Indexed OCR Text

Pages 601-620

الموطأ
التمهيد
اللهَ فلا يعصِه)) ؟ فقال مالكٌ: نعم .
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الطَّاهرِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ
عبدِ اللهِ القاضِى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحتَى، قال: سمِعْتُ خلفَ بنَ هشامٍ
البزَّارَ يقولُ : قيل لمالكِ بنِ أنسٍ وأنا أسمعُ: حدَّثك طلحةُ بنُ عبدِ الملكِ
الأيلىُ، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةً، عن النبيِّ ◌ٍَّ قال: ((من نذَر أن
يُطِيعَ اللهَ فليُطعْه، ومن نذَر أن يعصِىَ اللهَ فلا يعصِه)) ؟ قال مالكٌ: نعم.
وحدَّثنا أحمدُ (١) بنُ قاسم بن عيسى المقرئُ ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ
محمدِ بنِ حَبَابةَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغوىُّ ، قال :
حدَّثنا خلفُ بنُ هشامِ البزَّارُ، قال: قيل لمالكِ بنِ أنسٍ وأنا أسمَعُ: حدَّثك
طلحةُ بنُ عبدِ الملكِ الأيلىُّ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، عن عائشةً، عن النبيِّ وَله
قال: ((من نذَر أن يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومن نذَر أنْ يعصِىَ اللهَ فلا يعصِه))؟ فقال
مالكٌ : نعم.
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخضِرِ الأسيوطىُّ ،
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عثمانَ بنِ أبى التمامِ
وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ موسى بن عيسى الحضرميُّ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بنُّ
شُعيبِ النسائىُّ ، قال: أخبرنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ ، عن مالكٍ، عن طلحةَ بنِ
عبدِ الملكِ، عن القاسم، عن عائشةً، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((من نذَر أَنْ
القبس
(١) فى م: ((محمد)).
٦٠١

الموطأ
التمهيد يُطِيعَ اللهَ فليُطعْه، ومن نذَر أن يعصِىَ اللهَ فلا يعصِه))(١).
قال أبو عمرَ : زعم قومٌ أنَّ هذا الحديثَ لم يروِه عن القاسم بن محمدٍ إلَّا طلحةٌ
ابنُ عبدِ الملكِ هذا، وقد وجَدْنا لمحمدِ بنِ أبانٍ ، عن القاسم بنِ محمدٍ مثلَه .
حدَّثنى سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبانُ بنُ
يزيدَ ، قال: حدَّثنى يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن محمدِ بنِ أبانٍ، عن القاسم بنِ
(٢)
محمدٍ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ وَِّقال: ((من نذَر أن يعصِىَ الله فلا يعصِه)).
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال : حدّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ یحیی ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ أَيُّوبَ بنِ حبيبٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ عبدِ الخالقِ ،
قال : حدَّثنا هُدبُ بنُ خالدٍ ، قال : حدَّثنا أبانُ بنُ یزیدَ ، قال : حدثنا یحیی بنُ أبی
كثيرٍ، عن محمدِ بنِ أبانٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةً، عن النبيِّ وَ له
مثلَه سواءً ، ليس فيه ذكرُ الطَّاعةِ(٣).
ومحمدُ بنُ أبانٍ هذا هو محمدُ بنُ أبانٍ المزنُ الیمامئُ(٤) ، ليس هو محمد
ابنَ أبانِ بنِ صالح الكوفىَّ ، ذاك ضعيفٌ عندهم ، وقيلَ : إنَّ محمدَ بنَ أبانٍ هذا
القبس
,٠
(١) النسائى (٣٨١٥)، وفى الكبرى (٤٧٤٨)، وأخرجه الترمذى (١٥٢٦) عن قتيبة به.
(٢) أخرجه البخارى فى تاريخه ٣٣/١، ٣٤، والفسوى فى المعرفة ٤/٣، ٥ عن مسلم بن إبراهيم
به .
(٣) أخرجه أبو يعلى (٤٨٦٣) عن هدبة بن خالد به .
(٤) فى ص ٤: ((اليمانى)). وينظر حاشية التاريخ الكبير ٣٢/١- ٣٤.
٦٠٢

الموطأ
لم يروِ عنه إلّ يحيى بنُ أبى كثيرٍ، وهو مجهولٌ. وقال آخرون: هو مدنُ التمهيد
معروفٌ، روَى عنه الأوزاعىُّ أيضًا، وله عن القاسم، وعروةً، وعونٍ بنٍ
عبدِ اللهِ ، روايةٌ . وهذا هو الصحيح ، وهو شيخٌ يماميٌ(١) ثقةٌ، وحسبُك بروايةٍ
يحيى بن أبى كثيرٍ والأوزاعيّ عنه .
وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ ما يُرُدُّ قولَ العراقيّينَ فيمن نذَر معصيةً أنَّ عليه
كفَّارةَ يمينٍ مع تركِها؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ وَ لّه لم يأمُرْ فى هذا الحديثِ بكفارةٍ لمن
نذَر المعصيةَ ، وإنَّما أَمَر بتركِ المعصيةِ لا غیرُ. وأمّا حدیثُ ابنِ شهاب ، عن أبى
سلمةَ، عن عائشةً، عن النبيِّ وَ أَنَّه قال: ((لا نذرَ فى معصيةٍ ، وكفَّارتُه كفَّارةُ
يمين))(٢) . فحديثٌ مُنكَرٌ عندَ جماعةِ أهلِ العلم بالحديث ، وإنَّما انفرد به عن
الزهرىِّ سليمانُ بنُ أرقمَ ٢ ، وسليمانُ بنُ أَرقمَ متروكُ الحديثِ عندَ جميعِهم،
وكذلك أيضًا حديثُ عمرانَ بنِ محُصينٍ فى ذلك لا يصحُ() ؛ لأنَّه يدورُ على
محمدِ بنِ الزُّبِيرِ الحنظليِّ ، وهو ضعيفٌ، فى حديثه مناكيرُ، لا يختلفونَ فى
القبس
(١) فى ص ٤: ((يمانى)).
(٢) أخرجه أحمد ٢٠٣/٤٣ (٢٦٠٩٨)، وأبو داود (٣٢٩٠، ٣٢٩١)، والترمذى (١٥٢٤)،
والنسائى (٣٨٤٣ - ٣٨٤٦)، وابن ماجه (٢١٢٥) من طريق ابن شهاب به .
(٣ - ٣) كذا فى النسخ. والذى فى الاستذكار ٥١/١٥ من النسخة المطبوعة: ((إنما يدور على
سليمان بن أرقم، وعنه رواه الزهرى)). وهو الصواب .
وقد أخرجه أبو داود (٣٢٩٢)، والترمذى (١٥٢٥)، والنسائى (٣٨٤٨) من طريق الزهرى،
عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة عن عائشة .
(٤) أخرجه الطيالسى (٨٧٨)، وأحمد ١٦٨/٣٣، ١٩٣ (١٩٩٤٥، ١٩٩٨٥)، والنسائى
(٣٨٥١، ٣٨٥٣، ٣٨٥٥، ٣٨٥٦).
٦٠٣

