Indexed OCR Text
Pages 281-300
الموطأ
..
ما يُردُّ قبلَ أن يقَعَ القسمُ مما أصاب العدوُ
٩٩٦ - مالِكٌ، أنه بلغه أن عبدًا لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ أَبَقَ ، وأن فرسًاله
عَارَ ، فأصابَهما المشركون ، ثمّ غَنِمهما المسلمون ، فردًّا على عبدِ اللهِ
ابنِ عمرَ، وذلك قبلَ أن تُصِيبَهما المقاسمُ .
الاستذكار
وأخذِ المباحاتِ فى أرضِهم، مما لم يكونوا يملكونه؛ كَعُودِ النُشَّابِ
والشُروج، وصقورٍ الصيدِ، وحَجَرِ المِسَنِّ، ونحو ذلك إن شاء اللهُ. وإنما
ذكَرنا فى هذا البابِ الطعامَ خاصةً ؛ لخلافٍ غيرِه له فى الحُكْم ، ولأن ترجمةً
البابِ تضمَّنتِ الأكلَ دونَ غيرِه .
بابُ ما يُرَدُّ قبلَ أن (٣يقعَ القَسْم٣ُ) مما أصاب العدوُ
ذكَر مالكٌ، أنه بلغه أن عبدًا لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ أَبَقَ () ، وأن فرسًا له عارَ(٥)،
فأصابَهما المشركون ، ثم غنِمهما المسلمون، فَرُدًّا على عبدِ اللهِ بنِ عمرَ،
وذلك قبلَ أن تُصِيبَهما المقاسمُ (١).
القبس
القبس
(١) فى الأصل، م: ((ما)).
(٢) فى الأصل، م: ((صعود)).
(٣ - ٣) فى ب: ((تقع القاسم))، وفى س: ((يقع فى القاسم)).
(٤) أبق العبد يأبق ويأيق إباقًا، إذا هرب. النهاية ١٥/١.
(٥) فى ب: ((غار)). وعار الفرس، إذا ذهب على وجهه، وتباعد عن صاحبه. اللسان (ع ور).
(٦) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٨ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٤٩).
٢٨١
الموطأ
قال يحيى : وسمِعتُ مالكًا يقولُ فيما يُصِيبُ العدوُّ من أموالٍ
المسلمين ، أنه إذا أَدرِكَ قبلَ أن تقَعَ فيه المقاسمُ فهو رَدِّ على أهلِه ، وأمَّا
ما وقَعت فيه المقاسمُ فلا يُرَدُّ على أحدٍ .
قال يحيى : وسُئل مالك عن رجل حاز المشركون غلامَه، ثم غَنِمه
المسلمون ، قال مالكٌ: صاحبُه أُوْلَى به بغيرِ ثَمنِ ولا قيمةٍ ولا غُرْمِ مالم
تُصِبْه المقاسمُ . قال: فإن وقَعت المقاسمُ فيه فإنى أَرَى أن يكونَ الغلامُ
لسَيِّدِه بالثَّمنِ إن شاء .
الاستذكار
قال مالكٌ فيما يصيبُ العدوُّ مِن أموالِ المسلمين ، أنه إذا أَدرِك قبلَ أن تقعَ
فيه المقاسمُ فهو ردِّ على أهلِه، وأما ما وقَعت فيه المقاسمُ فلا يُرَدُّ على أحدٍ (١).
وسُئل مالكٌ عن رجلٍ حاز المشركون غلامَه ، ثم غنمه المسلمون ، فقال
مالكٌ: صاحبُه أَولى به بغيرِ ثمنٍ ولا قيمةٍ ما لم تُصِبْه المقاسمُ ، فإن وقَعت
المقاسِمُ فيه فإنى أرَى أن يكونَ الغلامُ لسيدِه بالثَّمنِ إن شاءُ(١).
قال أبو عمرَ: أما خبرُ ابنِ عمرَ فى العبدِ والفرسِ، فذكر أبو إسحاقَ
الفَزَارِىُّ، عن موسى بنٍ عقبةً، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، أن غلامًا له أَبَقَ إلى
الرومِ ، وفرسًا له هرَب، فأخَذهما المشركون، فردًّا إلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وعلى
المسلمين يومَئذٍ خالدُ بنُ الوليدِ . قال موسى : وذلك عامَ اليرموكِ .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٥٠).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٨ظ، ٦و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٥١).
٢٨٢
الموطأ
قال أبو عمرَ : يختلفون على نافعٍ فى هذا الحديثِ، والصحيحُ إن شاء اللهُ الاستذكار
أن أحدَهما رَدَّه عليه رسولُ اللهِ وَ لَه، والثانىَ ردَّه عليه خالدُ بنُ الوليدِ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ علىِّ الحُلوانيُّ ومحمدُ بنُ سليمانَ الأنبارىُّ ،
قالا : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ نُميرٍ، عن عبيدِ ) اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ،
أنه ذهَب له فرسٌ، فأخذها العدوُّ، فظهَر عليهم المسلمون، فرُدَّتْ
عليه فى زمنِ النبيِّ وَ له. وأَبَق عبدٌ له فلحِق بأرضِ الرومِ، فَظهَر عليهم
المسلمون، فردَّه عليه. يعنى خالدَ بنَ الوليدِ بعدَ النبيِّ وَهُ".
وروَى معمرٌ، عن أيوبَ ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ ، قال: أبَق غلامٌ لى يومَ
اليرموكِ ، ثم ظهَر عليه المسلمون ، فردُّوه إلىّ(٤).
وروَى ابنُ جريجٍ ، قال: سمِعتُ نافعًا يزعُمُ أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ ذهَب العَدوُّ
بفرسِه ، فلما هُزِم العدوُّ وجَد خالدٌ فرسَه، فرَدَّه إلى عبدِ اللهِ بنِ عمر.
قال أبو عمرَ : روايةٌ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ عن نافعٍ أولى بالصوابِ فى ذلك إن
شاء اللهُ .
٠
القبس
٠
(١) فى الأصل: ((عبد)).
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م.
(٣) أخرجه البيهقى ١١٠/٩ من طريق محمد بن بكر به، وهو عند أبى داود (٢٦٩٩). وأخرجه
ابن ماجه (٢٨٤٧)، وابن الجارود (١٠٦٨) من طريق عبد الله بن نمير به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٩٣٥٣) عن معمر به .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٩٣٥٢) عن ابن جريج به .
