Indexed OCR Text

Pages 181-200

الموطأ
ابنُ جريجٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، قال فى الكلبِ المعلّم: كُلّ ما أمسَك الاستذكار
علیك وإن أگل منه .
" هكذا أخبره عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جريجٍ". وهو الصحيح عن ابن جريج (١.
القبس
الكراهيةِ؛ بدليلِ حديث أبي ثعلبةً (١). قال لنا الخطيبُ أبو المُطَهَّرِ المَعْدَانُ : قال أبو
بكْرٍ شيخُنا وغيرُه : إذا أكَل الكلْبُ المُعَلَّمُ من الصيدِ لا يُقالُ: إن التعليمَ قد بطَل .
لأن الأكلَ الذى وقَع من الكلبِ قد يكونُ لفَرْطِ جوعٍ أو لنسيانٍ ، والعالمُ الماهرُ قد
يَنسى المسألةَ(١) حتى لا يَتْقَى لها فى قلبِه أثرٌ، فكيف البهيمةُ؟! فإن خرَق المحدَّدُ
الصيدَ؛ فإن قطَعه نصفين أكَله كلَّه، وإنْ أبانَ الأقلَّ أَكَل الأكثرَ. والذى عندى أنَّه إِنْ
كان الأقلُّ الذى أُبِينَ مِمّا لا حياةَ معه أكَل الكلَّ، وإن كان تَبْقَى بعدَه الحياةُ أَكَل
الأكثرَ .
(إكمالٌ: لمَّا) قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الَّهُ﴾ الآية
[المائدة: ٩٤]. اختلف العلماءُ فى صيدِ الكتابيّ؛ فقال فى ((الكتاب)): لا يؤكّلُ
صيدُه. وقولُه: ﴿بَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾. ليس بمعارضٍ
(١ - ١) فى ح، هـ، م: ((ذكره عبد الرزاق)).
(٢) بعده فى ح، هـ: ((وكذلك ذكر عبد الرزاق وهو الصحيح)).
(٣) سيأتي تخريجه ص١٨٤.
(٤) فى د، م: ((الهمدانى)). ولم نجد له ترجمة فيما بين أيدينا من مصادر ، وقد ذكره صاحب
(التدوين فى أخبار قزوين)) ٢/ ٤٢١، ولولده أبى القاسم رجاء ترجمة فى التحبير فى المعجم الكبير ٢٧٩/١،
وسير أعلام النبلاء ٥٤٤/٢٠، ٥٤٥، ولولده أبى الطاهر عمر ترجمة أيضًا فى التحبير ٥١٦/١.
(٥) بعده فى ج، م: (( الجحدى)).
(٦) ليس فى : د .
(٧ - ٧) فى د: ((إكمال))، وفى م: ((إكمالًا كما)).
١٨١

1
الموطأ
۔
الاستذكار
وكذلك رواه عبيدُ اللهِ بنُ "عمرَ وابنُ" أبى ذئبٍ، عن نافعٍ، عن ابنٍ
عمر(٣).
وروَى قتادةُ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كرِه أكلَ الصيدِ يأكلُ منه
الكلبُ . رواه همامٌ وغيرُه، عن قتادةَ .
ومعمرٌ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان لا يرى بأسًا بأكل
الصيد یأکُلُ منه الكلب(4).
وروی یحیی القطان ، قال: حدّثنی داودُ الکندىُّ ، عن محمدِ بنِ زیدٍ ، عن
سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن سلمانَ ، قال: إذا أرسلتَ كلبَك أو بازِيَك فأكّل،
فَكُلْ(٥).
وروَى سعيدُ بنُّ أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيَّبِ ، أن سلمانَ ،
قال : إذا أرسلتَ كلبَك، وذكرتَ اسمَ اللهِ ، فَأَكَّل ثُلُثَيه وبِقِى ثلثُه، فكُلْ(١)(٦).
القبس
لقولِه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُرُ﴾ [المائدة: ٥]. فإن هذه الآيةً فى
طعامِ الكتابِّين عامةٌ فى الصيدِ وغيرِهِ ، وآيةَ الصيدِ خاصةٌ غيرُ منافيةٍ ١٢ لهذه العامَّةِ ،
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
(٢ - ٢) فى م: ((عمرو عن ابن)).
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١١٩/٨ من طريق عبيد الله وابن أبى ذئب به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٥١٦) عن معمر به .
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٦/٥، ٣٦٧ عن يحيى القطان به .
(٦) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١١٥/٨، ١١٦، والبيهقى ٢٣٧/٩ من طريق سعيد بن أبى عروبة به .
(٧) فى د: ((مباينة)).
١٨٢

الموطأ
( وسعيدُ بنُّ بَشير١ٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن سلمانَ، قال فى الاستذكار
الكلبِ المُعَلَّم: كُلْ مما أمسَك عليك، وإن أكَلِ ثُلُثَيه(٢). قال: وقال سعدٌ: كُلْ
وإن لم يَبْقَ إلاَ رأسُه(٣). وروايةٌ عن أبى هريرةَ مثلُهُ(٤). وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ،
والحسنِ ، وابنٍ شهابٍ، وربيعةً. وإليه ذهَب الأوزاعىُّ والليثُ بنُ سعدٍ .
ورَوى ابنُّ وهبٍ قال: أخبرنى عمرُو بنُّ الحارثِ، وإبراهيمُ بنُ
نَشِيطِ، " ومَخْرمةُ بنُّ بُكيرٍ"، وابنُ أبى ذئبٍ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأَشَجِّ،
وإنما يُقْضَى بالخاصِ على العامّ إذا تعارضا، وأيضًا فإن الآيةَ إنما نزلت فى الذين القبس
آمنوا؛ لأجلِ بيانٍ حكم الحِلِّ والحَرَمُ(١)، وذلك يختلِفُ الحالُ فيه على المسلمِ دونَ
الكتابىٌّ . فأما المجوسيُّ فلا سبيلَ إلى صيدِه؛ لأن اسمَ اللهِ لا بدَّ منه، والمجوسیُّ
يذْبَحُ لغيرِ اللهِ تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ
اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
(١ - ١) فى ح، هـ: ((وروى سعد بن بشير))، وفى م: ((سعيد بن أبى عروبة)).
(٢) بعده فى ح، هـ، م: ((وبقى ثلثه فكل)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٥١٨) من طريق سعيد به، وعنده: ((سعيد بن أبى عروبة ))، وفى
نسخة: ((سعيد بن جبير)) ، وهو تصحيف عن بشير .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٥٨/٥، وابن جرير فى تفسيره ١١٨/٨.
(٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٥٨/٥، ٣٦٧، وتفسير ابن جرير ١١٨/٨.
(٦ - ٦) فى الأصل، م: ((وبكر بن مخرمة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٤/٢٧.
(٧) فى د، م: ((الحرام)).
(٨ - ٨) سقط من : ج .
١٨٣

