Indexed OCR Text

Pages 101-120

·
الموطأ
ابنُ عثمانَ بنِ ثَابتِ الصيدلانيُ ببغدادَ، قال: حدَّثنی إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، الاستذكار
قال : حدَّثنى علىُّ بنُ المدينىِّ ، قال: حدَّثنى يحيى بنُ سعيدٍ ، عن هُشيم ، عن
أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الأيامُ المعلوماتُ أيامُ
العشرِ، والمعدوداتُ أيامُ التشريقِ (١) . قال علىّ: هذا الحديثُ رواه شعبةُ،
عن هُشيمٍ، ولم يسمغه مِن أبى بشرٍ) .
والقولُ الثانى، أن الأيامَ المعلوماتِ يومُ النحرِ ويومان بعدَه . رُوِى ذلك
عن ابنِ عمرَ مِن وجوهٍ . وبه قال مالكٌ وأصحابُه وأبو يوسفَ القاضى . ورُوِّینا
أيضًا عن مالك وأبى يوسفَ أنهما قالا : الذى نذهبُ إليه فى الأيامِ المعلوماتِ
أنها أيامُ النحرِ، يومُ النحرِ ويومان بعدَه ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ
اللَّهِ فِيّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ [الحج: ٢٨]. فعلى
قول مالك ومن تابعه یومُ النحرِ معلومٌ ؛ أى مِن المعلوماتِ ، ليس بمعدودٍ ؛ أى
ليس مِن المعدوداتِ ، واليومان بعدَه معدوداتٌ معلوماتٌ على ما وصَفنا .
وأما اختلافُ العلماءِ فی أیام الأضحى فاختلافٌ مُتباين جدًّا ؛ ژُوِى عن ابنِ
سيرينَ أنه قال : الأضحى يومٌ واحدٌ ؛ يوم النحرِ خاصةً ، وهو اليومُ العاشرُ مِن ذى
.(٣)
الحِجَّةِ(١) .
القبس
(١) أخرجه ابن حزم ٤٣٤/٧ من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣/ ٥٤٩-
مقتصرًا على الأيام المعدودات - والبيهقى ٢٢٨/٥ من طريق هشيم به .
(٢ - ٢) سقط من: ح ، هـ.
والأثر أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣/ ٥٥٠، من طريق شعبة به .
(٣) تقدم ص ٤٧ .
١٠١

الموطأ
الاستذكار
وعن سعيد بن جبيرٍ وجابرٍ بن زيدٍ ، أنهما قالا: النحرُ فى الأمصارٍ يومٌ
واحدٌ ، و(٢) فى منّى ثلاثةُ أيامٍ))(٣) .
وقال مالكٌ ، وأبو حنيفةً ، والثورىُّ، وأصحابُهما : الأضحَى ثلاثةُ أيامٍ ؛ يومُ
النحرِ ويومان بعدَه . وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ ؛ قال أحمدُ : الأضحَى ثلاثةُ أيامٍ ؛
يومُ النحرِ ويومان بعدَه، عن غيرٍ واحدٍ مِن أصحابِ النبيِِّوَله .
« قال أبو عمر : ژُوِی ذلك عن على بن أبى طالبٍ ، وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ،
وابنِ عمرَ، وأبى هريرةَ ، وأنسٍ بنِ مالكِ(١٤)، إلا أنه اختُلِف فى ذلك عن علىٍّ،
وابن عباسٍ، وابنٍ عمرَ ؛ فرُوِى عنهم ما ذكَّر أحمدُ ، ورُوِى عنهم: الأضحى
أربعةُ أيامٍ ؛ يومُ النحرِ وأيامُ التشريقِ كلّها (°). ولم يُختلفْ عن أبى هريرةَ وأنسٍ فى
أن الأضحَى ثلاثةُ أيامٍ. وقال الأوزاعىُّ والشافعىُّ وأصحابُه: الأضحَى أربعةُ
أيامٍ ؛ يومُ النحرِ وأيامُ التشريقِ كلُّها ؛ ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ . وهو قولُ ابنٍ
شهابٍ الزهرىِّ، وعطاءٍ، والحسنٍ(٢) . " وروِى ذلك أيضًا عن علىٍّ، وابنٍ
عمرَ، وابنِ عباسٍ. والأصحُ عن ابنِ عمرَ: الأضحَى ثلاثةُ أيامٍ ؛ يومُ النحرِ
ويومان بعدَه . واختُلِف عن عطاءٍ على هذين القولين . وأما الحسنُ البصريىُّ(١)
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢) ليس فى : الأصل. والمثبت مما تقدم ص ٤٧.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٧.
(٤) ينظر سنن البيهقى ٢٩٧/٩، والمحلى ٤٣/٨، ٤٤ .
(٥) ينظر سنن البيهقى ٢٩٦/٩، والمحلى ٤٤/٨، ٤٥ عن ابن عباس.
(٦ - ٦) كذا هذه العبارة فى: الأصل، م. وهى تكرار لما سبق قريبا.
١٠٢

الموطأ
)
الاستذكار
فرُوِى عنه فى ذلك ثلاثُ رواياتٍ ؛ إحداها كما قال مالكٌ: يوم النحرِ ویومان
بعدَه . والثانيةُ كما قال الأوزاعىُّ والشافعىُّ: يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَه . ورُوِى
عنه : الأضحَى إلى آخرٍ يوم مِن ذى الحجةِ، فإذا أَهَلَّ هلالُ المحرّم فلا أضحَى (١).
والأشهرُ عن عطاءٍ ما قاله الشافعىُ فى الأضحَى ؛ أنه يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَه .
وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. وهو مذهبُ المكيِّينُ ). ورُوِى ذلك عن أبى سعيد
(٤)
الخدرىِّ(٤).
ورَوى(٥) محمدُ بنُ نَصرِ المروزىُّ، قال: حدَّثنی حميدُ بنُ مَسعدةَ ، قال :
حدَّثنى سعيدُ بنُ زُريعٍ، عن حبيبٍ المعلِّمِ ، عن عطاءٍ، قال: أيامُ النحرِ أربعةٌ
أيامٍ ؛ يومُ النحرِ وأيامُ التشريقِ كلُّها .
قال : وحدّثنی یحیی بنُ یحیی ، قال: حدّثنی مُشیمٌ، عن يونسَ، عن
الحسنِ ، قال: أيامُ النحرِ ثلاثةٌ بعدَ يومٍ النحرِ() .
ورُوِى عن قتادةً : يومُ النحرِ وستة أيامٍ بعدَه(٧) .
وذكَر عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، وابنُ جريجٍ ، عن
عطاءٍ، قالا : الذبحُ أيامُ منّى كلُّها ) .
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
(٢) ينظر تفسير القرطبى ٤٣/١٢.
(٣) فى الأصل، م: ((المدنيين)).
(٤) أخرجه البيهقى ٩/ ٢٩٦.
(٥) فى س: ((ذكر))، وبعده فى الأصل، م: ((ذلك عن)).
(٦) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٥٥٢/٣ من طريق يونس بنحوه .
(٧) تقدم ص ٤٧ .
١٠٣