الموطأ
التمهيد ذلك . وعلى ما ذَكَوْتُ لكَ؛ أنْ لا كفَّارةَ على من نذَر معصيةً إِلَّ تركُها، فُقهاءُ
الحجازيِّينَ ؛ منهم مالكٌ ، والشافعىُّ ، ومَن تابعَهم.
وفى هذا الحديثِ أيضًا مِن الفقهِ أنَّ كلَّ مَن جعَلَ على نفسِه نذرًا أن يعصِىّ
اللهَ، كالجاعلِ عليه " إن اللهُ) شفَى مريضَه، أو ردَّ غائبه، أو نحو ذلك، أنْ
يشرّبَ الخمرَ، أو يقتُلَ، أو يزنىَ، أو يظلِمَ أحدًا، ونحوَ ذلك مِن المعاصِى ؛
صغائرِها وكبائرِها ، أو كالقائلِ مُبتدئًا: للهِ علىَّ أنْ أَقْتُلَ فُلانًا، أو أشهَدَ عليه
بزورٍ ، أو أبغىَ عليه وأَشفِىَ غيظِى بأذاه . وما أشبه ذلك مِن قليلِ المعاصِى
وكثيرِها، فلا يلزَمُه شىءٌ من(٢) ذلك كلِّه؛ لأَنَّه مِن خُطواتِ الشَّيطانِ، وعليه
تركُه فرضًا واجبًا ، ولا كفَّارةَ عليه غيرُ ذلك، بظاهرٍ هذا الحديثِ ؛ لأَنَّه لم يأمُرُه
فيه النبيُّ وَّ بكفَّارةٍ. وكذلك من نذَر ما ليس بطاعةٍ ، فليس عليه الوفاءُ به عندَ
مالكٍ ، ولا كفَّارةَ عليه . وقال مالكٌ فى تأويلِ هذا الحديثِ: إِنْ حلَفَ أنْ يمشِىَ
إلى الشام، أو إلى مصرَ، وأشباهِ ذلك ممَّا ليس فيه طاعةٌ ، فليس عليه فى ذلك
شىءٌ ؛ لأَنَّه ليس للهِ تعالى فيه طاعةٌ . وأمَّا قولُ مالكٍ فيمَن قال: أنا أحمِلُ هذا
العمودَ أو غيرَه إلى مكةً. طلبَ المشقّةِ: فليحُجّ غيرَ حاملٍ شيئًا ، ويُهدِى . فقد
أنكروا عليه إيجابَ الهدي فى هذا ومثله، وقد مضَى القولُ فى هذه المسألةِ فى
بابِ ثورِ بنِ زيدٍ (٢) . والحمدُ للهِ .
القبس
(١ - ١) فى ص ٤: ((لله إن)).
(٢) فى م: ((فى)).
(٣) ينظر ما تقدم ص٥٨٦ - ٥٨٨ .
٦٠٤

الموطأ
وقد اختلف الصحابةُ والتَّابعونَ وسائرُ الفقهاءِ فى مسائلَ مِن هذا البابِ ، التمهيد
نحوَ قولِ الإنسانِ: علىَّ نَذْرٌ() أنْ أَنحَرَ ابنى عندَ مقام إبراهيمَ. وما أشبه ذلك،
واختلَفَ أيضًا فيه قولُ مالكِ ، والذى يُوجِبُه ظاهرُ هذا الحديثِ أنْ لا شىءَ
عليه، وهو الصوابُ مِن القولِ فى ذلك، واللهُ أعلمُ، وستَذْكُرُ اختلافَ
٢)
العلماءِ فى هذا البابِ، وحَُّةَ كلِّ فرقةٍ منهم إن شاءَ اللهُ فى غيرِ هذا الموضعِ .
وأمَّا من نذَر شيئًا للهِ فيه طاعةٌ، فواجبٌ عليه الإتيانُ به؛ كالصلاةِ ،
والصِّيامِ، والصدقةِ، والعتقِ ، وما أشبه ذلك مِن طاعةِ اللهِ ، وهذا ما لا خلافَ
بينَ عُلماءِ المسلمينَ فيه . ويشُدُّ ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وتأويلُ ذلك: العقودُ التى لا معصيةً فيها؛
لبيانِ رسولِ اللهِ وَِّ ذلك، فمن(٢) قال: للهِ علىَّ نذرٌّ إنْ لم أشرب الخمرَ ولم
أقثُلْ فُلانًا. فإنَّما هو رجلٌ نذَرَ نذرًا لم يجعَلْ له مخرجًا ، إنْ سلَّمَه اللهُ مِن قتلِ
فُلانٍ ، أو مِن شُربِ الخمرِ ، فعليه أنْ يفىَ بنذرِه ، وكلَّ نذرٍ لا مخرَجَ له ولا نِيَّةً
لصاحبِهِ ، فكفَّارتُه كفَّارةُ يمينٍ ، ثبتتْ بذلك السُّنَّةُ، وعلى ذلك جُمهورُ عُلماءِ
الأمَّةِ، فأغنى عن الإكثارِ فيه، وقد ذكرناه مُجوَّدًا فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن
عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ(١) . والحمدُ للهِ. وقد أثنَى اللهُ عزَّ وجلّ على قومٍ كانوا
القبس
(١) سقط من: ص ٤.
(٢ - ٢) سقط من: ص ٤.
(٣) فى ص ٤: ((فيمن)).
(٤) ينظر ما تقدم ص٥٥٤ - ٥٥٦ .
٦٠٥

