Indexed OCR Text
Pages 621-640
الموطأ
الاستذكار
نصرانىٌّ ، هو برىءٌ مِن الإسلامِ: فهو كما قال .
وروَى أبو قِلابةَ، عن ثابتِ بنِ الضحاكِ الأنصارىِّ، أن رسولَ اللهِ وَلَه
قال: ((مَن حلَف على ملةٍ غيرِ الإسلامِ كاذبًا فهو كما قال))(١).
قال أبو عمرَ : وهو حديثٌ صحيحٌ مِن جهةِ النقلِ، ولكنه ليس على
ظاهرِهِ، ومعناه، واللهُ أعلمُ، النهى عن موافقةِ ذلك اللفظِ. وقال أبو جعفرٍ
محمدُ بنُ علىٍّ : إذا قال: هو يهودىٌّ، هو نصرانىٌ، هو مشركٌ باللهِ . فليس
بشىءٍ. وبه قال قتادةُ. وهو أصحُ ما قيل به فى هذا البابِ، واللهُ الموفِّقُ
للصواب.
أُخبرنا عبيدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ سلمةَ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ الجارودِ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ ، قال: حدَّثنا أبو المغيرةِ ،
قال: حدَّثنا الأوزاعىُ، قال: حدَّثنا الزهرىُّ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن
أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن حلَف منكم باللاتِ والعُزَّى
فلْيَقُلْ: لا إله إلا اللهُ. ومَن قال : تعالَ أُقَامِرْك. فلْيَتَصدَّقْ))(٢) .
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ ، يدُلِّ على أنَّ مَن حلَف بملةٍ غیرِ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣١٣/٢٦ (١٦٣٨٦)، والبخارى (١٣٦٣)، ومسلم (١١٠) من طريق أبى
قلابة به .
(٢) أخرجه الترمذى (١٥٤٥) من طريق إسحاق بن منصور به، وأخرجه البخارى (٦١٠٧)، وأبو
عوانة (٥٩٠٩) من طريق أبى المغيرة به، وأخرجه ابن ماجه (٢٠٩٦)، والنسائى فى الكبرى
(١٠٨٢٨) من طريق الأوزاعى به .
٦٢١
الموطأ
ما تجبُ فيه الكفارةُ من الأيمانِ
١٠٤٣ - مالكٌ، عن سهيلٍ بن أبى صالحٍ ، عن أبيه ، عن أبى
هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ بَ لّه قال: «مَن حلَف بیمینٍ فرأی خیرًا منها ،
فليُكَفِّرْ عن يمينِه ، وليَفعَلِ الذى هو خيرٌ )).
الاستذكار الإسلام فليس كما قال .
ورواه معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن محُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبى هريرةَ ، عن
النبيِّ وَلَهِ مثلَه(١).
التمهيد
مالكٌ ، عن سُهَيلِ بنِ أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ
وَلٍّ قال: ((مَنْ حلَفَ على يمينِ فَرأَى غيرَها خيرًا منها، فليكفِّرْ عن يمينِه،
ولْيفعَلِ الذى هو خيرٌ))(٢).
القبس
فضلُ (٢) الكَفَّارةِ
ء (٣)
شرّع اللهُ تعالى الكفارةَ لمَن أغفَل الاستثناءَ؛ مَخْرَجًا عن اليمينِ، وحَلَّا لِما عُقِد
به اليمينُ مِن معقودٍ مُعَظّم؛ إما أن يكونَ معظّمًا من جهةٍ قدرِهُ() الكريمِ، كاللهِ
(١) أخرجه أحمد ٤٤٩/١٣ (٨٠٨٧)، والبخارى (٤٨٦٠، ٦٦٥٠)، ومسلم (١٦٤٧)، وأبو
داود (٣٢٤٧)، وابن خزيمة (٤٥) من طريق معمر به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٥٣)، وبرواية يحيى بن بكير (١٩/١٣ و-مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٢٠١). وأخرجه أحمد ٣٤٨/١٤ (٨٧٣٤)، ومسلم (١٢/١٦٥٠)،
والترمذى (١٥٣٠)، والنسائى فى الكبرى (٤٧٢٢) من طريق مالك به .
(٣) فى م: (( فضل)).
(٤) فى د، م: ((قدرة)).
٦٢٢
الموطأ
لم يختلفِ الرواةُ عن مالكٍ فى شىءٍ من هذا الحديثِ، ولا اختُلِفَ على التمهيد
سُهَيلٍ فى ذلك أيضًا، وقد روَى هذا المعنَى عن النبيِّ وَّرِ جماعةٌ من أصحابِه ؛
منهم عبدُ الرحمنِ بنُّ سمُرةَ، وأبو موسى الأشعرىُّ (١)، وعدىُ بنُ حاتم(١) ، وأبو
هريرةَ ، إلا أنهم اختُلِفَ عن جميعِهم فى هذا الحديثِ فى الكفارةِ قبلَ الحِنْثِ ،
أو الحِنْثِ قبلَ الكفارةِ؛ فرُوِى عن كلِّ واحدٍ منهم الوجهان جميعًا . واختَلفَ
الفقهاءُ فى جوازِ الكفارةِ قبلَ الحِنْثِ على ما نذكُرُه فى هذا البابِ بعدَ ذکرِ ما
حضَرنى من الآثارِ فيه، وأجمعوا على أنَّ الحِنْثَ قبلَ الكفارةِ مباحٌ حسنٌ جائزٌ،
وهو عندَهم أوْلَی .
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم رحِمَه اللهُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ بنِ
الوَرْدِ ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ العُمَرِىُّ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ
سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قالا:
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ الزُّبيرىُّ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدِ الدَّراوَرْدِىُّ، عن
◌ُبیدِ اللهِ بنِ عمر ، عن يونس بنِ عُبیدٍ ، عن الحسن البصرىِّ، عن عبد الرحمنِ
ابنِ سمُرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ فَلِّه قال: ((يا عبد الرحمنِ بنَ سمُرةَ، لا تسألٍ
وصفاتِهِ العَلِيَّةِ، وإما أن يكونَ مُعَظِّمًا مِن جهةٍ مشقَّةِ الحِلافِ على الحالفِ ؛ مثلَ أن القبس
يقولَ : أنتِ طالقٌ إن دخَلتِ الدارَ، واللهِ ، إن شاء اللهُ. أو يَسْكُتَ عن المشيئةِ ،
وقدَّرها(٢) تعالى ورتَّبها، ولم يُبَيِّنْ فى القرآنِ مِيقاتَها .