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : الحُجَّةُ لمَن ذهَب هذا المذهبَ حديثُ جبيرِ بنِ مُطعِمٍ ، عن
النبيِّ وَِّ، أنه قال: ((كلُّ فِجاج مكةَ مَنْحَرٌ، وكلَّ أيام التشريقِ ذَبْخ)). رواه
سليمانُ بنُ موسى ، عن ابنٍ أبى حسينٍ ، عن نافعٍ بنِ جبيرِ بنِ مُطعِمٍ، عن
(١
أبيه١) " عن النبيِّ ◌ََّ، وقد اختُلِف عن سليمانَ بنِ موسى فى إسنادٍ هذا
الحديثِ() ، فروى عنه منقطعًا ومتصِلاً . واضطُرب عليه أيضًا فى ابنٍ أبى حسينٍ
- وسليمانُ بنُ موسى وإن كان أحد أئمةِ أهلِ الشامِ فى العلم ، فهو عندَهم سيِّئُ
الحفظِ - ولهذا قيل عنه : (عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى حسينٍ . وقيل:
عبدُ الرحمنِ بنُّ أبى حسينٍ . وربَّما لم يذكُرْ نافعَ بنَ جبيٍ(٤) .
وقد أجمع العلماءُ على أن يومَ النحرِ يومُ أضحَى، وأجمعوا على أن لا
أضحی بعدَ انسلاخ ذى الحِجَّةِ .
ولا يصِخُ عندى فى هذه المسألةِ إلا قولان؛ أحدُهما، قولُ مالكٍ
والكوفيّين: الأضحى يومُ النحرِ ويومان بعدَه. والآخرُ، قولُ الشافعيّ
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل ، م .
(٣ - ٣) فى الأصل: ((عبد الرحمن بن أبى حسن))، وفى م: ((عبد الرحمن بن أبى حسين)).
(٤) أخرجه أحمد ٣١٦/٢٧، ٣١٧ (١٦٧٥١، ١٦٧٥٢)، والبيهقى ٢٣٩/٥، ٢٩٥/٩ من
طريق سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم ليس فيه: ((ابن أبى حسين عن نافع بن جبير)) . وأخرجه
البزار (٣٤٤٤)، وابن حبان (٣٨٥٤)، والبيهقى ٢٩٥/٩، ٢٩٦ من طريق سليمان بن موسى،
عن عبد الرحمن بن أبى حسين، عن جبير بن مطعم. ليس فيه: ((نافع بن جبير)). وأخرجه البزار
(٣٤٤٣)، والطبرانى (١٥٨٣)، والبيهقى ٢٣٩/٥، ٢٩٦/٩ من طريق سليمان بن موسى، عن
نافع بن جبير ، عن أبيه. ليس فيه: (( ابن أبى حسين)).
١٠٤

١٠٦٤ - مالك ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر لم یکُنْ يُضِی
عمَّا فى بطنِ المرأةِ .
الموطأ
والشاميِّين : يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَه . وهذان القولان قد رُوِيا عن جماعةٍ مِن الاستذكار
أصحابِ النبيِّ وََّ، واختُلِف عنهم فيهما. وليس عن أحدٍ مِن الصحابةِ خلافُ
هذين القولين ، فلا معنَى للاشتغالِ بما خالَفهما؛ لأن ما خالَفهما لا أصلَ له فى
السُّنَّةِ ولا فى قولِ الصحابةِ ، وما خرَج عن هذين القولين فمتروٌ لهما .
وكان مالكٌ لا يرى أن يُضَخَّى بليلٍ، قال: لا يُضَحِّى أحدٌ بليلٍ؛ لأن اللهَ
عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَّهُم مِّنْ
بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ [الحج: ٢٨]. فذكَر الأيامَ دونَ الليالى. وكرِه ذلك أبو
جعفرٍ الطبرىُّ، وقال الشافعىُّ وأبو حنيفةً وأصحابُهما: لا بأسَ بالضحيَّةِ
تُذْبِحُ ليلاً فى أيامِ النحرِ، ولا يجوزُ ذلك ليلةَ يومِ النحرِ؛ لأن اللهَ عزَّ وجلَّ
ذكَر الأيامَ والليالىَ، ( وإذا ذكَر الليالىَ فالأيامُ تَبَعْ لها. وهو قولُ إسحاقَ
وأبی ثورٍ .
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ لم يكنْ يُضحِّى عما فى بطنٍ
(٢)
المرأةٍ(٢) .
قال أبو عمرَ : الاختلافُ فى الضحيَّةِ عما فى بطنِ المرأةِ شذوذٌ . وجمهورُ
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ، م. وفى الأصل: ((وإذا ذكر الأيام والليالي)).
(٢) الموطأ برواية ابن زياد (٥)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٣٢)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/١٣ و -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٣٩)، وأخرجه البيهقى ٢٨٨/٩ من طريق مالك به .
١٠٥

الموطأ
قال يحيى : قال مالك: الضحيةُ سُنَّةٌ وليست بواجبةٍ ، ولا أُحِبُ
لأحدٍ ممَّن قوى على ثمنها أن يتركها .
الاستذكار العلماءِ على ما رُوِى عن ابنِ عمرَ فى ذلك .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمر ، أنه کان لا یضخّی عن حبل، و کان یضحّی عن ولدِه الصغار والكبارِ ،
ويَعُقُّ عن ولدِه كلِّهم .
القبس
(١) عبد الرزاق (٨١٣٦).
١٠٦