٠٠٠
٢٨٣
الموطأ
وللعلماءِ فى هذه المسألةِ أقوالٌ ؛ أحدُها ، أن ما صار مِن أموالِ المسلمين
الاستذ کار
إلى الكفارِ بِغَلَبةٍ مِن الكفارِ عليه أو بغيرٍ غَلَبةٍ ، ثم ظفر به المسلمون ، فإنه يُرَدُّ إلى
صاحبِه - إن (١) عُلِمٍ وثبت ذلك قبلَ القَسْم - بلا شىءٍ، وإن أراده بعدَ القَسْم
أخَذه(٢) بالقيمةِ. وهو قول مالك، والثورىِّ، ((واللیث)، والحسنِ بنِ حیٍّ .
ورُوِى مثلُ هذا عن عمرَ بنِ الخطابِ وسلمانَ بنِ ربيعةً الباهلىِّ . وهو قولُ
عطاءٍ(٤) . وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ .
وقولٌ ثانٍ ، أن ما غلَب عليه الكفارُ وحازُوهُ ١٢ ، ثم غنمه المسلمون ، فحالُه
ما ذكرنا . وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه والثورىٌّ، قالوا: وأما ما صار إلى المشركين
مِن غيرٍ غَلَبَةٍ ( من الكفارِ عليه٢) ، فصاحبُه أحقُّ به، قبلَ القسم وبعدَه، بلا شىءٍ.
وقولٌ ثالثٌ ، أن ما غلَب عليه الكفارُ مِن أموالِ المسلمين ، أو ما أبَقَ إليهم
مِن رقيقِ المسلمين مِن غيرٍ غَلَبةٍ منهم ، ثم غنِمه المسلمون ، فكلُّ ذلك سواءٌ ،
هو لصاحبِهِ بلا شىءٍ قبلَ القَشْم وبعدَه . وهو قولُ الشافعيِّ، وبه قال أبو ثورٍ .
وعن الأوزاعىِّ روايتان ؛ إحداهما مثلُ قولِ أبى حنيفةَ ، والثانيةُ مثلُ قولِ مالكٍ .
وقال الثورىُّ فى العبدِ يأْبِقُ إلى العدوّ ثم يصيبُه المسلمون، أن صاحبَه أحقُّ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((و)).
(٢) فى الأصل، م: ((فهو أحق به))، وفى ب: ((كان أحق به)).
(٣ - ٣) ليس فى : الأصل ، ب ، م .
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤٤٣/١٢ - ٤٤٥، ومصنف عبد الرزاق (٩٣٥٠، ٩٣٥٩)،
وشرح معانى الآثار ٢٦٣/٣.
(٥) فى الأصل، م: ((جاوزوه)).
(٦ - ٦) ليس فى : الأصل، م .
٢٨٤
الموطأ
الاستذكار
به ، قُسِم أو لم يُقْسَمْ.
وقال الأوزاعىُّ: إن دخَل العبدُ الآبِقُ(١) الحصنَ(١) مِن حصونِ العدوِّ، قُسِم
مع أموالِ أهلِ الحصنِ ويكونُ فَيئًا ، وإن لم يَدخُلِ الحصنَ رُدَّ إلى مولاه .
وفى المسألةِ قولٌ رابعٌ، قاله الزهرىُّ وعمرُو(٣) بنُ دينارٍ، قالا: ما أحرَزه
العدوُّ، ثم غنِمه المسلمون ، فهو لجماعةِ المسلمين يَقسِمونه، ولا يُرَدُّ إلى
صاحبه، وهو للجیش (٤).
وذكَر ابنُّ أبى شيبةً(٥) ، قال: حدَّثْنَا عَبْدَةُ(١) بنُ سليمانَ ، عن سعيدٍ ، عن
قتادةَ ، قال: قال علىّ رضِى اللهُ عنه: هو للمسلمين عامةً؛ لأنه كان
لهم مالاً .
وروَى سفيانُ بنُ عيينةً، عن سعيدِ بنِ أبى عروبةَ ، عن قتادةَ ، قال: قال عليّ
فيما قُسِم مما أَحرَزه العدوُّ فظُهِر عليه، فصاحبُه أحقُّ به بالقيمةِ(١).
وهذا خلافُ ما ذكره أبو بكرٍ(٥) ، قال: حدَّثنا معتمرُ بنُّ سليمانَ، عن أبيه،
القبس
(١) ليس فى : الأصل ، م .
(٢) فى الأصل، م: ((القسم)) .
(٣) فى الأصل، م: ((عبد الله )).
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (٩٣٤٨، ٩٣٥١)، وشرح معاني الآثار ٣/ ٢٦٤.
(٥) ابن أبى شيبة ١٢ / ٤٤٤.
(٦) فى الأصل، م: ((عبد الله)). وينظر تهذيب الكمال ٣٤/١٦، ٥٣٠/١٨.
(٧) فى م: ((بالغنيمة)).
٢٨٥
الموطأ
الاستذكار أن عليًّا كان يقولُ فيما أحرَزه العدوُّ مِن أموالِ المسلمين، أنه (١ بمنزلةٍ أموالهم١).
قال : وكان الحسنُ يُفْتِى بذلك.
قال أبو عمرَ : هذه روايةٌ لسليمانَ التيمىِّ عن الحسنِ .
وقد روَى هُشيمٌ، عن مغيرةَ ، عن إبراهيمَ ، وعن يونسَ، "عن الحسن٢ِّ)،
قالا : ما أحرزَه العدوُّ مِن مال المسلمين، فغنِمه المسلمون وعرَفَه صاحبُه ، فهو
أحقُّ به ما لم يُقْسَمْ، فإن قُسِم فقد مضى. ذكره أبو بكرٍ ) عن هُشيم.
٠
قال(٣): وحدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ مثلَه .
قال أبو عمرَ : احتَجَّ الشافعىُّ لمذهبِهِ بحديثٍ عمرانَ بنِ حصينٍ، قال :
أغار المشركون على سَرْحُ المدينةِ وأخَذوا العَضْباءَ وامرأةً مِن المسلمين،
فلما كان ذاتَ ليلةٍ قامَت المرأةُ وقد نامُوا، فجعَلت لا تضَعُ يدَها على بعيرٍ إلا
رَغا، حتى أتت العَضْباءَ، فأتَتْ على ناقةٍ ذلولٍ فركبتها، ثم توجّهت قِبَلَ
المدينةِ، ونذَرت لئنِ اللهُ نَّاها لتَنْحَرَنَّها، فلما قدِمت المدينةَ عُرِفت الناقةُ ،
فأتَوا بها النبيَّ وَ لَّ، فأخبرتْه المرأةُ بنذرِها، فقال: ((بئسما جَزَيْتِها؛ لا نذرَ
فيما لا يملِكُ ابنُ آدَمَ ولا فى معصيةٍ)). رواه حمادُ بنُ زيدٍ ، وابنُ عُلَيَّةَ، وعبدُ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((بمنزلتهم)).
