Indexed OCR Text
Pages 561-580
الموطأ
حبيبٌ المُعلِّمُ ، عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، أن رجلًا قال: يا الاستذكار
رسولَ اللهِ ، إنى نذَرتُ للهِ إن فتح اللّهُ عليك مكةَ أن أصلِّىَ فى بيتِ المقدسِ.
قال: ((صَلِّ ههنا)). فأعاد عليه مرتين، كلَّ ذلك يقولُ: ((صَلُّ ههنا)). وأعاد
عليه الثالثةَ(١)، فقال: ((شأتَك إذنْ))(٢) .
قال أبو عمرَ : كلُّ مَن ذهَب إلى أن المسجدَ الحرامَ أفضلُ مِن مسجدِ النبىِّ
عليه السلامُ، فعلى هذا يخرُجُ جوابُه بدليلٍ هذا الحديثِ الذى ذكرناه .
وكذلك قولُ مالكِ ومَن تبعه فى تفضيلٍ مسجدِ النبىِّ عليه السلامُ على المسجدِ
الحرامِ يجىءُ أيضًا على مثلِ هذا، أن يصلّىَ فى مسجدِ النبىّ عليه السلامُ ولا
يذهبَ إلى المسجدِ الحرامِ. وهذا لا نعلمُ أن أحدًا قال فيمَن نذَر المَشْىَ إِلى
مكةَ ليصلِّىَ فى مسجدِها ، أنه يجزُه الصلاةُ فى مسجدِ النبىِّ عليه السلامُ . فدلَّ
ذلك على فضلِ الصلاةِ فى المسجدِ الحرامِ على غيرِهِ. وكذلك لم يُوجِبْ أحدٌ
المَشْىَ إلى المدينةِ(٢) على الأقدامِ، وأوجبوه إلى مكةً، وذلك بيِّنٌ فی فضلٍ
مشيِه إلى مكةً على غيرِهِ ، وباللهِ التوفيقُ . إلا أن الرّوايةَ عن مالكٍ فى كلِّ موضع
يُقَرَّبُ فيه إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بالصومِ والصلاةِ أَلا يَتَعَدَّى إلى غيرِه وإن كان أفضلَ ؛
بدليلِ الحديثِ المذكورِ. ومِن هذا الأصلِ جوابُه فيمَن نذَر أن يعتكِفَ فى
مسجدِ النبيِّ عليه السلامُ، فاعتكف فى الفسطاطِ ، أنه لا يُجزِتُه . واحتجّ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الثانية)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) أخرجه البيهقى فى المعرفة (٥٨٤٨) من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٣٠٥). وأخرجه
أحمد ١٨٥/٢٣ (١٤٩١٩)، وعبد بن حميد (١٠٠٧ - منتخب)، والدارمى (٢٣٨٤) من طريق حمّاد به .
(٣) فى الأصل: ((مكة)).
٥٦١
( موسوعة شروح الموطأ ٣٦/١٢ )
الموطأ
الاستذكار الطحاوىُّ(١) للكوفيّين على زُفرَ، بأن قال: القربةُ فى الصلاةِ دونَ الموضعِ، فلا
معنى لاعتبارِ الموضع. وردًّ ما رُوِى عن النبيِّ بَِّ فى فضلِ الصلاةِ فى مسجدِه
والمسجدِ الحرامِ على ما سِوَاهما مِن المساجدِ على مَن قال ذلك بصلاةٍ
الفريضةِ لا فى النافلةِ؛ بدليل قولِه ◌َاله: ((صلاةُ أحدِكم فى بيتِه أفضلُ مِن
صلاتِه فى مسجدِى هذا إلا المكتوبةَ))(٢) .
قال أبو عمر: لا معنى لقوله هذا؛ لأنه معلوم أن مَن قصَد بيت المقدسِ ، أو
المسجد الحرامَ، أو مسجدَ النبيِّ عليه السلامُ ، لا تَمتنعُ عليه الصلاةُ المكتوبةُ
فيه ، بل القصدُ إليها إلى المكتوباتِ ، وهو الغرضُ فى قصد القاصدِ ونذرِ الناذرِ ،
ولو قال قائلٌ: إن فضلَ النافلةِ تَبَعّ لفضلِ الفريضةِ. وجعَل قولَه وَلَةِ: ((صلاةٌ
فى مسجدى هذا أفضلُ مِن ألفٍ (١) صلاةٍ فى سائرِ المساجدِ إلَّ المسجدَ
الحرامَ)) (٤). عمومًا فى النافلةِ والفريضةِ - كان مذهبًا، إلا أن فيه نسخَ قولِه: ((صلاةٌ
المرء فى بيتِه أفضلُ مِن صلاتِه فى مسجدى هذا إلا المكتوبةَ)). لأن فضائلَه كانت
تزيدُ فى كلِّ يومٍ لا تنقُصُ، وهذا مِن فضائِلِهِ وََّ، إلا أنه خبرٌ لا يجوزُ عليه
النسخُ، وقدْ بَيْنَّا هذا فى موضعِه، وذكرنا اختلافَ العلماءِ فى تفضيلٍ
المسجدِ الحرامِ على مسجدِ النبيِّ وَّهِ فى كتابِ الصلاةِ. والحمدُ للهِ.
القبس
(١) ينظر مختصر اختلاف العلماء ٢٤٩/٣ - ٢٥١.
(٢) تقدم تخريجه فى ١٣/٥، ٢٦٥.
(٣) فى الأصل، م: ((أفضل)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) تقدم فى الموطأ (٤٦٤).
(٥ - ٥) فى الأصل: ((فقد)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٦) ينظر ما تقدم فى ٥٢٩/٦ - ٥٤٦ .
٥٦٢
الموطأ
١٠٣٣ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى حَبيبةَ، قال: قلتُ لرجلٍ وأنا
حديثُ السّنّ : ما على الرجلِ أن يقولَ : علىَّ مشىٌ إلى بيتِ اللهِ . ولم
يقُلْ : علىَّ نذرُ مشي. فقال لى رجلٌ: هل لك أن أعطيَكَ هذا الجِرْوَ -
لجِزْوِ قِثَّاءٍ فى يدِه - وتقولَ : علىَّ مشىّ إلى بيتِ اللهِ ؟ قال : فقلتُ :
نعم . فقلتُه وأنا يومَئذٍ حديثُ السِّنِّ، ثم مكثتُ حتى عقَلتُ ، فقيل لى :
إن عليكَ مشيًا. فجئتُ سعيدَ بنَ المسئَّبِ فسألتُه عن ذلك ، فقال :
عليكَ مشىٌ . فمشَيتُ .