الموطأ
الاستذكار عن حميدٍ بنِ مالكِ، أنه سأل سعد بن أبى وقاصٍ عن الصيدِ يأكُلُ منه الكلبُ ،
فقال: كُلْ وإن لم يَثْقَ منه إلا حِذْيَةٌ(١).
وروَى شعبةُ ، عن عبدِ رَبِّه بنِ سعيدٍ ، قال: أخبرنى بُكيرُ بنُ الأشجّ، أن
سعدًا قال: كُلْ وإن أُكَل نصفَه(١).
وحُجَّةُ مالكٍ ومَن قال بقولِه فى ذلك (٢ما حدَّثناه عبدُ اللهِ"، قال: حدَّثنی
محمدٌ ، قال: حدّثنی أبو داود ، قال : حدّثنی محمدُ بنُ عیسی ، قال: حدّثنی
هشيمٌ، قال: حدَّثنى داودُ بنُ عمرٍو، عن ("بسرِ بنِ عُبيدِ اللهِ)، عن أبى إدريسَ
الخولانيّ، عن أبى ثعلبةَ الخُشَنىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّلَهِ: ((إذا أرسلتَ
كلبَك، وذكرتَ اسمَ اللهِ ، فَكُلْ)) . قلتُ : وإن أكَل منه يا رسولَ اللهِ؟ قال:
( وإن أكّل منه))(٥).
وقال أبو حنيفةً ، والشافعىُّ، وأصحابُهما، والثورىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ،
وأبو ثورٍ : إذا أكّل الكلبُ مِن الصيدِ، فهو غيرُ مُعلِّم، فلا يُؤْكُلُ مِن صيدِه . وهو
القبس
(١) فى ح: ((حدبة)) وفى م: ((جوفه)). والحذية: القطعة. النهاية ٣٥٧/١.
والأثر أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١١٧/٨ من طريق ابن وهب ، عن مخرمة ، وحده ، به .
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١١٨/٨، والبيهقى ٢٣٧/٩ من طريق شعبة به .
(٣ - ٣) فى خ، هـ: ((أخبرنا محمد)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((بشر بن عبد الله))، وفى ح، هـ: ((بسر بن سعيد))، وفى م: (( بسر بن
عبد الله)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٧٥/٤.
(٥) أخرجه البيهقى ٢٣٧/٩ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٢٨٥٢).
١٨٤

الموطأ .
قولُ ابنِ عباسٍ ، لم يُختَلفْ فى ذلك عنه. واختُلِف فيه عن أبى هريرةً؛ فروى الاستذكار
عنه مثلُ قولِ ابنِ عباسٍ ، وروِى عنه مثلُ قولٍ "سلمانَ وسعدٍ". وروَى طاوسٌ،
وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاءٌ، عن ابنِ عباسٍ فى الكلبِ، (قال: إن أكَل) مِن
صيدِه، فلا تأكُّلْ، فإنما أمسَك على نفسِه، ولو كان مُعَلَّمًا لم يأكُلْ(). وبه قال
الشعبىُّ، وعطائٌ، وطاوسٌ"، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعكرمةُ، وقتادةُ، وإبراهيم
(٦)
النخعئ().
قال أبو عمر: ( حُجّتُھم حدیثُ عدى بن حاتم ، رِی مِن ◌ُجُوهِ صِحَاحِ،
منها(٧) ما رواه شعبةُ ، عن (٨عبدِ اللهِ بنِ أبى السَّفَرِ ٨)،(٦ عن الشعبىِّ؟)، عن عدىِ بنِ
حاتم، عن النبيِّ وٍَّ قال: ((إذا أرسلتَ كلبَك وذكرتَ اسمَ اللهِ فَكُلْْ)،
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٥٥/٥، وابن حزم ٢١٤/٨، ٢١٥.
(٢ - ٢) فى هـ: ((إسماعيل وسلمان)). والأثر تقدم تخريجه. ص ١٨٣.
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((إن أمسك)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٥١٣، ٨٥٢١)، وابن جرير فى تفسيره ١٠٩/٨ من طريق طاوس به ،
وأخرجه عبد الرزاق (٨٥١٤)، وابن أبى شيبة ٣٥٥/٥، وابن جرير فى تفسيره ١٠٩/٨، ١١٠ من
طريق سعيد بن جبير به، وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ١١٠/٨، وابن حزم ٢١٤/٨ من طريق عطاء
به .
(٥ - ٥) سقط من: ح ، هـ .
(٦) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٥٥/٥، ٣٥٦، وتفسير ابن جرير ١١١/٨، والمحلى ٢١٥/٨.
(٧) ليس فى : الأصل ، م . والمثبت يقتضيه السياق .
(٨ - ٨) فى الأصل، م: ((عبد الله بن الشعر عن أبى السفر)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر
تهذيب الكمال ١٥/ ٤٠.
(٩ - ٩) سقط من: م.
١٨٥