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((ابن جبير)).
(٣) ابن أبى شيبة ٤٤٦/١٢ .
(٤) فى الأصل، م: ((صاحب)).
(٥) فى ب: ((جزيتيها))، وفى س: ((جزتها)).
٢٨٦
الموطأ
الاستذكار
الوهابِ الثقفىُ، عن أيوبَ ، عن أبى قِلابةَ، عن أبى المُهَلَّبِ ، عن عمرانَ بنِ
حصينٍ(١). وفى روايةِ بعضِهم عن أيوبَ: فَأَخَذها النبيُّ وَل.
قال الشافعىُّ : فهذا دليلٌ على أن أهلَ الحربِ لا يَعْلِكون علينا بالغَلَبةِ ولا
بغيرِها ، ولو مَلَكوا علينا لكانت المرأةُ تَمَلَّكت الناقةَ، كسائرٍ أموالهم لو أخذت
شيئًا منها، (" ولو ملَكَتها لَصَعَّ ٢٢ نذرُها فيها، وقد فضَّل اللهُ المسلمين بألا يُعْلَكَ
شىءٌ مِن أموالهم إلا عن طِيبٍ أنفسِهم ، ولا يَرِثَها عنهم إلا أهلُ دينهم . واحتجّ
المخالفون للشافعيّ عليه بما رواه الحسنُ بنُ عمارةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ
میسرً ، عن طاوسٍ ، عن ابنِ عباس ، أن رجلًا وجد بعیرًا له كان المشركون قد
أصابوه، فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إن أصبتَه قبلَ أن يُقْسَمَ فهو لك، وإن أصبتَه
بعدَما قُسِم أخَذتَه بالقيمةِ))(١) .
قال أبو عمرَ : الحسنُ بنُ عمارةَ مجتمَعٌ على ضعفِه وتركِ الاحتجاج بحديثه .
وذكَر الطحاوىُّ أن علىَّ بنَ المدينىِّ روَى عن يحيى بنِ سعيدٍ ، أنه سأل
مِسْعَرًّا عن هذا الحديثِ ، فقال : هو مِن حديثٍ عبد الملكِ بنِ ميسرةً .
وروَى وكيعٌ وعبدُ الرزاقِ ، عن) الثورىِّ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن تميمٍ
القبس
:
(١) أخرجه أحمد ٩٥/٣٣ (١٩٨٦٣)، ومسلم (١٦٤١) من طريق حماد بن زيد به ، وأخرجه
أحمد ١٢٤/٣٣ (١٩٨٩٤)، ومسلم (١٦٤١) من طريق ابن عليه به. وأخرجه مسلم (١٦٤١)،
والبيهقى ١٠٩/٩ من طريق عبد الوهاب الثقفى به .
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((ولو صح)).
(٣) أخرجه الدارقطنى ١١٤/٤، ١١٥، والبيهقى ١١١/٩ من طريق الحسن بن عمارة.
(*) من هنا خرم فى المخطوط ((ب) ينتهى ص ٢٩٢ .
٢٨٧
الموطأ
قال مالكٌ فى أُمّ ولدِ رجلٍ من المسلمين حازَها المشركون ، ثم
غَنِمها المسلمون، فقُسِمت فى المقاسم، ثمَّ عرَفها سَيِّدُها بعدَ
القَسْم ، أنها لا تُستَرَقُّ، وأَرَى أَن يَفْتَدِيَها الإِمامُ لسيِّدِها ، فإن لم يَفعَلْ
فعلى سيِّدِها أن يَفتَدِيَها ولا يدَعَها، ولا أُرَى للذى صارت له أن
يَستَرقَّها ، ولا يَستحِلّ فَوْجَها، وإنما هى بمنزلةِ الحُرَّةِ؛ لأن سيِّدَها
يُكلَّفُ أَن يَقدِيَها إذا جرَحَت ، فهى بمنزلة ذلك ، فليس له أن يُسلِّمَ أُمّ
ولدِه تُستَرَقُّ ويُستَحَلُّ فَرْجُها .
الاستذكار ابنِ طَرَفَةَ ، مرسَلًا ، قال: أصابَ المشركون ناقةً لرجلٍ مِن المسلمين ، فاشْتَراها
رجلٌ مِن المسلمين مِن العدوِّ، فعرَفها صاحبُها، فخاصَمه إلى النبيِّ وَلَه، فأقام
البينةَ، فقضَى النبىُّ نَّ أَن يَدْفَعَ إليه الثمنَ الذى اشْتَراها به مِن العدوِّ، وإلا خَلَّى
(١)
بينَه وبينَها (١) .
وفى البابٍ : قال مالكٌ فى أمّ ولدِ رجلٍ مِن المسلمين حازّها المشركون ،
ثم غنِمها المسلمون ، فقُسِمت فى المقاسم، ثم عرَفها سيدُها بعدَ القَسْمِ ، أنها
لا تُسْتَرَقُّ، وأرى أن يفتدِيَها الإمامُ لسيدِها. قال: فإن لم يفعلْ فعلى سيدِها أن
يَفتدِيَها ولا يَدَعَها ، ولا أرَى للذى صارت له أن يَشْتِقَّها ، ولا يستحِلَّ فرجَها ،
وإنما هى بمنزلةٍ الحرَّةِ؛ لأن سيدَها يُكَلَّفُ أن يفديَها إذا جرَحت ، فهى بمنزلةٍ
ذلك، فليس له أن يُسَلِّمَ أمَّ ولدِه تُسْتَرَقُ ويُستحَلُ فربجها .
القبس
(١) عبد الرزاق (٩٣٥٨). وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٤٧/١٢ عن وكيع به .