قال يحيى : قال مالكٌ: وهذا الأمرُ عندَنا .
وأما حديثُ مالكِ عن عبدِ اللهِ بنِ أبى حبيبةً (١) ، قال: قلتُ لرجل وأنا الاستذكار
حديثُ السّنِّ: ما على الرجلِ أن يقولَ: علىَّ مَشْىٌ إلى بيتِ اللهِ . ولم يَقُلْ: علىَّ
نذرُ مشي. فقال لى رجلٌ: هل لك أن أُعطيَك هذا الجِزْوَ(١) - لِجِرْوٍ فِنَّاءٍ فى
يدِه - وتقولَ: علىَّ مَشْىٌ إلى بيتِ اللهِ ؟ قال: فقلتُ: نعم. فقلتُه وأنا يومَئذٍ
حديثُ السِّنِّ، ثم مكثتُ حتى عَقَلْتُ ، فقيل لى: إن عليك مَشْيًا . فجئتُ سعيدَ
ابنَ المسيَّبِ فسألتُه عن ذلك، فقال: عليك مَشْىٌ. فمشَيتُ(٢) . قال مالك:
وهذا الأمر عندَنا .
القبس
(١) فى الأصل: ((حنيفة)). وينظر الجرح والتعديل ٤٢/٥.
(٢) الجرو، والجروة: الصغير من كل شىء حتى من الحنظل والبطيخ والقثاء والرمان والخيار
والباذنجان . اللسان ( ج رو ).
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٤٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٧/١٣ ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢١٩٣).
٥٦٣
الموطأ
الاستذ کار
قال أبو عمرَ: قولُ مالكِ: وهذا الأمرُ عندَنا. خرَج على أن قولَ القائلِ:
علىَّ مَشْىٌ إلى بيتِ اللهِ. أو: علىَّ نذرُ مَشْي إلى بيتِ اللهِ. سواءٌ). وهو
مذهبُ ابنِ عمرَ وطائفةٍ مِن العلماءِ .
وذكَر ابنُ أبى شيبةً(٢) ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ
عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ فى الرجلِ يقولُ: علىَّ المَشْئُ إلى الكعبةِ . قال:
هذا نذر، فلیمشٍ .
قال أبو عمرَ : جعَل ابنُ عمرَ قولَه: علىَّ المَشْىُ. كقولِهِ: علىَّ نذرُ مَشْبي إلى الكعبةِ.
قال(٣): وحدَّثنا ابنُ نميرٍ(٤)، عن هشامٍ بن عروةَ، قال: جعَل رجلٌ (°منا
عليهْ المَشْىَ إلى بيتِ اللهِ فى شىءٍ، فسأل القاسمَ . فقال: يمشِى إلى البيتِ.
قال(١): وحدَّثنى معتمرُ بنُ سليمانَ، عن ليثٍ ، عن أبى مَعْشرٍ، عن
يزيدَ بنِ (١ إبراهيم التيميّ، قال: إذا قال: للهِ علىَّ حَجَّةٌ. أو قال: علىَّ حَجَّةٌ .
أو قال: للهِ علىَّ نذرٌ. أو قال: علىَّ نذرٌ. فذلك كلُّه سواءٌ.
القبس
(١) فى م: ((نوی)).
(٢) ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع ) ص ٢٦.
(٣) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٦، ٢٧، ٣٩.
(٤) فى الأصل، م: (يزيد)). والمثبت من مصدر التخريج، وهو ((عبد الله بن نمير))، وينظر تهذيب
الكمال ٢٢٥/١٦.
(٥ - ٥) فى الأصل: ((على))، وفى م: ((على نفسه)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٦) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٦، ٣٩.
(٧) كذا فى الأصل، م، والموضع الثانى من المصنف، وفى الموضع الأول: ((أبى))، وهو الصواب.
وينظر تهذيب الكمال ١٦٠/٣٢.
٥٦٤
٠
الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : هذا قولُ مالكِ وجماعةٍ مِن العلماءِ، إلا أن المعروفَ عن ١
سعيدِ بنِ المسيَّبِ غيرُ ما ذكره عنهُ عبدُ اللهِ بنُ أبى حبيبةً .
ذكَر ابنُ أبى شيبةً(١)، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ(٢) خالدِ الخيَّاطُ، عن محمدٍ
ابنِ هلالٍ، سمِع سعيدَ بنَ المسئَّبِ يقولُ: مَن قال: علىَّ المَشْئُ إلى بيتِ اللهِ .
فليس بشىءٍ ، إلا أن يقولَ : علىَّ نذرُ مَشْي إلى الكعبةِ .
وروَى عبدُ الرحمنِ بنُّ حَرْملةَ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ مثلَه(٢) .
وعن ) القاسم بن محمدٍ، أنه سُئل عن رجلٍ جعَل على نفسِه المَشْىَ إلى
بيتِ اللهِ ، فقال القاسمُ: أَنْذْرٌ؟ قال: لا . قال: فلْيكفِّرْ يمينَه(٥).
قال أبو عمرَ : أظنُّ سعيدَ بنَ المسيَّبِ جعَل قولَ القائلِ: علىَّ المشئُ. مِن
بابِ الإخبارِ بالباطلِ ؛ لأن الله تعالى لم يوجب عليه مشيًا فى كتابِه ، ولا على
لسانٍ" رسولِه وَله، فإذا قال: نذرُ مشي. كان قد أوجب على نفسِه المَشْتَ ،
فإن كان فى طاعةٍ لزِمه الوفاءُ به؛ لأن رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((مَن نذَر أن يطيعَ الله
فليطِعْه)) (١). فهم لا يرَون فى قولِ الرجلِ: علىَّ المشى. شيئًا، حتى يقولَ:
القبس
(١) ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع ) ص٢٦، ٣٩ .
(٢) بعده فى الأصل، م: ((أبى)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٣٣/٧.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٨٨٠)، والدارقطنى ١٦٠/٤ من طريق عبد الرحمن بن حرملة به.
(٤) بعده فى الأصل، م: ((ابن)). والمثبت من مصدر التخريج .