الموطأ
التمهيدِ يُوفونَ بالنَّذرِ ويخافونَ يومًا كان شرُّه مُستطيرًا (١).
ومن نذَر ما لا معصيةَ فيه ولا طاعةً ، فقد اختلَفَ الفقهاءُ فى ذلك ؛ فقال
قوم: واجبٌ علیه الإتيانُ بذلك ؛ لأنّه مُباخ . وقال آخرون : لا يجبُ علیه من
النَّذرِ إلَّا ما كان للهِ فیه طاعةٌ . وقصّةُ أیی إسرائيلَ مِن حدیثِ جابٍ وابنِ عباسٍ
تدُلُّ على صحة هذا القول، وقد ذكرنا ذلك فی بابٍ ثورِ بنِ زیدٍ مِن کتابِنا
هذا(٢) . وباللهِ تعالَى التوفيقُ.
"قال أبو عمرَ: لم يفُتْ يحتِى بنَ يحتى فى «الموطأً)) حديثٌ مِن أحاديثِ
الأحكام ممَّا رواه غيرُه فى ((الموطأُ )) إلَّ حديثَ طلحةَ بنِ عبدِ الملكِ هذا،
وسائرُ ما رواه غيرُه من الأحاديثِ فى ((الموطأُ) إنَّما هى أحاديثُ مِن أحاديثٍ
الجامعِ ونحوِه، ليسَتْ فى أحكام ، وأكثرُها أو كلُّها معلولةٌ، مُختلَفٌ فيها عن
مالكِ، وقد تُوبِعَ يحتَّى ، تابعَه جماعةٌ مِن رُواةِ ((الموطأُ)) على سُقوطِ كلِّ ما
أسقطَ مِن تلك الأحاديثِ مِن ((الموطأ))، إلَّ حديثَ طلحةَ هذا وحدَه، وما
عداه فقد تابعَه على سُقوطِه مِن ((الموطأً)) قومٌ، وخالفَه آخرونَ، وقد ذكرنا ذلك
فى آخرِ هذا البابِ ، ويُحيِى آخرُهم عَرْضًا، وما سقَط مِن روايته فعن اختيارٍ مالكٍ
وتمحيصِه. واللهُ أعلم٣ُ) .
القبس
(١) يشير إلى الآية ((٧)) من سورة ((الإنسان)).
(٢) ينظر ما تقدم ص ٥٨٥ - ٥٩٠ .
(٣ - ٣) سقط من: ص ٤.
٦٠٦

الموطأ
اللغۇ فی الیمینِ
١٠٤١ - مالك، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عائشةً أَمّ
المؤمنين ، أنها كانت تقولُ : لغؤُ اليمينِ قولُ الإنسانِ : لا واللهِ ، لا
واللهِ .
الاستذكار
بابُ اللغوِ فى اليمينِ
ذكَر فيه مالكٌ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عائشةً ، أنها كانت
تقولُ : لغوُ اليمينِ قولُ الإنسانِ: لا واللهِ، لا واللهِ(١).
کتابُ الأيمانِ
القبس
اليمينُ خبرٌ يقومُ بالقلبِ عن معنًى يلتزِمُه العبدُ، مَرْبوطًا بإقدامٍ أو إحجامٍ ، يقعُ
عنه التعبيرُ باللفظِ، فيُخْبِرُ لسانُه عما ربَط بقلبِهِ ، والمُعَوَّلُ على ما يَسْتَقِرُّ فى النفسِ من
ذلك، لا ما يَجْرِى على اللسانِ، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيّ
أَيْمَئِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥، المائدة: ٨٩]. وقال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَلَكِن
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدَتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ [المائدة: ٨٩]. فانتظَمَتْ هاتان الآيتان مسائلَ الأيمانِ
بجُمْلتِها فى اليمينِ على ما قلناه، واللغؤُ ما عَداه .
واختلف العلماءُ فيه؛ فقيل: اللَّغْوُ قولُ المرءِ فى تعديدٍ(٢) كلامِه: لا واللهِ .
وبلى واللهِ. ولم يَرَ مالكٌ هذا لغوًا، والحِكْمَةُ فى ذلك، واللهُ أعلمُ، أنه قد
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٥٦)، وبرواية أبى مصعب (٢٢١٩). وأخرجه الشافعى
٢٤٢/٧، والبيهقى ٤٨/١٠ من طريق مالك به .
(٢ - ٢) سقط من : ج، م .
(٣) فى ج، م: (ترديد)).
٦٠٧

الموطأ
.
الاستذكار
هكذا رواه يحيى عن مالكٍ، وتابعَه القَعْنبىُّ وطائفةٌ . ورواه ابنُ بُكيرٍ(١
وجماعةٌ عن مالكِ بإسنادِهِ، فقالوا فيه: لا واللهِ، وبلى واللهِ . وكذلك رواه
جمهورُ الرواةِ، عن هشامِ بنِ عروةَ. وقد روَى هذا الحديثَ عن عائشةً(٢)
عطاءُ بنُ أبى رباحُ وعبيدُ بنُ عميرٍ بمعنى حديثٍ هشامٍ، عن أبيه سواءً.
القبس جعَل(٤) هذا الذى أورَدناه فى اللغوِ تحتَ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ
لِأَيْمَنِكُمْ﴾ الآيةَ [البقرة: ٢٢٤]. وإنما اللغوُ ما قاله مالكٌ: أن يَخْلِفَ الرجلُ() على
الشىءٍ يَظُنُّه على معنَى فيخرج على خلافِه . قال لى بعضُ القروبِين مِن شيوخِنا: قال
أبو حفصِ العطَّارُ) يومًا لأصحابِه: إذا حلَف الرجلُ بالطلاقِ على أمرٍ يَظُنُّه بشىءٍ (٧)،
فخرَج بخلافِهِ، ما يلزَمُه؟ قالوا له: لا شىءَ عليه؛ لأن هذه لَغْؤُ اليمينِ عندَ مالكِ.
قال : أخطأتُم ، إنما يكونُ لَغْوُ اليمينِ فى اليمينِ باللهِ ، لا فى اليمينِ بالطلاقِ .
فأما اليمينُ الغَموسُ، فهى عندَ أبى حنيفةَ مِن جملةِ اللَّغْوِ؛ لأنها غيرُ مُنْعِقِدةٍ ،
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٠/١٣ و - مخطوط).
(٢) بعده فى الأصل، م: ((و)). والمثبت موافق لمصدر التخريج.
(٣) أخرجه الشافعى ٧/ ٦٣، وعبد الرزاق (١٥٩٥١)، وابن جرير فى تفسيره ١٥/٤، ١٦، ١٨،
١٩ من طريق عطاء به .
(٤) فى ج: (( حصل)).
(٥) سقط من : ج ، م .
(٦) هو عمرو بن محمد التميمى أبو حفص ، المعروف بالعطار، كان على سمت المجتهدين المبرزين ،
حسن الاستنباط ، أخذ عن أبى بكر بن عبد الرحمن وغيره ، وكان من أقران ابن محرز وأبى إسحاق
التونسى ، وانتفع به خلائق ؛ منهم عبد الحميد الصائغ ، وابن سعدون ، وله تعليق على المدونة . مات
بالقيروان ، وقيل بالمنستير ، ودُفن بها . ترتيب المدارك ٧٧٢/٤، وشجرة النور الزكية ١٠٧/١ .
(٧) فى ج، م: ((لشراء)).
=
٦٠٨