٠
٢٨٨
الموطأ
قال يحيى: وسُئل مالك عن الرجلِ يخرجُ إلى أرضٍ العدوِّ فى
المُفاداةِ أو فِى التجارةِ ، فيشتَرِى الحُرَّ أو العبدَ، أو يُوهَبَان له، فقال: أَمَّا
الحرّ ، فإن ما اشتراه به دَیْنٌ علیه ، ولا يُستَرَقَّ ، وإن کان ۇُهِبَ له فهو
قال أبو عمرَ : اختَلَف العلماءُ فى هذه المسألةِ ؛ فقولُ مالكِ فيها ما ذكره الاستذكار
فى ((موطئِه)).
وقد رُوِى عنه أن على صاحبها أن يَفْدِيَها إن كان مُوسرًا، فإن كان مُعْسِرًا
أُتْبِع به ديًا إن لم يُغْطَ ذلك مِن بيتِ المالِ. قال: وأَرَى على الإمامِ أن يَفديَها .
وقال الليثُ بنُ سعدٍ فى ذلك كقولٍ مالكٍ، إلا أنه قال: يُتْبَعُ(١ السيدُ بقيمتِها"
دَیْنًا إن لم یکنْ عندَه ما يَفْدِیها به .
قال أبو عمرَ : كان الليثُ بنُ سعدٍ لا يرى على سيدٍ أمّ الولدِ أن يُؤدِّىَ عنها
جنايتَها ، وقال: يُتْبَعُ به أمّ الولدِ دونَ السيدِ . وهذه مسألةٌ أخرى قد اختلَفَ فيها
العلماءُ، وسيأتى موضعُها إن شاء اللهُ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه : لا يملكُ
العدوُّ علينا بالغَلَبَةِ حرًّا ولا أمَّ ولدٍ ولا مُدَبًَّا. وقال الشافعُّ على أصلِه : ليس فى
أمّ الولدِ على سيدِها شىءٌ ( وتُدفعُ إليه أم ولدِه). لأن العدوَّ لا يَعْلِكون عندَه
شيئًا مِن أموالٍ المسلمين .
وأما قولُ مالكٍ فى الرجلِ يخرجُ إلى أرضٍ العدوِّ فى المُفاداةِ والتجارةِ،
القبس
(١) بعده فى س: ((به)).
(٢) سقط من : س .
(٣ - ٣) فى س: ((وترجع إلى سيدها)).
(٤) المفاداة: أن تدفع رجلًا وتأخذ رجلًا. اللسان ( ف دى ).
٢٨٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٩/١٢ )
٠٥٠
الموطأ
حُرٍّ ، وليس عليه شىءٌ، إلا أن يكونَ الرجلُ أَعطَى فيه شيئًا مُكافأةً ، فهو
دَيْنٌ على الحُرِّ بمنزلةٍ ما اشتُرِىَ به. وأمَّا العبدُ، فإن سيِّدَه الأوَّلَ مُخَيَّرٌ
فيه؛ إن شاء أن يأخُذَه ويَدفَعَ إلى الذى اشتراه ثَمنَه فذلك له ، وإن أُحَبَّ
أن يُسلمه اُسلمه، وإن كان ۇُهِبَ له فسيِّدُه الأوَّلُ اُحقُّ به ولا شىءَ
عليه ، إلا أن يكونَ الرجلُ أُعطَى فيه شيئًا مُكافأةً ، فيكونُ ما أعطَى فيه
غُرْمًا على سيِّدِه إِن أَحَبَّ أن يَفتَدِيَه .
الاستذكار فيشترِى الحرّ أو العبدَ، أو يُوهَبانٍ له، فإنه إن وُهِب له الحرّ فهو حرّ ولا شىءَ
عليه ، وإن وُهِب له العبدُ فلا شىءَ له ولا شىءَ عليه، وإن اشترَى الحرّ أو أعطَى
عليه مكافأةً فذلك دَينٌ ( على الحرّ(١) يُتْبَعُ به، وإن اشترى العبدَ أو أعطَى عليه
مكافأةً ، فإن سيدَه مُخيّرٌ ؛ إن شاء أخَذ عبدَه وأعطَى الثمنَ الذى اشتراه به أو
المكافأةَ ، وإن شاء أسلَمه .
وهذا كلُّه معنى قولِ الحسنِ البصرىِّ، وإبراهيمَ النخعيِّ، وابنٍ شهابٍ
الزهرىِّ(١) . وبه قال الأوزاعىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ.
وقال اللیثُ بنُ سعدٍ : إن كان موسرًا دفَع إلى المشترى ما اشْتَراه به، وإن
كان مُغْسِرًا ففى بيتِ المالِ، فإن لم يكنْ كان دَيْنًا عليه .
قال أبو عمرَ : سواءٌ عندَ مالكِ اشترَى الحرّ بأمرِه أو بغيرِ أمرِه ، وجوابُه فيه ما
ذكَّر فى ((الموطأُ)).
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل، م.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٩٣٦٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ٤٤٦/١٢، ٤٤٧.
٢٩٠
.
الموطأ
الاستذ کار
وكذلك العبدُ ، سواءٌ اشْتَراه بإذنِ سيدِه أو بغيرِ إذنِه ، إلا أنه إذا اشتراه "
بإذنه ) لزمه ما اشْتَراه به، إلا أن يكون أكثرَ مِن قيمتِه بما لا يَتغابنُ الناسُ(٢) بمثلِه،
فيعودَ إلى التخييرِ . وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً ، والثورىُّ: ليس على الأسيرِ الحرّ
شىءٌ ١ مِن الثمنِ الذى اشْتَراه به ، إلا أن يكونَ أمَره بالشراءِ.
قال أبو عمرَ : الحُجَّةُ لمالكِ أن فداءَ الأسيرِ لنفسِه من أيدى (١) العدوِّ واجبٌ
عليه ، ومُقامَه مع قدرته على الفداءِ لا يجوزُ له ، فالذى اشتراه إنما فعَل ما كان(١)
يلزَمُه ، فوجب أن يرجعَ عليه بما اشتراه به . ومَن قال بقولِ الكوفيّين يقولُ : إن
الضَّمانَ غيرُ مُتعلِّقٍ بالوجوبِ ، بدليلٍ وجوبِ فداءِ الأسيرِ على جماعةٍ
المسلمين، وإجماعِهم على أنه لو أمَره بالفداءِ رجَع به عليه دونَ جماعةٍ
المسلمين، فإذا لم يأمُرْه لم يكنْ له أن يَتْبُتَ عليه دينٌ إلا بأمرِه .