کتابُ الذبائحِ
الموطأ
التمهيد
القبس
کتابُ الذبائحِ
إن الله تبارك وتعالى شرّف الآدمىّ، خلَق له غيرَه ويسَّره له فى جلب منفعةٍ أو دفع
مضرّةٍ، وزاد فى المِنَّةِ حتى أذِن له فى إيلام ) الحيوانِ الذى هو نظيرُه فى اللذّةِ
والألم، وأمره بإتلافٍ نفسِه وإنزالِ الألم به؛ تارةً فى التقرُّبِ إليه كالهدايا
والأضاحيِّ، وتارةً فى التلذُّذِ به كذبحِه للأكلِ، وجعَله (١) على قسمين ؛ قسمًا
مُتَأَنَّسًا يُدرِكُه بغيرِ حَولٍ ولا حِيلةٍ ، وآخرَ لا يَصِلُ إليه إلاُ(١) بالحَولِ والحِيلةِ
كالدَّرَّاجِ والطائِرِ، ويشَّرله الأسبابَ التى يَصيدُ بها الدوارجَ، وعلَّمه الحِيَلَ التى يُنزِلُ
بها الطيرَ من العُلُوِّ .
وقد فسَّرنا هذه الأنواعَ فى سورةِ (العقودِ)) ( من كتابٍ ((الأحكام)) (١)، وأمَر
سبحانَه عندَ إخبارِه عن هذه المِنَّةِ" بالرّفقِ والتَّدةِ فقال: ((إذا قتلتم فأحسِنوا القِتلةَ،
وإذا ذبَحتم فأحسِنوا الذِّبحةَ، ولْيُحِدَّ أحدُكم شَفرَتَه وليُرخ ذَبيحتَه)) (٢). ولا بُدَّ من
(١) فى د: ((أيام)).
(٢) بعده فى ج: ((والأضاحى)).
(٣) سقط من : م .
(٤) أى سورة ((المائدة)).
(٥) أحكام القرآن ٥٢٩/٢ - ٥٣١.
(٦ - ٦) فى د: ((عند إخباره))، وفى م: ((إخباره عن هذه المنة)).
(٧) مسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذى (١٤٠٩) من حديث شداد بن أوس.
١٠٧

الموطأ
التمهيد
القبس اعتبارِ الذابح والذبح والمذبوح؛ فأمَّ الذابحُ فَأن يكونَ كتابيًّاً ١ عارفًا، فإنَّ المجوسيّ
محرَّمُ الذبح ، والذمِّيَّ مأذونٌ له فى ذبحِه؛ لأنه صاحبُ كتابٍ ، قال الله تعالى :
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
قلتُ للشيخِ الإمامِ أبى الفتحِ نصرِ بنِ إبراهيمَ بدِ مشقَ : قد حرَّم اللهُ علينا طعامَ
المشركين من أهلِ الأوثانِ والمجوسٍ وذبائحَهم، وأُّ شركٍ (١) أعظمُ من أن يقولَ :
إن عيسى هو اللهُ أو ولدُه؟ قال لى: قد أخبر اللهُ تعالى فى كتابِه عنهم ، وعَلِمه منهم،
وأذِن بعدَ ذلك فى طعامِهم وذبيحتِهم ؛ رخصةً منه لشُبهةِ الكتابِ الذى معهم .
وأما اشتراطُنا العرفانَ فى الذابحُ(١) فلأنه إن لم يعرفِ الذبحَ آلَمَ البهيمةَ، وحَرُم
الأكلُ بإفسادِ الذبح ، وإنما جاز إيلامُها لفائدةِ الانتفاع بها .
وأما المذبوح فأن يكونَ مأذونًا فى أكلِه ، حلالاً فى نفسِه ، حيًّا ، ومعنى قولنا :
حيًّا. احترازًا من المُنخنِقةِ، والموقوذةِ، والمتردِّيةِ، والنطيحةِ، وما أكَل السبُعُ
حسَبَ ما ورد فى القرآنِ ، والخَلِيسةِ وهى التى تُنزَُ من يدِ الذئبِ حَسَب ما ورَد فى
السُّنةِ. وقد اختلف العلماءُ والروايةُ عن مالكِ فى هذه الأعيانِ الخمسةِ بالأحوالِ
الخمسةِ ، هل تُذكَّى فَتُؤْكَلُ أم قد فسَدت، بناءً على أن قولَه تعالى: ﴿إِلَّ مَا
ذَكَيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. هل هو استثناءٌ متصلٌ أو مقطوعٌ عن الأول مبيّنًا لحكم مُبتَدَاً؟
والصحيح عندى أنَّه راجعٌ إلى الأوَّلِ متَّصلٌ به، ولا يجوزُ فصلُه عنه إلا بدليلٍ ، وقد
بيََّّا ذلك فى كتابٍ ((الأحكامِ )).
وأما الذبحُ فقال علماؤنا: لا بُدَّ فيه من النيةِ وإنهارِ الدمٍ بقطع الأوداجِ والخُلقومِ
(١) فى ج: ((كما بينا))، وفى م: ((بينًا)).
(٢) فى ج: ((مشرك)).
(٣) فى م: ((الذبائح)).
١٠٨