الموطأ
الاستذكار ( وإن أكَل منه فلا تأكُّلْ، فإنما أمسَك على نفسِه)) (١).
وفى رواية مجالدٍ ، عن الشعبىِّ ، عن عدىِّ بنِ حاتم ، عن النبىّ عليه السلامُ
قال فى الكلبِ: ((وإن(١) قتَل ولم يأكلْ شيئًا، فإنما (*أمْسَكَه عليك))).
قال أبو عمرَ : قد عارَض حديثَ عدىٍّ هذا حديثُ أبي ثعلبةَ، (والظاهر أن
حديثَ أبي ثعلبةً" ناسخٌ؛ لقولِه فيه: وإن أكّل يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((وإن أكَل)).
و "الكلبُ المُعلَّمُ عند مالك ، وعندَ كلِّ مَن أجاز أكلَ صيدِه إذا أكل منه ، هو
أن يُشْلَى فِيَنْشَلِىَ ، ويُدْعى فيُجِيبَ، ويُزجرَ فيطيعَ، وليس تركَ الأكلِ عندَهم مِن
شرطِ التعليم . وأمّا الذين أَبُوا مِن أكلِ صيدِه إذا أكّل، فمِن شرطِ التعليم عندَهم ألا
يأكُلَ مع ما ذكرنا مِن الإجابةِ والإِشلاءِ) والطاعةِ . وقال الشافعىُّ والكوفيُّون:
إذا أُشْلِى فانشَلى ، وإذا أَخَذ حبَس ولم يأْكُلْ، وفعَل ذلك مرةً بعدَ مرةٍ أُكِل صيدُه
فى الثالثةٍ. ومنهم مَن قال : يفعلُ ذلك ثلاثَ مراتٍ ، ويؤكَلُ صيدُه فى الرابعةِ .
وقال غيره: إذا فعَل ذلك مرةً فهو مُعلَّمٌ، ويؤكّلُ صيدُه فى الثانيةِ .
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) أخرجه أحمد ١٣٣/٣٢ (١٩٣٩١)، والبخارى (١٧٥، ٥٤٧٦، ٥٤٨٦)، ومسلم
(٣/١٩٢٩)، وأبو داود (٢٨٥٤)، والنسائى (٤٢٨٣) من طريق شعبة به .
(٣) فى الأصل، م: ((إذا)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٤ - ٤) فى الأصل: ((فإنما أمسك على نفسه))، وفى م: ((فإنما ليس عليه أمسك على نفسه)) ..
وقوله: (( ليس عليه)). مضروب عليه فى الأصل . والمثبت من مصادر التخريج .
والحديث أخرجه أحمد ١٩٣/٣٠ (١٨٢٥٨)، وأبو داود (٢٨٥١)، والبيهقى ٢٣٨/٩ من
طريق مجالد به .
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل، م. والمثبت من تفسير القرطبى ٧٠/٦.
(٦) فى هـ: ((الانشلاء)).
١٨٦

مالكٌ، أنه سمِع بعضَ أهلِ العلم يقولون فى البازى والعُقابِ والصَّقْرِ الموطأ
وما أشبَهَ ذلك: إنه إذا كان مُعَلَّمًا يفقَهُ كما تفقَهُ الكلابُ المُعلَّمةُ ، فلا
بأسَ بأكل ما قتَلتْ ممَّا صادت ، إذا ذُكر اسمُ اللهِ على إرسالِها .
وأما الكلبُ (١) يشرّبُ مِن دم الصيدِ، فكرِهَه الشعبىُ والثورىُّ، وشبَّهاه الاستذكار
بأكْلِهِ . وقال عطاء وجمهورُ العلماءِ : ليس شُرْبُه مِن دم الصيدِ كأكلِه منه ، ولا
(٣)
بأسَ به(٢) .
مالكٌ ، أنه سمِع بعضَ أهلِ العلم يقولون فى البازِى والعُقَابِ والصَّقْرِ وما
أشبه ذلك: إنه إذا كان معلَّمًا(٤) يَفْقَهُ كَما تَفْقَهُ الكلابُ الْمُعَلَّمَةُ ، فلا بأسَ بأكلِ
ما قتَلتْ مما صادَتْ، إذا ذُكِر اسمُ اللهِ على إرسالِها .
قال أبو عمرَ: لا أعلم فى صيدٍ سباع الطيرِ المعلَّمةِ خلافًا أنه جائزٌ
كالكلبِ المعلّم سواءٌ، إلا مجاهدَ بنَ جبرٍ، فإنه كان يَكرَهُ صيدَ الطيرِ، ويقولُ:
إنما قال اللهُ تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ﴾ [المائدة: ٤]. فإِنما هى
الكلابُ(٢) . وخالَفه عامةُ العلماءِ قديمًا وحديثًا، فأجازوا الاصطيادَ بالبَازِى
٥)
القبس
(١) فى الأصل: ((الهر)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٨٥١٥)، وابن أبى شيبة ٨٤/٧ (طبعة الرشد ).
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٨٤/٧ (طبعة الرشد )، وتغليق التعليق ٥٠٤/٤ .
(٤) سقط من : م.
(٥ - ٥) سقط من: ح ، هـ .
(٦) لم أجد من ذكر هذا القول عن مجاهد ، وإنما جاء ذلك عن ابن عمر ، والسدى ، والضحاك ، وأما
قول مجاهد فمثل قول الجمهور، وينظر تفسير مجاهد ص ٣٠٠، ومصنف عبد الرزاق (٨٤٩٨)، ومصنف
ابن أبى شيبة ٣٦٥/٥، ٣٦٦، وتفسير ابن جرير ١٠٣/٨، ١٠٥، ١١٢ - ١١٤.
١٨٧