الموطأ
وأخطأ فيه عمرُ بنُّ قيسٍ ؛ فرواه عن عطاءٍ، عن عائشةً، بخلافٍ ذلك (١)، نذكره الاستذكار
بعدَ ذلك عندَ ذكرِ قولٍ مالكِ. ورواه عن هشام جماعةٌ أيضًا؛ منهم الثوریُّ،
وشعبةٌ (١) ، وابنُ جريج. ورواه عن عروةً ابنُ شهابٍ كما رواه ابنُه هشام .
قال أبو عمرَ : روَى ابنُّ المباركِ ، وعبدُ الرحيم بنُ سليمانَ ، وعَبْدةُ بنُ
سليمانَ، وغيرُهم بمعنَى واحدٍ عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عائشةَ،
قالت : اللغؤُ الذى ذكَرِه : لا واللهِ ، وبلى واللهِ () .
ورواه يحيى بنُ سعيد القطانُ ، قال: أخبرنى هشامُ بنُ عروةَ ، قال : أخبرنى
أبى، عن عائشةَ فى قولِه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِأَلَّغْوِ فِىّ أَيْمَنِكُمْ﴾. نزَلت
فأما مالكٌ، فرأى سُقُوطَ الكفارةِ فيها مِن جهةٍ عِظَم إثمِها، وهو وإن كان أشارَ إلى القبس
ذلك فى آخرِ كلامِه، فإنما أوَّلُه مبنىٌّ على عقدِ اليمينِ ، واليمينُ عَقْدٌ يفتقِرُ إلى معقودٍ
به ومعقودٍ فى نفسِه ، فإذا كذَب لم يكنْ هنالك معقودٌ ، فلا يكونُ هنالكَ عَقْدٌ ، فإن
قيل: فقد قصَدها بقولِه: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ﴾ الآية. وهذا قد
كسبها . قلنا: كسَب الكذبَ ولم يَكتسِبِ العقدَ؛ لأنه إذا أخبر أنه فعَل أمسٍ ولم
يفعَلْ، فهذا خبرٌ لا مُخْبَرَ له، فإذا حلَف عليه، فقد عقَد ما لا ينعقِدُ ، فإن قيل : عقَد
إظهارَ الصدقِ . قلنا : قد بيََّّ أنه لا مُعوَّلَ على اللفظِ ، وإنما المُعوَّلُ على ما يَرْتِطُ
القلبُ، وقد استوفَينا ذلك فى ((مسائلِ الخلافِ)) .
(١) سيأتى ص ٦١٢ .
(٢) أخرجه الخطيب ١٠٥/١٣ من طريق شعبة به .
(٣) فى الأصل: ((شعبة)).
(٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٥/٤، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٠٨/٢ (٢١٥٢) من طريق
عبدة بن سليمان به .
(٥ - ٥) فى م: ((يكسب بالعقد بالآية إذ)).
٦٠٩
( موسوعة شروح الموطأ ٣٩/١٢ )

الموطأ
الاستذكار فى قول الرجل: لا واللهِ، وبلى واللهِ(١). فذكَر القطّانُ السببَ فى نزولِ الآيَةِ،
ولم يذكُرْه أحدٌ مِن هؤلاء ولا (٢ غيرُهم(٣). وممن٣) قال: لغؤُ اليمينِ: لا واللهِ،
وبلى واللهِ، وما لا يعتقدُه قلبُ الحالفِ ولا يَقصِدُه - عبدُ اللهِ بنُّ عمرَ ، وابنُ
عباسٍٍ فى رواية عنه .
روَى ابنُّ عيينةَ، عن الزهرىِّ، عن سالمٍ، أن ابنَ عمرَ كان يسمعُ بعضَ
ولدِهِ يحلِفُ عشرةَ أيمانٍ: لا واللهِ، وبلى واللهِ . لا يأمرُه بشىءٍ(٤).
وهو قولُ الشعبىِّ فى رواية ابنٍ عونٍ عنه (٥)، وقولُ الحكم ، وعطاءِبنِ أبى رباحٍ،
وأبى صالح ، وأبى قِلابةً (١)، وإبراهيمَ فى روايةِ حمادٍ عنه (٢)، قال: لَغْؤُ اليمينِ ما
يَصِلُ به الرجلُ كلامَه : واللهِ لآكُلَنَّ، والله لأُشرَبنَّ. وهو قولُ عكرمةً وابنٍ شهاب ".
وذكر عبدُ الرزاقٍ(٨)، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةً فى
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَلِكُمْ﴾. قالت: هم القومُ يتَدارءون ،
يقولُ أحدُهم: لا واللهِ ، وبلى واللهِ، وكلَّ واللهِ . لا تُعقدُ عليه قلوبُهم.
القبس
(١) أخرجه البخارى (٦٦٦٣)، والنسائى فى الكبرى (١١١٤٩)، والبيهقى ٤٨/١٠ من طريق
یحیی بن سعید به .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((غيره ممن)). وفى م: ((غيره فمن)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) أخرجه البخارى (٤٦١٣) من طريق مالك بن سعيد، وابن الجارود (٩٢٥) من طريق عيسى بن
يونس كلاهما عن هشام به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٦٠٥٦) من طريق الزهرى به .
(٥) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٧/٤ من طريق ابن عون به .
(٦) ينظر تفسير ابن جرير ١٧/٤، ١٨، وتفسير ابن أبى حاتم ٢/ ٤٠٨.
(٧) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٠/٤ من طريق حماد به .
(٨) عبد الرزاق (١٥٩٥٢).
٦١٠

