Indexed OCR Text

Pages 321-340

الموطأ
الاستذ کار
الرجلُ سَلَبَ الرجلِ وفرسَهُ(١) . وقد عمِل المسلمون مِن الصحابة والتابعين
بإعطاءِ السَّلَبِ للقاتلِ فى مواطنَ شَتَّى، لا يُتْكِرُ ذلك واحدٌ منهم ، وإنما اختلف
الفقهاءُ؛ هل ذلك واجبٌ للقاتلِ دونَ إعطاءِ الإمامِ وندائِه بذلك . أو حتى يأمُرَ به
وينادِىَ به مُنادِيه فى العسكرِ قبلَ الغنيمةِ أو بعدَها، على حسَبٍ ما قدَّمنا ذکرَه
عنهم فى هذا الكتابِ . وإنما جعَل مالكٌ حديثَ ابنِ عباسٍ بعدَ حديثٍ أبى قتادةً
مفسّرًا له فى معنى السَّلَبِ الذى يَشْتحِقُّه القاتلُ(٢) ، أنه الفرسُ والدرعُ؛ لأن فى
حديثٍ أبى قتادةَ : أَن سَلَبَ قتيلِه كان دِرْعًا . وزاد ابنُ عباسٍ مِن قوله : الفرسُ .
وفى غيرِ روايةٍ مالكٍ: الرمحُ. وذلك كلُّه آلةُ المُقاتلِ، ولم يَرَ مالكٌ أن يكونَ مِن
السَّلَبِ ذهبٌ ولا فضةٌ؛ لأنه ليس مِن آلةِ المقاتلِ المعهودةِ(١) الظاهرةِ
المسلوبةِ . وقال الشافعىُّ: السَّلَبُ الذى يكونُ للقاتلِ كلُّ ثوبٍ يكونُ على
المقتولِ ، وكلُّ سلاح عليه ، ومِنْطَقَتُه، وفرسُه إن كان راكبَه أو مُمْسِگه، فإن
كان مع غيرِه أو مُتفلًّا منه فليس لقاتلِه. قال: وإن كان فى سَلَبِه " سوارُ ذهبٍ،
أو خاتمٌ، أو تائجٌ، أو مِنْطَقَةٌ فيها ذهبٌ، فلو ذهَب ذاهبٌ إلى أن هذا مِن سَلَبِه
كان مذهبًا ، ولو قال قائلٌ: ليس هذا مِن عُدَّةِ الحربِ . لكان وجهًا .
وقال أحمدُ بنُ حنبلِ : المِنْطَقَةُ فيها الذهب والفضةُ مِن السَّلَبِ ، والفرسُ
ليس مِن السَّلَبِ. وقال فى السيفِ : لا أدرى .
قال أبو عمرَ : لو قال فى المِنْطَقَةِ والفرسِ (١): لا أدرى. كان أولى به مِن
مُخالفةِ ابنِ عباسٍ والناسِ فى الفرسِ ، وأظنُّه ذهَب فى المِنْطَقَةِ إلى حديث أنسٍ
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٨/١١ من طريق معمر به .
(٢) ليس فى : الأصل ، م .
(*) من هنا خرم فى المخطوط (ب)) ينتهى ص ٣٣٥.
(٣) فى الأصل، م: ((السلب)).
٣٢١
( موسوعة شروح الموطأ ٢١/١٢ )

الموطأ
الاستذكار فى قتلِ البراءِ بنِ مالكِ مَرْزُبانَ الزأرةِ (١).
وقال مكحولٌ : للمبارزِ(٢) القاتلِ سَلَبُ المقتولِ كلُّه؛ فرسُه، وسَرْجُه،
ولِجَامُه ، وسیفُه، ومِنْطَقَتُه، ودژُه ، وبَٹضتُه، وساعداه، وساقاہ ، و كلُّ ما كان
معه من ذهب أو جوهرٍ . وقال الأوزاعىُّ : له فرسه الذى قال عليه وسلاحه وسَرْجُه
ومِنْطَقتُه وخاتَمُه٢ ، وما كان فى سَرْجِه ولِجامِه مِن حليةٍ . قال : ولا يكونُ له
الهِمْيانُ فيه المالُ. وأجاز الأوزاعىُّ أن يُتركَ القتلى عُراةً . وكرِه الثورىُّ أن يُتركوا
عُراةً . وقال الأوزاعىُّ فى الأجيرِ المُستأجرِ للخدمةِ : إن بارز فقتَل صاحبه كان له
سَلَبُه . قال : وإن قتَل قبلَ الفتح فله السَّلَبُ، وإن كان بعدَ الفتحِ فلا شىءَله.
وذكَر عبدُ الرزاقِ (٤) ، عن ابنٍ جريج، قال: سمِعتُ نافعًا مولى ابنِ عمرَ
يقولُ : لم أزَلْ أسمعُ : إذا التقَى المسلمون والكفارُ، فقتل رجلٌ مِن المسلمين
رجلًا مِن الكفارِ، أن له سَلَبَه ، إلا أن يكون فى مَعمَعةِ القتالِ ، أو فی زَخْفٍ لا
يُذْرَى أن أحدًا بعينِه قتَل أحدًا .
وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: النَّفَلُ ما لم يلتقِ الصَّفَّانِ، فإذا التَقَى
الزَّحفانِ فالمغنمُ، ولا سَلَبَ ولا نَفَلَ(٥). وعن مسروقٍ مثلُه، وزاد: إنما النَّقَلُ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٩٩، ٣٠٠.
(٢) فى الأصل: ((هل يبارز))، وفى م: ((هل يبادر)).
(٣ - ٣) ليس فى : الأصل ، م .
(٤) تقدم تخريجه ص ٣٠٢ .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٢/٥، ١٦٥٣.
٣٢٢

الموطأ
قبلُ وبعدُ(١) . وقال الأوزاعىُّ وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ: السَّلَبُ للقاتل ما لم تَمتَدَّ (٢) الاستذكار
الصفوفُ، فإذا " قامت بعضُها على بعضٍ) فلا سَلَبَ لأحدٍ . وقال عكرمةُ :
دَعَا رجلٌ يومَ بنى قريظةَ إلى البِرازِ؛ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قُمْ يا زبيرُ)). فقام
إليه فقتله، فَقَّله رسولُ اللهِ وَّهِ سَلَبَه(٤) . وقال الأوزاعىُّ: ليس للقاتلِ سَلَبٌ
حتى يُجَرَّدَ إليه السلامحُ، ومَن استأمَنَ(٥) فليس لقاتلِهِ سَلَيْه. قيل: فرجلٌ حمَل
على فارسٍ") فقتله فإذا هو امرأةٌ؟ قال: إن كانت جَّدت إليه السلاح فله
(٧)
سَلَبُها . قال: والغلامُ كذلك، إذا قاتَل فقُتِل كان سَلَبُه لمَن قتله .
وأما قولُ ابنِ عباسٍ للسائلِ المُلِحِّ عليه فى الأنفالِ ، ما هى؟ وهو يجيئُه،
حتى كاد يُحرِجُه: إنما مَثَلُ هذا مَثَلُ صَبِيغ الذى ضرَبه عمرُ بنُ الخطابِ . فإنه
رأى منه ما يدُلَّ على أنه مُعَنِّتٌ غيرُ مُصْغٍ إلى ما يُجَابُ به مِن العلمِ ، فأشار إلى
أنه (٨) حقيقٌ أن يُصنعَ به ما صنَع عمرُ بصَبِيغٍ .
القبس
.. .
(١) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (٧٨٤).
(٢) فى الأصل ، م: (( تشتد)).
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((قام الزحف)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٩٤٧٠)، وأبو عبيد فى الأموال (٧٧٩)، وسعيد بن منصور (٢٦٩٤)،
والبيهقى ٣٠٨/٦.
(٥) فى الأصل، م: (( استأجر)).
(٦) فى الأصل، م: ((رجل)).
(٧) فى الأصل: ((فلها)).
(٨) فى م: ((ما هو)).
٠٫٠٠
٣٢٣

الموطأ
الاستذكار
وأما خبرُ صَبِيغ؛ فروَى إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى أُويسٍ،
قال : حدَّثنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن عمرَ بنِ
الخطابِ رضِى اللهُ عنه ، أنه سأل رجلًا قدِم مِن الشام عن الناسِ، فقال: إن
رجلًا هناك يسألُ عن تأويل القرآن قد كتبه، يقالُ له : صَبِيٌ . وأخبره أنه يريدُ
قدومَ المدينةِ . فقال له عمر: لئن لم تأتِنِى به لأفعَلنَّ بك كذا وكذا. فجعَل
الرجلُ يختلِفُ كلَّ يوم إلى الثَِّيَّةِ يسألُ عن صَبِيغ، حتى طلَع وهو على بعيرٍ .
قال: وقد كان لَهِجُ(١) بأن يقولَ: مَن يلتمِسِ الفقهَ يُفَقِّهْه اللهُ. قال: فلما طلَع
قام إليه الرجلُ ، فانتزع الخطامَ مِن یدِه ، ثم قاد به حتى أُتَی به عمر بن الخطاب
رضِى اللهُ عنه ، فضرَبه عمرُ ضربًا شديدًا، ثم حبسه ، ثم ضرَبه أيضًا ، فقال له
صَبِيغٌ : إن كنتَ تريدُ قتلى فأجْهِزْ(١) علىّ، وإن كنتَ تريدُ شفائی فقد شفیتَنی
شفاك اللهُ . قال : فأرسله عمرُ رضِى اللهُ عنه .
وروَى حمادُ بنُّ زيدٍ ، عن يزيدَ بنِ حازم ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ ، أن رجلاً
مِن بنى تميم يقالُ له : صَبِيغُ بنُ عِسْلٍ. قدِمِ المدينةَ، وكانت عندَه كتبٌ ،
فجعَل يسألُ عن مُتَشابهِ القُرآنِ ، فبلغ ذلك عمرَ، فبعث إليه وقد أعدَّ له عَرَاجِينَ
النخلِ، فلما دخَل عليه جلَس ، فقال: مَن أنت ؟ قال : أنا عبدُ اللهِ صَبِيغٌ . فقال
عمرُ: وأنا عبدُ اللهِ عمرُ. ثم أهوَى إليه، فجعَل يَضْرِبُه بتلك العَرَاجِينِ، فما زال
يضربُّه حتى شَجَّه، فجعَل الدمُ يسيلُ على وجهِه، فقال: حَسْبُك يا أميرَ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((يحتج)) .
(٢) فى الأصل: ((فأحز))، وفى م: ((فأخذ)).
(٣) فى الأصل، م: ((حاتم)). وينظر تهذيب الكمال ١٠٠/٣٢.
٣٢٤

الموطأ
المؤمنين، فقد واللهِ ذهَب الذى كنتُ أجِدُه فى رأسى(١).
الاستذكار
وقال حمادُ بنُ زيدٍ : وحدَّثنا قَطَنُ بنُ كعبٍ ، قال : سمِعتُ رجلًا مِن بنى
عجلانَ يقالُ له : خَلَّادُ بنُ زُرْعَةَ. يُحَدِّثُ عن أبيه قال: لقد رأيتُ صَبِيغَ بنَ
عِشْلٍ بالبصرة ، كأنه بعيرٌ أجربُ يجىءُ إلى الحِلَقِ، وكلما جلس إلى حَلْقةٍ قاموا
٠
وترَكوه ، وقالوا : عَزْمةُ أمير المؤمنين ألا يُكلَّمَ(٢).
وفى حديثٍ أبى شهابِ الحَنَّطِ ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن قيسٍ بنِ
أبى حازم ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كشَف عن رأسِه فإِذا له شَعَرٌ ، فقال: لو وجَدتُك
محلوقًا لعاقبتُك أشدَّ العقوبةِ .
قال أبو عمرَ: إنما قال ذلك؛ لقول النبيِّ وَّر فى الخوارج: ((سِيماهُم
التّخلِیقُ ))(٢) . وقدعرض للأحنفِ بنِ قیسٍ مِثْلُ ذلك فی کشف رأسِه مع عمرَ بنِ
الخطابِ ؛ لأنه أعجبه ما سمِعه منه مِن البلاغةِ والحكمةِ ، فخشِى أن يكونَ مِن
الذين قال فيهم النبىُ عليه السلامُ: ((أخوفُ ما أخافُ على أمتى كلُّ منافقٍ عليم
اللسانِ)). فكشَف عن رأسِ الأحنفِ ، فوجَده ذا شَعَرٍ ، وأثنى عليه قومُه ، فسُرَّ
القبس
(١) أخرجه الدارمى (١٤٦)، والآجرى فى الشريعة (١٥٣)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد
(١١٣٨)، وابن عساكر ٤١٠/٢٣، ٤١١ من طريق حماد به.
(٢) فى س: (( تكلم )).
والأثر أخرجه اللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (١١٤٠)، وابن عساكر ٤١٣/٢٣ من طريق
حماد به .
(٣) أخرجه أحمد ١٥٨/١٨، ١٥٩ (١١٦١٤)، والبخارى (٧٥٦٢) من حديث أبى سعيد
الخدرى .
٣٢٥