الموطأ
التمهيد
القبس
والمَرِىءٍ، من جهةِ الحلْقِ دونَ القفا، وهو على ثلاثةِ أقسامٍ؛ ذبْجٌ ونحْرٌ وعَقرّ؛
فالذبح للغنم وما شاكلها ، والنحرُ للإبلِ وما أشبهَها ، والعقرُ فى كلٌّ محلٌّ عندَ عدم
القدرةِ. وعلى هذا حمَل علماؤنا الحديثَ حينَ قيل للنبيِّ وَلِّ: الذكاةُ إنما تكونُ
فى الحَلْقِ واللَّةِ؟ فقال: ( (لوطعَنْتَ فى فَخِذِها، أجزأكَ)(١)(٢). والبقرُ(٢) مذبوحةٌ؛
لقولِ اللهِ تعالى فى القرآنِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ ﴾ [البقرة: ٦٧]. منحورةٌ
لحديثِ النبيِّ وَُّ: نحَرَ رسولُ اللهِ وَلِّ عن نسائِه البقرَ. وعن علمائِنا فى أكلٍ
جميعِ ما يُذْبَحُ إذا نُحِرَ، وأكلٍ جميعٍ ما يُنحَرُ إذا ذُبح على الإطلاقِ ، روايتان ،
والصحيحُ عندى فى الغنم ونوعيْها ذبحُها لا نحرُها، والأصلُ فى ذلك كلِّه
حديثُ رافعٍ، قال : كنا بذى الحُلَيفةِ من تِهامةَ فقلنا : يا رسولَ اللهِ ، إنا لاقو العدوِّ
غدًا وليس معنا مُدَى إلا القَصَبُ (١) . وفى روايةٍ: إلا اللِّيطُ، وهى القَصَبُ المشقوقةُ .
فقال النبىُ وَلَّهِ: ((أعجِلْ، أو أرِنْ(١)، ما أنهَرَ الدمَ وذُكِر اسمُ اللهِ فَكُلُوا ، ليس السّنَّ
(١ - ١) فى د: ((الوطعنة فى نحرها لعراك))، وفى م: ((لو طعنت فى خاصرتها فخذها أجزأك)).
(٢) أحمد ٢٧٨/٣١ (١٨٩٤٧)، وأبو داود (٢٨٢٥)، والترمذى (١٤٨١)، وابن ماجه (٣١٨٤)،
والنسائى (٤٤٢٠) .
(٣) فى د: ((النحر)).
(٤) تقدم فى الموطأ (٩٠٠) .
(٥ - ٥) ليس فى : د .
(٦) القصب : كل نبات كان ساقه أنابيب وكعوبا فهو قصب ، الواحدة قصبة . التاج (ق ص ب) .
(٧) فى د: ((أرق)). قال النووى: ((وأما ((أرن) فبفتح الهمزة وكسر الراء وإسكان النون، وروى
بإسكان الراء وكسر النون، وروى ((أرنى)) بزيادة ياء. قال الخطابي: صوابه ((آرن)) على وزن
((أعجل)). وهو بمعناه وهو من النشاط والخفة أى : أعجل ذبحها لئلا تموت خنقًا، وقد يكون
((أرن)) على وزن ((أطع)) أى: أهلكها ذبحًا من: أران القوم. إذا هلكت مواشيهم)). صحيح
مسلم بشرح النووى ١٢٢/١٣، ١٢٣. وينظر النهاية ٤١/١.
١٠٩

الموطأ
التمهيد
القبس
والظُّفُرَ، وسأحدِّثُكم؛ أما السّنُّ فعَظْم، وأما الظُّفُرُ فمُدَى الحبشةِ) ). وفى الحديثِ
أربعةُ معانٍ؛ أحدُها : أن الصحابةَ فهِمت أن الذبحَ بالحديدِ ، فسألت : هل
يلتحِقُ المحدَّدُ من غيرِهِ به أم لا؟ فأخبَر النبىُ نَّهِ أنه مثلُه؛ لحصولِ المقصودِ
من إنهارِ الدمِ به، وقد ذبَحت أمَّةٌ شاةً بمَروةٍ(٢)، وكثُر ذلك (" فى الأخبار٣ٍ) حتى
رُوِى فى الحديثِ أن رجلًا نحَر بوَدٍّ، يريد: بوتدٍ (١) ، فأجزا؛ لعملِه عمَلَ المحدودِ،
سمِعتُ القاضىَ الزَّنْجانيَ، والبستى، والصَّاغانيّ()، والدِّهِشتاني(٢)، يحكُون
عن إِسرافيلَ (١) وعبيدٍ(١) اللهِ أبى زيدِ القاضى(١١) وغيرهم من رؤساء الحنفية ، أنهم
قالوا : إنما شرَع اللهُ تعالى الذكاةَ لتُميّزَ الحلالَ، وهو اللحمُ ، من الحرامِ ، وهو
الدمُ، وجعِل فى مجتمع العروقِ ليسيلَ الدمُ كلُّه حتى لا يبقَى من الحرامِ شىءٍ مع
الحلالِ ، وحُرِّمتِ الميتةُ لأجلِ امتزاجِ الحرامِ ، وهو الدم ، مع الحلالِ ، وهو اللحمُ.
(١) سيأتي تخريجه ص ١٣٨ .
(٢) فى د: ((بمرو))، وفى م: ((بمر)). والمروة: حجر أبيض براق، وقيل: هو الذى يقدح منه النار. النهاية ٣٢٣/٤.
(٣ - ٣) ليس فى : د .
(٤) الوتد : ما رز فى الأرض أو الحائط من خشب . تاج العروس (وت د).
والحديث سيأتي فى الموطأ (١٠٦٧).
(٥) هو محمد بن على بن محمد البستى ، أبو العز، الزاهد الصوفى الجوّال ، توفى سنة ثلاث
وأربعين وخمسمائة . سير أعلام النبلاء ٢٨٣/٢٠.
(٦) هو الفضل بن عباس بن يحيى بن الحسين الصاغانى ، أبو العباس . الجواهر المضية ٦٩٣/٢ .
(٧) هو إبراهيم بن محمد ، أبو إسحاق ، الفقيه الدهستانى ، توفى سنة ثلاث وخمسمائة . الجواهر
المضية ١٠٨/١، ١٠٩.
(٨) بعده فى د: (( والروصانين)).
(٩) فى م: ((عبد)). وهو ما قيل فى اسمه.
(١٠) هو عبيد الله بن عمر بن عيسى الدبوسى القاضى، أبو زيد، صاحب كتاب ((الأسرار))
و ((تقويم الأدلة))، توفى سنة ثلاثين وأربعمائة. الجواهر المضية ٤٩٩/٢. الأنساب ٤٥٤/٢.
١١٠