الموطأ
الاستذكار والشَّؤْذَنيقِ (١) وسائرِ سباع الطيرِ المُعَلَّمَةِ .
وروَى معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه فى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ
الْجَوَارِجِ مُكِِّينَ﴾. قال: الجوارحُ مِن الكلابِ، والبيزانِ، والصقورِ، والقُهُودِ ،
وما أشبهَها ().
قال أبو عمرَ: على هذا الناس١ُ). واختلف الفقهاءُ فى صيدِ البازِى، وما
كان مِثْلَه مِن سباع الطيرِ، يأكُلُ(٤) مِن صيدِه؛ فقال الجمهورُ: لا يَضُرُ ذلك
صيدَه، وهو ذكىٌّ كلَّهُ(٥) إذا قتَله وإن أكَل منه؛ لأن تَعْليمَه بالأكلِ .
وللشافعيّ فى هذه المسألةِ قولان؛ أحدُهما، أن البازىَ كالكلبٍ ، إن أكّل
مِن صيدِه فلا يأكلُ. والقولُ الثانى، أنه لا بأسَ بصيدٍ (١) سِبَاعِ الطيرِ،
أُكَلَتْ أو لم تأكُلْ.
قال أبو عمرَ : احتجَّ مَن كَرِه صيدَ البَازِى إذا أكل مِن أصحاب الشافعىِّ بما
حدَّثناه عبدُ الوارثِ، نا قاسم، نا بكرُ بنُّ حمادٍ ، نا مُسَدَّدٌ ، ناعيسى بنُ يونسَ ،
....
القبس
(١ - ١) سقط من: ح ، هـ .
(٢) فى م: ((الشوذتين)). والشوذنيق، والشَّؤْذق، والسُّوذانِقِ، والسّؤْذَنِيق: كلَّه الشاهين. ينظر
المعرب ص ٢٣٤.
(٣) فى الأصل، م: ((أشبههما)). والمثبت من مصدرى التخريج.
ب-
والأثر أخرجه عبد الرزاق (٨٤٩٧)، وابن جرير فى تفسيره ١٠٤/٨ من طريق معمر به .
(٤) فى م: ((فأكل )).
(٥) فى الأصل: ((أكله )).
(٦) فى ح، هـ: ((بأكل صيد)).
١٨٨

الموطأ
عن مجالدٍ، عن الشعبىِّ، عن عَدِىِّ بنِ حاتم، أنه سأل النبيَّ وَ لَهِ عن صيدِ الاستذكار
البازِى، فقال: ((ما أمسك عليك فكُلْ))(١).
قال : وهذا مثلُ قولِه(٢) فى الكلبِ .
قال أبو عمرَ : هذا لا حجةَ فيه ؛ لأنَّه محتمِلٌ للتأويلِ .
واحتجَّ أيضًا بما رواه ابنُ جريج عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، قال: ما يُصطادُ بالطيرِ؛
البِيزانِ وغيرِها، فما أدرَكتَ ذكاتَه فكلْ، وما لا فلا تَطعمه. قال: وأما الكلبُ
المعلّمُ ، فكلْ ما أمسَك عليك، وإن أكَل منه (١) . ففرّق بين البازِى والكلبِ.
قال أبو عمرَ : ليس هذا بشىءٍ ، بل هو حجةٌ عليه ؛ لأنه إذا أجاز أكْلَ ما
أكَل الكلبُ منه ، فأحرّى أن يُچِیزَ اكْلَ ما أُكَلَ البازِی منه. وهذا عندِی غیرُ
صَحِيحٍ عنه(٤)، إلا أنْ يكونَ البَازِى لم يُنْفِذْ مقاتِلَه، وكان قادرًا على تذكيتِه
فترَكه . وقد روَى سعيدُ بنُ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ قال : إذا أكَل الكلبُ المعلَّمُ فلا
تأكلْ، وأما الصقرُ والبازِى، فإن أكَل فكَلْ(٥). ولا مخالفَ له من الصحابةِ من
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٦/٥، والترمذى (١٤٦٧)، وابن جرير فى تفسيره ١٠٦/٨ من طريق
عیسی بن یونس به .
(٢) فى م: ((قولك)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٥١٩)، وابن أبى شيبة ٥/ ٣٦٥، وابن جرير فى تفسيره ١٠٥/٨ من
طريق ابن جريج به .
(٤) فى الأصل: ((والله أعلم )).
(٥) أخرجه محمد بن الحسن فى كتاب الآثار (٨٢٦)، وعبد الرزاق (٨٥١٤) من طريق سعيد بن
جبير به .
١٨٩

قال مالكٌ : أحسنُ ما سمِعتُ فى الذى يتَخلِّصُ الصيدَ من مخالبٍ
الموطأ
البازِى أو من فى الكلبِ ، ثمَّ يتربَّصُ به فيموتُ - أنه لا يَحِلُّ أكلُه .
قال مالكٌ : وكذلك ما قُدِرَ على ذبحِه وهو فى مخالبِ البازِى أو
فی فی الکلب ، فیتر کُه صاحبه وهو قادرٌ على ذبحِه حتى يَقتُلَه البازى أو
الكلبُ ، فإنه لا يَحِلُّ أكلُه .
قال مالك : و کذلك أيضًا الذی یرمی الصيدَ ، فینالُه وهو حىٌّ ،
فيُفرِّطُ فى ذبحِه حتى يموتَ ، فإنه لا يَحِلُّ أكلُه .
الاستذكار وجهٍ يصِحُ . وقال الحسنُ وإبراهيمُ النخعىُّ فى البَازِى والصَّقرِ: إِن أكَلا فكُلْ،
إنما تَعْلِيمُه أكلُهُ(١) .
قال مالكٌ: أحسنُ ما سمِعتُ فى الذى يتخلَّصُ الصيدَ مِن مَخالِبِ الباِى
أو مِن الكلبِ ثم يَتَرَبَّصُ به فيَمُوتُ ، أنه لا يَحِلُّ أكلُه.
قال مالك : و کذلك كلُّ ما قُدِر علی ذبحه، وهو فى مخالب البازِی أو فى
فِی الکلب ، فیتر کُه صاحبُه وهو قادرٌ على ذبحه ، حتى يقتُلَه الكلبُ أو البازِى،
فإنه لا يَحِلُّ أکلُه .
قال مالكٌ: وكذلك الذى يَزْمِى الصيدَ، فينالُه وهو حَىٍّ، فيفَرِّطُ فى ذَبْجِه
حتى يموتَ ، فإنه لا يَحِلُّ أکلُه .
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٦٧/٥، وتفسير ابن جرير ١١٢/٨، ١١٣.
١٩٠