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٣٩، والفاكهى فى أخبار مكة ٣٥٠/١ (٧٢٢).
(٦) ليس فى: الأصل، م. والمثبت يقتضيه السياق .
(٧) سيأتى فى الموطأ (١٠٤٠).
٥٦٥
الموطأ
الاستذكار نَذَرْتُ. أو: علىَّ نَذْرُ مشى. أو: علىَّ للهِ المشى. وذا على وجهِ الشكرِ للهِ،
وطلبِ البِرّ والحمدِ فيما يرجو مِن اللهِ .
فالنذرُ الواجبُ فى الشريعةِ إيجابُ المرءِ فعلَ البِرّ على نفسِه، هذا حقيقةٌ
اللفظِ عندَ العلماءِ.
قال أبو عمرَ : فى مسألةِ عبدِ اللهِ بنِ أبى حبيبةَ ما ينكرُهُ ويخالفُ مالكًا فيه
أكثرُ أهلِ العلم ، وذلك أنه نذرٌ على مُخاطرةٍ(١) ، والعباداتُ إنما تصِحُ بالنياتِ لا
بالمُخاطراتِ ، وهذا لم يكنْ له نيةٌ ولا إرادةٌ فيما جعَل على نفسِه فيلْزَمَ ، فكيف
يَلْزَمُه ما لا يقصِدُ به (١) طاعةَ ربِّه؟ وفى حديثِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ خلافُ ما روَى
عنه غيرُه مِن الثقاتِ . قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم فيمَن جعَل على
نفسِه المشىَّ إلى مكةً: ( إن لم يُرِدْ به حبًّا ولا عُمرةً فلا شىءَ عليه ".
قال أبو عمر : إنما أدخل مالكٌ حديث ابنِ أبی حبيبة هذا ؛ لأن فيه إيجابَ
المشىِ دونَ ذكرِ النَّذْرِ (٤) ، وقد رُوِى عن مالك أن ابن أبى حبيبةً كان يومئذٍ قد
احتلَم ، وقولُه : ثم مكثتُ حتى عقَلتُ . يريدُ : حتى علِمتُ ما يجبُ علىَّ، لا
أنه كان صغيرًا لا تْزَمُه العباداتُ، وعلى هذا يجرى قولُ مالكِ: الصغيرُ لا يلْزَمُه
حقٌّ لله تعالى فى بدنِه .
القبس
(١) فى الأصل: ((مخاطبه)). وينظر شرح الزرقانى ٧٧/٣.
(٢) فى الأصل، م: ((عن)). والمثبت من شرح الزرقانى ٧٧/٣ .
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((أنه لم يرد به الحج على نفسه حجا ولا عمرة)). والمثبت من شرح
الزرقانى ٧٧/٣ .
(٤) فى الأصل، م: ((النظر)). والمثبت يقتضيه السياق.
٥٦٦
٠١
G
الموطأ
ما جاء فيمَن نذَر مشيًا إلى بيتِ اللهِ
١٠٣٤ - مالكٌ، عن عروةَ بنِ أُذَيْنةً الليثىّ ، أنه قال : خرَجتُ معَ
جدَّةٍ لى عليها مشى إلى بيتِ اللهِ ، حتى إذا كنَّا ببعضِ الطريقِ عجَزتْ،
فأرسَلَت مولّى لها يسألُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ ، فخرَجثُ معَه ، فسأَل
عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، فقال له عبدُ اللهِ بنُ عمرَ : مُرْها فلتَوْكَبْ ، ثمّ لتمشِ
من حیثُ عجزت .
قال يحيى : وسمِعتُ مالكًا يقولُ: وأرَى عليها مع ذلك الهدىّ.
٠٠
الاستذکار
بابُ ما جاء فيمَن نذَر المشىَ إلى بيتِ اللهِ
قال أبو عمرَ: هكذا ترجمةُ هذا البابِ فى ((الموطاً))، (ومعناه فيمَن نذَر
المشی فمشی ثم عجز .
ذكَر فيه مالكٌ عن عروةَ بنِ أَذَينةَ قال : خرَجتُ مع جدَّةٍ لى عليها مشى إلى
بيتِ اللهِ ، حتى إذا كنَّ ببعضِ الطريقِ عجَزتْ، فأرسَلَت مولّى لها يسألُ عبدَ اللهِ
ابنَ عمرَ، فخرجتُ معه، فسأل(٢) ابنَ عمرَ، فقال: مُرْها فلْتركَبْ ، ثم لْتمشِ
مِن حيثُ عجَزتْ(٣) . قال مالكٌ: فَأَرَى عليها مع ذلك الهدىَ .
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((وفى معناه)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) فى الأصل: ((فسألت)).
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٤٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١٧/١٣ ظ -مخطوط )،
وبرواية أبى مصعب (٢١٩٤). وأخرجه الشافعى فى الأم ٢٥٧/٧ - ومن طريقه البيهقى فى المعرفة
(٥٨٤٣) - عن مالك به، وأخرجه البيهقى ٨١/١٠ من طريق مالك به. وأقحم ذكر ابن شهاب
فى سنده فى الأم، وهو على الصواب فى المعرفة.
٥٦٧
١٠٣٥ - مالكٌ، أنه بلغه أن سعيدَ بنَ المسيَّبِ وأبا سلمةً بنَ
الموطأ
عبدِ الرحمنِ كانا يقولان مِثلَ قولِ عبدِ اللهِ بنِ عمر .
الاستذكار
قال أبو عمرَ: ليس لعروةَ بنِ أُذَينةَ فى ((الموطأ)) سوى هذا الخبرِ، وهو عروةُ
ابرُّ أُذينةً ، وأُذينةُ لقبٌ، واسمُه يحيى بنُ مالكِ بنِ الحارثِ بنِ عمرٍو ١ الليثىُّ،
من ١ بنى ليثِ بنِ بكرِ بنِ عبدِ مناةِ (١ بن كنانةَ. قال: كان شاعرًا رقيقَ الشِّغْرِ
غَزِلًا، وكان مع ذلك ثِقَةً(٤)، خَيِّرًا عندَهم. وروَى عنه مالكٌ وعبيدُ اللهِ بنُ عمرَ .
ولجدِّه مالكِ بنِ الحارثِ روايةٌ عن علىٍّ بن أبى طالبٍ. ( وَيُكْنَى عروةُ أبا عامٍ ).