قال أبو عمرَ : قولُ مالكِ أولى؛ لأنه المُقَدَّمُ على جماعةِ المسلمين فى فداءِ
نفسِه إذا قدَر عليه . وقال الأوزاعىُّ: لو أُسِرِ ذمىٌّ ففَداه مسلم بغيرِ أمرِهِ ، اسْتَشْعاه
فيه . وأما العبدُ فليس على سيدِه شىءٌ مما اشتراه أو فدَاه به التاجرُ بغيرِ أمرِ السيدِ ؛
لأنه مُتطوٌِّ بفعلِه ، ويأخُذُ السيدُ عبدَه كما يأْخُذُه قبلَ القَسْم. وأما أبو حنيفةً
فقال : إذا اشترى ( العبدَ فأخرجهُ) إلى دارِ الإسلامِ كان لمولاه أخذُه بالثمنِ،
فإن وهَبه المشترِى لرجلٍ قبلَ أن يأخُذَه مولاه، ثم جاء المولى، لم يكنْ له فَسْخُ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((لزمه بأمره)).
(٢) ليس فى : الأصل ، م .
(٣) فى الأصل، م: ((أرض)).
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((فأخذه )).
٢٩١
الموطأ
ما جاء فى السَّلَبِ فى النَّفَلِ
٩٩٧ - مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن عمرو بنِ كَثِيرٍ بِنِ أَفَلَحَ ،
عن أبى محمدٍ مولى أبي قتادةَ ، عن أبى قتادةَ بنِ رِئْعِىٌّ ، أنه قال : خرجنا
معَ رسولِ اللهِ وَلَه عَامَ حُنيْنِ، فلمَّا التَّقَينا كانت للمسلمِين جولةٌ .
الاستذكار الهِبةِ ، ولكنه يأخُذُه مِن الموهوبِ له بقيمتِه يومَ وُهِبه. وروَى أشهبُ عن مالكٍ،
أنه قال: لو أعتَقه المشترِى بَطَل عتقُه ، وأخذه مولاه بالثمن الذى اشتراه به . قال
أشهبُ : فهبةُ المشترِى أحَقُّ أن تبطُلَ ، ويأخُذُه بما اشتراه به . وهو قولُ أشهبَ
وابنٍ نافعٍ . وقال ابنُ القاسمِ: إن أعتَقه لم يكنْ للمولى إليه سبيلٌ، (ولا يُنقَضُ
العتقُ ، ولا يُنْقَضُ البيعُ إِن باعه، ولا الهِبَةُ ( إن وهَبه)، وإنما له الثمنُ. وقال
الحسنُ بنُ حىٍّ: إن باعَه أخَذه المولى مِن المشترِى الثانى بالثمنِ الذى أخَذه
الأُولُ مِن العدوِ، فإن كان أقلَّ رجَع بما بينَ الثَّمنَين على الذى باعَه منه . وقال
الشافعىُّ: إن اشتراه بأمرِه ثم اختلفا، فالقولُ قولُ الأسيرِ. وقال الأوزاعىُّ:
القولُ قولُ المُشترِى؛ اشتراه بأمرِه، أو (٢) بغيرِ أمرِه (٥).
مالكٌ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن عمرو بنِ كثيرٍ بنٍ أفلحَ ، عن أبى محمدٍ
التمهید
مولَى أبى قتادةَ، عن أبى قتادةَ بنِ رِئْعِىٌّ، أنه قال: خرَجنا مع رسولِ اللهِ وَّ عامَ
حُنينٍ ، فلمَّا التَقَيْنا كانت للمسلمين جولةٌ . قال: فرأيتُ رجلًا مِن المشركين قد
القبس
وأما حديثُ أبى قتادةَ، فإن النبيَّ وَّقال فيه: ((مَن قتَل قتيلًا له عليه بيِّنَةٌ فله
(١ - ١) ليس فى : الأصل ، م .
(٢) بعده فى الأصل، م: ((لم يشتره)).
(*) هنا ينتهى الخرم فى المخطوط ((ب)) والمشار إليه ص ٢٨٧.
٢٩٢
الموطأ
قال : فرأيتُ رجلًا من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين . قال :
فاستدَرْتُ له حتى أتيتُه من ورائِه ، فضرَبتُه بالسيفِ على حَبْلِ عاتقِه ،
فأقبَلَ علىَّ فضمَّنى ضمَّةً وجَدتُ منها رِيحَ الموتِ ، ثمّ أدرَ كه الموتُ ،
فأرسَلنى. قالَ: فلقِيتُ عمرَ بنَ الخطابِ ، فقلتُ : ما بالُ الناس ؟
فقال: أمرُ اللهِ. ثم إِن الناسَ رجَعوا، فقال رسولُ اللهِ وَ له: ((مَن قَتَل
قتيلًا له عليه بَيِّنَةٌ فله سَلَبُهُ)). قال: فقمتُ ثمَّ قلتُ: مَن يَشهَدُ لى؟ ثمَّ
جلَستُ ، ثمَّ قال: ((مَن قتَل قِيلًا له عليه بَيِّنَةٌ فله سَلَبُه)). قال : فقمتُ ثمَّ
قلتُ : مَن يَشهَدُ لى؟ ثمّ جلَستُ ، ثمّ قال ذلك الثالثةً، فقمتُ ، فقال
علا رجلًا من المسلمين. قال: فاستدَرتُ له حتى أتَيْتُه مِن ورائِه، فضرَبَتُه التمهيد
بالسيفِ على حبْلِ عاتِقِه ، فأقبلَ علىَّ فضمَّنى ضمَّةً وَجَدتُ منها ريحَ الموتِ ،
ثم أُدرَ كه الموتُ فأرسَلنى . قال: فلقِيتُ عمرَ بنَ الخطابِ ، فقلتُ ، ما بالُ
الناسٍ؟ فقال: أمرُ اللهِ. ثم إن الناسَ رجَعوا، فقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((مَن قتَل
قتيلًا له عليه بينةٌ فله سَلَبُه)). قال: فقمتُ ثم قلتُ : مَن يَشْهَدُلى؟ ثم جلَستُ،
ثم قال: ((مَنْ قَتَل قتيلًا له عليه بينةٌ فله سَلَبُه)) . قال: فقُمتُ ثم قلتُ: من يَشْهَدُ
لى؟ ثم جلَستُ، ثم قال ذلك الثالثةَ، فقُمتُ، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((مالكَ
يا أبا قتادةَ؟)). فاقتصَصْتُ عليه القصةَ، فقال رجلٌ مِن القوم: صدَق يا رسولَ
القبس
سَلَبُه)). بعدَ انقضاءِ القتالِ؛ فقال الشافعىُّ وغيرُه: إن ذلك إخبارٌ عن حكم الشرعِ.
