Indexed OCR Text
Pages 161-180
٨٥٨ - مالكٌ، عن أبى جعفرِ القارئ، أن عبدَ اللهِ بنَ عيَّاشِ بنِ أبى الموطأ
ربيعةَ المخزوميَّ أهدى بدنتين ، إحداهما بُختِيَّةٌ .
٨٥٩ - مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: إذا
نُتِجت البدنةُ فليُحملْ ولدُها حتى يُنحرَ معها، فإن لم يوجدْ له محمِلٌ
حُمِل على أمِّه حتى يُنحرَ معها .
مالكٌ، عن أبى جعفرِ القارئِّ، أن عبدَ اللهِ بنَ عيَّاشِ بنِ أبى ربيعةً أهدَى الاستذكار
بدنتين، إحداهما بُخْتِيَّةٌ ().
وهذا الخبر ليس فيه للقولِ مَدخَلٌ ؛ لأن ما مضَى يوضّحُه ويُغنِى عن القول
فيه ، ولا خلافَ أن البُدْنَ فى الهدايا أفضلُ من البقرِ والغنم، وإنما الخلافُ فى
الضحايا .
مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ : إذا نُتِجت البدَنةُ فليُحمَلْ
ولدُها حتى يُنحَرَ معها، فإن لم يوجَدْ له مَحْمِلٌ فليُحمَلْ على أمِّه حتى يُنحرَ
(٢)
معها (٢) .
قال أبو عمرَ : لا يختلفُ العلماءُ أن الناقةَ إِذا قلِّدتْ وهى حاملٌ ثم ولَدت ،
أن ولدَها حكمُه فى النحرِ كحكمِها؛ لأن تقليدَها إخراجٌ لها من ملكِ
:١
القبس
(١) البختية: الأنثى من الجمال البُخت، والذكر بُخْتَىّ، وهى جمال طوال الأعناق، وتجمع على
بُخْت وبَخاتِيّ، واللفظ معرّبة. النهاية ١٠١/١ . والأثر فى الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٠٧)،
وبرواية يحيى بن بكير (٤/١٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٢٠٢). وأخرجه ابن أبى
شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٤٣، ٢٥٤ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤١٣)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤ و - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٢٠٤). وأخرجه البيهقى ٢٣٧/٥ من طريق مالك به .
١٦١
اري
( موسوعة شروح الموطأ ١١/١١)
٨٦٠ - مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، أن أباه قال: إذا اضطُرِرتَ إلى
الموطأ
بدنتِك فار گبها ر کوبًا غیر فادح، وإذا اضطرِرتَ إلى لبنِها فاشرَبْ بعدما
يَروَى فَصِيلُها، فإذا نحَرتَها فانحَرْ فصيلَها معها .
الاستذكار
مُقدِّدِها للهِ تعالى، وكذلك إذا نذَر نحرَها وهى حاملٌ ولم يقلِّدها. وقولُ
ابنِ عمرَ فى هذه المسألةِ يدُلُّ على أنه لا يرَى ركوبَ البدنةِ إلا من
ضرورةٍ؛ لأنه لم يُخ حملَ ولدِها عليها إلا إذا لم يوجد له مَحمِلٌ غيرُه،
ولمَّا لِزِمه للهدي العلفُ(١) حتى يُلِّغَه مَحِلَّه، فكذلك يلزمُه أن يصنعَ
بالفَصيلِ فى حملِهِ على غيرٍ أمِّه إذا قدَر، فإن لم يقدر لم يكلَّفْ أن يحملَه
على رقبتِه، وكان له أن يحمِلَه على أمُّه كما يحملُ نفسَه عليها ("إذا أَلْجِئ
عليها) ، وباللهِ توفیقُنا .
وذكَر مالكٌ فى آخرِ هذا البابِ ، عن هشامٍ بنِ عروةً، أن أباه قال : إذا
اضطُرِرتَ إلى بدنِك فاركَبْها ركوبًا غيرَ فادحٌ، وإذا اضطُرِرتَ
إلى لبنِها فاشرَبْ بعدَما يَروَى فصيلُها، فإذا نحَرتها فانحَرْ فصيلَها معها (٢).
قال أبو عمرَ: قولُ عروةَ حسنٌ جدًّا ، يؤيِّدُه الأثرُ والنظرُ.
القبس
(١) فى م: ((لزمه حمله)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ولعل الصواب: ((إذا ألجئ إليها)).
(٣) فدحه الأمرُ والحِئْلُ والدَّين يفدحه: أثقله فهو فادخ . اللسان (ف د ح).
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤١١)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤و - مخطوط) ، وبرواية
أبى مصعب (١٢٠٥)، وأخرجه البيهقى ٢٣٧/٥ من طريق مالك به.
١٦٢
الموطأ
العملُ فى الهَديِ حِينَ يُساقُ
٨٦١ - مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان إذا أُهدی
هديًا من المدينة قلَّده وأشعره بذى الحليفة ؛ يُقلِّده قبل أن يُشعره ، وذلك فى
مكانٍ واحدٍ وهو موجّة إلى القبلةِ ؛ يُقلِّدُه بنعلين، ويُشعرُه من الشقِّ الأيسرِ،
ثم يُساقُ معه حتى يوقفَ به مع الناسِ بعرفةً ، ثم يَدفعُ به معهم إذا دفَعوا ، فإذا
قدم منّی غداًالنحرِ نحره قبل أن يحلِقَ او یُقصِّرَ ، و کان هو ینحرُ هدیَه بیدِه ؛
يَصُفُّهن قيامًا ، ويوجّهُهن إلى القبلةِ، ثم يأْكُلُ ويُطعِمُ .
الاستذكار
بابُ العملِ فى الهدىِ حينَ يُساقُ
مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه كان إذا أهدَى هذْيًا من المدينةِ
قلَّدهُ واشعره بذِی الُلیفة ؛ يُقلِّدُهُ قبل أن يُشعِرَه(١) ، وذلك فى مكانٍ واحدٍ وهو
مُوّةٌ إلى القبلةِ؛ يُقلِّدُه بنعلين، ويُشعِرُه من الشِّقِّ الأيسرِ ، ثم يُساقُ معه حتى
يَقِفَ(١) به بعرفةً مع الناسِ ، ثم يَدفَعُ به معهم إذا دفَعوا ، فإِذا قدِمَ منّى غداةَ النَّحرِ
نحَرَه قبلَ أن يَحلِقَ أو يُقصِّرَ، وكان هو ينحَرُ هذْيَه بيدِه، ويَصُفُّهنَّ قِيامًا،
ويُوجّهُهن إلى القبلةِ ، ثم يأكلُ ويُطعِمُ(٣).
القبس
(١) إشعار الثُدن : هو أن يشق أحد جنبى سَنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك لها علامة
تعرف بها أنها هدى. النهاية ٢ / ٤٧٩.
(٢) فى الأصل: ((وقف)).
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٩٩)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤و - مخطوط)، =
١٦٣
الموطأ
٨٦٢ - مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا طعَن فى
سَنام هدیه وهو يُشعِرُه قال : باسم اللهِ واللهُ أكبرُ.
قال أبو عمر : التقلیدُ فی الھدیإعلام بأنه هدی ، والتیةُ مع التقلیدِ تُغنى عن
الاستذكار
الكلام فيه، وكذلك الشِّعارُ والتجليلُ (١) عند مالكِ.
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا طعَن فى سَنامِ هَذْيِه وهو
يُشْعِرُه قال: باسمِ اللهِ واللهُ أكبرُ(٢) .
قال أبو عمرَ : أما قولُه: كان إذا أَهْدى هديًا من المدينةِ قلَّدَه وأُشعَرَه بذى
الحلیفةِ . فھی الشُّنةُ؛ لأن رسولَ اللهِ وَالتّ خرَج عام الحديبيةِ ، فلما كان بذی
الحُليفةِ قَلَّد الهَدىَ وأَشْعَرَه وأَحَم(٣). (٢) فإن كان الهدىُ من الإبلِ والبقرِ، فلا
خلافَ أنه يُقلَّدُ نعلًا أو نعلَين أو ما يُشبهُ ذلك ممن يجدُ النَّعالَ) . قال مالك:
يُجزئُّ الفعلُ الواحدُ فى التقليدِ. وكذلك هو عندَ غيرِهِ، وقال الثورىُّ: يُقلَّدُ
تعلَين ، وفمُ القِربةِ يُجزِئُّ . واختلفوا فى تقليدِ الغنم ؛ فقال مالكٌ وأبو حنيفةً : لا
تُقلّدُ الغنمُ. وقال الشافعىُّ: تُقلَّدُ البقرُ والإبلُ النّعالَ، وتقلَّدُ الغنمُ الرَّقَاعَ. وهو
القبس
= وبرواية أبى مصعب (١٢٠٦). وأخرجه البيهقى ١١٢/٥، البغوى فى شرح السنة (١٩٥٩) من
طريق مالك به .