الموطأ
ما جاء فى إعطاءِ النَّفَلِ من الخُمُسِ
٩٩٩ - مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه قال :
كان الناسُ يُعطَون النَّفَلَ من الخُمُسِ.
قال مالكٌ : وذلك أحسنُ ما سمِعتُ إلىَّ فى ذلك .
الاستذكار بذلك عمرُ(١).
قال أبو عمرَ: كان صَبِيغٌ مِن الخوارج فى مذاهبِهم، وكان الأحنفُ
صاحبَ سُنَّةٍ وعَقْلٍ ورأي ودهاءٍ .
وروَى هشيمٌ عن العَوَّامِ بنِ حوشبٍ ، قال: قلتُ لعمرٍو بنٍ مُرَّةَ: ما لكم لا
تُعاقِبون أهلَ الأهواءِ وقد كان عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه يعاقِئُهم ؟ فقال :
إنهم كانوا يَجْتِتُون ( بعلمِهم، وأما نحن فتَجُنُ(٢) بجهلِنا٢) .
بابُ ما جاء فى إعطاءِ النَّفَلِ مِن الخُمُسِ
ذكَر فيه مالكٌ عن أبى الزِّنادِ ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ ، أنه قال : كان الناسُ
يُعْطَون النَّفَلَ مِن الخُمُسِ (٤). قال مالكٌ: وذلك أحسنُ ما سمِعتُ إلىَّ فى ذلك.
القبس
(١) أخرجه البخارى فى الكنى ٤١/٩، وابن سعد ٩٤/٧، وابن عساكر ٣٠٩/٢٤، ٣١٠ بنحوه.
(٢ - ٢) فى س: ((لعلمهم ونحن نجبن لجهلنا)).
(٣) فى م: ((نجترئ)).
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٧/٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٤٣). وأخرجه ابن
أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥٢/٥، والبيهقى ٣١٤/٦ من طريق مالك به ..
,٠
٣٢٦

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ: قولُ مالكِ رحِمه اللهُ : وذلك أحسنُ ما سمِعتُ . يدُلُّ على
أنه قد سمِع غيرَ ذلك. وقد أورَدنا فى بابٍ جامعِ النَّفَلِ فى الغزوِ مذاهبَ العلماءِ
مِن السلفِ والخَلَفِ فى هذه المسألةِ ، واسْتَوفَينَا القولَ فيها فى بابِ السَّلَبِ مِن
الَّفَلِ قبلَ هذا . والآثارُ كلُّها المرفوعةُ وغيرها تدُلُّ على صحةٍ ما ذهَب إليه مَن
قال : إن النَّفَلَ لا يكونُ إلا مِن الخُمُسِ. لأن الله تعالى قد مَلَّك الغانمِين أربعةً
أخماس الغنيمةِ بعدَ ما استثْناه على لسانِ رسولِ اللهِ وَ لّهِ مِنِ السَّلَبِ للقاتلِ؛
فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَرَّسُولِ﴾.
فأعطَى الغانمِين الأربعةَ الأخماسِ بإضافتِه الغنيمةَ إليهم ، ولم يُخْرِجْ عنهم منها
إلا الخُمُسَ، فدلَّ على تمليكِهم إياها(١) كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَوَرِثَهُ، أَبَوَاهُ
فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]. فدلَّ أن للأُبِ الثُّلْنَين بقولِه: ﴿وَوَرِثَّهُ: أَبَوَهُ﴾. ثم
جعَل للأمّ الثلثَ ، فدَلَّ على أن الثلثَين للأبِ، وكذلك الغنيمةُ لمَّا أضافَها إلى
الغانمِين وجعَل الخُمُسَ لغيرِهم . وباللهِ التوفيقُ .
ويخرجُ أيضًا مِن الغنيمةِ الأرضُ؛ لِما فعَله عمرُ بنُ الخطابِ فى جماعةٍ
الصحابةِ رضِى الله عنهم مِن وَقْفِها، وتأوَّلوا فى ذلك أنه الفيءُ(١ ، وقد اختُلِف
فى ذلك كلِّه على حَسَبٍ ما قد ذكرناه، والحمدُ للهِ. قال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ
أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ﴾. فما كان للرسولِ ومَن ذُكِر معه
جرَى مَجْرَى الفىءِ، وكان له فى قسمتِه الاجتهادُ، على ما ورَدت به(٤) السنةُ
عنه وَّةِ. وقد مضَى فى ذلك ما فيه كفايةٌ.
٠
القبس
(١) ليس فى : الأصل ، م .
(٢) فى س: (( و)).
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (١٤٤٣) من الموطأ .
(٤) فى الأصل، م: ((فى ذلك )).
٣٢٧
س۔۔