الموطأ
التمهيد
القبس
قالوا : وهذه من الحكمةِ فى قوله : ((ما أنهرَ الدمَ)). فاللبنُ يُخلِّصُه اللهُ تعالى وحده من
الفَوْثِ والدم ، واللَّحمُ يُخلِّصُه العبدُ بكسبِهِ من الدمِ بالذكاةِ ، وهذا معنى تسميَتِها
ذكاةً مُطيبةً. ثانيها: أن قوله: ((ما أَنهَرَ الدمَ)). لم يُبَيِّنْ بَّرِ كيفيةَ إنهارِ الدمٍ من
مواضعِه، أما إنى رأيتُ لأبى أمامةَ الباهليّ، أن النبيَّ وَلِّ قال: ((ما فَرَى
الأَوْدَاجِ))(١). وكذلك يُروَى عن عطاءٍ(١) وعن كثيرٍ من العلماءِ. والأوداجُ هى
مجرَى الدمِ دونَ الحُلقومِ والمَرِىءٍ ، لكنَّ علماءَنا رحمةُ اللهِ عليهم شرَطوا فى الذكاةِ
خمسةً شروطٍ ؛ قطعُ الخُلقومِ، قطعُ الأوداجِ، قطعُ المَرِىءٍ، وضعُ الخَرَزِ ) التى
هى مناطُ ذلك كلِّه، من جهةِ الرأسِ ؛ لأنك إن ذبَحْتَ فوقَها لم تقطّعْ شيئًا من ذلك
كلِّه، ولا جرَى من الدمٍ إلا ما يكونُ فى الرأسِ وما حولَه، ويموتُ دمُ البدنِ فيه ، وقد
اختلف علماؤنا فى ذلك على قولين، والذى يقتضيه الحديثُ الصحيحُ المطلقُ()
وحديثُ أبى أمامةَ المفسّرُ، قطعُ الأوداج؛ لقولِه: ((ما أَنْهَرَ الدمَ)). وقطعُ الخُلقومِ؛
لأن من الأطباءِ مَن يقولُ: إذا سلِمِ الحُلقومُ طبَّتِ الأوداجُ. فيُمكنُ أن يعيشَ ، فيكونُ
حينئذٍ إنما مات مقتولًا لا مذكّى، ولا أظُنُّ أن مَن قُطِعت أوداجه يعيشُ أبدًا ، ولذلك
قال علماؤنا : إنه إذا قطَع بعضَ ذلك ولم يستوفِ أجزاً . وأما المَرِىءُ الذى روَى أبو
التَمَّامِ فلا أعلَمُ له وجهًا ، وقد قال علماؤنا: إنه إذا قطَع الرأسَ فى الذبح لم يُؤْكَلْ.
وذلك إذا كانت نيتُه من أولِ الذبح إبانةَ الرأسِ؛ لأنه لم يقصِدْ ذكاةً ، إنما قصد قتلًا .
وقيل : يُجزُه؛ لأنه ذَكّاه وزاد، فلا تضُرُّه الزيادةُ. ثالثُها: قولُه: ((وذُكِر اسمُ اللهِ).
(١) الطبرانى (٧٨٥١)، والبيهقى ٢٧٨/٩.
(٢) عبد الرزاق (٨٥٨٤، ٨٦١٦).
(٣) فى د: ((الحرورة)).
(٤) فى د : ((البطلان)).
١١١

الموطأ
التمهید
القبس
وفيه غريبةٌ لم يذكُوْها أحدٌ من العلماءِ؛ وهى إجابةُ السائلِ بأكثرَ مما سأل عنه .
وقد اختلف العلماءُ فى التسميةِ، هل هى شرطٌ ( فى الحِلِّ معَ الذِّكرٍ) أم لا؟
المشهورُ من مذهبنا أنها شرطٌ ، وقال الشافعىُّ: ليستْ بشرطٍ . وهى مسألةٌ عَسِرةٌ
جدًّا، عمدتُنا فيها قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْيُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
[الأنعام: ١٢١]. فإن قيل: المرادُ بالآيةِ ما ذُبح لغيرِ اللهِ تعالى. قلنا: ظاهرُها تحريمُ
ما لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عليه، فنحن مع ظاهرِ اللفظِ ومُطلَقِ القولِ من غيرِ التفاتٍ إلى
السببِ، حسَبَ ما بيَّنَّه فى ((مسائل الخلافِ)). وقد اتفَق علماؤنا وغيرُهم على أنه
يُستحَبُّ استقبالُ القبلةِ بالذبيحةِ وإحدادُ الشفرةِ؛ لأنه من حسنِ الذِّيحةِ ، والتُّؤَدَةُ
على الذبحةِ حتى تموتَ ؛ لأن القطعَ منها قبلَ الموتِ زيادةٌ فى عذابِها ، إذ فيها بقيةٌ
من الإحساسِ .
رابعُها : وأما قولُه : ((ليس السّنَّ والظُّفُرَ)). وذلك بيانٌ لأن الذكاةَ موقوفةٌ على
المُحدَّدِ المطلَقِ الذى لا يكونُ فيه عرضٌ ، ولا يكونُ معه عَضِّ ولا رَضِّ، كالسِّنِّ فى
الفم والظّفُرِ المتصلةِ باللحم. وإذا كانت التسميةُ عندَنا شرطًا، فكلُّ طعام يُقدِّمُه
المسلم إلى المسلمِ يأكُلُّه وإن لم يدرِ هل سمَّى الله تعالى عليه أم لا ، كما جاء فى
حديث عائشةَ، الذى أرسله مالكٌ عن ◌ُروةً (١) ، حتى إذا شاهده لم ◌ُسَمِّ فحينئذٍ يَگُفُ
عنه، كما فعَل عبدُ اللهِ بنُ عياشٍ (١) ؛ وفى هذه المسألةِ غَلَب الظاهرُ من حالِ المسلمِ،
وهى التسميةُ ، على الأصلِ ، وهو تحريمُ الذبيحةِ ، حَسَبَ ما تقدَّم فى أصول الفقهِ .
(١ - ١) فى د: ((الجامع)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٠٦٥).
(٣) فى د، م: ((عباس)).
والأثر سيأتى فى الموطأ (١٠٦٦) .
١١٢