(١) سيأتى ص ٦٢٨ .
(٢) أخرجه أحمد ١٨٦/٣٠ (١٨٢٥١)، والدارمى (٢٣٩٠)، ومسلم (١٦٥١)، وابن ماجه
(٢١٠٨)، والنسائى (٣٧٩٤، ٣٧٩٥).
(٣) فى ج، م: ((قررها)).
٦٢٣
الموطأ
التمهيد الإمارةَ، فإِنَّك إِنْ تُعْطَها عن مسألةٍ لا تُعانُ عليها، وإنْ تُعْطَها عن غيرِ مسألةٍ
ثُعانُ (١) عليها، وإذا حلَفْتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها(٢) خيرًا منها، فكفِّرْ عن
يمينِك وَأْتِ الذى هو خيرٌ)) (١) . فهذا على مثلٍ ما فى حديثِ سُهَيلٍ، عن أبيه،
عن أبى هريرةَ؛ جوازٍ تقديم الكفارةِ على الحِنْثِ .
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفرِ بنِ إبراهيمَ الزَّاتُ أبو
القبس
واختلف العلماءُ فيه ؛ فمنهم من قال: لا تجوزُ الكفارةُ إلا بعدَ الحِنْثِ . ومنهم
مَن قال : تجوزُ قبلَ الحِنْثِ . وإلى ذلك مالَ علماؤنا ، والأُصلُ فى اختلافِهم الحديثُ
الصحيح: ((مَن حلَف على يمينٍ، فَأَى غَيرَها خَيْرًا منها)). رُوِى: ((فَلْيَأْتِ الذى هو
خَيْرٌ، وليُكَفِّرْعن يمينِه )). بتقديمِ الحِنْثِ على الكفارةِ، ورُوِى: ((فليُكَفِّرعن يمينه ،
وليَأْتِ الذى هو خيرٌ)). بتَقْديم الكفارةِ على الحِنْثِ. واضطَرب الناسُ؛ فمنهم مَن
قال: الواوُ لا تُعْطِى رُتْبَةً، وإنما ) المُعوَّلُ على المعنى، وذلك أن الكفَّارةَ مُتَعَلِّقَةٌ
بسببتَين؛ اليمينِ والحِنْثِ، فلا يجوزُ تقديمُها على أحدِهما، كما لم يَجُزْ تقديم
(١) كذا فى النسخ. ورفع جواب الشرط المضارع إذا كان فعل الشرط مضارعا لغة . ينظر النحو
الوافى ٤ / ٤٧٤.
(٢) ليس فى: الأصل، ص ١٧، ص ٢٧.
(٣) بعده فى الأصل، م: ((منها)).
والحديث أخرجه الدارمى (٢٣٩٢) من طريق يونس به .
(٤) فى ص ٢٧: ((الحسن)). وينظر بغية الملتمس ص ٢٨٧.
(٥) فى م: ((إنها)).
٦٢٤
الموطأ
أحمدَ ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُّ منصورٍ، قال: التمهيد
حدَّثنا هُشَيمٌ(١) ، قال: أخبرنايونسُ، ومنصورٌ، وحميدٌ ، عن الحسنِ ، عن عبد
الرحمنِ بنِ سمُرةَ القُرَشيّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يا عبد الرحمنِ بنَ
سمُرةَ ، إذا آليتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيرًا منها ، فَأَتِ الذى هو خيرٌ، وكفِّرْ
عن يمينك)). قال: ((ولا تسألنَّ الإمارةَ، فإِنَّكَ إِنْ أُعطِيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ
إليها - أو ؤُكِلْتَ فيها إلى نفسِك - وإنْ أُعطيتَها عن غيرِ مسألةٍ أُعنتَ عليها))(٢).
ففى هذا الحديثِ عن عبد الرحمنِ بنِ سمُرةَ خلافُ ما تقدَّمَ ، وأظنُّ ذلك،
الزكاةِ على المِلْكِ والنِّصابِ . ومنهم مَن قال : إنما سببُ الكفارةِ اليمينُ وحدَها ، القبس
والكَفَّرةُ بَدَلٌ عن البِرِّ، فيُخْرِجُها قبلَ الحِنْثِ. وقد اسْتَوفَينا الطرائقَ(١) فى
((مسائلِ الخلافِ))، وأما أنت الآنَ فى هذا ((القبسِ))، فاسْتضِئْ بقولِ النبىِّ
ونَ﴿ أَو قدِّمْ أو أخِّرْ، فإن الذى قدَّم وأخَّر قد عَلِم حالةَ الواوِ فى الرُّتبةِ وغيرِها،
وهو القدوةُ والأسوةُ .
ما تكونُ به اليمينُ : اليمينُ تنعقِدُ باللهِ ، وصفاتِه العلا ، وأسمائه الحسنى كيفما
تردَّدتِ العبارةُ عنها؛ قال النبيُّ وَلَه: ((مَن كان حالفًا فليحلِفْ باللهِ أو ليضْمُتْ))(٤).
تأديبًا لعمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه حينَ سَمِعه يحلِفُ بأبيه، وقد حلَف النبىُّ وَلَه
(١) فى ص ١٧: ((حسين)). وينظر تهذيب الكمال ٧٨/١١.
(٢) أخرجه أبو عوانة (٧٠١٠) من طريق سعيد بن منصور به، وأخرجه مسلم (١٦٥٢) عقب
الحديث (١٩)، وابن حبان (٤٤٧٩)، والبيهقى ١٠/ ٥٠، ١٠٠ من طريق هشيم به.
(٣) فى د، م: (( الطريق)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٠٤٧) .
٦٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ٤٠/١٢ )
الموطأ
التمهيد واللهُ أعلمُ ؛ لأنَّ الحديثَ الأولَ مِن روايةِ أهلِ المدينةِ عن أهلِ البصرةٍ ، فجاءوا
به على مذهبِهم فى ذلك، والحديثَ الثانىَ من روايةِ أهلِ البصرةِ بعضِهم عن
بعضٍ، فجاءوا به على مذهبِهم أيضًا ، وروايةُ أهلِ المدينةِ فى هذا أثبتُ وأكثرُ،
وما أظنُّ حديثَ هُشَيم هذا إلا وهمّا (١)؛ لأنَّ عُبيدَ اللهِ بنَ عمرَ أثبتُ منه .