الموطأ
قال يحيى : سمِعتُ مالكًا يقولُ : أحسنُ ما سمِعتُ فى هذا ، أن
اللغو حلِفُ الإنسانِ علی الشیءِ یستیقِنُ أنہ کذلك ، ثمّ يُوجَدُ علی غیرِ
ذلك ، فهو اللغو .
قال يحيى : قال مالكٌ: وعقدُ اليمينِ ، أن يَحلِفَ الرجلُ أَلَّا يَبِيعَ ثوبَه
وروَى ابنُ وهبٍ ، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، أن عروةَ حدَّثه، أن عائشةَ الاستذكار
زوجَ النبيِّ نَّهِ قالت: أيمانُ اللغوِ ما كان فى المِراءِ، والهَزْلِ، والمُزَاحاتِ،
والحديثِ الذى لا يُعْقَدُ عليه القلبُ(١).
وروَى حمادُ بنُ زيدٍ ، عن أيوبَ ، عن أبى قِلابةَ، قال: بلى واللهِ ، ولا
واللهِ . لغةٌ مِن لغاتِ العربِ(٢) .
قال أبو عمرَ: وإلى هذا ذهب الشافعىُّ والأوزاعىُّ (١) ، والحسنُ بنُ حىٍّ.
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: اللَّغْوُ: لا واللهِ ، وبلى واللهِ. فيما يَظُرُّ(٤) أنه فيه صادقٌ
على الماضى . وذكَر الشافعىُّ قولَ عائشةَ فى اللغوِ أنه : لا واللهِ ، وبلى واللهِ . وقال :
اللغوُ فى لسانِ العربِ الكلامُ غيرُ المعقودِ عليه، وهو معنَى ما قالت عائشةُ .
وقال مالكٌ: أحسنُ ما سمِعتُ فى هذا، (أن اللغوْ حَلِفُ الإنسانِ على
القبس
(١) أخرجه ابن وهب فى جامعه - كما فى فتح البارى ٥٤٨/١١ - ومن طريقه ابن جرير فى تفسيره ٤/ ٣١.
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٧/٤ من طريق أيوب به .
(٣) بعده فى الأصل، م: ((بلى والله، ولا والله)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٤) فى الأصل، م: ((أظن)). والمثبت مما سيأتى ص ٦٣٢.
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل.
٦١١

بعشَرَةِ دنانيرَ، ثمَّ يَبيعَه بذلك، أو يَحلِفَ لَيَضرِبَنَّ غلامَه، ثمَّ لا يَضرِبِهُ،
الموطأ
ونحو هذا . فهذا الذى يُكفِّرُ صاحبُه عن يمينِه ، وليس فى اللغوِ كفَّارةٌ .
الاستذكار الشىءٍ يستيقِنُ أنه كذلك، ثم يوجَدُ على غيرِ ذلك، فهو اللَّغْؤُ، وليس فيه
کفارةٌ . وهو قولُ اللیثِ وأحمد بن حنبلٍ .
قال أبو عمرَ : قد رُوِى مثلُ قولِ مالكٍ عن عائشةَ مِن طريقٍ لا يَثْبُتُ ، ذكَره
ابنُ وهبٍ، عن عمرَ بنِ قيسٍ ، عن عطاءٍ، عن عائشةً (١) . وعمرُ بنُ قيسٍ متروكُ
الحديثِ ، ولم يُتَابَعْ أيضًا على ذلك . وقد خالفَه ابنُ جريجٍ وغيرُه عن عطاءٍ ؛ فرواه
على حسَبٍ ما رواه أنه قولُ الرجلِ : لا واللهِ ، وبلى واللهِ . ويقولون: إن عطاءً لم
يسمعْ مِن عائشةَ غيرَ هذا الحديثِ فى حينٍ مسيرِه إليها مع ◌ُبيدِ بنِ عُميرٍ .
وذكر ابنُ وهبٍ أيضًا عن الثقةِ عندَه، عن ابنٍ شهابٍ ، عن عروةً، عن
عائشةَ، مثلَ روايةٍ عمرَ بنِ قيسٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةً(٢) .
وهذا لا يصِحُ ؛ لأن روايةً ابنٍ وهبٍ هذه عن الثقةِ عندَه تعارضُها روايةُ ابنٍ
وهب، عن يونسَ ، عن ابن شهابٍ، عن عروةً، عن عائشةَ، قالت: أيمانُ اللغو
ما كان فى المِرَاءِ، والهَزْلِ، والحديثِ الذى لا يُعقَدُ عليه القلبُ(٢). وهذا
بمعنی روایة مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشةَ دونَ ما ذهب إليه فی معنی
لغوِ اليمينِ . ويُروَى مثلُ قولِ مالكِ أيضًا فى اللغوِ عن الحسن البصرىِّ ، وقتادةً،
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٤٩/١٠ من طريق ابن وهب به .
(٢) أخرجه ابن وهب - كما فى فتح البارى ٥٤٨/١١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٠٨/٢
(٢١٥٤)، والبيهقى ٤٩/١٠، ٥٠.
(٣) فى الأصل، م: ((القول)). والمثبت مما تقدم ص ٦١١، والأثر تقدم تخريجه ص ٦١١.
٦١٢

الموطأ
٠
قال يحيى : قال مالكٌ: فأمَّا الذى يَحلِفُ على الشىءٍ وهو يَعلَمُ أنه
آثمٌ، ويَحلِفُ على الكذبِ وهو يَعلَمُ ؛ ليُرضِىَ به أحدًا، أو ليَعتذِرَ به إلى
مُعتذَرٍ إليه ، أو ليَقطَعَ به مالًا، فهذا أعظمُ من أن تكونَ فيه كفَّارةٌ .
وزُرارةَ بنِ أوفَى، ومجاهدٍ (١)، وروايةٌ عن الشعبيّ رواها (" تُمرُ بنُ بشير٢ٍ)، الاستذكار
وروايةٌ أيضًا عن إبراهيمَ النخعىِّ رواها عنه مغيرةٌ() ومنصورٌ(٤). وفى اللغوِ قولٌ
ثالثٌ ، وهو أن يحلِفَ الرجلُ وهو غضبانُ. رواه طاوسٌ عن ابنِ عباسٍ (١). وقولٌ
رابعٌ قاله سعيدُ بنُ جبيرٍ، قال: هو الحَلِفُ على المعصيةِ ، يتركُها ، ولا كفارةَ
عليه . رواه عنه أبو بشرٍ (١) . وعن ابن عباسٍ قولٌ خامسٌ ، قال : هو الرجلُ يحلِفُ
فيقولُ : هذا الطعامُ علىَّ حرامٌ. فيأكلُه ولا كفارةَ عليه (٧) . ورُوِى مثلُه عن سعيد
ابنِ جبيرٍ قال: هو أن يُحَرِّمَ الحلالَ. رواه عنه («شعبةُ عنٌ) أبى بشرٍ أيضًا .
مسألةٌ أيضًا: قال مالكٌ: فأما الذى يحلِفُ على الشىءٍ وهو يعلَمُ أنه كاذبٌ ؛ يحلِفُ
لِيُرْضِىَ به أحدًا، أو يعتذرَ إليه، أو ليقطَعَ به مالاً ، فهذا أعظمُ مِن أن تكونَ فيه كفارةٌ .
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق ٤٧٤/٨، ٤٧٥، وتفسير ابن جرير ٢٠/٤ - ٢٥.
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((عمرو بن دينار)). وعمرو بن دينار لا رواية له عن الشعبى. وأخرجه
ابن جرير فى تفسيره ٢٣/٤، ٢٤ من طريق عمر بن بشير به، وينظر الجرح والتعديل ٦/ ١٠٠.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٩٥٥)، وسعيد بن منصور ( ٧٧٥، ٧٧٧ - تفسير)، وابن جرير فى
تفسيره ٢٢/٤، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٠٩، ١١٩٠/٤ من طريق مغيرة به.
(٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢٢/٤، ٢٥، ٢٦ من طريق منصور به .
(٥) أخرجه سعيد بن منصور (٧٨٢ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤١٠، ١١٩١/٤
(٢١٦١، ٦٧١٠)، والبيهقى ٤٩/١٠ من طريق طاوس به.
(٦) ينظر سنن سعيد بن منصور (٧٧٦ - تفسير)، وتفسير ابن جرير ٢٨/٤، وتفسير ابن أبى حاتم
٤٠٩/٢ (٢١٥٧).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٠٩/٢ (٢١٦٠) بمعناه.
(٨ - ٨) فى الأصل، م: ((دواد بن)). والمثبت مما سيأتى ص ٦٣٥.
٦١٣