ما جاء فى التسميةِ على الذبيحةِ
الموطأ
١٠٦٥ - مالكٌ، عن هشام بنِ عُروةَ ، عن أبيه ، أنه قال : سُئل
رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ فقيل له: يا رسولَ اللَّهِ ، إن ناسًا من أهل البادية يأتوننا
بلُحْمانٍ ، ولا ندرِى هل سمَّوا اللهَ عليها أم لا؟ فقال رسولُ اللهِ
:樓
وستهى
(سَمُوا اللهَ عليها، ثمَّ كُلُوها)).
قال مالكٌ : وذلك فى أولِ الإسلامِ .
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أنه قال: سُئل رسولُ اللهِ وَلّهِ، فقيل التمهيد
له : يا رسولَ اللهِ، إن ناسًا مِن أهلِ الباديةِ يأْتُوننا بلُخْمانٍ ولا ندرِى هل سَمَّوا اللهَ
عليها أم لا؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: ((سَمُوا اللهَ عليها ثم كُلوا))(١).
لم يُختلفْ عن مالكٍ فيما علِمتُ فى إرسالِ هذا الحديثِ، وقد أُسنَده
جماعةٌ عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً .
القبس
وقد أدخَل مالكٌ "حديثَ اللّقحةِ المُذَّةِ بِالشِّظاظِ حينَ أدرَكها الموتُ()()،
حديثَ جاريةِ كَعْبٍ فى الشاةِ التى أدركَتْها قبلَ أن تموتَ فذكَّتْها بحَجَرٍ () ، ونصَّ
مالكٌ فى ((موطئِه))(١) على المسألةِ فقال: إن كانت ذُبِحَتْ ونفَسُها يَجرى وهى
تَطرِفُ، فَلْتُؤْكَلْ. وهذا الذى قوَّاه(١) عُمُرَه كلَّه، فلا يُلتَفَتُ إلى غيرِهِ.
(١) الموطأ برواية ابن زياد (٥١)، وبرواية محمد بن الحسن (٦٥٧)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/١٣ظ-
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢١٤١). وأخرجه أبو داود (٢٨٢٩) من طريق مالك به .
(٢ - ٢) سقط من: ج ، م .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٠٦٧).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٠٦٨).
(٥) الموطأ عقب الأثر (١٠٧٢) .
(٦) فى ج: ((قرأ)).
١١٣
( موسوعة شروح الموطأ ٨/١٣ )
٠

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَنِ، قال:
حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخارىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدِ اللهِ ،
قال : حدَّثنا أسامةُ بنُ حفصٍ المدنىُ ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عائشةً،
أن قومًا قالوا للنبىِّ وَالّ: إن قومًا يَأْتُوننا باللحم، لا ندرِى أذكر اسمُ اللهِ عليه أم لا؟
فقال: ((سَمُّوا اللهَ ثم كُلوا)). قالت(١): وكانوا حديثى عهدٍ بالكفرِ().
قال البخارىُّ(٢) : تابعه علىّ عن الدَّراوردىِّ، وتابعَه أبو خالدٍ والطُّفارىُّ.
قال أبو عمرَ : روَى هذا الحديثَ مرسلًا، كما رواه مالكٌ، جماعةٌ ؛ منهم
ابنُ عبينةً(٤)، ويحيى بنُ سعيدِ القطّانُ(٥)، ورواه مسندًا جماعةٌ، منهم هؤلاء
الذين ذكَر البخارىُّ، وغيرهم .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، "قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ) ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال:
حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمانَ ، عن هشامٍ بنِ عروةً، عن أبيه، عن عائشةَ أمّ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((قال)). والمثبت من البخارى.
(٢) أخرجه ابن الجوزى فى التحقيق فى أحاديث الخلاف (١٩٣٥) من طريق محمد بن يوسف به .
وهو عند البخارى (٥٥٠٧). وأخرجه البخارى (٢٠٥٧، ٧٣٩٨)، وأبو داود (٢٨٢٩)،
والنسائى (٤٤٤٨)، وابن ماجه (٣١٧٤) من طريق هشام بن عروة به .
(٣) البخارى عقب الحديث (٥٥٠٧).
(٤) ذكره الدارقطنى فى العلل (٥/ق ٣٩، ٤٠ - مخطوط)، وابن حزم ١٩٢/٨.
(٥) ذكره الدارقطنى فى العلل (٥/ق ٣٩، ٤٠ - مخطوط).
(٦ - ٦) ليس فى: الأصل .
١١٤

الموطأ
المؤمنين، أن قومًا قالوا: يا رسولَ اللهِ ، إن قومًا يأتُّوننا بلَحْم لا ندرِى أذكر اسمُ التمهيد
اللهِ عليه أم لا؟ قال: ((سَقُّوا أنتم عليه وكُلوا)). وكانوا حديثى عهدٍ بالكفرِ (١).
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ وإبراهيمُ بنُ شاكرٍ ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ
ابنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّارُ،
قال : حدَّثنا حَوْثرةُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ بنِ عروةً ، عن
أبيه ، عن عائشةً . فذكره .
فى هذا الحديثِ مِن الفقهِ ، أن ما ذبحه المسلمُ ولم يُعرفْ هل سمَّى اللهَ
عليه أم لا ، أنه لا بأسَ بأكلِه ، وهو محمولٌ على أنه قد سمَّى ، والمؤمنُ لا يُظُّ به
إلا الخيرُ، وذبيحتُه وصيدُه أبدًا محمولٌ على السلامةِ حتى يصِحَّ فيه غيرُ ذلك ؛
مِن تَعمُّدٍ تركِ التسميةِ ونحوِه، وقد قيل فى معنى هذا الحديثِ: إن النبيَّ وَه
إنما أمَرهم بأكلِها فى أولِ الإسلامِ قبلَ أن ينزلَ عليه: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَّ يُذْكِرِ
اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وهذا قولٌ ضعيفٌ لا دليلَ على صحتِه ، ولا
يُعرفُ وجهُ ما قال قائلُه، وفى الحديثِ نفسِه ما يُرُدُّه ؛ لأنه أمَرهم فيه بتسميةِ اللهِ
على الأكل، فدلَّ على أن الآيةَ قد كانت نزلَت عليه، ومما يذُلُّ أيضًا على
بُطلانٍ ذلك القولِ أن هذا الحديثَ كان بالمدينةِ ، وأن أهلَ باديتِها إليهم أُشيرَ
بالذكرِ فى ذلك الحديثِ، ولا يختلفُ العلماءُ أن قولَه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا
تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾. نزَل فى سورةِ ((الأنعامِ)) بمكةَ، وأن
القبس
(١) ابن أبى شيبة ١٠٣/٨، وعنه ابن ماجه (٣١٧٤)، وأبو يعلى (٤٤٤٧). وأخرجه الدارمى
(٢٠١٩) من طريق عبد الرحيم بن سليمان به .
١١٥