وقال مالكٌ وغيرُه : إن ذلك نفَلٌ من الإمامِ ، وحكمُ النفَلِ وحِلَّه أن يكونَ بعدَ القتالِ ؛
٢٩٣
الموطأ
٠٫٤
رسولُ اللهِ وَّلَهِ: «ما لكَ يا أبا قتادةَ؟)). فاقتصَصتُ عليه القصَّةَ، فقال
رجلٌ من القومِ: صدَق يا رسولَ اللهِ، وسَلَبُ ذلك القتيلِ عندى،
فأَرْضِه منه يا رسولَ اللهِ . فقال أبو بكرٍ: لَا هَا اللهِ إذنْ لا يَعمِدُ إِلى أُسَدٍ
من أُسْدِ اللهِ يُقاتِلُ عن اللهِ ورسولِهِ فِيُعطِيكَ سَلَبَه . فقال رسولُ اللهِ
نَّهُ: («صدَق، فأعطِهِ إِيَّه)). فأعطانيه، فبِعْتُ الدِّرْعَ فاشترَيتُ به
مَخْرَفًا فى بنى سَلِمَةً، فإنه لأُوَّلُ مالٍ تأثّلتُه فى الإسلامِ .
التمهيد اللهِ، وسَلَبُ ذلك القتيل عندِى، فَأرْضِه منه يا رسولَ اللهِ. فقال أبو بكرٍ: لَاهَا
اللهِ إذنْ(١) لا يَعْمِدُ إلى أسدٍ من أُسْدِ اللهِ يُقاتِلُ عن اللهِ وعن رسولِه فيُعطِيك
سَلَبَه. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((صدَق، فأعطِهِ إِيَّه)). فَأُعْطَانِيه، فبعتُ الدرعَ
فاشترَيْتُ به مَخْرَفًا فى بَنى سلِمَةَ، فإِنَّه لأوَّلُ مالٍ تَأَلْتُه فى الإسلامِ() .
القبس لأنه إن كان قبلَ القتالِ كان تحضيضًا على القتالِ" طلبًا للدنيا، وقد ثبت عن النبيِّ
إنَّه أنه قضَى بالسَّلَبِ لغيرِ القاتلِ، فى حديثِ معاذِ بنِ عمرو بنِ الجَموحِ()، وردَّه
فى حديثٍ خالدٍ من يدِ آخذِه ، وأعطاه تارةً أخرى من النفَلِ، كما قسم للفرسِ
(١) كذا الرواية، واستنكرها أهل العربية وقالوا: هو تغيير من الرواة، وصوابه: لا ها الله ذا. بغير
ألف فى أوله، ومعناه: لا والله لا يكون ذا، أو: لا والله الأمر ذا. ينظر الاقتضاب فى غريب الموطأ
١٨/٢، ١٩، وفتح البارى ٣٨/٨ - ٤٠، والنهاية ٢٣٧/٥.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٦/٨و، ٦ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٤٠). وأخرجه
البخارى (٢١٠٠، ٣١٤٢، ٤٣٢١)، ومسلم (١٧٥١)، وأبو داود (٢٧١٧)، والترمذى
(١٥٦٢) من طريق مالك به، وعندهم: ((عمر بن كثير بن أفلح)).
(٣ - ٣) فى د: ((للقتال)).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٣٠٦ - ٣٠٨ .
(٥) سيأتى تخريجه ص ٣٠٨ - ٣١٠ .
٢٩٤
الموطأ
هكذا قال يحيى عن مالك فى هذا الحديثِ : عن يحيى بن سعيدٍ ، عن التمهيد
عمرو بنٍ كثيرٍ . وتابَعه قومٌ ، وقال الأكثرُ: عُمَرُ بنُ كثيرٍ بنٍ أفلح .
وقال الشافعىُ(١): عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ابن كثيرٍ بنٍ أفلحَ .
ولم يُسَمِّه .
والصوابُ فیه عن مالك : عمرُ بنُ کثیرٍ. و کذلك قال فیه کلَّ مَن رواه عن
يحيى بن سعيدٍ؛ منهم ابنُ عُيينةً(١) ، وحفصُ بنُ غِياثٍ .
وقال البخارىُّ(١) والغُقَيلىُّ: عمرُ بنُ كثيرٍ بنٍ أفلحَ ، مدنيٌّ ، روَى عنه ابنُ
عجلان وغيره . وقال عبدُ اللهِ بن أحمد بن حنبلٍ : سألتُ أبی عن عمر بنِ کثیرٍ
ابنِ أفلحَ، فقال: هو مولَى أبى أيوبَ، روى عنه ابنُ عونٍ. وذكَر البخارىُّ
والعُقيلُّ فى بابِ عمرٍو: عمرُو بنُ كثيرِ بنِ أفلحَ، مدنيٌّ ، روَى عنه ابنُ أبى
فُدَيكِ وعثمانُ بنُّ الیمانِ .
قال أبو عمر : عمرو بنُ کثیرٍ بنِ أفلح الذی روی عنه ابنُ أبی غُدیک لیس هو
القبس
سهمينٍ وللرجلِ سهمًا من النقَلِ أيضًا(٤) ، وظنّ مالكٌ أن ذلك أصلٌ(*) فى الشريعةٍ ١
أيضًا، والصحيح أن ذلك كلَّه تفصيلٌ(١) لا تأصيلٌ.
(١) الشافعى ٤/ ١٤٢، ٢٢٦/٧، ٣٤٤، وفى الموضع الأول والثانى: ((عمر)، وفى الموضع الأخير: ((عمرو)).
(٢) سيأتى تخريجه الصفحة التالية .
(٣) التاريخ الكبير ١٨٨/٦.
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٠٠٠).
(٥) فى ج: ((أصيل )).
(٦) غير واضحة فى د، وفى م: (( تنفيل)).