الموطأ
قال يحيى : سُئل مالكٌ عن النَّفَل، هل يكونُ فى أولِ مَغنم؟ قال :
ذلك على وجِه الاجتهادِ من الإمام ، وليس عندنا فى ذلك أمرٌ معروفٌ
موقوفٌ إلا اجتهادُ السلطانِ. ولم يَبلُغْنى أن رسولَ اللهِ وَ لَهِ نَفَّل فى
مغازيه كلُّهَا ، وقد بلغنى أنه نفَّل فى بعضِها يومَ محُنَينٍ، وإنما ذلك على
وجهِ الاجتهادِ من الإمامِ فى أولِ مَغنمٍ وفيما بعدَه .
الاستذ کار
وفى البابِ: سُئل مالكٌ عن النَّقَلِ ، هل يكونُ فى أولٍ مغنم ؟ قال : ذلك
على وجهِ الاجتهادِ مِن الإمامِ، وليس عندَنا فى ذلك أمرٌ معروفٌ إِلا اجتهادُ
السلطانِ. قال: ولم يبلُغْنى أن رسولَ اللهِ وَّلِ نَفَّلَ فى مغازِيه كلِّها ، وقد بلغنى
أنه نَفَّلَ فى بعضِها يومَ حُنينٍ، وذلك على وجهِ الاجتهادِ مِن الإمامِ فى أولِ مغنم
وفيما بعدَه .
قال أبو عمرَ: اختَلَف العلماءُ فى النَّفَلِ فى أولِ مَغْنَمٍ، وفى التَّقَلِ فى
العينِ مِن الذهبِ) والوَرِقِ؛ فذهَب الشاميُّون إلى أن لا نفَلَ فى أولِ مَغْنم ؛
وهم رجاءُ بنُّ حَيْوةً، وُبادةُ بنُ نُسَئٍّ، وعدیُ بنُ عدی الکندىُّ، ومکحولٌ،
وسليمانُ بنُ موسى، والأوزاعىُّ، ويزيدُ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ ، والقاسمُ بنُ عبدٍ
الرحمنِ ، ويزيدُ بنُّ أبى مالكِ. وقال الأوزاعىُّ: الشُنَّةُ عندَنا أن لا نَفَلَ فى ذهبٍ
ولا فضةٍ ولا لؤلؤٌّ. وهو قولُ مالكٍ، وسليمانَ بنِ موسى، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ.
وأنكر أحمدُ بنُ حنبلٍ قولَ الشاميِّين: لا نَفَلَ(٢) فى أولِ مغنمٍ.
القبس
(١ - ١) سقط من : س .
(٢) بعده فى الأصل، م: ((إلا)).
٣٢٨

الموطأ
القَسْمُ للخيلِ فى الغزوِ
١٠٠٠ - مالكٌ، أنه قال: بلغنى أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان يقولُ:
(١ بلغنى أن رسولَ اللهِ وَلَّقال): «للفَرَسِ سَهْمانِ، وللراجلِ سهمٌ)).
قال مالكٌ : ولم أزَلْ أسمَعُ ذلك .
الاستذ کار
قال أبو عمرَ: لمَّا رأَى مالكٌ رحِمه اللهُ اختلافَ الناسِ فى النَّفَلِ فى أولٍ
مغنمٍ وفيما بعدَه، ولم يَرَ فى شىءٍ مِن أقوالِهِم حُجَّةٌ توجِبُ المصيرَ إليها ،
أجاز النَّفَلَ للوالى على حَسَبٍ ما يُؤَدِّيهِ إليه اجتهادُه؛ كان فى أولِ مغنم أو فى
غيرِهِ، بعدَ أن يكونَ ذلك مِن الخُمُسِ على ما ذكره سعيدُ بنُ المسيَّبِ عن
السلفِ" . وروى محمدُ بنُ سيرينَ ، أن أنس بن مالك کان مع عبیدِ اللهِ بنِ أیی
بكرةَ فى غزاةٍ ، فأصابوا سَبيًّا، فأراد عبيدُ اللهِ أن يُعْطِىَ أنسًا مِن السبي قبلَ أن
يُقْسَمَ ، قال أنس: لا ، ولكن أعطِنِى مِن الخُمُسِ . فقال عبيدُ اللهِ : لا، إلا مِن
جميعِ الغنائمِ. فأتَى أَنسٌ أن يَقْبَلَ، وأَتَى عبيدُ اللهِ أَن يُعْطِيَه مِن الخُمُسِ (١).
مالكٌ ، أنه بلغه أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان يقولُ: بلغنى أنَّ رسولَ اللهِ
قال: ((للفَرسِ سَهمانٍ، والراجلِ سَهْمٌ)).
التمهيد
صَلى الله
وئيلاً
عَليـ
ويُسِهَمُ للخيلِ سهمٌ واحدٌ عندَ أكثرِ العلماءِ لكلِّ فرسٍ ، وقيل : سهمان للفرسِ .
القبس
(١ - ١) سقط من النسخ. والمثبت من التجريد للمصنف ص ٢٤٦، وموطأ يحيى بن بكير وأبى مصعب.
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل ، م.
(٣) بعده فى س: ((إلا من جميع الغنائم)). والأثر تقدم تخريجه ص ٢٦٥، ٢٦٦.
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٧/٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٤٥)، وعند أبى
مصعب ((للفارس)) بدلًا من ((للفرس)).
٣٢٩

الموطأ
هكذا هو فى ((الموطاً)) عندَ جميع رُواتِه عن مالكِ، وهذا يستنِدُ من
التمهيد
حديثٍ عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ بَطَرِ. وقد رُوِى
من حديث زيدِ بنِ ثابتٍ وحديثِ ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ الَله .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا أبو معاويةً، قال: حدَّثنا
عُبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ أَشْهَم لرجلٍ
ولَفَرْسِه ثلاثَةً أَسْهُمٍ؛ سهم له، وسهمان لفَرسِه(١).
ورواه أبو أسامةَ(٢) ، وعبدُ اللهِ بنُ نُميرٍ(٢) ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ،
القبس
والأولُ أصحُ، وهذا أمرٌ مخصوصٌ باتفاقٍ من العلماءِ، لا يَلحَقُ الفرسَ فى ذلك
حيوانٌ، ولو كان الفيلَ الذى غَناؤه فى القتالِ أعظمُ، ووقْتُه فى النفوسِ أكبرُ،
وخُصَّتِ الخيلُ لأنه ليس فى الحيواناتِ أشرفُ منها؛ لما خُصَّت به فى (٢) الجري
والكَرّ والفَرّ وتيسيرِ التصرّفِ والتذليلِ بحكمِ المُصرِّفِ، وهى متفاوتةٌ خَلْقًا فى
(١) أبو داود (٢٧٣٣)، وأحمد ١١/٨، ٤٧/٩ (٤٤٤٨، ٤٩٩٩). وأخرجه أحمد ١١/٨
(٤٤٤٨)، والدارمى (٢٥١٥)، وابن ماجه (٢٨٥٤)، والدارقطنى ١٠٢/٤ من طريق أبى معاوية
به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٦/١٢، ٣٩٧، ١٥١/١٤، والبخارى (٢٨٦٣)، وأبو عوانة
(٦٦٨٩)، والدارقطنى ٤/ ١٠٢، والبيهقى ٣٢٤/٦، ٣٢٥ من طريق أبى أسامة به.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٦/١٢، ٣٩٧، ١٤/ ١٥١، وأحمد ٣٨٧/١٠، ٣٨٨ (٦٢٩٧)،
ومسلم (١٧٦٢)، وأبو عوانة (٦٦٩٠)، والدارقطنى ١٠٢/٤، والبيهقى ٣٢٥/٦ من طريق
عبد الله بن نمير به .
(٤) فى ج، م: ((من)).
٣٣٠

