولا الانتفاعُ بشىءٍ منها ، ويُفْسَخُ البيعُ فيها والرهنُ، ويُؤَدَّبُ فاعلُ ذلك، إلَّا أن يُعْذَرَ بِجَهالَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ نَِّ حرَّمَ كلَّ ذِى نابٍ مِن السّباع، فليستِ الذَّكاةُ القبس (١) فى م: ((فى)). (٢) بعده فى م: ((فى حال)). ٢٨٥ الموطأ فيها ذكاءً، كما أنَّها ليست فى الخنزيرِ ذكاةً . التمهيد قال أبو عمرَ : قولُ أشهبَ هذا هو قولُ أكثرِ الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ . وقال الشافعىُّ : جلودُ الميْنَةِ كلُّها تَطْهُرُ بالدِّباغ، وكذلك جِلدُ ما لا يُؤْكَلُ لحْمُه إذا دُبِغَ ، إِلَّ الكلبَ والخنزيرَ، فإنَّ الذَّكاةَ والدِّباغَ لا يَعْمَلان فى جُلودِهما شيئًا . قال أبو عمرَ : ولا تَعملُ الذَّكاةُ عندَ الشافعىِّ فى جلدِ ما لا يُؤْكَلُ لحمُه، وقد تقدَّم فى بابٍ إسماعيلَ بنِ أبى حكيمِ اختلافُ العلماءِ فيما يُؤْكَلُ لحمُه وما لا يُؤْكَلُ من السِّباعُ(١) . وحُكِى عن أبى حنيفةَ أنَّ الذَّكاةَ عندَه عاملةٌ فى السّباع والحُمُرِ لجُلُودِها ، ولا تَعملُ الذَّكاةُ عندَهَ فى جلدِ الخنزيرِ شيئًا ، ولا عندَ أحدٍ من أصحابِهِ . وكَرِه الثورىُّ جلودَ الثَّعالبِ والهرّ وسائرِ السّباع، ولم يرَ بأسًا بجلودِ الحميرِ . قال أبو عمرَ: هذا فى الذَّكاةِ دون الدِّباغ، وأمَّا الدِّباُ فهو عندَه مُطَهِّرٌ لجلودِ الثَّعالبِ وغيرِها . وقالت طائفةٌ من أهلِ العلم : لا يجوزُ الانتفاعُ بجلودٍ السّباعِ، لا قبلَ الدِّباغ ولا بعده، مَذبوحةً كانت أو مَيِّنَةً. وممَّن قال هذا القولَ؛ الأوزاعِىُّ، وابنُ المباركِ ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ ، ويزيدُ بنُ هارونَ. واحتُوا بأنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهَ إِنَّما أباح الانتفاعَ بجلدِ الميَةِ المدبوغ إذا كان ممَّا يُؤْكلُ لحمُه؛ لأنَّ الخطابَ الواردَ فى ذلك إِنَّما خرَج على شاةٍ ماتَتْ لبعضٍ أزواجِ النبىّ وَلَهُ، فدخَل فى ذلك كلُّ ما يُؤْكلُ لحمُه، وما لم يُؤْكلْ لحمُه فداخلٌ فى عمومٍ القبس (١) ينظر ما تقدم ص ٢٤٥ - ٢٤٩. ٢٨٦ الموطأ 1 تحريم الميْتَةِ. واستدلُّوا بقولٍ أكثرِ العلماءِ فى المنع من جلدِ الخنزيرِ(١) بعدَ التمهيد الدِّباغ ؛ لأنَّ الذَّكاةَ غيرُ عاملةٍ فيه . قالوا: وكذلك السّباعُ لا تَعْمَلُ فيها الذَّكَاةُ؛ لنَهْىِ رسولِ اللهِ ،وَلَّهِ عِن أْلِها(١)، ولا يَعْمَلُ فيها الدِّباُ؛ لأَنَّها مَيتَةٌ، لم يَصِحَّ خصوصُ شىءٍ منها. وزعَموا أنَّ قولَ مَن أجاز الانتفاعَ بجلدِ الخنزيرِ بعدَ الدِّباغ شذوذٌ لا يُعَرَّجُ عليه. وحكَى إسحاقُ بنُ منصورِ الكَوْسَجُ، عن النَّضْرِ بنِ شُمَيْلٍ، أَنَّه قال فى قولِ النبيِّ نَّ: ((أيُّما إهابٍ دُبِغ فقد طَهُرَ)). إنَّما يقالُ الإهابُ للإبلِ ) والبقرِ والغنم، وأمَّا السّبائحُ فجلودٌ. قال الكَوْسَجُ: وقال لى إسحاقُ بنُ راهُويَه: هو كما قال النَّضْرُ بنُ شُمَيلٍ. وحَجَّةُ الآخرين قولُه ◌َِ: ((أَيُّما إِهابٍ دُبِغ فقد طَهُر)). فعمّ الأُهُبَ كُلَّها، فكُلُّ إهابٍ داخلٌ تحتَ هذا الخطابِ ، إلّا أنْ يَصِحَّ إجماعٌ فى شىءٍ من ذلك فيَخْرُجَ مِن الجُمْلةِ . وباللهِ التوفيقُ . أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى ويحيَى بنُ عبدِ الرحمنِ، قالا: حدَّثنا أحمدُ ابنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ (٤) الزَّرَّادِ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، قال: سألتُ سُخْنُونًا عن لُبس الفِراءِ الفَتَكياتِ (٥) ، وقلتُ: إِنَّه بلَغنى عنك فيها القبس (١) فى م: ((الميتة)). (٢) تقدم فى الموطأ (١٠٨٥، ١٠٨٦). (٣) فى م: ((لجلود الإبل)). (٤) سقط من: س، م. وينظر جذوة المقتبس ص ٢٩. (٥) فى س: ((القلينات))، وفى ص ٤: ((من الفنليات))، وفى م: ((من القلنيات)). ولعل ما أثبت هو الصواب، على أن يكون الفنكيات جمع الفنك، وهو حيوان يشبه الثعلب، وفراؤه أجود أنواع الفراء. ينظر الحيوان ٤٨٤/٥، ٣٠٥/٦. ٢٨٧ الموطأ ١٠٩٠ - مالكٌ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيطٍ ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثوبانَ، عن أمِّه، عن عائشةَ زوج النبيِّ وَ لِّ، أَن رسولَ اللَّهِ وَلَّهِ أَمَرِ أن يُستمتعَ بجلودِ المَيّةِ إذا دُبِغتْ . التمهيد شىءٌ، وقلتُ: إِنَّهم ليس يَغسِلُونها، إنَّما يَذْبُونها فيَدْبُغُونها بذلك الدَّم. قال: وما ذلك الدَّمُ؟ قال: أليس يسيرًا؟ قلتُ: بلى. قال: أو ليس يذْهَبُ مع الدِّباغ؟ قلتُ : بلى. قال: لا بأسَ به ، إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طَهُرَ. واخْتَلَف الفقهاءُ فى الدِّباغِ الذى يُطَهَّرُ به جلودُ الميْنَةِ، ما هو؟ فقال أصحابُ مالكِ، وهو المشهورُ من مذهبِه: كلَّ شىءٍ دُبِغ به الجلدُ مِن مِلحٍ ، أو قَرَظٍ، أو شَبِّ(١)، أو غيرِ ذلك، فقد جاز الانتفاع به . وكذلك قال أبو حنيفةً وأصحابُه: إنَّ كلَّ شيءٍ دُبِغ به جلدُ الميْنَةِ ، فأزال شعَرَه ورائحتَه، وذهَب بدَسَمِه ونَشَّفَه، فقد طهَّره، وهو بذلك الدِّباغ طاهرٌ. وهو قولُ داود . وذكر ابنُ وهبٍ قال: قال يحيى بنُ سعيدٍ: ما دُبِغَتْ به الجلودُ من دقيقٍ، أو قَرَظٍ ، أو مِلحٍ ، فهو لها طهورٌ. وللشافعيِّ فى هذه المسألةِ قولان ؛ أحدُهما هذا، والآخر أَنَّه لَا يُطَهِّرُه إلا الشَّبُ، أو القَرَظُ؛ لأنَّ الدِّباُ المعهودُ على عهدِ رسولِ اللهِ وَلَه الذى خرَج عليه الخطابُ . واللهُ الموفِّقُ . مالكٌ، عن يزيدَ بنِ قُسيطٍ ١، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثوبانَ ، القبس (١) الشب: ملح متبلر، اسمه الكيماوى: كبريتات الألومنيوم والبوتاسيوم، ويطلق على أشباه هذا الملح. الوسيط (ش ب ب). (٢) قال أبو عمر: ((وهو يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثى، من أنفسهم، يكنى أبا عبد الله، وكان = ٢٨٨ الموطأ عن أمِّه، عن عائشةَ، أن رسولَ اللهِ وَّهِ أَمَر أن يُستمتَعَ بجلودِ الميتةِ إذا التمهيد (١) دُبِغت (١). القبس = من سكان المدينة ومعدود فى علمائها وثقاتها وفقهائها. روى عن أبى هريرة وابن عمر، وسمع منهما. روى عنه مالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وابن أبى ذئب، وكان أعرج، يجمع من رجله. قال الواقدى : توفى يزيد بن عبد الله بن قسيط بالمدينة سنة اثنتين وعشرين فى خلافة هشام . وقال غيره : سنة ثلاث وعشرين. أخبرنا أبو القاسم خلف بن القاسم بن سهل بن أسود الحافظ ، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر المقرئ، قال: حدثنا أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادى المقرئ، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنى أبى، أملاه علىَّ إملاء، قال: حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج، قال: حدثنى سفيان بن سعيد ، عن مالك بن أنس ، عن يزيد ابن عبد الله بن قسيط ، عن سعيد بن المسيب ، أن عمر وعثمان قضيا فى الملطا وفى السمحاق بنصف الموضحة. قال عبد الرزاق، ثم قدم علينا سفيان فحدثنا به عن مالك، عن يزيد، عن ابن المسيب ، عن عمر وعثمان مثله، فلقيت مالكا، فقلت له : إن سفيان حدثنا عنك، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن ابن المسيب ، عن عمر وعثمان أنهما قضيا فى الملطا بنصف الموضحة، فحدثنى به. فقال: لا، لست أحدث به اليوم. وصدق ، قد حدثته. ثم تبسم، وقال: بلغنى أنه يحدث به عنى، ولست أحدث به اليوم. فقال له مسلم بن خالد : عزمت عليك إلا حدثته به. وهو إلى جنبه، فقال: لا تعزم علىَّ، فلو كنت محدثا به اليوم أحدا حدثته . قلت : فلم لا تحدثنى به؟ قال: ليس العمل عليه عندنا، وذلك أن صاحبنا ليس عندنا بذاك. يعنى يزيد بن عبد الله بن قسيط . قال أبو عمر: قد قال مالك فى ((موطئه)): لم أعلم أحدا من الأئمة فى القديم ولا فى الحديث قضى فيما دون الموضحة بشىء معلوم. وهذا القول يعارض حديث يزيد بن قسيط هذا، وحديث يزيد بن قسيط يدفع قول مالك هذا فى موطئه، فما أدرى ما هذا، ولا مخرج له إلا أن يكون لم يصح عنده)). تهذيب الكمال ١٧٧/٣٢، وسير أعلام النبلاء ٢٦٦/٥. (١) الموطأ برواية ابن زياد (٧٨)، وبرواية محمد بن الحسن (٩٨٦)، وبرواية أبى مصعب (٢١٨١). وأخرجه أحمد ٥٠٣/٤٠، ٥٠٤ (٢٤٤٤٧)، والدارمى (٢٠٣٠)، وأبو داود (٤١٢٤)، والنسائى (٤٢٦٣)، وابن ماجه (٣٦١٢) من طريق مالك به . ٢٨٩ ( موسوعة شروح الموطأ ١٩/١٣) . ما جاء فيمَن يُضطرُّ إلى أكلِ الميتةِ الموطأ ١٠٩١ - مالكٌ، أن أحسنَ ما سمِع فى الرجلِ يُضطرُّ إلى الميتةِ، أنه يأكُلُ منها حتى يَشبَعَ ، ويَتزوَّدُ منها ، فإن وجَد عنها غنّى طرَحها . التمهيد هذا حديثٌ ثابتٌ من جهةِ الإسنادٍ ، وبه أخَذ مالكٌ فى جلودِ الميتةِ إِذا دُبِغت أن يُستمتعَ بها ، ولا تُباعَ ، ولا تُرهنَ ، ولا يُصلَّى عليها، ولا يُتَوَضَّأَ فيها ، ويُستمتعَ بها فى سائرِ ذلك من وجوهِ الانتفاعِ ؛ لأن طهارةَ الدباغ عنده ليست بطهارةٍ كاملةٍ ، وأكثرُ الفقهاءِ يقولون : إن دباغَها طَهورُها طهارةً كاملةً فى كلِّ شىءٍ؛ لقولِهِ وَله: ((أَيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر))(١). وقد ذكرنا ما للعلماءِ فى هذا البابِ من المذاهبِ والأقوالِ والحُججِ والاعتلالِ، فى بابِ زيدِ بنِ أسلمَ ، عن ابنٍ وعلةَ، من هذا الكتاب (١) . والحمدُ للهِ . الاستذكار بابُ ما جاء فيمن يُضطَرُّ إلى الميتةِ مالكٌ ، أن أحسنَ ما سمِع فِى الرجلِ يُضطَرُّ إلى الميتةِ ، أنه يأكُلُ منها حتى القبس القولُ فى المُستَثْنَى مِن ذلك حرَّم اللهُ الميتةَ ثم استثنى حالَ الضرورةِ فقال: ﴿إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١) تقدم فى الموطأ (١٠٨٩). (٢) ينظر ما تقدم ص٢٦٨ - ٢٨٨. ٢٩٠ الموطأ يشبَعَ، ويتزوَّدُ منها، فإذا وجَد عنها غنّى طرَحها(١). الاستذكار قال أبو عمرَ : روَى فُضيلُ بنُ عِياضٍ ، وأبو معاويةً ، وسفيانُ ، وشعبةُ ، عن الأعمشِ، عن مسلم، عن مسروقٍ ، قال : من اضطُرَّ إلى الميتةِ والدمٍ ولحمٍ الخنزيرِ فلم يأكُلْ حتى مات دخَل النارَ(٢) . وهذا لفظُ حديثِ فُضيلٍ بنِ عِياضٍ. واختلف العلماءُ فى مقدارِ ما يأكُلُ المضطرُّ مِن الميتةِ ؛ فقال مالكٌ فى ((موطئِه)) ما ذكَرنا، وعليه جماعةُ أصحابِه. وقال أبو حنيفةً والشافعىُّ وأصحابُهما : لا يأكُلُ المضطرُ مِن الميتةِ إلا مقدارَ ما يُمسِكُ(١) الرمقَ والنفْسَ. وقال " عبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ": المضطرُ يأكُلُ مِن الميتةِ ما يسُدُّ جُوعَتَه . القبس [الأنعام: ١١٩]. ثم استثْنى من المستثنى فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]. سمِعتُ الفِهْريَّ يقولُ بالمسجدِ الأقصى وقد قيل له ، أو قلتُ له : إذا خرَج باغيًا أو متعدِّيًا فوجَد الميتةَ ، أيأكلُ أَمْ يموتُ؟ قال : يموتُ ولا يأكلُ . وقد قال القاضى عبدُ الوهابِ : إذا أراد أن يأكلَ فليتُبْ ، فإذا تاب ارتفعت عنه سِمةُ البغي والعُدوانِ، ودخَل تحتَ قولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَا آَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. ثم اختلف العلماءُ بعدَ ذلك فى مسألتين : إحداهما : هل يأكُلُ مِن الميتةِ حتى يشبعَ أم يأْخُذُ بقدرٍ سدِّ الرَّمَقِ؟ وعن مالكٍ (١) الموطأ برواية ابن زياد (٨٩)، وبرواية يحيى بن بكير (١٦/١٣ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٧٧). (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٩٥٣٦)، والبيهقى ٣٥٧/٩ من طريق الأعمش به . (٣) فى الأصل، م: (يسد)). (٤ - ٤) فى الأصل، م: ((عبد الله بن الحسن))، وفى ح، هـ: ((عبيد الله بن الحسين)). وتقدمت ترجمته فى ١٣٤/٢. ٢٩١ الموطأ الاستذكار وحُجَّةُ هؤلاءٍ أن المضطرَّ إنما أُبِيح له أكلُ الميتةِ إذا خاف على نفسِه الموتَ ، فإذا أُكَل منها ما يُزيلُ الخوفَ فقد زالتِ الضرورةُ وارتفعَتِ الإباحةُ ، فلا يحِلُّ له أكلُها. وحُجَّةُ مالكٍ أن المضطرَّ ليس ممن حُرِّمت عليه الميتةُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. وقال: ﴿إِلَّا مَا أُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهٌ﴾. فإذا كانت الميتةُ حلالاً للمضطرّ إليها أكَل منها ما شاء حتى يجِدَ غيرَها (١). ( وهو قولُ الحسن٢ِ)؛ قال الحسنُ: إذا اضطُرَّ إلى الميتةِ أكَل منها قُوتَه(٢) . وقد قيل: مَن تغذَّى لم يتعَشَّ منها، ومن تعشَّى لم يتغَدَّ منها . وفى الحديث المرفوع: متى تحِلُّ لنا الميتةُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((ما لم القبس فى ذلك روايتان؛ فأما الذى فى ((الموطأً)) فالأكلُ، والشِّبَعُ، والزادُ، وهو كتابُه وصفوةُ مذهبِهِ ولُبابُه، وكذلك ينبغى أن يكونَ ؛ لأن الضرورةَ قد رفَعَتِ التحريمَ وأثبتت الإِباحةَ، وصيَّتِ الميتةَ فى حقِّه كالمذكّاةِ. وأما المسألةُ الثانيةُ: فهو مالُ الغيرِ ، هل يقدِّمُه على الميتةِ فى الضرورةِ أو يقدِّمُ الميتةَ عليه؟ ولا خلافَ بينَ الأمةِ أنه إذا أَمِن مِن العقوبةِ ، أنه يأكُلُ مِن مالٍ الغيرِ ؛ لأن مالَ الغيرِ يَقبَلُ الإباحةَ بالإذنِ ، والميتةَ لا تقبَلُ الإباحةَ بحالٍ . وهناك مسألةٌ ثالثةٌ فى مذهبِ المخالفِ ليست فى مذهبنا؛ وهو أكلُ لحم الآدمىِّ عندَ الضرورةِ إِذا وجَده ميتًا، فقالوا: لا يؤكلُ؛ لأن حرمته ميتًا كحرمتِه حيًّا . (١) بعده فى ح: ((فتحرم عليه)، وفى هـ: ((فيحرم عليه)). (٢ - ٢) سقط من: ح، هـ . (٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٨/ ٩٧. ٢٩٢ الموطأ تصطَبحوا، أو تغتبقوا))(١). والصَّبوحُ الغداءُ، والغَبوقُ العَشاءُ، ونحوُ هذا. الاستذكار واختلفوا فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿غَيّرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ﴾. فقال مجاهدٌ: ﴿غَيْرَ بَاغِ﴾: على الأئمةِ، ﴿وَلَا عَادٍ﴾: قاطِعِ سبيلِ . ورُوِى عن مجاهدٍ فى قولِه تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال : غيرَ قاطعِ سبيلٍ ، ولا مفارقِ الأئمةِ ، ولا خارج فى معصيةٍ ، فإن خرَج فى معصيةٍ لم يرخَّصْ له فى أكلٍ الميتةِ(٢) . وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ فى قوله: ﴿غَيْرَ بَاغْ وَلَا عَادٍ﴾. قال: هو الذى يقطّعُ الطريقَ ، فليس له رخصةٌ إذا اضطُرَّ إلى شربِ الخمرِ وإلى الميتةِ (٤). وقال الشافعىُّ: مَن خرَج عاصيًّا للهِ لم يحِلِّ له شىءٌ مما حرَّم اللهُ عليه بحالٍ ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ إنما أحَلَّ ما حرَّم للضرورةِ على شرطِ أن يكونَ المضطرُّ غيرَ باغٍ ولا القبس ومنهم من قال : إنه يؤكَلُ . والأُولُ عندى أصحُ . ثم قال تعالى: ﴿وَاَلَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. فى هذه الآية التى فى ((العقودِ))، ثم خصَّص فى آيةِ ((الأنعامِ)) فقال: ﴿أَوْ دَمَا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] . فاقتضى ذلك تحليلَ ما خالَط العُروقَ وجَرَى عندَ تقطيع اللَّحم؛ وذلك لأنه أمرٌ لا يتأَنَّى الانفكاكُ عنه ، ولا يمكنُ الاحترازُ منه، كما اتفَق العلماءُ على أن دمَ الحوتِ حلالٌ؛ لأنه مستثنّى مِن الميتة والدم، إذْ لم يُشْرَعْ فيه ذكاةٌ، وسيأتى بيانُه إن شاء اللهُ تعالى . (١) أخرجه أحمد ٢٢٧/٣٦، ٢٣٢ (٢١٨٩٨، ٢١٩٠١)، والدارمى (٢٠٣٩)، وابن جرير فى تفسيره ٩٦/٨، والطبرانى (٣٣١٦)، والحاكم ١٢٥/٤، والبيهقى ٣٥٦/٩ من حديث أبي واقد الليثى. (٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٦٠/٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره (١٥٢٢، ١٥٢٨). (٣) تفسير مجاهد ص ٢١٨، ٢١٩، وأخرجه سعيد بن منصور (٢٤٣ - تفسير) ، وابن جرير فى تفسيره ٥٩/٣، ٦٠. (٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٥٩/٣، ٦٠، وابن أبى حاتم فى تفسيره (١٥٢٤). ٢٩٣ الموطأ الاستذ کار عادٍ، ولا متجانفٍ لإثم. وهذا معنى قولٍ مالكٍ. واتفق مالكٌ والشافعىُ أن المضطرّ لا تَحِلُّ له الخمرُ ولا يشرَبُها؛ لأنها لا تزيدُه إلا عطشًا). وهو قولُ مكحولٍ ، والحارثِ العُكْلىّ ، وابنٍ شهابٍ الزهرىِّ. ذكَر وكيع، عن سفيانَ ، عن بُزْدٍ ، عن مكحولٍ ، قال: لا يَشرَبُ المضطُ الخمرَ ؛ فإنها لا تزيدُه إلا عطشًا(٢) . وروَى جريٌ، عن مغيرةَ، عن الحارثِ العُكْلِيِّ ، قال: إذا اضطُرَّ إلى الخمرِ فلا يشرَبْها ؛ فإنها لا تزيدُه إلا عطشًا . القبس توحيدٌ: رُوى أنَّ النبيَّ مَ نزَل يَتَلْدَعَ (١، فجالَسه زيدُ بنُ عمرو بنٍ نُفيلٍ ، فقدِّم للنبىُِّ(وَِّ سُفْرَةٌ() فيها لَحْمٌ، فقال زيدٌ: إنِّى لا آكُلُ مما تَذْبَحون على "أَنْصَائِكم٢) . فقيل فى السؤال: كيف تَتَزَّهَ زيدٌ عما يُذْبَحُ للأنصابِ ()، واحتمَله النبيُّ ◌َِّ للزادٍ، وهذا مما اتفقتِ المِللُ على تحريمِه، وقد كان النبيُّ وَّله على ملَّةِ إبراهيمَ؟ أجاب العلماءُ عن ذلك بأجوبةٍ كثيرةٍ ، لُبابُها أربعةٌ : الأول: أن النبيُّ بِّهِ لم يكُنْ يلتزِيمُ قبلَ المبعثِ شرعًا، وإنما كان مُنَزَّهًا (١ - ١) سقط من: ح، هـ، وفى الأصل: ((ولا تزيد له إلا عطشا))، وفى م: ((ولا تزيده إلا عطشا)). وينظر فتح البارى ١٠/ ٨٠. (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٥٨/١٢ عن وكيع به . (٣) بَلْدَح؛ بفتح أوله ، وبالدال والحاء المهملتين: موضع فى ديار بنى فزارة ، وهو واد عند الجراحية فى طريق التنعيم إلى مكة . معجم ما استعجم ١/ ٢٧٣، وينظر فتح البارى ١٤٣/٧. (٤) فى ج: ((النبى)). وهو لفظ إحدى روايات البخارى. وينظر فتح البارى ١٤٣/١٧، ١٤٤. (٥) السفرة : طعام يتخذه المسافر . النهاية ٣٧٣/٢ . (٦) البخارى (٣٨٢٦). (٧) فى د: ((للأصنام)). ٢٩٤ ۵ الموطأ وروَى ابنُ وهبٍ، عن يونسَ، أنه سأل ابنَ شهابٍ عنِ الرجلِ يُضِطَّرُّ إلى الاستذكار شرب الخمرِ ، هل فيه رخصةٌ؟ قال: لم يبلُغْنى أن فى ذلك رخصةً لأحدٍ ، وقد أرخَص اللهُ تعالى للمؤمنِ فيما اضطُرَّ إليه مما حرَّم عليه . وقال آخرون، منهم عكرمةُ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال: يتعدَّی فیزیدُ على ما يُمسِكُ نَفْسَه، والباغى كلّ ظالمٍ فى سبيلٍ غيرِ مباحةٍ . وهو قولُ الحسن، قال فى قوله: ﴿غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ﴾. قال: غيرَ باغ فيها، ولا معتدٍ فیھا) ، یأکُلُها وهو غنى عنها . : القبس معصومًا من كلِّ دناءةٍ ومُضِلَّةٍ حتى جاءَه الحقُّ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدََ ضَآَلًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. فى أولى التأويلاتِ". الثانى: أن النبىَّ وَِّ كان على شرعٍ قبلَ البعثِ، ومن آياته أن أحدًا لم يعلَمْه ولا نقله . الثالثُ : أن هذا خبرُ واحدٍ ، وخبرُ الآحادِ فيما طريقُه العلمُ لا العملُ، لا يُوجِبُ . شيئًا . 1 الرابعُ: أن المحرَّمَ الذبحُ على النصبِ والإهلالُ لغيرِ اللهِ، فهذا هو المحرَّمُ القبيح الكفرُ، فأما أكلُه بعدَ ذلك فليس مِن الذبح فى شىءٍ، ألا تَرى أن (١ - ١) ليس فى : النسخ. والمثبت من تفسير ابن جرير. (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٦٥/١، وابن جرير فى تفسيره ٣/ ٦١. (٣ - ٣) فى ج: ((أول الروايات))، وفى م: ((أولى الروايات)). (٤ - ٤) ليس فى : د . ٢٩٥ الموطأ قال يحيى : وسُئل مالك عن الرجل يُضطرّ إلى الميتةِ؛ أيأْكُلُ منها وهو يَجِدُ ثمرَ القوم أو زرعًا أو غَنَمًا بمكانِه ذلك؟ فقال مالكٌ: إن ظنَّ أن أهلَ ذلك الثمرٍ أو الزرع أو الغنم يُصدِّقونه بضَرورتِه، حتى لا يُعَدَّ سارقًا فتُقطَعَ يدُه، رأَيتُ أن يأْكُلَ من أىَّ ذلك وجَد ما يَرُدُّ جُوعَه، ولا يَحمِلَ منه شيئًا ، الاستذ کار قال أبو عمرَ : مِن حُجَّةٍ مَن لم يرَ شربَ الخمرِ للمضطرّ ، أن الله تعالى ذكر الرخصةَ للمضطرّ مع ( تحريمِه الميتةَ والدمَ)) ولحمَ الخنزيرِ، وذكَر تحريمَ الخمرِ ، ولم يذكُرْ مع ذلك رخصةً للمضطرّ، فالواجبُ ألَّ يُتَعدَّى الظاهرُ إلى غيرِه . وباللهِ التوفيقُ . سُئِل مالكٌ عن الرجلِ يُضطرّ إلى الميتةِ ، أيأْكُلُ منها وهو يجِدُ (٢ ثَمَرَ القومِ" أو زرعًا أو غنمًا بمكانِه ذلك؟ فقال مالكٌ: إن ظنَّ أن أهلَ ذلك الثمَرِ أو الزرعِ أو الغنم يصدِّقونه بضرورته، حتى لا يُعَدَّ سارقًا فتُقطَعَ يِدُه، رأيتُ أن يأْكُلَ من القبس الأضحيةَ تُذْبَحُ للهِ تعالى ثم تُؤْكلُ للدنيا، والعبادةُ إنما هى فى الذبح والنحرِ خاصةً ، فكان النبيُّ مَِّ مُتَزَّهًا عن الدناءةِ والحرامِ والكفرِ، ولم يكنْ هنالك شرعٌ فى تحريمِ الأكلِ ، فكان يأكُلُ مِن طعامِ أهلِ بيته قبلَ البعثِ ، كما نأكُلُ نحنُ مِن طعامِ أهلِ الكتابِ بعدَ ذبْحِهم ، وهذا وإن كان كلامًاً خارجًا عن الأصلِ ولكن بالقولِ الأوَّلِ أقولُ (٥). (١ - ١) فى الأصل: ((تحريم الخمر والميتة))، وفى م: ((تحريم الخمور والميتة)). (٢ - ٢) فى الأصل، ح: ((تمر القوم)، وفى هـ: ((تمرًا لقوم)). والمثبت من الموطأ . (٣) فى ح، هـ: ((التمر)). (٤) فى ج: ((كاملًا))، وفى م: ((كارهًا)). (٥) ينظر فتح البارى ١٤٣/٧، ١٤٤. ٢٩٦ وذلك أحَبُّ إلىّ من أن يأكُّلَ الميتةَ ، وإن هو خشِىَ ألّا يُصدِّقوه ، وأن الموطأ يعُدُّوه سارقًا بما أصاب من ذلك، فإِنَّ اْلَ الميتةِ خير له عندى ، وله فى أكْلِ الميتةِ على هذا الوجِهِ سَعةٌ ، مع أنى أخافُ أن يعدُوَ عادٍ ممَّن لم يُضطرّ إلى الميتةِ ، يُرِيدُ استجازةَ أخذِ أموالِ الناسِ وزروعِهم وثمارِهم بذلك. قال مالكٌ : وذلك أحسنُ ما سمِعتُ . أَىِّ ذلك وجَد ما يُرُدُّ جوعَه، ولا يحمِلَ منه شيئًا، وذلك أحَبُّ إِلىَّ مِن أَن يَأْكُلَ الاستذكار الميتةَ ، وإن هو خشِى ألَّ يصدِّقوه، وأن (١ يعدُّوه سارقًا) ، فإنَّ أْلَ الميتةِ خيرٌ له عندى ، وله فى أكْلِها على هذا الوجهِ سَعةٌ ، مع أنى أخافُ أن يعدُوَ عادٍ ممن لم يُضطَرَّ إلى الميتةِ، يريدُ استجازةَ أخذِ أموالِ الناسِ " وزرعِهم وثمارِهم" بذلك(٣) . قال مالكٌ: وذلك أحسَنُ ما سمِعتُ . قال أبو عمرَ : قولُه : أحسَنُ ما سمِعتُ . يدُلُّ على أنه سمِع الاختلافَ فى ذلك، ورأى للمضطرّ أن يأْكُلَ من الميتةِ حتى يشبَعَ، ولم يرَله أن يأْكُلَ من مالٍ غيرِهِ إلا ما يُرُدُّ جوعَه، ولا يحمِلَ منه شيئًا، كأنه رأَى الميتةَ أُطلِقِ أكلُها للمضطرّ، وجعَل قولَه عليه السلام: ((أموالُكم عليكم حرامٌ))(٤) . يعنى أموالَ بعضِكم على بعضٍ، أعمّ وأشدَّ. وهذا يخالفُه فيه غيرُه؛ لعموم قوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. ولأن المواساةَ فى العُسرةِ وترميقَ المهجةِ من الجائعِ واجبٌ القبس (١ - ١) فى م: ((يعد سارقًا بما أصاب من ذلك)). (٢ - ٢) سقط من: ح، هـ . (٣) بعده فى م: ((بدون اضطرار)). (٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٤٠٩) من الموطأ . ٢٩٧ الموطأ الاستذكار على الكفايةِ بإجماع، فكلاهما حلالٌ فى الحالِ . أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنی أبو داود ، قال : حدّثنی عُبیدُ اللهِ بنُ معاذ العنبریُ ، قال : حدّثنی ابی ، قال : حدَّثنی شعبةُ ، عن أبى بشرٍ ، عن عبَّادِ بنِ شرحبيلٍ، قال: أصابتنى سَنةٌ، فدخَلتُ حائطًا من حيطانِ المدينةِ ففرَكتُ (١) سنبلًا، فأكَلتُ وحمَلتُ فى ثوبى ، فجاء صاحبُه فضرَبنى وأَخَذ ثوبى، فأتيتُ رسولَ اللهِ وَّهِ، فقال له: ((ما علَّمتَ إذ كان جاهلًا، ولا أطعَمتَ إِذ كان جائعًا)). أو قال: ((ساغبًا)). وأمَره فردَّ علىَّ ثوبى، وأعطانى وَسْقًا أو نصفَ وَسْقٍ من طعامٍ (١ . رواه غُندَرٌ، عن شعبةً، عن أبى بشرٍ، قال: سمِعتُ عَّادَ بنَ شرحبيلٍ(١) . ولم يلْق أبو بشرٍ صاحبًا غيرَ هذا الرجلِ . وفى حديثٍ قتادةَ، عن الحسن، عن