الموطأ
التمهيد ((الأنعامَ)) مكيةٌ، فهذا يوضحُ لك أن الآيةَ قد كانت نزلَت عليه بخلافٍ ظنٍّ مَن
ظنَّ ذلك . واللهُ أعلمُ .
وقد أجمع العلماءُ على أن التسميةَ على الأكل إنما معناها التبؤُكُ لا مدخلَ
فيها للذكاةِ بوجهٍ مِن الوجوهِ؛ لأن الميتَ لا تُدركُه ذكاءٌ . وقد استدَلَّ جماعةٌ
مِن أهلِ العلم على أن التسميةَ على الذبيحةِ ليست بواجبةٍ بهذا الحديثِ ،
وقالوا: لو كانت التسميةُ واجبةً فرضًا على الذبيحةِ، لَما أمَرهم رسولُ اللهِ وَه
بأكلٍ لحم ذبحَته الأعرابُ بالباديةِ ، إذ ممكنٌ أن يسمُوا ، وممكنٌ ألّا يسمُوا اللهَ
لجهلِهم، ولو كان الأصلُ ألّا يؤكلَ مِن ذبائح المسلمين إلا ما صحَّت التسميةُ
عليه ، لم يَجْزِ استباحةُ شىءٍ مِن ذلك إلا بيقينٍ مِن التسميةِ، إذ الفرائضُ لا تؤدَّى
إلا بيقينٍ ، وإذ الشكُّ والإمكانُ لا يستباحُ به المحرماتُ. قالوا: وأما قولُ اللهِ عزَّ
وجلّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. فإنما خرَج على تحريمِ
الميتةِ ، وتحريم ما ذُبح للنُّصُبِ وأَهِلَّ به لغيرِ اللهِ ، وفى ذلك نزلَت الآيةُ حينَ
خاصم المشر كون النبيّ آلّ فى ذلك .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ غالبِ التمتامُ ، قال: حدَّثنا أميةُ بنُ بِسطامَ العَيشىُّ، وأخبرنا عبدُ اللهِ
ابنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داود ، قال: حدَّثنا
عثمانُ بنُ أبى شيبةَ، قالا(١) : حدَّثنا عمرانُ بنُ عيينةَ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ
السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: خاصَمت اليهودُ النبيَّ
القبس
(١) فى م: ((قال)).
١١٦

الموطأ
التمهيد
وَه؛ قالوا: نأكلُ ما قتلْنا ولا نأكلُ ما قتَل اللهُ. فأَنزَل اللهُ تعالى: ﴿وَلَا
تَأْكُلُواْ مِمَا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١). هكذا فى هذا الحديثِ: خاصَمته
اليهودُ. وإنما هو خاصَمه المشركون ؛ لأن اليهودَ لا يأكُلون الميتةَ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ
سعيدٍ ، قال : حدَّثنا سفيانُ ، قال : حدَّثنی هارونُ بنُ أبى وكيع ، عن أبيه، عن
ابنِ عباسٍ، فى قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمَّ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾. قال :
خاصَمهم المشركون، فقالوا: ما ذبَح اللهُ لا تأكُلوه، وما ذبحتُم أنتم
أكلتُمُوه (٢)؟!
قال أبو عمرَ : المخاصمةُ التى ذكر ابنُ عباسٍ هى التى قال اللهُ تعالى :
﴿وَإِنَُّ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَ أَوْلِيَآَ بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
يريدُ قولَهم: ما قتَل اللهُ لستُم تأكُلونه ؟!
واختلف العلماءُ فيمَن ترَك التسميةَ على الذبيحةِ والصيدِ ناسيًا أو عامدًا؛
فقال مالكٌ ، والثورىُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بنُ حىٍّ: إن ترَكها عمدًا
لم تؤكلِ الذبيحةُ ولا الصيدُ ، فإن نسِى التسميةَ عندَ الذبيحةِ وعندَ الإرسالِ على
القبس
(١) أبو داود (٢٨١٩). وأخرجه الضياء فى المختارة ٢٥٧/١٠ (٢٧١) من طريق عثمان بن أبى
شيبة به، وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ٥٢٦/٩، والطبرانى (١٢٢٩٥)، والبيهقى ٢٤٠/٩،
والضياء فى المختارة ٢٥٥/١٠ (٢٦٩) من طريق عمران بن عيينة به .
(٢) النسائى (٤٤٤٩)، وفى الكبرى (٤٥٢٦، ١١١٧١) - وعنه النحاس فى ناسخه ص ٤٤١ -
وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ٥٢٣/٩، والحاكم ٢٣٣/٤ من طريق سفيان به .
١١٧