وقد روَى حمادُ بنُّ سلَمَةً عن يونسَ، عن الحسنِ خلافَ ما رواه هُشَيمٌ عن
يونسَ ، وروايةُ حمادِ بنِ سلَمَةَ توافقُ روايةَ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
القبس بها فقال: ((أفلح وأبيه إن صدَق، دخَل الجنةَ وأَبيه إن صدَق))(١). وقد استوفَيْنا القولَ
فيه فى «الكتابِ الكبيرِ)، وقدَّمْنا الإشارةَ إليه .
:
فإن قال فى يمينه : هو يهودىٌّ إن فعل كذا وكذا . فاختلف العلماءُ فيه ؛ فقال أبو
حنيفةً: هى يمينٌ تلزَمُ فيها الكفارةُ. وهى مسألةٌ عَسِرةٌ جدًّا؛ لأنهم عوَّلوا على أن قولَ
الرجلِ : واللهِ لا دخَلتُ الدارَ. كأنه مُخبِرٌ " بامتناعِه عن دخولِها، ويؤكِّدُ خبرَه بتعظيم
اللهِ ، فإذا خالَف فكأنَّه ترَك ذلك التعظيمَ ، فإن قال: ترَكتُ حرمةَ اللهِ إِن دخَلتُ
الدارَ. كان مثلَ ذلك، قلنا: (" تحثِّلْتُم تحثُّلًا" فاسدًا فى وجْهِ تَعلَّقِ الكفارةِ باليمينِ
باللهِ، وإنما هى شرعٌ محضّ، أو معنَّى غيرُ ما ذكَرْتم، تحقيقُه فى ((مسائلِ الخلافِ)).
(١) قد أخرجه أحمد ٢٢٣/٣٤ (٢٠٦١٨) عن إسماعيل ابن علية، وأخرجه أحمد ٢٢٧/٣٤
(٢٠٦٢٣) ، وأبو عوانة (٥٩٣٧) من طريق حماد بن زيد، وأخرجه البخارى (٧١٤٧) من طريق
عبد الوارث ، وأخرجه الترمذى (١٥٢٩) ، وابن حبان (٤٣٤٨) من طريق معتمر أربعتهم عن يونس
به بتقديم الحنث على الكفارة كرواية هشيم .
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٤٤/٦، ٢٤٥ .
(٣) فى م: ((مخير)).
(٤ - ٤) فى ج: ((تخيلتم تخيلًا)).
٦٢٦
الموطأ
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا حجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ ، قال: حدثنا حمادُ بنُ التمهيد
سلَمَةً ، عن يونسَ ، وحميدٍ ، وثابتٍ ، وحبيبٍ ، عن الحسنِ ، عن عبد الرحمنِ
ابنِ سمُرَةَ ، أَنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((يا عبد الرحمنِ بنَ سمُرةً ، إذا حلَفتَ على يمينٍ
فرأيتَ غيرَها خيرًا منها، فكفِّرْ عن يمينك، وأتِ الذى هو خيرٌ))(١).
فهؤلاءِ كلّهم على تقديم الكفارةِ قبلَ الحِنْثِ ، وكذلك رواه قتادةُ ، عن
الحسن، عن عبد الرحمنِ بنِ سمُرةً؛ ذكره أبو داودَ (١)، عن يحيى بنٍ خلَفٍ ،
عن عبدِ الأعلى ، عن سعيدٍ ، عن قتادةً .
وكذلك رواه سليمانُ التيمُ ، عن الحسنِ، عن عبد الرحمنِ بنِ سمُرةَ ؛
حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
مُضَرُّ، قال: حدَّثنا أميّةُ بنُ بِسطام، قال: حدَّثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعتُ أبى (٣).
وكذلك رواه قُوَّةُ بنُ خالدٍ ، عن الحسنِ، عن عبد الرحمنِ بنِ سمُرةَ؛
حدَّثناه عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ ، قال :
حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثَنَا قُرَّةُ (٤) .
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٥٣/١٠ من طريق حجاج بن منهال به، وأخرجه البزار (٢٢٨١) من طريق
حماد بن سلمة به بدون ذكر يونس .
(٢) أبو داود (٣٢٧٨).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٥٢)، والنسائى (٣٧٩١) من طريق معتمر بن سليمان به.
(٤) أخرجه البزار (٢٢٨٧)، والبيهقى ١٠/ ٥٢، ٥٣ من طريق مسلم بن إبراهيم به .
٦٢٧
1
الموطأ
التمهيد
وكذلك رواه حمادُ بنُ زيدٍ ، عن يونسَ ، وهشامٍ، وسماكِ بنِ عطيَّةً ، عن
الحسن، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سمُرةً ؛ حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ
سفيانَ ، قالا : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، حدَّثنا
محمدُ بنُ عبیدٍ ، حدَّثنا حمادُ بنُ زیدٍ (١) .
ورواه ابنُّ عونٍ، عن الحسنِ، عن عبد الرحمنِ بنِ سمُرةَ ، فجعَل الحِنْثَ
قبلَ الكفَّارةِ(٢) .
وأما روايةُ أبى موسى الأشعرىِّ، فأحسنُ ما فيها وأصحُه تقديمُ الكفَّارةِ قبلَ
الحِنْثِ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال : حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثنا حمادٌ ، قال: حدَّثْنَا غَيْلانُ
ابنُ جريرٍ، عن أبى بُردةَ بنِ أبى موسى، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((إنِّى واللهِ،
إن شاءَ اللهُ، لا أحلِفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها ، إلا كفَّرتُ عن يمينى
وأتيتُ الذى هو خيرٌ)). أو قال: ((أتيتُ الذى هو خيرٌ وكفَّرتُ عن يمينى))(١).
قال أبو داودَ(٤) : أحاديثُ أبى موسى الأشعرىِّ، وعدىٍّ بنِ حاتم، وأبى
القبس
(١) أخرجه مسلم (١٦٥٢) عقب الحديث (١٩) من طريق حماد به .