٢٩٥
الموطأ
التمهيد عمر الذی روی عنہ یحیی بنُ سعید ، وإنما الذی روی عنه یحیی بنُ سعیدِ هو
الذى روَى عنه ابنُّ عَجلانَ وغيرُه، وهو الذى روَى عنه ابنُ عونٍ، وهو مِن
التابعين ممَّن لقِى ابنَ عمرَ وأنسَ بنَ مالكٍ، وهو كبيرٌ، أكبرُ مِن عمرو بنٍ كثيرٍ،
وأظُّهما أخوينٍ، ولكنَّ عمرَ بنَ كثيرِ بنِ أفلحَ أجلَّ مِن عمرو بنِ كثيرٍ بنِ أفلحَ
وأشهرُ، وهو الذى فى ((الموطاً))، وليس لعمرٍو بنٍ كثيرٍ فى ((الموطاً)) ذِكْرٍ إلا
عندَ من لم يُقِمِ ١ اسمَه وصحَّفه .
وأما أبو محمدٍ مولَى أبى قنادةً، فمِن كبارِ التابِعِين، واسمُه نافعٌ ، يُعرَفُ
بالأقرع، وقد روى عنه ابنُ شهابٍ، وحَسْبُك، وروى عنه صالحُ بنُ کَیسانَ
وجماعةٌ من الجِلَّةِ. وأما أبو قتادةَ الأنصارىُّ، فاسمُه الحارثُ بنُ رِبْعىٍّ (١) ، على
اختلافٍ قد ذكرناه فى كتابٍ ((الصحابةِ))(٢)، وكان يُقالُ له : فارسُ رسولِ اللهِ
وَه . ولم يُقَلْ ذلك لغيرِهِ، كما قيل لخالدِ بنِ الوليدِ: سيفُ اللهِ . وكان أبو
قتادةَ من شُجعانٍ فرسانٍ (٤) الصحابةِ رضِى اللهُ عنهم .
وروايةُ ابن عيينةً لهذا الحديثِ مختصَرَةٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن عمرَ بنِ كثيرٍ
ابنِ أفلحَ، عن أبى محمدٍ، عن أبى قتادةَ، أن رسولَ اللهِ وَّهِ نَفَّلَه سَلَبَ قتيلِهُ(٥).
:
القبس
(١) فى الأصل: ((يغير)).
(٢) فى الأصل، ف: ((عوف)).
(٣) الاستيعاب ٢٨٩/١، ١٧٣١/٤.
(٤) فى م: ((فتيان)).
(٥) أخرجه الحميدى (٤٢٣)، وأحمد ٢١٠/٣٧ (٢٢٥٢٧)، والدارمى (٢٥٢٨)، وابن ماجه
(٢٨٣٧)، والترمذى عقب الحديث (١٥٦٢) من طريق سفيان به.
٢٩٦
الموطأ
التمهيد
وأما مالكٌ ، فساقَه سِياقةً حسنةً، وكان حافظًا رحمه اللهُ .
وروَى هذا الحديثَ حمَّادُ بنُ سلمةً ، قال : حدثنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
أبي طلحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن رسولَ اللهِ وَّه قال يومَ حُنينٍ: ((مَن قَتَل
كافرّا فله سَلَبُه)). فقتَل أبو طلحةَ عشرين قتيلًا، وأخَذ أسْلابَهم، وقال أبو قتادةً:
يا رسولَ اللهِ ، إنِّى ضرَبتُ رجلًا على حبالِ العاِقِ وعليه دِرْعٌ، فَأَعْجِلْتُ عنها أن
آخُذَها، فانظُرْ مع مَن هى؟ فقام رجلٌ فقال: أنا أخَذتُها، فأَرْضِه منها أو
أَعْطِنِيها. فسكَت رسولُ اللهِ وَّهِ، وكان لا يُسألُ شيئًا إلا أعطاه أو سكَت.
فقال عمرُ: لا يَنْزِعُها مِن أسدٍ من أَسْدِ اللهِ ويُعْطِيكَها. فضحِك رسولُ اللهِ وَّةِ
وقال: ((صدَق عمرُ))(١).
وفى حديثٍ أبى قتادةَ هذا من الفقهِ معرفةُ غَزاةٍ حُنينٍ، وذلك أمرٌ يُسْتَغْنى
بشُهرتِه عن إيرادِه، ولولا كراهتنا التطويلَ لذكَرْنا هنا خبرَ تلك الغَزاةِ ، وقد
ذكَرنا ذلك فى كتابٍ ((الدُّرَرِ فى اختصارِ المغازِى والسيرِ )) (١).
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أن المسلمين هُزِموا يومَ حُنينٍ، وأنهم كانت
لهم الكَرَّةُ بعدُ والظَّفَرُ(٢) والغَلَبةُ، والحمدُ للهِ، وقال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَيَوْمَ
حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا
وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ اٌلْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥، ٢٦].
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٠٥، ٣٠٦.
(٢) الدرر فى اختصار المغازى والسير ص ٢٣٧ - ٢٤٢.
(٣) فى الأصل، م: ((الظفرة)).
٢٩٧
الموطأ
التمھید
وفيه دليلٌ على موضع أبى قتادةً مِن النجدةِ والشجاعةِ . وفيه أن السَّلَبَ
للقاتلِ، وهذا موضِعٌ اختلف فيه السلفُ والخلفُ على وجوهٍ نذكُرُها إن شاء
اللهُ، ولهذه التُّكتةِ ( وهذا المعنَى جُلِب هذا الحديثُ ونُقِل ؛ فجملةُ مذهبٍ
مالكِ أنه لا نَفَلَ(٢) إلا بعدَ إحرازِ الغنيمةِ، وقد ذكرنا حكمَ النَّفَلِ فى مذهبِهِ
ومذهبٍ غيرِه فى بابٍ نافع مِن هذا الكتاب (١) . قال مالكٌ: وإنما قال النبىُّ
وَله: ((مَن قتَل قتيلًا وله عليه بيّنةٌ فله سَلَبُه)). بعدَ أن برَدَ القتالُ يوم حنينٍ ، ولم
يُحفظ عنه ذلك فی غیر یوم ◌ُنین . قال : ولا بلَغَنی فِعلُه عن الخلیفتین ، فليس
السَّلَبُ للقاتلِ حتى يقولَ ذلك الإمامُ، والاجتهادُ فى ذلك إلى الإمامِ . وقال ابنُ
أبى زيدٍ : ظاهرُ حديثٍ أبى قتادةَ هذا يدُلَّ على أن ذلك حكمٌ فيما مضى ، ولم
يُرِدْ به رسولُ اللهِ وَّهِ أن يكونَ أمرًا لازمًا فى المستقبلِ؛ لأنه أعطَاه الشَّلَبَ
بشهادةِ رجلٍ واحدٍ بلا يمينٍ، ومَخْرَجُ (٤) ذلك على الاجتهادٍ من الخُمُسِ إذا
رأَى ذلك الإمامُ مصلحةً ، والاجتهادُ فيه مُؤْتَنَفٌ .