مالكٌ ، أنه بلَغه عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أنهما
كانا يقولان مثلَ قولِ عبدِ اللهِ بنِ عِمرَ.
قال أبو عمر : روى عطاء عن ابنِ عمر خلاف رواية مالكِ عنه فی حدیثٍ
عروةَ بنِ أُذَينةَ ، وروايةُ عطاءٍ أصحُ عندَ أهلِ العلمِ بالحديثِ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (٧)، قال: أخبرنا ابنُ جريج، عن عطاءٍ، أن امرأةً جاءت
ابنَ عمرَ، فقالت له: نَذَرْتُ إلَّا(٨) اللهِ أن أمشىَ إلى مكةَ، فلم أستطع. فقال:
القبس
(١) فى الأصل، م: ((عمر)). والمثبت من شرح الزرقانى ٧٧/٣ نقلا عن المصنف، وينظر تعجيل المنفعة ٢/ ١١.
(٢) فى الأصل: ((فى)).
(٣) فى الأصل: ((نبات))، وفى م: ((مناف)). والمثبت من جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ١٨٠، ١٨١.
(٤) فى الأصل: ((فقه))، وفى م: ((صاحب فقه)). والمثبت من شرح الزرقانى ٣/ ٧٧.
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((ويروى عروة بن أبى عامر)). والمثبت من تاريخ دمشق ١٩٢/٤٠، ١٩٥.
(٦) الموطأ برواية أبى مصعب (٢١٩٥).
(٧) عبد الرزاق (١٥٨٦٣)، وفيه عن ابن جريج دون ذكر عطاء بلفظ: ((أن رجلًا جاء ابن عمر)).
(٨) فى م: ((إلى الله)).
٥٦٨
الموطأ
١٠٣٦ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أنه قال: كان علىَّ مشئٍ،
فأصابتنى خاصرةٌ ، فركِبتُ حتى أتيتُ مكةَ ، فسألتُ عطاءَ بنَ أبى رباح
وغيرَهُ ، فقالوا : عليكَ هدىٌ . فلمَّا قدِمتُ المدينةَ سألتُ علماءَها ،
فأمَرونى أن أمشىَ مَرَّةً أُخرَى من حيثُ عجَزتُ ، فمشَيتُ .
قال يحيى : وسمِعتُ مالكًا يقولُ: فالأمرُ عندَنا فيمَن يقولُ: علىَّ
مشىٍ إلى بيتِ اللهِ . أنه إذا عجَز ركِب، ثمّ عادَ فمشَى من حيثُ عجَز ،
فامشِى ما استطعتٍ واركَبى، ثم اذبحِى وتصدَّقى إذا وصَلتِ مكةً. فأمَرها الاستذكار
بالهدى ، ولم يأمُرُها بأن تمشى ما ركِبت .
وذکر مالكٌ فى هذا البابِ عن یحیی بنِ سعیدٍ ، قال: كان علىَّ مشىّ ،
فأصابَتْنى خاصِرةٌ(١)، فركِبتُ حتى أَتَيتُ مكةَ، فسألتُ عطاءَ بنَ أبى رباحٍ
وغيرَه ، فقالوا : عليك هدىٌّ. فلما قدِمتُ المدينةَ سألتُ علماءَها ، فأمَرونى أنّ
أمشىَ مرةً أخرَى مِن حيثُ عجَزتُ، فمشَيتُ(٢).
القبس
وأَمَر النبيُّ ◌َّ بالصدقةِ، ونهى عن المُثْلةِ(٣)، وقال: ((إن (٤ من المُثْلة٤ِ) أن يَنْذِرَ
الرجلُ أَن يَحُجَّ ماشيًا ، فمَن نذَر أن يَهُمَّ ماشيًا، فلئهْدِ هَذیًا لولینْكَبْ))() . ومَخْرِجُ
هذا الحديثِ عزيزُ الوجودِ ، ما رُوِّيناه إلا مِن طريقٍ واحدةٍ ،،ولا يصِحُ. واللهُ أعلمُ،
وكيف يَصِحُ وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧]؟ ولو كان
(١) الخاصرة: عرق فى الكلية إذا تحرك وجع صاحبه. التاج ( خ ص ر).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٤٨)، وبرواية يحيى بن بكير (١٧/١٣ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٢١٩٦). وأخرجه الشافعى ٢٥٧/٧، والبيهقى ٨١/١٠ من طريق مالك به.
(٣) فى م: ((المثالة)).
(٤ - ٤) فى م: ((المثالة)).
(٥) الطيالسى (٨٧٥)، وأحمد ٩٠/٣٣ (١٩٨٥٧).
بـ
٥٦٩
الموطأ فإن كان لا يستطيعُ المشىَ فليَمشٍ ما قدَر عليه ، ثمَّ لِيَرْكَبْ ، وعليه
هدىُ بَدنةٍ أو بقرةٍ أو شاةٍ ، إن لم يَجِدْ إلا هى .
الاستذكار
قال أبو عمرَ : فيما ذكّره مالكٌ ما يوضِّحُ لك أن فَتْوى أهلِ مكةَ بالهدى بدلًا
مِن المشي ، وقَتْوى أهلِ المدينةِ بالمشيِ مِن حيثُ عجَز مِن غيرِ هدي ، وأجمَع
مالكٌ عليه الأمرین جميعًا احتياطًا لموضع تعدِّيه المشی الذی کان یلزَمُه فى سفرٍ
واحدٍ وجعْلهِ فى سفرَين؛ قياسًا على المتمتع والقارنِ، واللهُ أعلمُ، فخالَف بذلك
الطائفتين معًا، إلا أنه قد رُوِى مثلُ قولِ مالك عن طائفةٍ مِن السلفِ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن الثورىِّ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ ، عن الشعبىِّ ،
عن ابن عباسٍ ، أن رجلًا نذَر أن يمشىَ إلى مكةً، قال: يمشى، فإذا أَعْيا ركِب،
فإذا كان عام قابلِ مشَى ما ركِب، وركِب ما مشَى، وأهدى بدنةً .