سَمُرةَ، عن النبيِّ وَ ل أنه قال فى هذا المعنى: ((فَلْيحتلِبْ وليشرَبْ ولا يحمِلْ)) (٤). وأما قولُه فى الثمرِ ، والزرع، والغنم ، أنه يُقطَّعُ إذا عُدَّ سارقًا. فهذا لا یکونُ فی زرع قائم، ولا ثمرٍ فی شجرٍ، ولا غنم فی سرچھا ؛ لأنه لا قطعَ فی القبس (١) فى ح، هـ: ((فعركت)). (٢) أبو داود (٢٦٢٠). وأخرجه الطيالسى (١٢٦٥)، وابن ماجه (٢٢٩٨) من طريق شعبة به. (٣) أخرجه أحمد ٦٤/٢٩ (١٧٥٢١)، وأبو داود (٢٦٢١)، وابن ماجه (٢٢٩٨) من طريق غندر به . (٤) أخرجه أبو داود (٢٦١٩)، والترمذى (١٢٩٦) من طريق قتادة به . (٥) فى النسخ: ((التمر)). والمثبت يقتضيه السياق. ٢٩٨ الموطأ شىءٍ من ذلك، وإنما القطعُ فى الزرعِ إذا صار فى الأندَرِ، وصار الثمرُ) الاستذكار فى الجَرينِ، والغنمُ فى الدارِ والمُراحُ) . وسيأتى ما للعلماءِ فى معنى الحِرزِ فى كتابِ الحدودِ(٤). والذى قاله مالكٌ فى هذا البابِ اختيارٌ واستِحبابٌ واحتياطٌ على السائلِ . وأما الميتةُ فحلالٌ للمضطرّ على كلِّ حالٍ ما دام فى حالِ الاضطرارِ بإجماع. وكذلك أكلُه زرْعَ غيرِهِ "أو طعامَ غيرِهْ)، فى تلك الحالِ له حلالٌ ، ولا يحِلُّ لمَن عرَف حالَه تلك أن يتركَه يموتُ وعندَه ما يُمسِكُ به رَمَقَه ، فإن كان واحدًا تعيَّن ذلك عليه، وإن كانوا جماعةٌ كان قيامُهم به تلك الليلةَ أو اليومَ والليلةَ فرضًا على جماعتهم، فإن قام به من قام منهم سقَط ذلك الفرضُ(٦) عنهم ، ولا يحِلُّ لمن اضطُرَّ أن يكُفَّ عما يُمسِكُ به رَمَقَه، فيموتَ . وفى مثلٍ هذا قال مسروقٌ: من اضطُرَّ إلى الميتةِ فلم يأكُلُها ومات دخَل النارَ(١). فهو القبس (١) فى النسخ: ((التمر)). (٢) فى م: ((الجريس)). والأندر والجرين: هو الموضع الذى تجفف فيه الثمار. اللسان (ب در، ن د ر ، ج ر ن). (٣) المراح: الموضع الذى تروح إليه الماشية؛ أى تأوى إليه ليلًا. اللسان (روح). (٤) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٦٢١) من الموطأ . (٥ - ٥) ليس فى: الأصل، وفى ح، م: «أو إطعام غيره). (٦) فى م: ((الغرض)). (٧) تقدم تخريجه ص ٢٩١ . ٢٩٩ الموطأ الاستذكار فرضٌ عليه وعلى غيرِه فيه . وهذا الذى وصَفتُ لك، عليه جماعةُ العلماءِ من السلف والخلفِ . وبالله التوفيقُ . إلا أنهم اختلفوا فيمن أكَل شيئًا له بالٌ وقيمةٌ من مالٍ غيرِه وهو مضطَرٌّ ، هل عليه ضمانُ (١) ذلك أم لا؟ فقال قومٌ: يَضمَنُ ما أحيا به نَفْسَه. وقال الأكثر: لا ضمانَ عليه إذا اضطُرَّ إلى ذلك . قال ابنُ وهب : سمِعتُ مالكًا يقولُ فى الرجل يدخُلُ الحائطَ ، فيأكُلُ من التمرٍ ، أو يجِدُه ساقطًا ، قال: لا يأكُلُ إلا أن يعلم أن نفْسَ صاحبه تطيب بذلك ، أو يكونَ محتاجًا ، فلا يكونُ علیه شىءٌ . وفى ((التمهيدِ))(٢) بالإسنادِ عن أبى بَرْزةَ الأسلمىّ، وعبد الرحمنِ بنِ سَمْرةَ ، وأنسٍ بنِ مالكِ ، أنهم كانوا يُصيبون مِن الثمارِ فى أسفارِهم يعنى بغيرِ إذنِ أهلِها. وعن الحسنِ قال(٢) : يأْكُلُ، ولا يُفِسدُ ، ولا يَحمِلُ. وسنزيدُ هذا المعنى بيانًا عندَ قولِه عليه السلامُ: ((لا يحتلِنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنِه)). فى بابِ الغنمِ من الجامعِ، إن شاء الله تعالى . القبس (١) فى الأصل، م: ((ثمن)). (٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٨٨١) من الموطأ . (٣) بعده فى الأصل، م: ((لا)). ٣٠٠ بي ٠٠