قال يحيى : قال مالكٌ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا ، أن المسلمَ الموطأ
إذا أرسَل كلبَ المجوسيِّ الضارىَ ، فصاد أو قتَل ؛ أنه إذا كان
مُعَلَّمًا ، فأكلُ ذلك الصيدِ حلالٌ لا بأسَ به وإن لم يُذَكَّه المسلمُ ،
قال أبو عمرَ : على قولٍ مالكِ هذا جمهورُ الفقهاءِ، كلَّهم يقولُ : إذا مات الاستذكار
الصیدُ قبلَ أن يُمکِنَہ ذبحه جازً ا کلُه، وإن أمكنه ذبحه ، فلم يفعلْ حتی مات ،
لم يأكلْه . وممن قال بهذا؛ الليثُ بنُ سعدٍ ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ، وأحمدُ ،
وإسحاقُ، وأبو ثورٍ . وهو قولُ الحسنِ وقتادةً (١) . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : إذا
حصَلَ الصيدُ فى يدِه حَيًّا مِن فِى الكلبِ أو السهم(١، ولم يُذَكِّهِ ، لم يُؤْكلْ،
سواءٌ قدَر على تَذْكِيتِهِ أو لم يَقْدِرْ. وقد قال الليثُ : إن ذهَب يُخرِجُ سكينَه مِن
جِفْنِه(٢) أو خُفِّه، فسبقه بنفسِه فمات أكّله، وإن ذهَب يُخرجُ سكينَه مِن
خُرْجِه (٤)، فماتَ قبلَ أن يُخرِجَه، لم يأكلْه. وقد روِى عن إبراهيمَ النخعىِّ
والحسن البصرىِّ فى هذه المسألةِ قولٌ شادٌّ ، قالا: إذا لم تكنْ معك حديدةٌ ،
فأرسِلْ عليه الكلابَ حتى تقتُلَه(٥).
قال مالكٌ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا، أن المسلمَ إذا أرسَل كلبَ
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٥٠٤ - ٨٥٠٦) .
(٢) فى الأصل، م: ((الصيد لسهم))، وفى ح: ((لسهم)).
(٣) فى ح، هـ، م: ((حقبه)). والجفن: الغمد. ينظر النهاية ١/ ٢٨٠.
(٤) الخُرْجُ؛ وعاء من شعَر أو جلد، ذو عِذْلين ، يوضع على ظهر الدابة لوضع الأمتعة فيه . الوسيط
(خ ر ج، ع د ل ).
(٥) ينظر بداية المجتهد ٢٦٥/٦.
١٩١

الموطأ وإنما مَثلُ ذلك مَثلُ المسلم يَذْبَحُ بِشَفْرةِ المجوسيِّ، أو يَرْمى
بقَوْسِه أو بنَثْلِه ، فيقتلُ بها ، فصيدُه ذلك وذبيحتُه حلالٌ لا بأسَ
بأكله .
وقال مالكٌ: وإذا أرسَل المجوسيُّ كلبَ المسلم الضارىَ على
صيدٍ فأخَذه، فإنه لا يؤكلُ ذلك الصيدُ إلا أن يُذَكَّى، وإنما مثَلُ ذلك
مثَلُ قوسٍ المسلمِ ونبلِه يأخُذُها المجوسيُّ فِيَزْمى بها الصيدَ فيَقتُلُه ،
وبمنزلةٍ شفرةٍ المسلم يَذْبَحُ بها المجوسيُّ ، فلا يَحِلّ أكلُ شيءٍ من
ذلك .
الاستذكار المجوسيِّ الضَّارِىَ، فصاد به وقتَل، فأكْلُ ذلك الصيدِ حلالٌ لا بأسَ به ، إذا
كان الكلبُ معلَّمًا ، وإن لم يُذَكِّهِ المسلمُ ، وإنما مَثَلُ ذلك مَثَلُ المسلم يذبح
بِشَفْرَةِ المجوسيِّ ، أو يَوْمِى بقوسِه أو بنَئِلِه ، فيقتُلُ بها ، فصيدُه ذلك وذييحتُه
حلالٌ لا بأسَ بأكلِه .
قال مالكٌ: وإذا أرسل المجوسيُّ كلبَ المسلم الضَّارِىَ على صيدِه
فأخَذه، فإنه لا يُؤْكلُ ذلك الصَّيْدُ ، إلا أنْ يُذَكَّى، وإنما مَثَلُ ذلِك مَثَلُ قوسٍ
المسلم ونَثْلِه يأخذُها المجوسيُّ فيَرمى بها الصيدَ فيقتلُه، أو شَفْرةِ المسلم یذبحُ
بها المجوسيُ ، فلا يَحِلُّ أكلُ شىءٍ مِن ذلك .
قال أبو عمرَ : الخلافُ فى ذبائح المجوسيِّ ليس بخلافٍ عندَ أهلِ العلم ،
والفقهاءُ أئمةُ الفَتْوى مُتَّفِقُون على ألا تُؤْكلَ ذبائحُهم ولا صيدُهم، ولا تُنكَحَ
القبس
١٩٢