قال أبو عمرَ: كان نذرُه حبًّا؛ فلذلك قال له : فإذا كان عام قابلٍ . ولو
القبس مثلةٌ(١) ما ذكّره فى مَغْرِضِ العبادةِ، ولعل معناه: إذا نذَر وهو عاجِزٌ، كما روَى
مسلمٌ(٢) عن عقبةً بنٍ عامٍ قال: إن أختى نذَرَت أن تمشِىَ إلى بيتِ اللهِ حافيةً. فقال النبيُّ
وَلَى: ((لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ)). وفى الترمذىِّ، والنسائىٌّ، وأبى داود:
((فَلْتَخْتَمِوُ(٤)، ولْتَوْكَبْ، ولتَصُمْ ثلاثةَ أيامٍ))). وانفرَد أبو داودَ بقولِه:
(١) عبد الرزاق (١٥٨٦٥).
(٢) ليس فى : د .
(٣) مسلم (١٦٤٤) .
(٤) فى النسخ: ((تختمر)). والمثبت من مصادر التخريج .
(٥ - ٥) فى النسخ: ((وتركب وتصم)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٦) أبو داود (٣٢٩٣)، والترمذى (١٥٤٤)، والنسائى (٣٨٢٤). وينظر ما سيأتى ص٥٧٦ .
٥٧٠
الموطأ
الاستذكار
كان فى عمرةٍ لم يؤخّره إلى قابل ؛ لأن العمرةَ تُقْضى فى كلِّ السنةِ ، إلا فى أيام
عملٍ الحجّ .
ذكَر ابنُ أبى شيبةً (١)، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ
ابنُّ أبى خالدٍ ، عن الشعبىِّ، أنه سُئل عن رجلٍ "نَذَر أن٢) يمشِىَ إلى الكعبةِ،
فمشَى نصفَ الطريقِ وركِب نصفًا، فقال عامرٌ: قال ابنُ عباسٍ : يركَبُ ما
مشَى ، ويمشِى ما ركِب مِن قابلٍ ، ويُهدِی بدنةً .
وخالَف عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ فى هذه المسألةِ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ ، فلم يُوجبٍ
الهدىَ، كقولٍ سلفِ أهلِ المدينةِ .
(("فَلْتَوْكَبْ، ولتُهدِ " بَدَنةً))(٤). وإذا كان عاصيًا(٥)، فالنذرُ معصيةٌ، وعليه بَوَّبَ مالكٌ القبس
وأدخَل حديثَ أبى إسرائيلَ؛ نذَر أن يقومَ ولا يَفْعُدَ ، ولا يَسْتَظِلُّ، ولا يَتَكلَّمَ ، ويصومَ .
فقال النبىُّ وَّهِ: ((مُرُوه فليتكلَّمْ، وليَسْتَظِلَّ، ولِيَجْلِسْ، ولِيُتِمَّ صومَه)) . فأما القيام
والضُّحِىُّ، فلم يكنْ قطّ طاعةً ولا شرعًا ، وأما الصَّمْتُ فقد كان شرعًا لمَن كان قبلَنا ،
لكنه نُسِخِ فى مِلَِّنا. وأما الصيامُ، فإنه بقِى مشروعًا لازمًا يَلَمُه الوفاءُ به، وقد قال مالكٌ
رحمةُ اللهِ عليه، فى ((الموطأً))(٢): إذا نذَر ما لا يَقْدِرُ عليه، فلا يُجْزِئُهُ مِن ذلك إلاّ" الوفاءُ
بما جعَل على نفسِه، فليعمَلْ ما قدَر. المعنى: وما عجز عنه فالأمر فيه إلى اللهِ . وهذا
(١) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٨ .
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م. والمثبت من مصدر التخريج.
(٣ - ٣) فى النسخ: ((تركب وتهدى)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) أبو داود (٣٣٠٣) . وينظر ما سيأتى ص٥٧٦ .
(٥) فى د، م: ((عاجزًا)).
(٦) سيأتى فى الموطأ (١٠٣٨).
(٧) الموطأ عقب (١٠٣٦).
(٨) سقط من : م .
٥٧١
الموطأ
الاستذكار
ذكَر ابنُ أبى شيبةً(١)، قال: حدَّثنا يَعْلى بنُ عبيدٍ، عن الأجلحِ ، عن عمرٍو
ابنِ سعيدِ البَجَلَىِّ ، قال: كنتُ تحتَ منبرِ ابنِ الزبيرِ وهو عليه، فجاء رجلٌ
فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنى نذَرتُ أن أُحُجَّ ماشيًا فمشَيتُ، حتى إذا كان
موضعُ كذا خَشِيتُ أن يفوتَنى الحُ فركِبتُ . فقال ابنُ الزبيرِ : ارجعْ عامَ قابلٍ،
فاركَبْ ما مَشيتَ ، وامْشٍ ما ركِبتَ .
ورُوِى عن إبراهيمَ النخعىِّ والحسنِ البصرىِّ، عن كلِّ واحدٍ منهما
روايتان ؛ إحداهما مثلُ قولِ ابنِ عباسٍ. والأخرى مثلُ قولِ ابنِ عمرَ وابنٍ
(٢)
الزبيرِ ().
وعن الحسنٍ روايةٌ ثالثةٌ كقولٍ عطاءٍ، ذكرها ابنُ أبى شيبةً(١) عن أبى
أسامةَ، عن هشامٍ ، عن الحسنِ، فى رجلٍ نذَر أن يَحُجّ ماشيًا، قال : يمشِى،
فإذا انقطع ركِب وأهدى .
القبس صحيح، كما لو قال: للهِ علىَّ أن أصومَ الدهرَ. أو: أُصلِّىَ الزمانَ. فإنه(١)
يَلْزَمُه. والذى عندى فى ذلك أن ما كان مِن هذه الأعمالِ التى التزَمها والنذورِ
التى عَيَّنَها، لا يقطَعُ به فى معاشِه ولا فى صحتِه، فإنه يَلْزَمُه، وما قطَع
المعاشَ، أو أثَّر فى الصحةِ ، فإنه يَشْقُطُ عنه؛ لأنه معصيةٌ ، وليس يختلفُ فى
هذا أحدٌ. واللهُ أعلمُ .
م
(١) ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع ) ص ٣٨.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٨٦٦، ١٥٨٦٩، ١٥٨٧٠)، ومصنف ابن أبى شيبة (القسم
الأول من الجزء الرابع ) ص٣٨، ٣٩.
(٣) بعده فى م: ((لا)).