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : هذه اليمينُ الغَموسُ، وهى لا تصِحُ إلَّا فى الماضى أيضًا .
وقد اختلف العلماءُ فى كفارتِها؛ فأكثرُ أهلِ العلمِ لا يرَون فى اليمينِ الغَموسِ
كفارةً . وممن قال ذلك مالكٌ، وسفيانُ الثورىُّ، وأبو حنيفةً، والحسنُ بنُ
صالحٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ ، قالوا: هو أعظمُ مِن أن يكونَ فيه كفارةٌ . وحُجَّتُهم
قولُه ◌َله: ((مَن حلَف على مِنبرى آثمًا تَبوَّا (١) مقعدَه مِن النارِ))(٢). وقولُه ◌َّ:
((مَن اقتطَع مالَ امرئُّ بيمينِهِ حرَّم اللهُ عليه الجنةَ وأوجب له النارَ))(١). وفى
حديثٍ ابنٍ مسعودٍ: ((لقِى اللهَ وهو عليه غضبانُ))(٤). فذكَر المأثمَ وَِّ فِى
اليمينِ الغَموسِ ولم يذكُرْ كفارةً ، ولو كان فيها كفارةٌ لذكرها . واللهُ أعلمُ .
وقال الشافعىُّ، والأوزاعىُّ، والمُعَلَّى بنُ أسدٍ(٥)، وطائفةٌ مِن التابعين - فيما
ذكَّر المروزىُّ - : مَن تعمَّد الحِنْثَ فعليه الكفارةُ فيما بينَه وبينَ اللهِ ، فإن اقتطَع
بها حقَّ امرئٍّ مسلم أو ذمىٌّ ، فلا كفارةً فى ذلك إلا ردُّ ما اقتطَع ، والخروجُ مما
أخَذه ظلمًا لغيرِهِ، فإذا فعَل ذلك فهى توبةٌ، ويكفِّرُ بعدَ ذلك عن يمينِه . قال
الشافعىُّ : والكفارةُ فى هذا أوكدُ منها على مَن لم يتعمَّدِ الحِنثَ بيمينه . وقد جعَل
اللهُ الكفارةَ فى قتلِ الصيدِ على المتعمِّدِ. وجاءت السنةُ لمَن حلَف ثم رأَى خيرًا مما
حلَف عليه أن يُحَنِّثَ نفسَه ثم يكفِّرَ، وهذا قد تعمَّد الحِنثَ ، فأَمر بالكفارةِ .
القبس
(١) فى الأصل: ((ينوى))، وفى م: ((يتبوأ)). والمثبت من الموطأ (١٤٦٨).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٤٦٨).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٦٩).
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٤٦٩) من الموطأ .
(٥) معلى بن أسد أبو الهيثم العَمِّى البصرى الحافظ الحجة، أخو بهز بن أسد، كان من الأئمة
الأثبات ، مات سنة تسع عشرة ومائتين، وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٨٢، وسير أعلام
النبلاء ١٠ /٦٢٦.
٦١٤
=

الموطأ
قال أبو عمرَ: مِن التابعين القائلين بأن المتعمِّدَ للكذب فى يمينه يكفِّر، الاستذكار
الحكمُ بنُ عتيبةَ وعطاءُ بنُ أبى رباح. قال شعبةُ : سألتُ الحكمَ وحمادًا عن
ذلك؛ فقال حمادٌ: ليس لها كفارةٌ. وقال الحكمُ: الكفارةُ خيرٌ(١).
وذكَر ابنُ أبى شيبةً(٢) ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياثٍ ، عن الحجاجِ ، عن
عطاءٍ ، قال : يُكَفِّرُ.
قال أبو عمرَ : الأيمانُ عندَ جماعةِ العلماءِ على ثلاثةِ أوجهٍ ؛ منها وجهان
فى الماضى وهما اللَّغْوُ والغَموسُ، ولا يكونان إلَّا فى الماضى، وقد مضَى القولُ
فيهما . والوجهُ الثالثُ هو اليمينُ فى المستقبلِ : واللهِ لا فعَلتُ ، واللهِ لأفعَلنَّ.
لم يختلفِ العلماءُ أن على مَن حيث فيما حلَف عليه مِن ذلك الكفارةَ
التى ذكَّر اللهُ فى كتابِه فى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا
حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. يعنى فحيثتم. وقد عبَّر جماعةٌ مِن العلماءِ عن اليمينِ
فى المستقبلِ بعبارةٍ أخرى، فقالوا: هى أيضًا فى المستقبلِ يمينان يُكفَّرانِ .
فجعَلوا: (لا آخُذ٢ُ) . يمينًا، ولأَفعَلنَّ. يمينًا أخرى . وقال جماعةٌ مِن المدنيِّين
والكوفيّين : الأيمانُ أربعةٌ؛ يمينان لا يُكفَّران وهما اللَّغْوُ والغَموسُ، فتنعقِدُ على
ما مضَى ، ويمينانِ يُكفَّران تنعقِدان فى المستقبلِ .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٤ من طريق شعبة به .
(٢) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٤.
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((لآخذ)). والمثبت يقتضيه السياق، وينظر ما سيأتى ص ٦٣٠، ٦٣٣.
٦١٥