الموطأ
عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ بََّ جعَل للفرسِ سهمَيْن وللرجل سهمًا. وهذا التمهيد
کروایةٍ أَبی معاويةً .
ورواه ابنُ المباركِ ، عن عبيدِ اللهِ بإسنادِه، فقال فيه: للفارسِ سَهْمان ،
(٢)
وللرَّاجلِ سَهِمٌ(٣).
وذكر علىُّ بنُ المدينىِّ، عن يحيى القطَّانِ، قال: سألتُ عبيدَ اللهِ عن هذا
الحديث ، فقال : نافت مرسلٌ .
وأما حديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ فى قصةِ الزبيرِ، فإِنه انفرد به الزنبرِىُّ(٣)، عن
القبس
الجودة والدناءةِ، مُتباينةٌ خُلقًا فى الجِماحِ والإقدامِ والنّفارِ والأنسِ، مُتفاضلةٌ فى
الشريعةِ فى الشِّياتِ والألوانِ، من مشهورِ الحديثِ: ((يُمْنُ الخيلِ شُقْرُها)) (4).
وثبت عن النبيِّ وَلِّ أنه كان يكرَهُ الشِّكالَ(٥) فيها، ويَستحِبُ كلَّ كُمَيْتٍ أغَرّ
مُحَجَّلٍ، " فإن لم يكُنْ كُمَيْتٌ فَأَدهَمُ أَغَرُ مُحَجَّلٌ) أو (١) أشقرُ(٨). وقال أبو عُبيدٍ(٤):
الشّكَالُ المكروهُ أن يكونَ محَجَّلَ الثلاثِ مُطلَقَ الواحدِ. ووهِم ؛ لقولِ النبىِّ وَّهِ:
(١) فى الأصل، ر، ر١، م: ((للراجل)).
(٢) أخرجه الدارقطنى ١٠٦/٤ من طريق ابن المبارك به .
(٣) فى ص، ر، ر١، م: ((الزبيرى)).
(٤) سيأتي تخريجه ص ٤٧٦ .
(٥) سيأتى تخريجه ص ٤٧٧ .
(٦ - ٦) ليس فى : د .
(٧) فى د، م: ((و)).
(٨) يريد : أو أشقر أغر محجل . وسيأتى تخريجه ص ٤٧٧، ٤٧٨ .
(٩) غريب الحديث ١٨/٣ .
٣٣١

الموطأ
التمهيد مالك(١). وقد ژُوِی من حديث هشام بن عروةً ، عن یحیی بن عبّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
الزبير، عن أبيه (٣).
واختَلَف الفقهاءُ فى هذا البابِ ؛ فقال مالكٌ، وابنُ أبى ليلى، والثورىُّ،
وأبو يوسفَ، ومحمدٌ ، والليثُ بنُ سعدٍ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ، وأحمدُ :
للفارسِ ثلاثةُ أَسْهُمِ ؛ لفرسِه سهمان، وله سَهْمٌ، وللرّاجلِ سهمٌ. وحجّتُهم
حديثُ عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ المذكورُ. وقال أبو حنيفةً: للفارسِ سَهمان، وللراجلِ
سهمٌ. ومحُجَّتُه حديثُ مُجَمِّع بنِ جاريةَ، عن النبيِّ وَِّ، أَنه قسم يومَ خيبرَ
القبس (( خيرُ الخيل الأدهمُ الأرثمُ الأقرحُ المُحَبَّلُ الثلاثِ المُطلَقُ اليمينِ، فإن لم يكُنْ أدهم
فَكُمَّيْتٌ على هذه الشِّيةِ)). والذى عندى فى الشِّكالِ أحدُ وجهين؛ إمّا أن تكونَ
اليدانِ مُحَّلةً خاصةً، وهو موضعُ القَيدِ ، وإمَّا أن يكونَ التحجيلُ فی الیدینِ
والرِّجْلينِ باختلافٍ يمينٍ يدِ معَ يسارِ رِجلٍ، أو يسارِ يدٍ معَ يمينِ رِجلٍ، وهذا الذى
يُكَّهُ فى الخيلِ هو الذى يُنَّقَى فيه الشؤمُ المذكورُ فى الحديثِ. وهو مذهبُ البخارىِّ
وعليه بوَّب (٢) . وقولُه: ((الأرثمُ)). يعنى: الذى بشَفَتِه العليا بياضٌ. وقولُه:
((الأقريحُ)). يعنى: الذى بجبينِه غُرَّةٌ مُستديرةٌ .
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٨٣/٣، وابن حبان فى المجروحين ٣٢٥/١، والبيهقى ٣٢٦/٦،
٣٢٧، والخطيب فى تاريخ بغداد ٨٣/٩، ٨٤ من طريق الزنبرى به.
(٢) أخرجه النسائى (٣٥٩٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٨٣/٣، والدارقطنى ١١٠/٤،
١١١، والبيهقى ٣٢٦/٦ من طريق هشام بن عروة، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن
جده .
(٣) باب: ((ما يذكر من شؤم الفرس)). قبل الحديث (٢٨٥٨).
٣٣٢