(٢) أخرجه أحمد ٢٢٨/٣٤ (٢٠٦٢٥)، والبخارى (٦٧٢٢)، والنسائى (٣٧٩٩) من طريق ابن
عون به .
(٣) أبو داود (٣٢٧٦). وأخرجه أحمد ٣٢٨/٣٢ (١٩٥٥٨)، والبخارى (٦٦٢٣، ٦٧١٨،
٦٧١٩)، ومسلم (١٦٤٩)، وابن ماجه (٢٠١٠٧)، والنسائى (٣٧٨٩) من طريق حماد بن زيد به.
(٤) أبو داود عقب الحديث (٣٢٧٨).
٦٢٨
الموطأ
هريرةَ كذا؛ رُوِىَ عن كلِّ واحدٍ منهم فى بعضِ الرواياتِ الكفارةُ قبلَ الحِنْثِ ، التمهيد
وفى بعضٍ الرواياتِ الحِنْثُ قبلَ الكفارةِ. قال أبو داودَ(١): وسمِعتُ أحمدَ بنَ
حنبلٍ يقولُ : إنْ شاءَ كَفَّرَ بعدَ الحِنْثِ ، وإن شاءَ كَفَّرَ قبلَ الحِنْثِ .
قال أبو عمرَ: وعلى هذا مذهبُ مالكِ، والشافعيِّ ، وأصحابِهما ، وهو
الثابتُ فى حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ سمُرةً وأبى هريرةَ ، وليس فى هذا البابِ أعلى
منهما، ولا تُقدَّمُ الكفارةُ إلا فى اليمينِ باللهِ خاصةً. وقال مالكٌ وجمهورُ
أصحابِه إلا أشهبَ: من كفَّرَ عن غيرِه بأمرِه أو بغيرِ أمرِه أجزأه . وقال أشهبُ : لا
يُجزُّه إذا كفَّرَ عنه بغيرِ أمرِه؛ لأَنَّه لا نيةَ للحالفِ(١) فى تلك الكفارةِ . واختاره
الأَبْهَرِىُّ؛ لأنَّ الكفارةَ فرضٌ لا يتأدَّى إلا بنيةٍ إلى أدائِه . وهذا قولُ الشافعىِّ
وأكثرِ الفقهاءِ، وقد ذكرنا هذه المسألةَ فى تكفيرِ الرجلِ عن غيرِه فى بابٍ ربيعةً
من هذا الكتابٍ (١) . وكان أبو حنيفةَ وأصحابُه لا يُجيزون الكفَّارةَ قبلَ الحِنْثِ؛
لأَنَّها إنما تجِبُ بالحِنْثِ ، والعَجَبُ لهم أنهم لا تجبُ الزكاةُ عندَهم إلا بتمامٍ
مرورِ الحَوْلِ ، ويُجيزون تقديمَها قبلَ الحَوْلِ من غيرِ أنْ يَزْووا فى ذلك مثلَ هذه
الآثارِ، ويأبُون من تقديم الكفارةِ قبلَ الحِنْثِ مع كثرةِ الروايةِ بذلك. والحُجّةُ
فى السُّنةِ، ومن خالَفها محجوجٌ بها . والله المستعانُ.
وأما الأيمانُ؛ فمنها ما يُكفَّرُ بإجماع، ومنها ما لا كفَّارةَ فيه بإجماعِ،
القبس
(١) أبو داود عقب الحديث (٣٢٧٧). ولفظه: ((سمعت أحمد يرخص فيها الكفارة قبل الحنث)).
(٢) فى ص ١٧، م: ((للكفارة)).
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (١٢١٣) من الموطأ .
٦٢٩
الموطأ
التمهيد ومنها ما اختلف فى الكفَّارةِ فيه ؛ فأمَّا التى فيها الكفَّارةُ بإجماع من علماءِ
المسلمين ، فهى اليمينُ باللهِ على المستقبَلِ من الأفعالِ ؛ وهى تنقسمُ قسمين ؛
أحدُهما ، أن يحلفَ باللهِ ليفعَلَنَّ، ثم لا يفعَلُ، والآخرُ، أن يحلفَ ألَّ يفعَلَ فى
المستقبَلِ أيضًا، ثم يفعَلُ. وأمَّا التى لا كفَّارةَ فيها بإجماع فاللغوُ، إلا أنَّ العلماءَ
اختلفوا فى مرادِ اللهِ من لغوِ اليمينِ التى لا يؤاخِذُ اللهُ عبادَه بها ولم يوجِبٍ
الكفَّارةَ فيها؛ فقال قومٌ: هو أن يحلِفَ الرجلُ على الماضى فى الشىءٍ ، يظنُّ
أکثر ظنّه أنه کما حلف علیه، وأنه صادقٌ فی یمینه، ثم ینکشفُ له بخلافٍ
ذلك . هذا قولٌ رُوِى معناه عن جماعةٍ من السلفِ :
أخبرنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قاسمٌ ، حدَّثنا ابنُ وضَّاح، حدَّثنا دُحَيْمٌ ، حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ نافعٍ ، قال: حدَّثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ ، عن أبى هريرةَ ،
قال : إذا حلَف الرجلُ على الشىءٍ لا يظنُّ إلا أنه إيَّه، فإذا ليس هو ، فهو اللَّغْوُ،
وليس فيه كفَّارةٌ(١).
وروَى ابنُ المباركِ، عن الحجّاجِ، عن الوليدِ بنِ العَيْزَارِ ، عن عكرمةَ ، عن
ابنِ عبَّاسٍ فى قولِه: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيّ أَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥، المائدة: ٨٩].
قال : هو الرجلُ يحلِفُ على الأمرِ يرى أنَّه كذلك وليس كذلك .
وجاء عن الحسنِ، وإبراهيمَ، وسليمانَ بنِ يسارٍ) ، ومجاهِدٍ، وأبى
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٩/٤ من طريق عبد الله بن نافع به.
(٢ - ٢) فى ص ١٧: ((وقتادة)). وقد روى عنه ذلك أيضًا كما فى تفسير عبد الرزاق ١/ ٩١، =
٦٣٠
الموطأ
مالكِ، وزُرارةَ بنِ أوفى، مثلُ ذلك(١). وإليه ذهَب مالكٌ وأصحابُه، التمهيد
والأوزاعىُ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو حنيفةَ ، وأصحابُه ، إلا أنَّ مالكًا وأصحابه
يقولون : إنَّ اللغوَ أن يحلِفَ على الشىءِ الماضى يوقنُ أنه كما حلَفَ عليه ، ولا
يشُكُ فيه ، فإنْ شكَّ فيه، فهى عندَهم يمينٌ غَموسٌ حينئذٍ ، لا كفَّارةَ فيها؛
لِعِظَمِ إثمِها كاليمين الغموسِ الكاذبةِ سواءً.