الموطأ
ما لا يجبُ فيه الكفارةُ من الأيمانِ
١٠٤٢ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه كان يقولُ:
مَن قال : واللهِ . ثمّ قال : إن شاءاللهُ. ثمّ لم يَفعَلِ الذى حلَف علیه ، لم
يحنَثْ .
قال يحيى : قال مالكٌ: أحسنُ ما سمِعتُ فى الثُّنْيًا أنها لصاحبِها ما
لم يقطّعْ كلامَه ، وما كان من ذلك نسَقًا يَتَبَعُ بعضُه بعضًا قبلَ أن
يَسكُتَ ، فإذا سكَت وقطَع كلامَه فلا تُنْيا له .
الاستذ کار
بابُ ما لا يجبُ فيه الکفارةُ مِن الأيمانِ
ذكَّر فيه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان يقولُ: ((مَن قال):
واللهِ. ثم قال: إن شاء اللهُ. ثم لم يفعلِ الذى حلَف عليه، لم يحنَثْ(١) .
قال مالكٌ : أحسنُ ما سمِعتُ فى الثُّنْيًا أنها لصاحبِها ما لم يقطَعْ كلامه، وما
كان مِن ذلك نَسَقًّا يتبَعُ بعضُه بعضًا قبلَ أن يسكُتَ، فإذا سكَت وقطَع كلامَه
فلا تُنْیًا له .
القبس
ولمَّا عِلِم اللهُ عزَّ وجلَّ أن اليمينَ ترتبِطُ ، وأن الخَلْقَ يتَهافَتون إليها سِراعًا ، جعَل
منها مخرجًا بالاسْتثناءِ، وهو على وجهَين؛ إما بحروفِه، وإما بقولِه: إن شاء الله . فإن
كان بحروفِهِ جرّى على مقتضَى اللغةِ ، وإن كان (١) بمشيئةِ اللهِ ، انحَلَّت اليمينُ عندَ
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٤٩)، وبرواية يحيى بن بكير (١٩/١٣ظ- مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٢١١). وأخرجه البيهقى ٤٦/١٠ من طريق مالك به .
(٣) بعده فى د، م: (( جرى)).
٦١٦

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : حديثُ ابنِ عمرَ هذا أوقَفه مالكٌ على ابنِ عمرَ لم يتجاوزه
به . وكذلك رواه عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ موقوفًا (١) . ورواه
أيوبُ ابنُ موسى، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ نَّه قال: «مَن حلَف
فقال: إن شاء اللهُ. فقد اسْتَثْنى)) (١) .
ورواه أيوبُ السَّختيانيُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ؛ فمرةً يرفعُه، ومرةٌ لا
يرفعُه، ومرةً يقولُ: لا أعلمُه إلا عن النبيِّ ◌َ(١).
صَلىالله
ورواه معمرٌ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ
((مَن حلَف فقال: إن شاء اللهُ. لم يحنَثْ))(٤).
٠٠
وسلم
كافةِ الفقهاءِ كيفما ذكّرها .
القبس
وقال مالكٌ: إنها لا تَنحَلُّ إلا إذا قصد بذلك الحَلَّ؛ لأن مشيئةَ اللهِ مُتَعَلِّقٌ بكلٌ
موجودٍ ، ذكَرها الحالفُ أو ترَكها، فلا بُدَّ مِن قَصْدِه إلى الاستثناءِ بها. ومتى يَقَعُ
الاستثناءُ؟ قال سائرُ العلماءِ عن بَكْرةِ أبيهم: يكونُ الاستثناءُ بعدَ اليمينِ نَسَقًا ، لا
يكونُ بينَهما مِن الفَصْلِ ما يقطَعُ الاتصالَ .
وذهَب محمدُ بنُ المَوَّازِ إلى أن الاستثناءَ إنما يكونُ قبلَ أن يَتِمَّ اليمينُ ، فإن تَمَّتْ
ثم عَقَّبها بالاستثناءِ لم تَنْحَلَّ. وهذا حَرَجٌ عظيمٌ، بل رخّص اللهُ عزَّ وجلَّ فى حَلِّها
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٦١١٢) عن عبيد الله بن عمر به، وسيأتى مرفوعًا ص ٦٥٩.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٦٥٨ .
(٣) سيأتى تخريجه مرفوعًا ص ٦٥٨. وأخرجه عبد الرزاق (١٦١١٥) من طريق أيوب به موقوفًا،
وأخرجه أحمد ١٠٣/٨، ١١٠/٩ (٤٥١٠، ٥٠٩٣)، والبيهقى ٤٦/١٠ من طريق أيوب به،
وقال فيه: لا أعلمه إلا عن النبى العَله .
(٤) سيأتي تخريجه ص ٦٥٩.
٦١٧

الموطأ
الاستذ کار
وأجمَع العلماءُ على أن الحائفَ إذا وصَل يمينَه باللهِ بالاستثناءِ وقال : إن
شاء ) اللهُ. فقد ارتفَع الحِنثُ عنه(٢) ، ولا كفارةَ عليه إن حيث. وأجمعوا أن
الاستثناءَ جائزٌ فى اليمينِ باللهِ واختلفوا فى غيرِها، كما أجمعوا أن اللغوَ فى
اليمينِ باللهِ . واختلَفوا فيمَن لم يصلِ استثناؤه يمينَه ؛ فقال الشافعىُّ: له الاستثناءُ
إذا كان قولُه : إن شاء اللهُ . موصولًا بكلامِه، والوصلُ أن يكونَ كلامُه نَسَقًا ،
وإن كان بينَهما سَكْنَةٌ كسَكْتَةِ الرجل للتذكُّرِ أو النَّفَسِ أو العِىِّ أو انقطاع
الصوتِ، فهو استثناءٌ، والقطعُ(٢) أن يأخُذَ فى كلام(٤) ليس مِن اليمينِ، أو
يسكُتَ السكوتَ الذى يَبِينُ به أنه قطَع كلامَه .
القبس بالاستثناءِ بعدَ عقدِها بالقلبِ رِفْقًا منه بالخَلقِ ، ويُعْزَى إلى ابنِ عباسٍ أنه يُجَوِّزُ
الاستثناءَ غيرَ مُتَّصِلٍ، وقد بيّنَّ ذلك فى أصولِ الفقهِ .
قال أبو الفضلِ المَرَاغُّ فى حكايةٍ طويلةٍ : عَوَّلْتُ على الخُرُوجِ مِن بغدادَ ، بعدَ
أَخْذِ جملةٍ مِن العلم ، فارتحَلْتُ ، وَوَقَفْتُ عندَ بابِ الحَلْبَةِ(٥)، عندَ فَامىٍّ(٢) أبتاعُ منه
زادى، فجعَل يقولُ لجليسِه: أى فُلُ(٢)، أما سمِعتَ العالِمَ يقولُ عن ابنِ
عباسٍ أنه يُجوِّزُ الاستثناءَ ولو بعدَ سنةٍ؟ لقد فكّرتُ فى ذلك منذُ سمِعتُه إلى الآنَ،
وشَغَلْتُ به بالِى ، ولو كان هذا صحيحًا ما قال اللهُ تعالى لأيوبَ عليه السلامُ: ﴿وَخُذّ
(١) فى م: ((لنا)).
(٢) فى الأصل، م: ((عليه )). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) فى الأصل، م: ((هو)). والمثبت من الأم ٧/ ٦٢.
(٤) فى الأصل، م: ((الكلام)) . والمثبت من المصدر السابق .
(٥) فى د: ((الحلية)). والحلبة: محلة كبيرة واسعة فى شرقى بغداد عند باب الأزج. معجم البلدان ٣١٦/٢.
(٦) الفامى : نسبة إلى من يبيع الفوم ؛ وهو الثوم والحنطة والحمص والخبز وسائر الحبوب التى تخبز.
القاموس المحيط (ف وم).
(٧) أى فل: يعنى يا رجل . قال ابن عقيل: من الأسماء ما لا يستعمل إلا فى النداء؛ نحو: يا =
٦١٨