الموطأ
التمهيد الصيدِ أُكلت. وهو قولُ إسحاقَ. وروايةٌ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ، ومِن حُجَّةٍ مَن
ذهَب إلى ذلك أن تاركَ التسميةِ عمدًا متلاعبٌ بإخراج النفس على غيرٍ شريطتِها ،
وقد أجمَعوا أَنَّ مِن شرائطِ الذبيحةِ والصيدِ التسميةَ ، فمَن استباحَ ذلك على غيرِ
شريطتِه عامِدًا دخَل فى الفسقِ الذى قال اللهُ: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ . هذا معنى ما
احتجوا به. وقال الشافعىُ وأصحابُه: تؤكلُ الذبيحةُ والصيدُ فى الوجهَين
جميعًا تعمَّد ذلك أو نسِيه. وهو قولُ ابنِ عباسٍ وأبى هريرةً ١ . وروى عن ابنٍ
عباسٍ وأبى وائلٍ ، قالا: إنما ذبحتَ بدِينِك. واحتجَّ مَن ذهَب هذا المذهبَ
بأن قال : لما كان المجوسيُّ لا يُنتفعُ بتسميتِه إن سمَّى وتعمَّد ذلك وقصَد إليه ،
فكذلك لا يضُرُّ المسلمَ تركُ التسميةِ؛ لأنه إنما ذبَح بدينِهِ . وقال أبو ثورٍ وداودٌ
ابنُ علىٍّ : مَن تَرَك التسميةَ عامدًا أو ناسيًا لم تؤكلْ ذبيحتُه ولا صيدُه .
قال أبو عمرَ: ما أعلمُ أحدًا مِن السلفِ رُوى عنه هذا المذهبُ إلا محمدَ بنَ
سيرينَ، والشعبىَّ، ونافعًا مولى ابنِ عمرَ (١)، وأما جمهورُ العلماءِ فعلى قولٍ
مالكِ والثورىِّ وأبى حنيفةً، وعلى قولِ الشافعيّ؛ على هذين القولَين الناسُ.
وقد ژُوِى عن الشعبیّ خلافُ ما حکَیناه عنه؛ ذکر بَقِیٌ ، قال : حدّثنا یحیی بنُ
عبدِ الحميدِ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن عامٍ
فى رجلٍ ذَبَح ونسِى أن يسمّىَ ، قال : يأكلُ .
وعن يحيى بنِ عبدِ الحميدِ الحِمَّانِيٌّ، عن ابنِ المباركِ، عن سعيدٍ ، عن
القبس
(١) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٤٤١، والمحلى ١٠٨/٨، والمغنى لابن قدامة ٢٩٠/١٣.
(٢) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٤٤٠، والمحلى ١١١/٨، ١١٢.
(٣) سقط من: م.
١١٨

الموطأ
قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ والحسنِ فى رجلٍ ذبَح ونسِى أن يسمَِّ اللهَ، التمهيد
قالا : يأكلُ.
وروَى إسماعيلُ ابْنُ عُلَيَّةً، عن سعيدِ بنِ أبى عروبةَ ، عن قتادةَ، عن سعيدِ
ابنِ المسيَّبِ والحسنِ، قالا: إذا نسِى الرجلُ أن يسمىَ حينَ ذَّبَحَ فليأكلْ
وليذكرِ اسمَ اللهِ فى قلبِهِ . وهذا هو الصحيحُ عن الحسنِ وسعيدِ بنِ المسئَّبِ .
وروَى أشعتُ بنُ سَوَّارٍ وعمرُو بنُ عبيدٍ ، عن الحسنِ ، قال : مَن نسِى
التسميةَ إذا ذبَح فليأكلْ ، ومَن ترَكها متعمدًا فلا يأكلْ. وسفيانُ، عن مغيرةً،
عن إبراهيمَ مثلَه .
ورَوَى ابْنُّ أَبِى غَنِيَّةً، ومِشْعرٌ(١)، عن الحكم بنِ عُتيبةً(٢) ، عن عبدِ الرحمنِ
ابنِ أبى ليلى، قال: إذا ذبَح ونسِى أن يسمّىَ فَكُلْ، فإِنما ذَبَح بمِلَّتِهِ، وإنما هى
المِلَّةُ، ذكاةُ كلِّ قوم مِلَّتُهم ؛ ألا ترى أن المجوسيَّ لو ذبَح فسمَّى اللهَ لم تأكلُ(١).
وذكَر وكيع، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلِ (٤) ، عن أبى مالكِ فى الرجلِ
يذبحُ وينسى أن يسمّىَ، قال: لا بأسَ به. قلتُ: فأين قولُ اللهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ
مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اُللَّهِ عَلَيْهِ ﴾؟ [الأنعام: ١٢١]. قال : إنما ذبَحتَ بدِينِك ، وإنما
القبس
(١) فى م: (مسعد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧ / ٤٦١.
(٢) فى م: ((عتبة)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٥٤٥) من طريق الحكم بن عتيبة به .
(٤) فى م: ((كميل)).
١١٩

١٠٦٦ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أن عبد الله بنَ عَیّاشِ بنِ أَبی
الموطأ
ربيعةً المخزوميَّ أمَر غلامًا له أن يذبَحَ ذبيحةً ، فلمَّا أرادَ أن يَذْبَحَها قال
له: سَمِّ اللهَ. فقال له الغلامُ: قد سَمَّيتُ. فقال له: سَمِّ اللهَ، وَيْحَكَ! قال
له : قد سَمَّيتُ اللهَ . فقال له عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشِ: واللهِ لا أطعَمُها أبدًا.
التمهيد هذا فى ذبائح المشركين . وعن ابنِ عباسٍ، مِن طُرُقٍ شتَّى ، مثلُ ذلك(٢).
الاستذكار
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أن عبدَ اللهِ بنَ عيَّاشِ بنِ أبى ربيعةَ المخزومىَّ
أمَر غلامًا له أن يذبحَ ذبيحةً، فلما أراد أن يذبحَها قال له: سمِّ اللهَ . فقال له
الغلامُ : قد سمَّيتُ . فقال له : سمِّ اللهَ، ويحَكَ! قال: قد سمَّيتُ اللهَ . فقال
عبدُ اللهِ بنُ عيَّاشٍ: واللهِ لا أَطعَمُها أبدًا (٢).
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ واضحٌ فى أن مَن تَرَك التسميةَ على الذبيحةِ عمدًا
لم تُؤكلْ ذبيحتُه تلك؛ ألا ترى أن فى خبرِه هذا: فلمّا () أراد أن يذبحَها ، فقال
له : سمِّ اللهَ . فأمَره بذلك من قبلٍ أن يذبحها ، وراجَعه بما لم يُصدِّقْه؛ لأنه كان
بموضعٍ لا يَخفَى عنه ذلك ، لقربِه، وعلِم معاندتَه؛ لأنه كان يجيبُه بقولِه : قد
سمَّيتُ . ولا يسمِّى ، ولو قال فى موضعٍ : قد سمَّيتُ: باسم اللهِ. اكتفَى بذلك
القبس
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٨/٤ (٧٨٣٥) من طريق وكيع به .
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٥٣٨، ٨٥٤١، ٨٥٤٨)، وسنن سعيد بن منصور (٩١٤ -
تفسير)، وسنن الدارقطنى ٤/ ٢٩٥.
(٣) الموطأ برواية ابن زياد (١٥٧)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/١٣ظ - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (٢١٤٣).
(٤) ليس فى : الأصل ، ح ، م .
١٢٠
.