وقال آخرون : اللغوُ قولُ الرجلِ : لا واللهِ، وبَلَى واللهِ . وهو غيرُ معتقدٍ
لليمينٍ، ولا مريدٌ لها. هذا قولُ عائشةَ(٢) وجماعةٍ من التابعين، وفقهاءِ
المسلمين، منهم الشافعىُّ. واختُلفَ عن ابنِ عباسٍ فى ذلك؛ فرُوِىَ عنه
كقولٍ أبى هريرةَ (٢)، ورُوِى عنه كقولٍ عائشةً(٤)، وهو قولُ عطاءٍ،
والشَّغْبِىِّ، والقاسم بن محمدٍ ، وعكرمةَ، والحسنِ البصرىِّ(١ ؛ وقد رُوِىَ
عن ابنِ عباسٍ فى اللَّغِ قولٌ ثالثٌ - إن صحَّ عنه - قال: لغوُ اليمينِ أَن
تحلِفَ وأنت غضبانُ(١) . وقال مسروقٌ: اللغوُ من اليمينِ كلّ يمينٍ فى
القبس
= ومصنفه (١٥٩٥٦)، وتفسير ابن جرير ٢٣/٤.
(١) ينظر ما تقدم ص ٦١٢، ٦١٣ .
(٢) تقدم فى الموطأ (١٠٤١).
(٣) تقدم فى الصفحة السابقة .
(٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤/ ١٤، والبيهقى ٤٩/١٠.
(٥) ينظر ما تقدم ص ٦١٠ .
(٦) أخرجه سعيد بن منصور (٧٨٢ - تفسير)، وابن جرير فى تفسيره ٢٦/٤، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٤١٠/٢، ١١٩١/٤ (٢١٦١، ٦٧١٠)، والبيهقى ٤٩/١٠.
٦٣١
الموطأ
التمهيد معصيةٍ وليس فيها كفَّارةٌ (١).
وقال سعیدُ بنُ جبيرٍ : هو تحریمُ الحلال ، مثلُ أن یحلِفَ فیما لا ینبغِی له،
أو يحرّمَ شيئًا هو له حلالٌ، فلا يؤاخذُه اللهُ بتركِه، ويؤاخذُه إنْ فعَله(٢).
وأما التى اختُلف فى الكفَّارةِ فيها ، فهى اليمينُ الغموسُ ، وهى أَنْ يحلِفَ
الرجلُ على الشىءِ الماضى وهو يعلمُ أنه كاذبٌ فى يمينه ، يتعمَّدُ ذلك ؛ فذهَب
الأكثرُ مِن العلماءِ إلى أنْ لا كفَّارةَ فيها على ما ذكرنا فى بابِ العلاءِ من كتابِنا
هذا٢) . وذهَب قومٌ منهم الشافعىُّ والأوزاعىُ إلى أنَّ فيها الكفَّارةَ. وقال ابنُ
خوازِبَندادَ حاكيًا عن أصحابٍ مالكِ ومذهبِه: الأيمانُ عندَنا ثلاثةٌ؛ لغوٌ ،
وغموسٌ، ولا كفَّارةَ فيهما، ويمينٌ معقودةٌ فيما يُستقبَلُ، فيها الاستثناءُ
والكفَّارةُ . قال: وصفةُ اللَّغوِ أنْ يحلِفَ الرجلُ على الماضى أو الحالِ فى الشىءٍ
يظنّ أنه صادقٌ، ثم ينكشِفُ له بخلافٍ ذلك، فلا كفَّارةَ عليه . قال: والغموسُ
هو أن يعمِدَ للكذبِ فى يمينه على الماضى . قال : ولا لغوَ فى عتقٍ ولا طلاقٍ ،
وإنما اللغؤُ فى اليمينِ باللهِ ، وفيها الاستثناءُ. قال: وقال أبو حنيفةً، والثورىُّ،
والليثُ، والطبرىُّ، بقولِنا؛ أنْ لا كفارةً فى الغموس. قال: وقال الأوزاعىُّ
والشافعىُّ : فى الغموسِ الكفَّرةُ .
وقال الشافعىُّ : اللَّغوُ سبقُ اللسانِ باليمينِ من غيرِ قصدٍ ولا اعتقادٍ ، وذلك
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢٩/٤.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٦٣٥ .
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (١٤٦٩) من الموطأ .
٦٣٢
الموطأ
سواءٌ فى الماضى والمستقبلِ. قال الشافعىُّ: ولو عقَد اليمينَ على شىءٍ يظنُّه التمهيد
صِدقًا، فانكشَفَ له خلافُ ذلك، فإنَّ عليه الكفَّارةَ، وسواءٍ فى ذلك الماضى
والمستقبلُ.
قال أبو عمرَ : اختلافُ السلفِ فى اللغوِ على أربعةِ أقاويلَ ؛ أحدُها ، قولُ
مالكِ ومن قال بقولِه فى الرجلِ يحلِفُ على الشىءِ يرَى أَنَّه کذلك ولیس
كذلك، على ما تقدَّمَ . وقال بعضُهم : هى اليمينُ فى الغضَبِ . وقال بعضُهم :
هى اليمينُ فى المعصيةِ. وقال بعضُهم (١) : هو قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبَلَی
واللهِ . من غيرِ اعتقادِ يمينٍ ، وهو قولُ عائشةَ وابنِ عباسٍ فى روايةٍ ، وإليه ذهَب
الشافعىُّ. وقال الثورىُّ فى ((جامعِه))، وذكره المَرْوَزِىُّ عنه أيضًا ، قال سفيانُ
الثورىُّ : الأيمانُ أربعةٌ ؛ يمينان تُكفَّران، وهو أن يقولَ الرجلُ : واللهِ لا أَفعَلُ.