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ: على نحوِ هذا مذهبُ مالكِ وأصحابِهِ وجمهورُ الفقهاءِ ،
وهو قولُ الشعبىِّ، وعطاءٍ، وأكثرِ العلماءِ ) . وكان قومٌ مِن التابعين يرَون
للحانثِ الاستثناءَ ما لم يَقُمْ مِن مجلسِه ؛ منهم طاوسٌ والحسنُ البصرىُّ(٢) .
وكان ابنُ عباسٍ يرى له الاستثناءَ أبدًا متى ما ذكَر، ويتلو قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ :
﴿ وَأَذْكُرُ زَبَّكَ إِذَا نَسِيتَّ﴾(١٢) [الكهف: ٢٤]، وبه قال سعيدُ بنُ جبيرٍ() ومجاهدٌ .
قال أبو عمرَ : يريدون ما لم يحنَثِ الحالفُ بفعلٍ ما حلَف ألا يفعلَه ، ونحوَ
هذا . والحُجَّةُ لمَن ذهَب مذهبَ ابنِ عباسٍ ما رواه مِسْعٌ وغيرُه، عن سِماكٍ
ابنِ حربٍ، عن عكرمةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((واللهِ لأَغْزُوَنَّ قريشًا)).
قالها ثلاثَ مراتٍ ثم سكت ، ثم قال: ((إن شاء اللهُ))(١) .
(٧)
وقد ژُوِی هذا الحدیثُ عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ ، عن النبيِّ
بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِب بِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. كان يقولُ له: قُلْ: إن شاء اللهُ. القبس
وبَرَرْتَ فى يمينِك . فعجِئْتُ ، ثم قلتُ فى نفسى: بَلَدّ هذه عامَّتُه لا ينبغِى لأحدٍ أن
يخرُجَ منه. فترَكْتُ الكِراءَ مِن الجَمَّالِ ، وأَخَذتُ رَحْلِى وانصرَفْتُ .
= فل. أى: يا رجل. شرح ابن عقيل ٢٧٧/٢.
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦١٢١)، والمحلى ٨/ ٤٠٩، وسنن البيهقى ٤٦/١٠.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٦١١٩)، والمحلى ٨/ ٤٠٩.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة - كما فى المحلى ٤٠٨/٨، والبيهقى ١٠/ ٤٨.
(٤) ينظر المحلى ٤٠٨/٨.
(٥) فى الأصل، م: ((مصعب)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٧ / ٤٦١.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٠٦، ١٦١٢٣)، وأبو داود (٣٢٨٦)، والطحاوى فى شرح المشكل
(١٩٢٩) من طريق مسعر به .
(٧) أخرجه أبو يعلى (٢٦٧٤، ٢٦٧٥)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٩٢٨، ١٩٣٠،
١٩٣١)، وابن حبان (٤٣٤٣) من طريق عكرمة به .
٦١٩

الموطأ
وقال مالكٌ فى الرجلِ يقولُ: كَفَر باللهِ ، أو أشرَكُ باللهِ، ثمَّ يَحنَثُ ،
أنه ليس عليه كفَّارةٌ ، وليس بكافرٍ ولا مشركٍ حتى يكونَ قلبُه مُضمِرًا
على الشركِ والكفرِ ، وليستغفِرِ الله ولا يَعُدْ إلى شىءٍ من ذلك، وبئسَ ما
صنَع .
الاستذكار
وأما قولُ مالكِ فى هذا البابِ فى الرجلِ يقولُ: كفَر باللهِ ، أو أشرَك
باللهِ، ثم يحنَثُ، أنه ليس عليه كفارةٌ، وليس بكافرٍ ولا مشركٍ حتى
يكونَ قلبُه مُضمِرًا على الشركِ والكفرِ، ولْيستغفرِ اللـهَ ولا يَعُدْ إلى شىءٍ
مِن ذلك، وبئس ما صنَع .
قال أبو عمرَ : اختلف العلماءُ فى هذه المسألةِ ؛ فأهلُ الحجازِ لا يَرونها
يمينًا ، ولا يوجِبون فيها كفارةً ويكرَهونها. وهو قولُ مالك والشافعيّ، وبه قال
أبو عبيدٍ . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ، والحسنُ بنُ صالح: مَن قال : أنا
يهودىٌّ. أو: نصرانىٌ. أو: كفَرتُ باللهِ . أو: أَشرَكتُ باللهِ. أو: بِرِئتُ مِن
اللهِ . أو : برِئتُ مِن الإسلام. فهو يمينٌ وعليه الكفارةُ إِن حنث ، فهو تعظيم له
كاليمينٍ باللهِ . وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ . وممن رأى الكفارةَ على مَن قال : هو
يهودىٌّ. أو: نصرانىٌ. أو نحوَ ذلك؛ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وعائشةُ، والشعبىُّ،
والحسنُ، ومجاهدٌ، وطاوسٌ، وإبراهيم، والحكمُ(١). وبه قال أحمدُ
وإسحاقُ . وقد ژُوِی عن إبراهيم أنه قال : أخافُ أن يكونَ کما قال . وژُوِی عن
أبى هريرةَ مِن وجوهٍ ، أنه قال فیمَن حلَف بملةٍ غیرِ الإسلامِ؛ هر یهودٌّ، هو
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٩٧٣، ١٥٩٧٥، ١٥٩٧٦، ١٦٠٠، ١٦٠٠١، ١٦٠١٣).
٦٢٠