الموطأ
نساؤُهم ، مَن قال منهم : إنهم كانوا أهلَ كتابٍ . ومَن أنكَر ذلك منهم ، كلَّهم الاستذكار
يقولُ: لا تُنكَحُ نساؤُهم، ولا تُؤْكَلُ ذبائحُهم ولا صيدُهم. على هذا مضَى
جمهورُ العلماءِ مِن السلفِ، وهو الصحيحُ عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ .
روَى معمرٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ فى المسلمِ يستعيرُ كلبَ
المجوسيِّ، فيرسلُه على الصيدِ ، قال: كُلْه، فإن كلتَه مثلُ شَفْرتِه . قال قتادةُ :
وکرِهه الحسنُ(١).
قال أبو عمرَ: على جَوَازِ صيدِ المسلم بكلبِ المجوسيِّ وسلاحِه،
جماعةُ السلفِ ، وتابَعهم الجميعُ مِن الخلفِ، وشذَّ عنهم مَن لزِمته الحُجَّةُ
فى الرجوع إليهم، فلم يُعَدَّ قولُه خلافًا، وهو أبو ثورٍ، قال فى المسلمِ يأمرُ
المجوسىَّ بذبحٍ أُضحيته: إنها تُجزئُه وقد أساء. وقال فى الكتابىِّ يَتَمَسَّسُ:
إنه جائزٌ أكلُ ذبيحته. وقال فى موضعٍ آخرَ: فى(١) صيدِ المجوسئِّ قولان؛
أحدُهما، أنه يجوزُ كصيدِ الكتابىِّ وذبيحتِه؛ لأنه مِن أهلِ الكتابِ.
والثانى، أنه لا يجوزُ أكلُ صيدِه. كقولٍ جمهورِ المسلمين. وأما صيدُ
المسلمِ بكلبِ المجوسيِّ، فالاختلافُ فيه قديمٌ، كرِهَته طائفةٌ ولم تُجِزْه ،
وأجازه آخرون. فممن كرِهه، جابرُ بنُ عبدِ اللهِ صاحبُ رسولِ اللَّهِ أَهِ،
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٨٤٩١) عن معمر به .
(٢) فى الأصل، م: ((من)). والمثبت من تفسير القرطبى ٦/ ٧٣.
١٩٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٣/١٣)

الموطأ
الاستذكار والحسنُ البصرىُّ، وعطاءٍ، ومجاهدٌ، وإبراهيمُ النخعىُ(١)، وسفيانُ
الثورىُّ. وإليه ذهَب إسحاقُ بنُ راهُويَه. وحُجَّةُ مَن ذهَب إلى هذا ظاهرُ
قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ تُعَلُّونَهُنَّ مِمَا عَلََّكُمُ
اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]. فخاطَب المؤمنَ بهذا الخطابِ، فإن لم يكنِ المُعَلِّمُ
للكلبِ مؤمنًا لم يَجُزْ صيدُه. ومِن حُجَّتِهم أيضًا ما رواه وكيع، (عن
شَريك١، عن الحجاجِ، عن القاسمِ بنِ أبى ◌َزَّةً، عن سليمانَ اليَشْكُرِىِّ،
عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: نُهِينا عن صيدٍ كلبِ المجوسيِّ . وخالفهم
آخرون فقالوا: تعليمُ المجوسيِّ له وتعليمُ المسلمِ سواءٌ، وإنما الكلبُ كآلَةٍ
الذبح والذَّكَاةِ . وممن ذهَب إلى هذا ؛ سعيدُ بنُ المسيَّبِ ، وابنُ شهابٍ،
والحكمُ، وعطاءٌ، وهو الأصحُ عنه، إن شاء اللهُ(٤). وهو قولُ مالكٍ،
والشافعيِّ، وأبى حنيفةً، وأصحابِهم. وكان الحسنُ البصرىُّ يكرهُ الصيدَ
بكلبِ "المجوسيّ واليهودىِّ°) والنصرانيّ). وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: أمَّا
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٤٩١، ٨٤٩٤، ٨٤٩٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٦١/٥ -
٣٦٣، والمحلى ٢٢٥/٨.
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصدرى التخريج.
(٣) أخرجه الترمذى (١٤٦٦)، وابن ماجه (٣٢٠٩) من طريق وكيع به.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٤٩١ - ٨٤٩٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٦١/٥، ٣٦٢.
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((المجوسى))، وفى ح، هـ: ((اليهودى)). والمثبت كما فى مصدر التخريج.
(٦) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٦٢/٥.
١٩٤
.
٦

الموطأ
كلبُ اليهودىِّ والنصرانيّ فهو أهونُ. وقال إسحاقُ: لا بأسَ أن يصيدَ الاستذكار
المسلمُ بكلبِ اليهودىِّ والنصرانىِّ .
قال أبو عمرَ : لما أجمَع الجمهورُ الذين لا يجوزُ عليهم تحريفُ الكتابِ ،
وهم الحُجَّةُ على مَن شذَّ عنهم، أن ذبحَ المجوسيِّ بشفْرةِ المسلمِ ومُذْيَتِه
واصطيادَه بكلبِ المسلم، لا يُحِلُّ - علِمنا أن المُراعاةَ والاعتبارَ إنما هو دينُ
الصائدِ والذابح لا آلتُه ، وباللهِ التوفيقُ. وأما اختلافُ العلماءِ فى ذبائحِ الصائِين
والسَّامِرَةِ وصيدِهم؛ فقال الكوفيون: لا تُؤْكلُ ذبائحُ الصائِين، والمجوسِ،
والشَّامرةِ (١) ، فليسوا أهلَ كتابٍ . وقال الشافعىُّ: لا تُؤْكلُ ذبائحُ الصابئين ولا
المجوس .
قال: وأما السَّامِرةُ فهم مِن اليهودِ ، فتؤكلُ ذبائحُهم ، إلا أنه يُعلمُ أنهم
يُخالِفونهم فى أصلِ ما يُحرّمون مِن الكتابِ ويُحِلُّون ، فلا تُؤْكلُ ذبائُهم
كالمجوسِ. قال: وإن كان الصابئون (٢ والسامرة٢ُ) مِن بنى إسرائيلَ يَدِينون
بدينِ اليهود والنصارى، أُنكِح نساؤهم، وأُكلت ذبائحُهم. قال: وأما
المجوسُ فكانوا أهلَ كتابٍ، فتؤخذُ منهم الجزيةُ؛ لسُنَّةِ رسولِ اللهِ وَه، ولا
تُؤْكلُ لهم ذبيحةٌ ، ولا تُنكحُ منهم امرأةٌ. وعلى هذا أخَذ رسولُ اللهِ وَهِ الجزيةَ
مِن مجوسٍ هجَرَ (١).
القبس
(١) فى الأصل: ((الصابرة))، وفى ح، هـ: ((السامرية)).
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ .
(٣) فى النسخ: ((نجران)). والمثبت مما تقدم فى ٥٣١/٨.
١٩٥