فيفعَلُ ، أو يقولَ: واللهِ لأَفعَلَنَّ. ثم لا يفعَلُ. ويمينان لا تُكفَّران؛ أن يقولَ: واللهِ
ما فعَلتُ . وقد فعَل، أو يقولَ : واللهِ لقد فعَلتُ . وما فعَل. قال المروزىُّ : أما
اليمينان الأَولَيَان ، فلا اختلافَ فيهما بينَ العلماءِ أنه على ما قال سفيانُ، وأما
اليمينان الأَخرَيَان ، فقد اختلف أهلُ العلم فيهما ؛ فإنْ كان الحالفُ على أنه لم
یفعَلْ كذا و كذا، أو أنه قد فعل كذا و كذا، عند نفسِه صادقًا یری أنه على ما
حَلَف عليه - فلا إثمَ عليه فى قولِ مالكِ ، وسفيانَ ، وأصحاب الرأي. وكذلك
قال أحمدُ ، وأبو عبيدٍ ، وأبو ثورٍ. وقال الشافعىُّ: لا إِثْمَ عليه، وعليه الكفَّارةُ .
قال المَرْوَزىُّ : وليس قولُ الشافعيّ فى هذا بالقوىِّ. قال: وإنْ كان الحالفُ على
القبس
(١) بعده فى ص ١٧: ((وهو الأكثر)).
٦٣٣
الموطأ
التمهيد أنه لم يفعَلْ كذا، وقد فعل كذا، متعمّدًا للكذِبِ ، فهو آثمّ ولا كفَّارَ علیه فى
قولٍ عامةِ العلماءِ؛ مالكٍ، وسفيانَ ، وأصحابِ الرأي ، وأحمد بن حنبلٍ ، وأبى
ثورٍ ، وأبى ◌ُبيدٍ ، وكان الشافعىُّ يقولُ: يكفِّرُ. قال: وقد روى عن بعضٍ التابعين
مثلُ قولِ الشافعىِّ. قال المَرْوَزِىُّ: أميلُ إلى قولِ مالكٍ، وسفيانَ، وأحمدَ .
قال : وأمَّا يمينُ اللغوِ التى اتَّفقَ عامةُ العلماءِ على أنها لغوٌ ، فهو قولُ الرجلِ : لا
واللهِ ، وبَلَى واللهِ . فى حديثه وكلامِه غيرَ معتقِدٍ لليمينِ ولا مُريدِها .
قال أبو عمرَ : قد مضَى من قولِه وحكايته عن مالك ، وسفيانَ ، وأصحابٍ
الرأي ، وأحمدَ ، وأبى عبيدٍ ، وأبى ثورٍ ، فى معنى اللغوِ غيرُ هذا، والذى حكاه
فى الوجهين جميعًا فى اللغوِ صحيحٌ، والذى عليه أكثرُ العلماءِ ما ذُكِر آخِرًا،
وهو قولُ عائشةَ وابنٍ عباسٍ . وقد مضَى فى اليمين الغموسٍ من كشفٍ مذهبٍ
الشافعىّ وسائرِ العلماءِ فى ذلك ما فيه كفايةٌ وبيانٌ، فى بابِ العلاءِ بنِ
عبدِ الرحمنِ من كتابِنا هذا ، فلا معنى لتكريرِ ذلك هلهنا ، وباللهِ التوفيقُ
والرشادُ لا شريك له .
ذكَر ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى يونسُ ، عن ابنِ شهابٍ، أنَّ عروةَ بنَ الزُّبیرِ
حدَّثه أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ وَِّ قالت : أيمانُ اللغو ما كان فى المِراءِ والهزلِ فى
المزاحةِ والحديثِ الذى لا يُعقَدُ عليه القلبُ ، وأيمانُ الكفَّارةِ كلِّ يمينٍ حَلَفَ
فيها على وجهٍ من الأمرِ فى غضبٍ أو غيرِهِ ؛ لَيَفْعَلَنَّ أو ليتركنَّ. فذلك عقدُ
الأيمانِ التى فَرَض اللهُ فيها الكفَّارةَ. قال ابنُ شهابٍ: قال اللهُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٤٦٩) من الموطأ .
٦٣٤
الموطأ
اللَّهُ بِالَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدَتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾. وسُئِل عن الأيمانِ التمهيد
ما توكيدُها؟ فقال: توكيدُها ما حلَف عليه الرجلُ أنْ يفعَلَه جادًّا، ففى تلك
الكفَّارةُ، وما كان من يمينٍ لغوٍ، فإنَّ اللهَ قد عفا عنها(١).
وذكَر بقِىٌّ، عن وهبٍ ، عن خالدٍ ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ : لغوُ اليمينِ أَنْ
يقولَ : لا واللهِ ، وبَلَى واللهِ؛ صلةً الحديثِ .
قال: وحدَّثنا هنَّادٌ، عن أبى الأحوصِ، عن مغيرةَ، عن الشعبيّ قال: اللغو
قولُ الرجلِ : لا واللهِ ، وبلى واللهِ ؛ يصلُ بها كلامَه، ما لم يكنْ شىءٌ يعقِدُ عليه
قلبَه (١) . وهو قولُ عكرمةَ، وأبى صالح، وأبى قلابةَ، وطائفةٍ (٢) . وكان سعيدُ بنُ
جبيرٍ يذهبُ إلى أنَّ اللغوَ أن يحلِفَ الرجلُ فيما لا ينبغى له أن يحلفَ عليه ؛ مثلَ
أن يحرّم شيئًا هو له حلالٌ (٤)، فلا يؤاخذُه اللهُ بتركِه، ولكن يؤاخذُه إِنْ
فعَلَه ." رواه شعبةُ عن أبى بشرٍ عنه " .
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٦١١ .
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٩/٤ عن هناد به .
(٣) ينظر ما تقدم ص ٦١٠.
(٤) فى م: ((مالك)).
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل، ص ١٧، م.
والأثر أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢٨/٤، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٠٩/٢ (٢١٥٦) من
طريق شعبة به بمعناه .
٦٣٥
الموطأ
قال يحيى: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: مَن قال: علىَّ نذرٌ. ولم يُسَمِّ
شيئًا ، أن عليه كفَّارةً يمينٍ .
قال مالكٌ : فأمَّا التوكيدُ فهو حَلِفُ الإنسانِ فى الشىءِ الواحدِ ،
يُرَدِّدُ فيه الأيمانَ يمينًا بعدَ يمين؛ كقولِه: واللهِ لا أنقُصُه من كذا وكذا.