الموطأ
لثلاثِمائةٍ " فارسٍ، فأعطَى الفارسَ سهمَيْن، وأعطَى الرَّاجلَ سهمًاً . ومن التمهيد
حجَتِه أيضًا روايةُ ابنِ المباركِ لحديثِ عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ. ولا حجَّةَ فى ذلك ؛
لأن الأكثرَ من أصحابٍ عُبيدِ اللهِ خالَفوه، وكذلك لا حُجَّةَ فى حديثِ مُجمِّعٍ ؛
لأَنَّ ابنَ عباسٍ روَى خلافَه فيما قسَمه رسولُ اللهِ وَلِّ بخييرَ .
حدَّثنا سعيدٌ ، حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ،
حذَّثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن حجّاجٍ، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ
قال: قَسَم رسولُ اللهِ وَّهُ يومَ خيبرَ؛ للفارسِ ثلاثةُ أَسْهُمٍ، والراجلِ
(٣)
سَهمُ .
واختلَفوا فيمن غَزا بأفراسٍ؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ،
وأصحابُهم : لا يُسهَمُ إلا لفرسٍ واحدٍ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ ، والثورىُّ،
والأوزاعىُّ، والليثُ: يُسهَمُ لفَرسَيْن. واختارَه محمدُ بنُ الجَهْم المالكىُّ،
وقال : هو قولُ أهلِ الثُّغورِ ، وعليه جمهورُ التابعين وأهلُ الأمصارِ. فذكره عن
الحسنِ البصرىِّ، ومكحولٍ الشامىِّ، ويحيى بنِ سعيدِ الأنصارىِّ المدنىّ(٤)،
القبس
(١) فى النسخ: ((مائة)). والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر التعليق الآتى.
(٢) أخرجه أحمد ٢١٢/٢٤ (١٥٤٧٠)، وأبو داود (٢٧٣٦، ٣٠١٥). قال أبو داود : وأرى
الوهم فى حديث مجمع أنه قال : ثلاثمائة فارس. وكانوا مائتى فارس .
(٣) ابن أبى شيبة ٣٩٧/١٢، ١٥١/١٤ - وعنه أبو يعلى (٢٥٢٨) - وأخرجه إسحاق بن راهويه
فى مسنده - كما فى نصب الراية ٤١٤/٣ - عن محمد بن فضيل به .
(٤) سقط من: ر، وفى م: ((والمزنى)).
وينظر مصنف عبد الرزاق (٩٣١٤ - ٩٣١٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ٤٠٤/١٢، ٤٠٥.
٣٣٣

الموطأ
قال يحيى : سُئل مالكٌ عن رجل يَحضُرُ بأفراسٍ كثيرةٍ ، فهل يُقسَمُ
لها كلِّها؟ فقال: لم أسمَعْ بذلك، ولا أَرَى أَن يُقْسَمَ إِلا لِفَرَسٍ واحدٍ ؛
الذى يُقاتِلُ عليه .
التمهيد وقال: أنا برِىءٌ مِن قولٍ مالكِ فى أنه لا يُسهَمُ إلا لفرسٍ واحدٍ. قال:
والفرسُ الواحدُ لا تؤمَنُ عليه الحوادثُ، وصاحبُه كالراجلِ. هذه
حجّتُه. قال: ولم يُجاهِدْ مالكٌ ولا شاهَد النُّغورَ. هذا كلُّه قولُ ابنِ
الجهم .
قال أبو عمرَ: القياسُ أَلَّا يُسهَمَ إلا لغرسٍ واحدٍ، ولو ◌ُسهِم لفرسَيْن لأُسهِم
الثلاثةٍ وأكثَرَ، وهم لا يقولون بهذا، والفرسُ آلهٌ ، والآلاتُ لا يُسهَمُ لها، ولولا
الأثرُ فى الفرسِ ما أَسهِم له، ولا أعلمُ أحدًا قال: يُسهَمُ لأكثرَ مِن فرسين. إلا
ما ذكره ابنُّ جريج، عن سليمانَ بنِ موسى، قال: إذا أذْرَب الرجلُ بأفراسٍ
قُسِم لكلِّ فرسٍ سَهْمان. ذكَره محمدُ بنُ بكرٍ(١) وعبدُ الرزاقِ(١)، عن ابنٍ
جريجٍ .
وأما قولُ مالكِ فى هذا البابِ: لا أُرَى أن يُسهَمَ إلا لفرسٍ واحدٍ ، الذى
الاستذ کار
يقاتِلُ عليه ، وإن دخَل الرجلُ بأفراسٍ عِدَّةٍ لم أرَ أن يُسهَمَ منها إلا لواحدٍ . فهو
٠
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٥/١٢ عن محمد بن بكر به، وعنده: ((سهم)). بدلًا من: ((سهمان)).
(٢) عبد الرزاق (٩٣٢١).
٣٣٤

قال مالك: ولا أَرَى البَرَاذِينَ والهُجُنَ إلا من الخيل؛ لأن الله تبارك الموطأ
قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ، ومحمد بن الحسنِ. وروَى أبو حيانَ (١) التيمىُّ - الاستذكار
واسمُه يحيى بنُّ سعيدٍ - مثلَه ) . وقال الثورىُّ، والأوزاعىُ، وأبو يوسفَ،
والليثُ : يُسهَمُ لفرسينِ .
قال أبو عمرَ : وممن قال: يُسهَمُ لفرسين. الحسنُ البصرِىُّ، ومكحولٌ
الشامىُّ، ويحيى بنُ سعيدِ الأنصارىُّ(٢). واختاره(٢) محمدُ بنُ الجهم المالكىُّ،
وقال: رأيتُ أهلَ الثغورِ يُسهِمون الفرسَين، وتأمَّلتُ أئمةَ التابعين بالأمصارِ
فرأَيتُ أكثرَهم يُسهِمون لفرسين .
قال أبو عمرَ : لا أَعلَمُ أحدًا أسهم لأكثرَ مِن فرسين إلا ما رواه ابنُ جريجٍ، عن
سليمانَ بنِ موسى، قال: إذا أدرَب الرجلُ بأفراسٍٍ، قُسِم لكلٍ فرسٍ سَهمان (١).
وأما قولُ مالكٍ فى البراذِينِ والهُجُنِ (١، أنها من الخيلِ يُسهَمُ لها. فهو قولُ
الثورىِّ، وأبى حنيفةً، والشافعىِّ. البِرِذَوْنُ والفرسُ عندَهم سواءٌ.
القبس
(١ - ١) كذا فى: الأصل، م. وفى س: ((وروى أبو حيان التيمى واسمه يحيى بن سعيد يسهم
لفرسين عن الحسن مثله)). وينظر كلام المصنف التالى. وفى مصنف ابن أبى شيبة ٤٠٤/١٢ من
طريق يحيى بن سعيد عن الحسن فى الرجل يكون فى الغزو فيكون معه الأفراس : لا يقسم له عند
المغنم إلا لفرسين .
(٢) فى م: ((حبان)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٣/٣١.
(٣) تقدم تخريجه الصفحة السابقة .
(*) هنا ينتهى الخرم فى المخطوط ((ب)) والمشار إليه ص ٣٢١ .
(٤) تقدم تخريجه ص ٣٣٤، ٣٣٥ .
(٥) البراذين من الخيل: ما كان من غير نتاج العراب، والعراب هى الخيل العربية. والهجين من =
٣٣٥