٥٧٢
الموطأ
فالثلاثةُ الأقوالِ مشهورةٌ عن علماءِ السلفِ محفوظةٌ؛ أحدُها، يعودُ الاستذكار
ويمشِى مِن حيثُ ركِب ولا يُهْدِى. والثانى، يُهدِى ولا يعودُ إلى المشي .
والثالثُ ، أنه يعودُ فيمشِى، ثم يُهدِى. رُوِى هذا عن ابنِ عباسٍ مِن طريقٍ
ثابتٍ(١) . ورُوِى عن علىّ أيضًا مِن وجهٍ فيه ضعفٌ .
وقد رُوِى عن علىِّ قولٌ رابعٌ فِيمَن نذَر المشىَ إلى الكعبةِ فى حجّ أو عمرةٍ،
أنه مُخيَّرٌ ؛ إن شاء مشَى ، وإن شاءركِب وأهدى . رواه قتادةُ ، عن الحسنِ ، عن
علىّ(١) . والحكمُ بنُ عُتيبةَ، عن علىّ (١) . وهما منقطعان .
ورؤَى موسى بنُ عبيدةً، عن یزید بنِ قُسيطٍ مثلَه (٤) .
قال الشافعىُّ: مَّن نذَر المشىَ إلى بيتِ اللهِ لزِمه إن قدّر
على المشي، فإن لم يقدِر ركِب وأهْراق دمًا احتياطًا، مِن قِبَلِ أنه إذا لم
يُطِقْ شيئًا "سقَط عنهْ). وهو قولُ مالكِ. ( والهدىُ) الواجبُ عندَه فى
هذا البابِ؛ بَدَنةٌ أو بقرةٌ، فإن لم يَجِدْ أهدَى شاةً. هذا قولُه فى
((الموطأ)) وغيرِه.
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٨٦٥)، والبيهقى ١٠/ ٨١.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٨، والبيهقى ٨١/١٠ من طريق قتادة به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٨ من طريق الحكم به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع ) ص٣٨ من طريق موسى به .
(٥ - ٥) فى الأصل: ((يسقط شيئًا)). وينظر الأم ٦٧/٧.
(٦ - ٦) فى الأصل، م: ((فى الهدى)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
٥٧٣
الموطأ
قال يحيى: وسُئل مالكٌ عن الرجلِ يقولُ للرجلِ : أنا أحمِلُكَ إلى
بيتِ اللهِ . فقال مالكٌ: إِن نوَى أَن يَحمِلَه على رقبتِه ، يريدُ بذلك
المشقَّةَ وتَعَبَ نفسِه ، فليسَ ذلك عليه ، وليمشِ على رِجَلَيه وليُهدِ ،
وإن لم يكُنْ نوَى شيئًا ، فَلْيَحُجّ وليَرْكَبْ ، ولْيَحُجَّ بذلك الرجلِ معَه ،
وذلك أنه قال : أنا أحمِلُكَ إِلی بیتِ اللهِ . فإن أتی أن يحجّ معَه فليس
عليه شىءٌ ، وقد قضَى ما عليه .
الاستذ کار
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: مَن حلَف بالمشي إلى بيتِ اللهِ ، أو إلى مكةً، ثم
حنث ، أنه يمشِى وعليه حَجَّةٌ أو عمرةٌ ، فإن ركب فى ذلك أجزأه وعليه دمٌ .
وأجازوا له الركوبَ وإن لم يعجِزْ عن المشي مع الدمٍ .
وفى هذا البابِ : سُئل مالكٌ عن الرجلِ يقولُ للرجلِ (١) : أنا أحمِلُك إلى
بيتِ اللهِ . فقال: إن نوَى أن يحمِلَه على رقبتِه، يريدُ بذلك المشقَّةَ وَتَعَبَ
نفسِه، فليس ذلك عليه، ولْيمشٍ على رجلَيه ولْيُهْدِ، وإن لم يكنْ نوَى شيئًا
فلیحُجّ ولیر گَبْ ، ويَحُجّ بذلك الرجلِ معه ، فإن أبى أن يَحُجَ معه فليس عليه
شیء، وقد قضى ما عليه .
اهو
قال أبو عمرَ : الشُنَّةُ الثابتةُ فى هذا البابِ دالَةٌ على طرح المشقةِ فيه عن كل
مُتقرّبٍ إلى اللهِ بشىءٍ منه .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
القبس
(١) ليس فى: الأصل.
٥٧٤
الموطأ
الاستذكار
داودَ، قال: حدَّثنا مَخْلدُ(١) بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ
جريج ، قال : أخبرنى سعيدُ بنُ أبى أيوبَ ، عن يزيد بن أبى حبيبٍ ، أخبره أن أبا
الخيرِ حدَّثه عن عقبةَ بنِ عامرِ المُهَنىِّ ، قال: نذَرَت أختى أن تمشىَ إلى بيتٍ
اللهِ، فأمَرْنى أن أستفتىَ لها رسولَ اللهِ وَلّهِ، فاسْتَفتَيتُ لها رسولَ اللهِ وَه ،
قال: ((لِتمشِ)). يعنى: ما قدَرت. ((ولْتُركَبْ)). ولا شىءَ عليها(١) .
قال أبو عمر: لم يأمُزها ټلټ بهدي ، ولم يُلزِمْها ما عجزت عنه ولم تقدِرْ
عليه .
حدَّثنا عبدُ اللهِ ، قال: أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا
مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدّثنا هشام، عن قتادة ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ،
أن النبيَّ وَ لِّ لِمَّا بَلَغه أن أختَ عقبةَ بنٍ عامٍ نذَرت أن تَحُجَّ ماشيةً، قال: ((إن
اللهَ تعالى لغنىٌّ عن نَذْرِها، مُؤْها أن تركَبَ)). قال أبو داود: وهكذا رواه
سعيدُ بنُ أبى عروبةَ وخالدٌ الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ(٣) .
ورواه همام، عن قتادةَ، فذكَر فيه: ((فلْتركَبْ ولْتُهْدِ)) (٤). وليس همام
القبس
(١) فى الأصل: ((محمود)). وينظر تهذيب الكمال ٣٣٤/٢٧.
(٢) أبو داود (٣٢٩٩)، وعبد الرزاق (١٥٨٧٣) - ومن طريقه مسلم (١٢/١٦٤٤)، وأحمد
٦٠٩/٢٨، ٦١٠ (١٧٣٨٦) - وأخرجه البخارى (١٨٦٦)، والنسائى (٣٨٢٣) من طريق ابن
جریج به .