يَحلِفُ بذلك مرارًا، ثلاثًا أو أكثرَ من ذلك .
قال : فكفَّارَةُ ذلك كفَّارةٌ وَاحدةٌ مِثلُ كفَّارةِ اليمينِ .
التمهيد يعقوبَ بنِ جَهْوَرٍ ، حدَّثنا أبو أميَّةَ محمدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ
ابنِ كُنَاسَةَ، حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ ، عن أبيه، عن عائشةَ ، قالت : كان أبى لا
يحنَثُ حتى نزَلتْ كفَّارةُ اليمينِ(١) .
واختلفوا فى الكفَّرةِ إذا ماتَ الحالفُ ؛ فقال الشافعىُّ وأبو ثورٍ : كفَّاراتُ
الأيمانِ تَخرُجُ من رأسِ مالِ الميّتِ . وقال أبو حنيفةَ : تكونُ فى القُلُثِ. وكذلك
قال مالكٌ إِنْ أَوْصَى بها .
: الاستذ کار
قال مالكٌ: مَن قال عليه نذرٌ، ولم يُسَمِّه، فعليه كفارةُ يمينٍ .
وفى هذا البابِ قال مالكٌ: فأمَّا التوكيدُ فى اليمينِ فهو خَلِفُ الرجلِ فى
الشىءِ الواحدِ ، يُردِّدُ فيه الأيمانَ يمينًا بعدَ يمينٍ ؛ كقولِه: واللهِ لا أَنْقُصُ مِن كذا
وكذا. يحلِفُ بذلك مرارًا، فكفارةُ ذلك كفارةٌ واحدةٌ مِثْلُ كفارةِ اليمينِ .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٦٠٣٨)، وابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢١، ٢٢،
والبخارى (٦٦٢١)، والبيهقى ٣٤/١٠ من طريق هشام بن عروة به .
٦٣٦
قال مالكٌ: فإن حلَف رجلٌ فقال: واللهِ لا آكُلُ هذا الطعامَ، ولا الموطأ
أَلْبَسُ هذا الثوبَ ، ولا أدخُلُ هذا البيتَ . فكان هذا فى يمينٍ واحدةٍ ،
فإنما عليه كفَّارةٌ واحدةٌ .
قال مالكٌ: وإنما ذلك كقولِ الرجل لامرأته: أنتِ الطلاقُ إن كسَوتُكِ
هذا الثوبَ ، وأُذِنتُ لكِ إلى المسجدِ . يكونُ ذلك نَسَقًا متابعًا فى كلام
واحدٍ ، فإن حنث فى شىءٍ واحدٍ من ذلك فقد وجب عليه الطلاقُ ، وليس
عليه فيما فعَل بعدَ ذلك حِنثٌ ، إنما الحِنثُ فى ذلك حِنثٌ واحدٌ .
الاستذكار
قال مالكٌ : فإن حلَف رجلٌ فقال: واللهِ لا آكُلُ هذا الطعامَ ، ولا ألبَسُ هذا
الثوبَ ، ولا أَدخُلُ هذا البيتَ . فكان هذا فى يمينٍ واحدةٍ ، فإنما عليه كفارةٌ
واحدةٌ، وإنما ذلك كقول الرجلٍ لامرأته: أنتِ الطلاقُ إن كسَوتُك هذا
الثوبَ ، وأَذِنتُ لك إلى المسجدِ . يكونُ ذلك نَسَقًا مُتَابِعًا فى كلامٍ واحدٍ ، فإن
حنث فى شىءٍ مِن ذلك فقد وجَب عليه الطلاقُ ، وليس فيما فعَل بعدَ ذلك
حِنْثٌ ، إنما الحِنْثُ فى ذلك حِنثٌ واحدٌ .
قال أبو عمرَ : روَى ابنُ القاسم عن مالكِ مثلَ ما تقدَّم ، وزاد : هى يمينٌ
واحدةٌ وإن كانتا فى مجلسَين، إذا كانتا على شىءٍ واحدٍ .
وقال سفيانُ الثورىُّ: إن حلَف مرتين فى شىءٍ واحدٍ ، فهى يمينٌ واحدةٌ إذا
نوَى يمينًا واحدةً وإن كانتا فى مجلسين، وإن أراد يمينًا أخرى أو (١) التغليظَ فيها،
القبس
(١) فى الأصل، م: ((و)). والمثبت من مختصر اختلاف العلماء ٢٤٣/٣ .
٦٣٧
الموطأ
، الاستذكار فهماً يمينان. وقد رُوِى عنه أنها يمينٌ واحدةٌ وإن حلَف مرارًا. وقال
الأوزاعىُّ : إن حلَف فى أمرٍ واحدٍ بأيمانٍ ، فعليه كفارةٌ واحدةٌ ما لم يكفِّرْ. وقال
عثمانُ البَِّّيُّ: إن أراد اليمينَ الأولى فكفارةٌ واحدةٌ ، وإن أراد التغليظَ فلكلِّ واحدةٍ
كفارةٌ . وقال الحسنُ بنُ حىٍّ: إذا قال: واللهِ لا أكلِّمُ فلانًا ، واللهِ لا أكلِّمُ فلانًا .
فى مجلسٍ واحدٍ، فكفارةٌ واحدةٌ ، وإن قال: واللهِ لا أكلِّمُ فلانًا. ثم قال: واللهِ
لا أكلِّمُ فلانًا . فكفارتان . وقال محمدُ بنُ الحسنِ : إذا قال: واللهِ لا أفعَلُ كذا،
واللهِ لا أَفعَلُ كذا. فى الشىءِ الواحدِ ، فإن أراد التَّكرارَ فيمينٌ واحدةٌ ، وإن لم
يكنْ له نِيَّةٌ وأراد التغليظَ ، فهما يمينان . قال : وإن قال ذلك فى مجلسين ، فهما
يمينان . وقال الشافعىُّ: فى كل يمينٍ كفارةٌ ، إلا أن يريدَ التَّكرارَ.