قال أبو عمرَ : بل أعطاه إيَّه واللهُ أعلمُ ؛ لأنه أقرّله به مَن كان قد حازَه لنفسِه
فى القتالِ ، ثم أقرَّ أن أبا قتادةَ أحقُّ بما فى يدَيه منه ، فأُمِر بدفع ذلك إليه .
قال مالكٌ: والسلَبُ مِن النفَلِ، والفرسُ مِن النفَلِ - وكذلك قال ابنُ
عباسٍ(٢) - ولا نقَلَ فى ذهبٍ ولا فضةٍ، ولا نفَلَ إلا مِن الخُمُسِ، ويكونُ
القبس
(١ - ١) فى ف: ((بهذا)).
(٢) فى الأصل، م: ((ينفل)).
(٣) ينظر ما تقدم ص ٢٥٣ - ٢٧٠ .
(٤) فى الأصل، م: ((يخرج)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (٩٩٨).
٢٩٨
الموطأ
فى أَوَّلِ مَغْنَم وآخرِه على الاجتهادِ . وكرِهِ مالكٌ أن يقولَ الإمامُ : مَن أصاب التمهيد
شيئًا فهو له. وكرِه أن يَشْفِكَ أحدٌ دمَه على هذا، وقال: هو قتالٌ على
يجعلٍ. وكرِه للإِمامِ أن يقولَ: مَن قاتَل فله كذا، ومن بلَغ موضِعَ كذا فله
كذا، ومن قتل قتيلًا فله كذا، أو نصفُ ما غنم. قال: وإنما نقَّل النبيُّمَله
بعدَ القتالِ . هذه جملةُ مذهبٍ مالكِ فى هذا البابِ، ومذهبُ أبى حنيفةً
والثورىِّ نحوُ ذلك .
واتَّفَق مالكٌ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً، على أنَّ السَّلَبَ مِن غنيمةِ الجيشِ
حكمُه كحكم سائرِ الغنيمةِ ، إلا أن يقولَ الأميرُ: مَن قتَل قتيلًا فله سلَبُه. فيكونَ
حينئذٍ له . وقال الأوزاعىُّ، والليثُ ، والشافعىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ ،
وأبو عبيدٍ : السلَبُ للقاتلِ على كلِّ حالٍ ، قال ذلك الأميرُ أو لم يَقُلْه. إلا أنَّ
الشافعىَّ قال : إنما يكونُ السلَبُ للقاتلِ إِذا قتَل قتيلَه مُقْبِلًا عليه، وأما إذا قتَله وهو
مُذْبِرٌ عنه فلا سَلَب له . وقال الأوزاعىُّ ومكحولٌ: السلَبُ مَغْتَمْ ويُخَمَّسُ. وقال
الشافعىُّ: يُخَمَّسُ كلُّ شيءٍ مِن الغنيمةِ إلا السلَبَ فإنه لا يُخَمَّسُ. وهو قولُ
أحمدَ بنِ حنبلٍ والطبرئِّ. واحتجوا بقولِ عمرَ بنِ الخطابِ: كنا لا نُخمِّسُ
السلَبَ على عهدِ رسولِ اللهِ مَلآله .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ، عن ابنِ سيرينَ قال: بارَز البراءُ
ابنُّ مالكِ أخو أنسِ بنِ مالكِ مَرْزُبَانَ الزَّأْرَةِ(١) فقتَلَه، وأخَذ سلَتَه ثلاثين ألفًا ، فبلغ
القبس
(١) عبد الرزاق (٩٤٦٨).
(٢) المرزبان: معرب، وهو الكبير من الفرس، والجمع المرازية، ويقال للأسد: مرزبان الزأرة . =
٢٩٩
الموطأ
التمهيد ذلك عمرَ بنَ الخطابِ ، فقال لأبى طلحةَ: إِنا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السلَبَ ، وإن
سَلَبَ البراءِ قد بلغ مالًا كثيرًا، ولا أُرَانا إلا خامِسِيه.
وذكَر ابنُ أبى شيبةً(١) ، عن عيسى بنِ يونسَ، عن ابنِ عونٍ وهشامٍ بنٍ
حسانَ ، عن ابنِ سيرينَ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، أن البراءَ بنَ مالكِ حمَل على
مَرْزُبانِ الزَّأْرَةِ، فطعَنه طعنةٌ دقَّ قَرَبُوسَ(١) سَرْجِه، وقتَله وسلَبَه. فذكَر معنَى
ما تقدَّم . قال محمدُ بنُ سيرينَ: فحدَّثنى أنسُ بنُ مالكِ أنه أولُ سَلَبِ خُمِّسَ
فى الإسلامِ .
وقال إسحاقُ: بهذا أقولُ؛ إذا استكثَر الإمامُ السَلَبَ خَمَّسه وذلك إليه .
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
معاويةً ، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُبابِ القاضِى، قال : حدَّثنا أبو
الوليدِ الطيالسىُّ، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
عبيدِ بنِ عُميرٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ بعَث أبا قتادةَ فقتَل مَلِكَ فارسَ بيدِه،
وعليه مِنْطَقَةٌ ثمنُها خمسةَ عشرَ ألفَ درهم، فنقَّله عمرُ إِيَّها(٣).
القبس
= على الاستعارة؛ لأن الزأرة الأجمة ، وأما ما فى السير أنه بارز مرزبان الزأرة، فهو إما لقب لذلك
المبارز كما يلقب بالأسد، أو مضاف إلى الزأرة قرية بالبحرين، والأول أصح. ينظر المغرب فى ترتيب
المعرب ص ١٨٧.
(١) ابن أبى شيبة ١٢/ ٣٧١.
(٢) قربوس: حنو السرج، أو هو متقدم السرج أو مؤخره، والجمع قرابيس. التاج (قربس).
(٣) أخرجه ابن عساكر ١٥٠/٦٧، ١٥١ من طريق أبي الوليد الطيالسى به، أخرجه ابن زنجويه فى
الأموال (١١٦٠) من طريق عكرمة به .
٣٠٠