(٣) أخرجه ابن حزم فى الإحكام ٣١/٥ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٢٩٧).
وأخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢١٥٣)، والبيهقى ٧٩/١٠ من طريق مسلم بن إبراهيم به.
(٤) أخرجه أحمد ٣٨/٤، ٣٧/٥ (٢١٣٤، ٢٨٣٤)، وأبو داود (٣٢٩٦) من طريق همام به.
٥٧٥
الموطأ
الاستذكار بحُجَّةٍ فيما خالَفه فيه هشامٌ عن قتادةَ .
وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُّ وَضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال: حدَّثنا أبو خالدِ الأحمر
ومحمدُ بنُ فُضيلٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ زَخْرٍ (١) ، عن أبى سعيد
الرُّعَينِىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ مالك، عن عقبةً بنٍ عامٍ، قال: نذَرَت أختى أن
تمشىَ حافيةً إلى بيتِ اللهِ غيرَ مُختمرةٍ، فسألتُّ النبيَّ وَ لَ فقال: ((مُرْ أُختَك
فَلْتختمِرْ، ولْتركَبْ، ولْتَصُمْ ثلاثةَ أيامٍ))(٢).
قال أبو عمرَ: يحتمِلُ أن يكونَ حلَفت مع نَذْرِها، وعلِم رسولُ اللهِ وَِه
عُشْرَها، فأمَرها بالصيام فى كفارة يمينها . وذلك محفوظ فى حديثِ ابنِ
عباسٍ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال : حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا حجاج بنُ أبى يعقوبَ، قال: حدَّثنا أبو النضرِ، قال: حدَّثنا
شريكٌ ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ مولى آلٍ طلحةً، عن کُریبٍ، عن ابنٍ
عباسٍ، قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ فقال: إن أختى نذَرَت أن تَحُجّ
ماشيةً. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن الله لا يصنَعُ بشقاءِ أختِك شيئًا، فَلْتَحُجّ
القبس
(١) فى الأصل: ((صخر)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦/١٩ - ٣٩.
(٢) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٧. وأخرجه أحمد ٥٤٠/٢٨ (١٧٣٠٦)،
والدارمى (٢٣٧٩)، وأبو داود (٣٢٩٣)، والترمذى (١٥٤٤)، والنسائى (٣٨٢٤)، وابن ماجه
(٢١٣٤) من طریق یحیی بن سعيد به .
٥٧٦
الموطأ
الاستذكار
راكبةٌ، ولْتَكفِّرْ عن يمينِها))(١).
وأخبرنا عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا
مُسَدَّدٌ ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، وحدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمٌ ، قال:
حدَّثنا محمدٌ ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُّ هارونَ ،
قالا : حدَّثنا حميدٌ الطويلُ، "عن ثابت البنانيّ"، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ، أن رسولَ
اللهِ وَّ﴿ رأى رجلاً يُهادَى بِينَ ابنَيه، فسأل عنه، فقالوا: نذَر أن يمشىَ. فقال:
((إن الله تعالى لغنىٌ عن تعذيبٍ هذا نفسَه)). وأمره أن يركَبَ . زاد يزيدُ بنُ
هارونَ : فركِب(٣) . ولم يذكُرْ واحدٌ منهما هَديًا ولا صومًا .
وروَى هذا الحديثَ عمرانُ القطانُ، عن حميدٍ ، عن أنسٍ ، قال: نذَرت
امرأةٌ أن تمشىَ إلى بيتِ اللهِ، فَسُئل النبيُّ نَّه عن ذلك، فقال: ((إن الله تعالى
لغنىٌّ عن مشيِها، مُرْها فلْتركَبْ)) (٤). ولم يذكُرْ هديًا ولا صومًا .
والقولُ قولُ يحيى القطانِ ويزيدَ بنِ هارونَ، عن حميدٍ فى هذا
القبس
(١) أبو داود (٣٢٩٥). وأخرجه أحمد ٣٤/٥ (٢٨٢٨) - بلفظ: ((جاءت امرأة ... ) - وأبو يعلى
(٢٤٤٣)، وابن خزيمة (٣٠٤٧)، وابن حبان (٤٣٨٤) من طريق شريك به .
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م . والمثبت من مصادر التخريج .
(٣) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٧، وأبو داود (٣٣٠١). وأخرجه البخارى
(٦٧٠١) عن مسدد به. وأخرجه أحمد ١٧٨/١٩ (١٢١٢٧) عن يحيى بن سعيد به ، وأخرجه
عبد بن حميد (١١٩٩) عن يزيد بن هارون به، وأخرجه مسلم (١٦٤٢) من طريق حميد به .
(٤) أخرجه الترمذى (١٥٣٦) من طريق عمران القطان به .
٥٧٧
(موسوعة شروح الموطأ ٣٧/١٢)
الموطأ قال يحيى: سُئل مالكٌ عن الرجلِ يَحلِفُ بنذورٍ مسمَّاةٍ مشيًا إلى
بيتِ اللهِ؛ ألَّ يُكلِّمَ أخاه أو أباه بكذا وكذا ، نذرًا لشىءٍ لا يَقْوَى عليه،
ولو تَكلَّف ذلك كلَّ عامِ لعُرف أنه لا يبلُغُ عُمُرُه ما جعَل على نفسِه من
ذلك ، فقيل له : هل يُجزِئُه من ذلك نذرٌ واحدٌ أو نذورٌ مُسمَّاةٌ؟ فقال
مالكٌ: ما أعلَمُه يُجزِتُه من ذلك إلا الوفاءُ بما جعَل على نفسِه ؛ فليمشِ
ما قدَر عليه من الزمانِ ، وليَتَقَرَّبْ إلى اللهِ تعالى بما استطاع من الخيرِ.
الاستذكار الحديثِ. واللهُ أعلمُ .
وذكر ابنُ أبى شيبةً(١)، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ فى
الرجلِ يقولُ للرجلِ : أنا أحمِلُك على أشفارٍ عَيْنَىَّ(٢). قال: يُحِجُه ويُهدِى بَدَنَّةً .