وقال محمدُ بنُّ الحسنِ والشافعىُّ فيمَن قال: واللهِ لأفعَلَنَّ كذا، واللهِ
لِأَفْعَلَنَّ كذا؟ . هما يمينان إلا أن يكونَ أراد الكلامَ الأولَ، فيكونَ يمينًا
واحدةً، ولو قال: واللهِ والرحمنٍ لأَفعَلَنَّ كذا. هما يمينان. قال مالكٌ: مَن
قال : واللهِ الرحمنِ. كانت يمينًا واحدةً. وقال زُفَرُ: قولُه: واللـهِ و(٣) الرحمنِ.
يمينٌ واحدةٌ . وقال مالكٌ: مَن قال: واللهِ و(٤) الرحمنِ. فعليه كفارتانِ . وإن
قال : والسميعِ ، والعليمِ، والحكيم. فعليه ثلاثُ كفاراتٍ . وكذلك لو قال:
علىَّ عهدُ اللَّهِ وميثاقُهَ وكفالتُه. فعليه ثلاثُ كفاراتٍ. ومَن حلف باللهِ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((فهى)). والمثبت من مختصر اختلاف العلماء ٢٤٣/٣.
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((والله والرحمن لأفعلن كذا)). والمثبت يقتضيه السياق، وينظر تحفة
الفقهاء ٢/ ٣٠٠، وبدائع الصنائع ٩/٣، وشرح فتح القدير ٧٩/٥.
(٣) ليس فى: الأصل، م. والمثبت من مختصر اختلاف العلماء ٣/ ٢٤٢، وينظر بدائع الصنائع ٩/٣.
(٤) ليس فى : الأصل ، م . والمثبت يقتضيه السياق .
٦٣٨
٢٠
الموطأ
قال يحيى : قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى نذرِ المرأةِ أنه جائزٌ عليها بغيرِ
إذن زوجها ، یجبُ علیھا ذلك ویثبُتُ إذا کان ذلك فی جسدِها ، و کان
ذلك لا يضُرُّ بزوجِها ، وإِن كان ذلك يضُرُ بزوجِها كان ذلك عليها
حتى تَقْضِيَه .
مرارًا كثيرةً يمينًا بعدَ يمينٍ ، ثم حيث ، فعليه كفارةٌ واحدةٌ . فَوَّق بينَ تَكرار اسم الاستذكار
واحدٍ وبينَ الأسماءِ المختلفةِ .
قال أبو عمرَ : وذكَر ابنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا معتمرُ بنُ سليمانَ ، عن
أبيه، عن مجاهدٍ ، قال: خرَج ابنُ عمرَ وبعَث غلامًا له فى وجهٍ مِن الوجوهِ
فأبطَأْ ، فقال له ابنُ عمرَ : إنك تغيبُ عن امرأتِك (١ كذا و كذا، فطلِّقْها. قال :
لا واللهِ لا أُطلِّقُها. قال: واللهِ لتُطَلِّقْتَّها. قال: واللهِ لا أُطلِّقُها. فقال: واللهِ
لتُطَلِّقتَّها. قال: واللهِ لا أَطَلِّقُها. قال: فذهَب عنه العبدُ. قال مجاهدٌ: فذكرتُ
له أيمانَه ، قال: إنها يمينٌ واحدةٌ .
وقال إبراهيمُ النخعىُّ فى الرجلِ يُرَدِّدُ اليمينَ فى الشىءِ الواحدِ ، قال: عليه
كفارةٌ واحدةٌ . وقاله عطاءٌ، وعكرمةُ، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ . وقال الحسنُ :
إذا حلَف الرجلُ بأيمانٍ شتَّى على أمرٍ واحدٍ فحنث ، فإنما عليه كفارةُ يمينٍ
واحدةٍ ، فإِن حَف أيمانًا شنَّی فی أشیاءً شئَّی فی أیامِ شتَّی ، فعلیه عن کل پمینِ
كفارةٌ . هذا كلُّه مِن كتابٍ ابنِ أبى شيبةً .
قال مالكٌ : الأمرُ عندَنا فى نذرِ المرأةِ أنه جائزٌ(١) بغير إذنٍ زوجها ، يجبُ
القبس
(١ - ١) فى م: ((تخرج)).
(٢) بعده فى الأصل: ((عندنا عليها)).
٦٣٩
الموطأ
العملُ فى كفارة اليمينِ
١٠٤٤ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه كان يقولُ :
مَن حلَف بيمينٍ فوكّدها ، ثمَّ حنِث ، فعليه عِتقُ رقبةٍ ، أو كِسوةُ عشَرةٍ
مساكينَ، ومَن حلَف بيمينٍ فلم يُوَكِّدْها ، ثمَّ حنث، فعليه إطعامُ عشَرةٍ
الاستذكار عليها ذلك ويثبُتُ إذا كان ذلك فى جسدِها ، وكان ذلك لا يضُرُّ بزوجِها ، وإن
كان ذلك يَضُرُّ بزوجِها فله منعُها منه، وكان ذلك عليها حتى تَقْضِيَه .
قال أبو عمرَ : هذا إذا كان على حسَبٍ ما ذكره مالكٌ مِن أنَّ نَذْرَها لا يَضُرُ
بزوجِها، كان عليها الوفاءُ به ، لا خلافَ فى ذلك بينَ العلماءِ ، فإن حالَ زوجها
بينها وبينَ الوفاءِ بنَذْرِها ذلك، كان عليها قضاؤُه بإجماع أيضًا إذا كان غيرَ
مؤقتٍ . واختلفوا إذا كان مؤقّتًا بوقتٍ فخرَج الوقتُ ، على قولين ؛ أحدُهما :
یچِبُ . والثانى : لا يجِبُ .
بابُ العملِ فى كفارة الأيمانِ
ذکر فیهمالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أنه کان یقولُ : مَن حلَف
بيمينٍ فوكّدها، ثم حنث ، فعليه عِثْقُ رقبةٍ ، أو كِسوةُ عشَرةٍ مساكينَ، ومَن
حَلَف بيمينٍ فلم يُؤَكِّدْها، ثم(١) حيث، فعليه إطعامُ عشَرةٍ مساكينَ، لكلِّ
مسكينٍ مُدِّ مِن حِنْطَةٍ، فإن لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ(١) .
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((ذكر أنه)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٣٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٢٠/١٣ و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٢٠٤). وأخرجه الشافعى ٧/ ٢٥٧، والطحاوى فى شرح المعانى ١١٨/٣،
١١٩، والبيهقى ٥٦/١٠ من طريق مالك به .
٦٤٠