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ: رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى الصابئين: هم قومٌ بينَ
المجوسِ واليهودِ، لا تحِلَّ نساؤهم، ولا تُؤْكلُ ذبائحُهم (١). وقال مجاهدٌ :
الصابئون قومٌ مِن المشركين لا كتابَ لهم(٢).
وذكَر عبدُ الرزاقِ (١) وغيرُه، عن الثورىِّ، عن بُرْدِ بنِ سنانٍ، عن عُبادةَ بنِ
نُسَىٍّ، عن غُطَيفِ بنِ الحارثِ ، قال: كتَب عاملُ عمرَ إلى عمرَ: إِن ناسًا
يُدْعَون الشَّامِرةَ ، يقرءُون التوراةَ ، ويَسْبِتُون السبتَ، ولا يؤمنون بالبعثِ ، فما
ترى فى ذبائحِهم؟ فكتَب إليه عمرُ: إنهم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ ، ذبائحُهم
ذبائځ أهل الكتاب.
قال أبو عمرَ: ولا يجىءُ هذا الخبرُ عن عمرَ إلا(٤) بهذا الإسنادٍ. واللَّهُ
أعلمُ . وجوابُ الشافعىّ فى السَّامِرةِ جوابٌ حسنٌ، ولا أحفظُ فيهم عن مالكٍ
قولًا . والذى يدُلُّ عليه ظاهرُ القرآنِ أن الصابئين غيرُ اليهودِ، وغيرُ النصارى،
وغيرُ المجوسِ، قال اللهُ تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ
وَالصَِّينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوْسَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ [الحج: ١٧]. ففصَل
بينَهم، وقال: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٢٠٨).
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٥/٢.
(٣) عبد الرزاق (٨٥٧٦، ١٠٠٤٣، ١٢٧٢١).
(٤) سقط من: ح، هـ .
١٩٦

الموطأ
ما جاء فى صيدِ البحرِ
١٠٨١ - مالكٌ، عن نافعٍ، أن عبد الرحمنِ بنَ أبى هريرةَ سأل
عبدَ اللهِ بنَ عمرَ عمَّا لفَظ البحرُ، فنهاه عن أكلِه . قال نافعٌ: ثمَّ انقلَب
عبدُ اللهِ فدعا بالمصحفِ، فقرَأ: ﴿أُعِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾
[المائدة: ٩٦]. قال نافعٌ: فأرسَلنى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ إلى عبد الرحمنِ بنِ
وَالْإِنِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]. وقولُه: ﴿إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن الاستذكار
قَبْلِمَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]. وقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُ﴾ (١)
[المائدة: ٥]. يعنى ذبائحَهم بإجماع مِن أهلِ العلمِ بتأويلِ القرآنِ، وصيدُهم فى
معنی ذبائحهم . وبالله التوفيقُ .
بابُ ما جاء فى صيدِ البحرِ
١
مالكٌ ، عن نافعٍ، أن عبد الرحمنِ بنَ أبى هريرةً(٢) سأل عبدَ اللهِ بنَ
عمرَ عما الفَظ البحرُ، فتَهاه عن أكلِه . قال نافعٌ: ثم انقلَب عبدُ اللهِ بنُّ
عمرَ فَدَعا بالمصحفِ، فقرَأ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. قال
القبس
بابُ ما جاء فى صيدِ البحرِ
أما صيدُ البحرِ فهو حلالٌ على الإطلاق؛ قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ
(١) بعده فى الأصل: ((وقول))، وبعده فى م: ((وقوله)).
(٢) فى الأصل: ((عمر)).
۔
١٩٧