الموطأ
ج
وتعالى قال فى كتابِهِ: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرَكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾
[النحل: ٨]. وقال عزَّ وجلّ: ﴿ وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ
رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
قال مالكٌ: فأنا أَرَى البَرَاذِينَ والهُجُنَ من الخيلِ إذا أجازها الوالى.
قال : وقد قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ وسُئل عن البَرَاذينِ: هل فيها من
صدقةٍ؟ فقال : وهل فى الخيلِ من صدقةٍ ؟
.. الاستذكار
وقد احتجَّ مالكٌ فى ((موطئِه)) بأن البراذِينَ خيلٌ بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ
وَالِْغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨]. وبقولٍ سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنه سئل عن البراذِينِ
هل فيها مِن صدقةٍ؟ فقال: وهل فى الخيلِ من صدقةٍ (١)؟ وقال الحسنُ:
البراذينُ بمنزلةِ الخيلِ . روَاه هشامُ بنُ حسانَ عنه (١) . وقال الأوزاعي : كانت
أئمةُ المسلمين فيما سلَف يُسهِمون للبراذينِ ، حتى هاجَت الفتنةُ مِن بعدٍ قتلٍ
الوليدِ بنِ يزيدَ . وقال الليثُ : للهجينِ والِرْذَونِ (٣سهم دون٣َ) سهمِ الفرسِ،
ولا يُلحَقان بالعِرابِ. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: تُلحَقُ البراذينُ بسهامٍ الخيلِ إذا
أدرَكت ما تدرِكُ الخيلُ . ورُوى هذا عن عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه " .
القبس
= الخيل : الذى ولدته برذونة من حصان عربى. اللسان (برذن، هـ ج ن ).
(١) تقدم فى الموطأ (٦٢٠).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٢/١٢ من طريق هشام بن حسان به .
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((منهم مثل)).
(٤) فى س: (( سهام)).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٢/١٢ .
٣٣٦

الموطأ
ورُوِى أيضًا عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنه كتَب إلى عاملِه : إذا كان البِرْذَونُ رائعَ
المنظرِ، حسنَ الجري، فأسهِمْ له سهمَ العِرابٍ (١).
الاستذكار
وقال مكحولٌ : أولُ مَن أسهم للبراذينِ خالدُ بنُّ الوليدِ يومَ دمشقَ ، أسھم
للبراذينِ نصفَ سُهمانِ الخيلِ ؛ لما رأى من مجوأتِها وقوَّتِها، وكان يُعطى
للبراذينِ سهمًا سهمًا، وللفرسٍ سهمين.
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ منقطِعٌ ، لم يسمَغه مكحولٌ من خالدٍ ، ولا أدرَ كه.
ذكر أبو بكرٍ بِنُ أبى شيبةً(٢)، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا الصَّبَّاحُ بنُ
ثابتِ البَجَلُّ، قال: سمِعتُ الشعبِىَّ يقولُ: إن المُنَيذرَ بنَ الدَّهْرِ بنِ أبى
حُمَيْضَةً ) خرَج فى طلبِ العدوِّ، فلحِقت الخيلُ العِتاقُ ، وتقطَّعت البراذِینُ ،
فأسهَم للعِرابِ سهمينٍ وللبراذينِ سهمًا ، ثم كتَب بذلك إلى عمرَ بنِ الخطابِ ،
فأعجَبه ذلك ، فجرَت سنةً للخيلِ بعدُ .
قال(٤) : وحدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ وإبراهيمَ بنِ محمدِ
ابنِ المنتشِرٍ، عن ابنِ (٥) الأقمرِ، قال : أغارتِ الخيلُ بالشامِ ، فأدر كتِ العِرابُ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠١/١٢، ٤٠٢ مطولًا.
(٢) ابن أبى شيبة ٤٠٣/١٢. وفيه أنه أسهم للخيل ولم يسهم للبراذين.
(٣ - ٣) فى ب: ((المنذر بن الزبير بن أبى حميصة))، وفى م: ((المنذر بن الدهن بن أبى
حميصة))، وفى مصدر التخريج: ((المنذر بن أبى حمصة)). وينظر الإصابة ٣١٤/٦، والإيثار
بمعرفة رواة الآثار ١٧٨/١ (٢٤٧)، وما سيأتى الصفحة التالية .
(٤) ابن أبى شيبة ٤٠٢/١٢، ٤٠٣.
(٥) فى الأصل، م: ((على بن)).
٣٣٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢٢/١٢)
۔

الموطأ
الاستذكار مِن يومِها، وأدرَكتِ الكَوادنُ(١) ضُحى الغدِ، فقال ابنُ أبي حُمَيْضَةً(١): لا
أجعَلُ ما أدرَك كما لم يدرِْ. وكتب إلى عمرَ، فقال عمرُ: هَبِلَتِ الوادِعِيَّ أُمُّه!
لقد أَذْكَرتْ به(٣)! أَمضُوها على ما قال.
قال أبو عمرَ : هکذا قال ابنُ ابی شیبةً : عن ابن عيينةً ، عن الأسودِ بنِ قیسٍ
وإبراهيمَ بنِ المنتشرِ، عن ابنِ الأقمرِ. وهو غلطٌّ منه. وإنما حديثُ ابنٍ
المنتشرِ، عن أبيه، وحديثُ الأسودِ بنِ قيسٍ، عن كُلْثُومِ بنِ الأَقمرِ. كذلك
رَوَاهُ الثَّورِىُّ وشريكٌ، عن الأسودِ بنِ قيسٍٍ، عن كلثومٍ بِنِ الأُقمرِ، أن " المُنَيْذِرَ
ابنَ الدَّهْرِ بنِ أبِى حُمَيْضَةً " خرَج فى طلبِ العدوِّ، فلحِقت الخيلُ . وذكر معناه .
وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسرورٍ ، قال :
حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ الشَّرْح، قال: حدَّثنا
سفيانُ بنُ عيينةَ ، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ المنتشِرِ ، عن أبيه قال : أغارتِ الخيلُ
بالشامِ وعلى الناسِ رجلٌ من همدانَ يقالُ له: المُنَئِذِرُ(٥) بنُ أبى محُمَيْضةً
الوادعيُّ. فأدرَ كت العِرابُ من يومِها، وأدرَ كت الكوادنُ(١) ضُحى الغدِ، فقال:
القبس
(١) فى الأصل: ((البرادن))، وفى م: ((البراذين)). والكوادن جمع كَؤْدَن، وهو البرذون الهجين.
والكودنة فى المشى: البطء. النهاية ٢٠٨/٤ .
(٢) فى م ((حميصة)). وفى مصدر التخريج: ((حمصة)).
(٣) يقال: هَبِلته أمه تهبله هيلًا، بالتحريك. أى: ثكلته. هذا هو الأصل، ثم تستعمل فى معنى
المدح والإعجاب، يعنى ما أعلمه وما أصوب رأيه. النهاية ٥/ ٢٤٠. وأذكرت به، يعنى: جاءت به
ذَكَرًا جَلْدا. النهاية ١٦٣/٢.
(٤ - ٤) فى ب: ((المنيذر بن الرهو بن أبى حميصة))، وفى م: ((المنيذر بن الدهن بن أبى حميصة)).
(٥) سقط من: ب. وفى الأصل، م، ومصدرى التخريج: ((المنذر)). وينظر ما تقدم الصفحة التالية.
(٦) فى الأصل، ب، م: ((البراذن)).
٣٣٨