وهذا نحوُ قولِ مالكٍ. وإنما أو جَب أهلُ العلم فى هذا البابِ الهدىَ دونَ الصدقةِ
والصومِ وغيرِهما مِن أفعالِ البرّ ، واللهُ أعلمُ؛ لأن المشىَ لا يكونُ إلا فى حجّ أو
عمرةٍ . والقُرُباتُ بمكةً أفضلُها إراقةُ دماءِ الهَدَايا فى ذلك الوقتِ بمِنَّ وبمكةً
إحسانًا إلى مساكينِ الحرمِ، ومَن حضَر مِن فقراءِ المسلمين . واللهُ أعلمُ .
وأما قولُ مالكِ فى الذى يجعَلُ على نفسِه نذورًا، سمَّاها، كثيرةً ، لا يبلُغُها
عمُرُه، أنه يأتى من ذلك ما قدَر عليه ، ويتقرَّبُ إلى اللهِ تعالى بما استطاع مِن الخيرِ.
قال أبو عمرَ: لم يذكُرْ هنا هديًا؛ لأنه قد سقط عنه ما لم يقدِر عليه .
ويحتمِلُ أن يكونَ قولُه : ويتقرَّبُ إلى اللهِ بما استطاعَ مِن الخيرِ. الهدىَ ، فهو
أصلُه فى هذا البابِ ، ويحتمِلُ سائرَ نوافلِ الخيرِ، واللهُ أعلمُ . وباللهِ التوفيقُ .
القبس
(١) ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع ) ص ٦٠ بنحوه.
(٢) فى الأصل، م: ((عينيه)). والمثبت من المدونة ٨٥/٢.
٥٧٨
الموطأ
العملُ فى المشي إلى الكعبةِ
١٠٣٧ - مالكٌ، أن أحسنَ ما سَمِع من أهلِ العلم فى الرجلِ يَحلِفُ
بالمشى إلى بيتِ اللهِ ، أو المرأةِ ، فيَحنَثُ ، أَو تَحنَثُ ؛ أنه إن مشَى الحانثُ
منهما فى عمرةٍ ، فإنه يمشى حتى يسعَى بينَ الصَّفا والمروةِ ، فإذا سعَى فقد
فرَغْ، وأنه إن جعَل على نفسِه مشيًّا فى الحجِّ ، فإنه يمشِى حتى يأتِىَ مكةً،
ثمَّ يمشِى حتى يَفرُعَ من المناسِكِ كلِّها ، ولا يزالُ ماشيًا حتى يُفيضَ .
قال يحيى : قال مالكٌ : ولا يكونُ مشئ إلا فى حَجِّ أو عمرةٍ .
الاستذكار
بابُ العملِ فى المشي إلى الكعبةِ
ذكَر فيه مالكٌ ، أنه أحسنُ ما سَمِع مِن أهلِ العلم فى الرجلِ يحلِفُ بالمشي
إلى بيتِ اللهِ ، أو المرأةِ ، فيحنَثُ ؛ أنه إن مشَى الحانثُ منهما فى عمرةٍ ، فإنه
يمشِى حتى يسعَى بينَ الصفا والمروةِ ، وإن جعَل على نفسِه مَشْيًّا فى حَجَّةٍ ، فإنه
يمشِى حتى يأتىَ مكةً، ثم يمشِى حتى يَقضىَ المناسكَ كلَّها ، ولا يزالُ ماشيًا
حتى يُفيضَ، ولا يكونُ مشىٌ (١) إلا فى حج أو عمرةٍ(١).
قال أبو عمرَ: أما قولُه أنه سمِع أهلَ العلمِ فى الرجلِ یحلِفُ بالمشِی إلى
بيتِ اللهِ . فهذا مذهبُه ومذهبُ مَن سمِع منه فى التسويةِ بينَ الحالفِ بالمشي
إلى الكعبةِ وبينَ الناذرِ. وفى قولِه: (أحسنُ ما سمِع ). بيانُ أنه سمِع الخلافَ
القبس
(١) فى الأصل: ((ماشيا)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٨/١٣ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٢٠٠).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((أسمع)).
٥٧٩
الموطأ
الاستذكار فى ذلك . وأما الناذرُ فقد مضَى الخلافُ فيه . ولا خلافَ بينَ العلماءِ أن النذرَ
الطاعةَ يلزَمُ صاحبه الوفاءُ به ولا كفارةَ فيه . وأما الحالفُ بالمشي إلى مكةً أو إلى
بيتِ المقدسِ، فنذكُرُ الخلافَ هنا بعونِ اللهِ وفضلِه إن شاء اللهُ .
وأما قولُه فى الحالف بالمشي وهو یریدُ الحجّ، أنه یمشِی - یعنی مِن
موضعِه - حتى يأتىَ مكةً، ثم يقضِىَ المناسكَ كلَّها . فعلى هذا أكثرُ أهلِ العلم
فى الناذرِ دونَ الحالفِ ، ويأتى القولُ فى الحالفِ بالمشي إلى الكعبةِ فيما بعدُ إِن
شاء اللهُ . ويُروى عن ابنِ عباسٍ وعطاءِ بنِ أبى رباحٍ، أنهما قالا: مَن جعَل على
نفسِه المشىَ إلى بيتِ اللهِ ركِب مِن بلدِه، فإذا جاء الحرمَ نزَل إلى أن يطوفَ
طوافَ الإفاضةِ إن كان حائّجًا، وإن كان معتمِرًا حتى يسعَى بينَ الصفا
والمروةٍ (١) . وقد رُوِى عن عطاءٍ أنه يركّبُ حتى يأتىَ الميقاتَ - يعنى ميقاتَ
بلدِه - ثم ليمشٍ إلى أن يُمَّ حجّه أو عُمرتَه(١) . وقال الحسنُ: يمشِى مِن الأرضِ
التى يكونُ فيها(١) . ورُوِى عن مجاهدٍ مثلُهُ(١) . وقاله ابنُ جريج وجماعةُ فقهاءٍ
الأمصارِ .
وأما قولُه فى المشى: لا يكونُ إلا بحجّ أو عمرةٍ . فإن مكةَ لا تُدْخَلُ إِلا
بإحرامٍ، وأقلُّ الإحرامِ عمرةٌ. وقد شدَّ ابنُ شهابٍ فأجاز دخولَها بغيرِ إحرامٍ .
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٨٦٨، ١٥٨٧٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٨٧٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٨٧٠).
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٨٨١).
٥٨٠