الموطأ أبى هريرةَ : إِنه لا بأسَ بأكلِه .
الاستذكار نافعٌ: فأرسَلنى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ إلى عبد الرحمنِ بنِ أبى هريرةَ : إنه لا بأسَ
بأكلِه(١).
قال أبو عمرَ: كان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ، واللهُ أعلمُ ، يذهبُ فيما لفَظ البحرُ
اُلْبَحْرِ وَطَعَامُ﴾. فقوله: ﴿صَيْدُ﴾(٢): ما حُووِلَ(٣) بعملٍ، وقولُه: ﴿وَطَعَامُهُ﴾:
القبس
ما لفَظه البحرُ ولم يحاوَلْ أخذُه بعملٍ، وكذلك تأؤَّله عبدُ اللهِ بنُ عِمرَ. وقال
أبو حنيفةً وغيرُه: ما لفَظه البحرُ لا يؤكّلُ، ومعنى قولِه تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ .
يعنى: أُحِلِّ لكم صيدُ البحرِ وأكلُه. وهذا عِىٌّ لا يليقُ بكلام البارئُّ سبحانه
وتعالى، وتعلَّق مَن رأى(٥) ذلك بأحاديثَ لا أصلَ لها؛ أمْثَلُها(٦) ما روَى أبو
داودَ، عن جابرٍ، عن النَّبِىِّ وَ أَنَّه قال: ((ما أَلْقَاه البحر أو جزَر(٧) عنه فكُلوه،
وما طفاً فلا تأكُلُوه) (١). وقد ضعَّفه أبو داودَ، والصحيحُ ما رُوى عن
(١) الموطأ برواية ابن زياد (١١٦)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٤٩)، وبرواية يحيى بن بكير
(١٥/١٣و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٦١). وأخرجه البيهقى ٢٥٥/٩، والخطيب فى
الفقيه والمتفقه (١٢١٠) من طريق مالك به .
(٢) فى د، ج: ((صيده)).
(٣) فى د: ((حومل))، وفى ج، م: ((حول)). والمثبت يقتضيه السياق، وما سيأتى من قوله:
يحاول .
(٤) سقط من : ج ، م .
(٥) فى د: ((زاد)).
(٦) فى النسخ: ((أمثالها)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٧) فى د، م: ((خرج))، وفى ج: ((جرز)). والمثبت من مصدر التخريج . وجزر عنه : أى
انكشف عنه الماء من حيوان البحر . النهاية ٢٦٨/١ .
(٨) فى د: ((طغا)).
(٩) تقدم تخريجه فى ٤٩٠/٢، ٤٩١ .
١٩٨

الموطأ
مذهبَ مَن كرِهه، ثم رجَع إلى ظاهرِ القرآنِ وعمومِه فى قوله تبارك الاستذكار
اسمُه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ﴾. وقد اختلَف
العلماءُ فى تأويلٍ ذلك؛ فروَى وكيع، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيمىِّ،
عن أبى مِْلَزٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: طعامُه ما لفَظ به. أو قال: قذَف
به (١).
وابنُ المباركِ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال :
طعامُه ما ألقَى(٢). وهو قولُ إبراهيمَ فيما قذَف، وكان يكرهُ الطَّافِئَ(٣).
وقال محمدُ بنُ كعبِ القُرَظُّ، عن ابنِ عباسٍ : طعامُه ما لفَظ به، فَأَلْقاه
القبس
النبيِّ بَّهِ، أنه قال فى البحرِ: ((هو الطَّهُورُ ماؤُه الحِلُّ مَيَتُه))(٤). رواه مالكٌ
وغيرُه. وفى ((الصحيحِ)) ) عن جابرٍ، أنهم خرجوا فى غزوةِ السّيفِ(١) مع أبى
عبيدةَ، فقَنِى زادُهم على صفةٍ ذكّرها، فَأَلْقَى لهم البحرُ محُوتًا يقالُ له: العَنْبَرُ.
فأكَلوا منه شهرًا وادَّهَنوا وشَبِعوا وسَمِنوا، وجاءُوا منه بفاضلةٍ إلى المدينةِ ،
وسأَلُوا عنه رسولَ اللهِ وَ لِهِ، وأهدَوْا إليه منه فأكَله(٧) .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٣/٥ عن وكيع به .
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٧٢٨/٨، ٧٢٩ من طريق عبيد اللّه به.
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٨٠/٥.
(٤) تقدم فى الموطأ (٤٠) .
(٥) البخارى (٤٣٦٠ - ٤٣٦٢). وينظر ما تقدم فى ٤٩٢/٢، ٤٩٣، وما سيأتى فى شرح
الحديث (١٧٩٦) من الموطأ .
(٦) السّيف: ساحل البحر . ينظر النهاية ٤٣٤/٢.
(٧) بعده فى د: ((تم بحمد الله تعالى)).
١٩٩

الموطأ
الاستذكار مَيْئًا . وعن زيدِ بنِ ثابتٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وعبدِ الله بن عمرو بنِ
العاصى، وعمرَ بنِ الخطابِ، وأبى هريرةَ مثلُهُ(٢). وبه قال(٤) عطاء(٥)،
وطائفةٌ مِن التابعينَ .
وروَى معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المَسيَّبِ ، قال: صيدُ البحرِ
طَرِيُّه، ما اصطدتَه طريًّا، وطعامُه ما تزوَّدتَه مملوحًا (٢).
وهو قولُ مجاهدٍ ، وسعيدِ بنِ جبيرٍ، وأبى مالكٍ، وإبراهيمَ النخعيِّ،
وطائفةٍ(٧) . وقد ژُوِی عن ابنِ عباسٍ مثلُه(٨).
قال أبو عمرَ: مَن ذهَب إلى ("أن طعامَه ما كان) مملوحًا، کرِه مامات
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٢/٥ من طريق محمد بن كعب القرظى به .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((عمرو بن العاص))، وفى ح، هـ: ((عمر))، وفى م: ((عمر وابن العاص)).
والمثبت كما فى مصادر التخريج .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٤٨٩/٢ .
(٤) بعده فى ح، هـ ، م: (محمد بن كعب و)) .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٦٩).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٥١)، وفى تفسيره ١٩٤/١، وابن جرير فى تفسيره ٧٢٤/٨، ٧٢٥،
٧٣٣ من طريق معمر به .
(٧) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٨٣/٥، وتفسير ابن جرير ٧٢٤/٨، ٧٢٥، ٧٣١ - ٧٣٣،
وتفسير ابن أبى حاتم ٤/ ١٢١٠، ١٢١١.
(٨) أخرجه سعيد بن منصور (٨٣٤ - تفسير )، وابن جرير فى تفسيره ٧٢٣/٨، ٧٣١، وابن أبى
حاتم ١٢١٠/٤، ١٢١١ (٦٨٢٨، ٦٨٣٥).
(٩ - ٩) فى النسخ: ((طعامه)). والمثبت يقتضيه السياق.
٢٠٠