الموطأ
ما جاء فى الغُلُولِ
١٠٠١ - مالكٌ، عن عبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ، عن عمرو بنِ شُعیبٍ، أن
الاستذكار .
لا أجعَلُ ما أدرَك كما لم يُدرِكْ . فَكتَب إلى عمرَ فى ذلك، فكتَب عمرُ: هَبِلتِ
الوادعيَّ أمّه! لقد أُذكَرَتْ به! أمضُوها على ما قال. قال: وهو أولُ مَن سنَّ فى
الإسلامِ سنةَ الخيلِ والبراذينِ . قال سفيانُ بنُ عيينةَ: قال الشاعرُ فى ذلك :
ومنَّا الذى قد سَنَّ فى الخيلِ سُنةً وكانت سواءٌ قبلَ ذاك سِهامُها(١)
وذكر أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(١) ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غياثٍ ، عن أشعثَ ،
عن الحسنِ، قال: للمُقرِفِ - وهو الهجينُ - سهمٌ ولصاحبِهِ سهمٌ .
قال(٢) : وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن محمدِ بنِ إسحاق ، عن یزیدَ بنِ
يزيدَ بنِ جابرٍ ، عن مكحولٍ مثلَه .
قال(٤) : وحدَّثنا عيسى بنُ يونسَ، عن الأوزاعيِّ، قال: لم يكنْ أحدٌ من
علمائِنا يُسهِمون للِرذَونِ .
قال(٤): وحدَّثنا وكيع، عن سفيانَ، قال: الفرسُ والبِرِذَونُ سواءٌ .
مالكٌ، عن عَبْدِ رَبِّه بنِ سعيدٍ ، عن عمرو بنِ شعيبٍ ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٣١٣)، وسعيد بن منصور (٢٧٧٢) عن ابن عيينة به. وليس فيهما
العبارة الأخيرة وبيت الشعر.
(٢) ابن أبى شيبة ٤٠٣/١٢.
(٣) ابن أبى شيبة ٤٠٣/١٢، ٤٠٤.
(٤) ابن أبى شيبة ٤٠٤/١٢.
٣٣٩

الموطأ رسولَ اللَّهِ وَ لَه حينَ صدَر من حُنينٍ وهو ثُرِيدُ الجِعْرَانَةَ، سَأَلَهُ
النَّاسُ حتى دنَتْ به ناقتُه من شجرةٍ ، فتشَبَّكَتْ بردائِه حتى نزَعتْه
عَن ظهرِهِ، فقال رسولُ اللهِ وَ الَ: ((رُدُّوا علىَّ رِدائى، أتخافون
أَلَّا أَقْسِمَ بينَكم ما أفاءَ اللهُ عليكم؟ والذى نفسى بيدِه، لو أفاءَ
اللهُ عليكم مِثلَ سَمُرٍ تِهامَةً نَعَمَّا، لَقسَمتُه بينَكم، ثمَّ لا
تَجِدُوننى بخيلًا، ولا جبانًا، ولا كَذَّابًا)). فلمَّا نزَل رسولُ اللهِ
وَّ قام فى الناسِ، فقال: ((أدُّوا الخائطَ والمِخْيَطَ، فإن الغُلُولَ
عارٌ ونارٌ وشَنَارٌ على أهلِه يومَ القيامةِ)). قال: ثمَّ تناوَلَ من
الأرضِ وَبَرَةً من بَعِيرٍ أو شاةٍ، ثمّ قال: ((والذي نفسي بيده، ما
لى ممَّا أفاءَ اللهُ عليكم ولا مِثلُ هذه إلا الخُمُسُ، والخُمُسُ
التمهيد حينَ صَدَرَ مِن حُنَيْنِ وهو يُرِيدُ الجِعْرَانَةَ ، سألَه الناسُ حتَّى دَنَتْ ناقَتُه مِن
شجرةٍ، فَتَشَبَّكَتْ بردائِه حتَّى نزَعَتْه عن ظهرِهِ، فقال رسولُ اللهِ وَّةٍ:
((رُدُّوا علىَّ ردائِى، أتخافون ألَّا أَقْسِمَ بينَكم ما أفاء اللهُ عليكم؟ والذى
نفسِى بيدِهِ، لو أفاء اللهُ عليكم مثلَ سَمُرٍ (١) تِهَامَةَ نَعَمَّا، لَقَسَمْتُه بينكم، ثم
لا تجدوننى بخيلاً، ولا جبانًا، ولا كذَّابًا)». فلمَّا نزَلَ رسولُ اللهِ وَلِ قام
فى الناسِ، فقال: ((أَدُوا الخَائِطَ والمِخْيَطَ، فإنَّ الغُلُولَ عارٌ ونارٌ وشَنَارٌ على
أُهلِهِ يومَ القيامةِ)). قال: ثم تناول من الأرضِ وَبَرَةً من بعيرٍ أو شاةٍ()، ثم
القبس
(١) السمر: جمع سَمُرة، وهو ضرب من شجر الطلح. النهاية ٣٩٩/٢.
. (٢) فى ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧، م: ((شيئا)).
٣٤٠