(١) فى الأصل، م: ((التحليل)). والمثبت يقتضيه السياق، والجُلُّ - بالضم والفتح - : ما تُلبسه
الدابة لتُصان به، وقد جلَّاتها تجليلا، وجلّلتها - بالتخفيف: أليستها إياه. التاج (ج ل ل).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٠٠)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٢٠٧). وأخرجه ابن وهب فى موطئه (١٦٦)، والبيهقى ٢٣٢/٥ من طريق مالك به مطولًا.
(٣) أخرجه أحمد ٢١٠/٣١ (١٨٩٠٩)، والبخارى (١٦٩٤، ١٦٩٥)، وأبو داود (١٧٥٤)،
والنسائى (٢٧٧٠)، وابن خزيمة (٢٩٠٧) من حديث مروان والمسور بن مخرمة .
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل.
١٦٤
الموطأ
قولُ أبى ثورٍ ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وداودَ ؛ لحديثِ الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، عن الاستذكار
الأسودِ ، عن عائشةَ، أن رسولَ اللهِ وَلّهِ أَهْدَى إلى البيتِ مرَّةً غنمًا فقلَّدَها (١).
وقال مالكٌ: لا ينبغى أن يقلَّدَ الهدىُ إلا عندَ الإِهلالِ؛ يقلِّدُه، ثم يُشعِرُه،
ثم يُصلِّى، ثم يُحرِمُ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا يُقلَّدُ إلا هدىُ متعةٍ ، أو
قِرانٍ ، أو تطوع. وجائزٌ إِشعارُ الهدي قبلَ تقليدِه، وتقليدُه قبلَ إشعارِهِ، وكلُّ
ذلك قد رُوِى عن النبيِّ نَ له.
وأما تَوُجُهُه إلى القبلةِ فى حينِ التقليدِ ، فإن القبلةَ على كلِّ حالٍ يُستحبُ
استقبالُها بالأعمالِ التى يُرادُ بها اللهُ عزَّ وجلَّ؛ تبؤُّكًا بذلك، واتّباعًا للشُّنةِ ، قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((من أكَل ذَبيحتَنَا واستقبَل قِبلتَنا)) الحديث(١). فهذا فى
الصلاةِ، وتدخُلُ فيهِ الذبيحةُ، وكان رسولُ اللهِ وَّهِ يَستقبلُ بذييحتِه القبلةَ
ويقولُ: ((﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشَّمََّتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾))(٣)
الآية [الأنعام: ٧٩]. وكرِه ابنُّ عمر وابنُ سيرين أن يؤكلَ من ذبيحةِ مَن لم يَستقبلْ
بذبيحتِه القبلةَ(٤). وأباح أكلَها جمهور العلماءِ؛ منهم إبراهيمُ والقاسمُ ، وهو
قولُ الثورىِّ، " ومالكِ)، والأوزاعيِّ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ، ويَستحبُّون مع .
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٢٥٣/١٠.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٩٤/٥، ٢٩٥ مقتصرًا على آخره.
(٣) أخرجه أحمد ٢٦٧/٢٣ (١٥٠٢٢)، والدارمى (١٩٨٩)، وأبو داود (٢٧٩٥)، وابن ماجه
(٣١٢١)، وابن خزيمة (٢٨٩٩) من حديث جابر.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٥٨٥، ٨٥٨٧) .
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٥٨٦، ٨٥٨٨).
(٦ - ٦٠) سقط من: م.
١٦٥
الموطأ
الاستذكار ذلك أن يستقبلوا القبلةَ. وقد رُوِى فى الحديثِ المرفوع: (( خيرُ المجالسِ ما
استُقبِلَ به القبلةُ))(١). فما ظنَّكَ بما هو أولى بذلك؟
وأما تقليدُه بنعلين فقد رُوِى ذلك عن النبيِّ وَلّهِ. وإنما التقليدُ علامةٌ
للهدي، كأنه إشهارٌ منه أنه أُخرَج ما قلَّدَه من ملكِه للهِ عزَّ وجلَّ، وجائزٌ أن يُقلَّدَ
بفعلٍ واحدةٍ ، ونعلانِ أفضلُ إن شاء اللهُ لمن وجَدهما. وكذلك الإشعارُ أيضًا
علامةٌ للهدى ، وجائزٌ الإشعارُ فى الجانبِ الأيمنِ وفى الجانبِ الأيسرِ. وقد
رُوِى عن ابنِ عمرَ أنه كان ربما فعَل هذا، وربما فعَل هذا١) ، إلا أن أكثرَ أهلٍ
العلم يستحبُّون الإشعار فى الجانب الأيمنِ ؛ لحديث ابنِ عباسٍ فی ذلك .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ بكرٍ ، قال :
حدَّثنى أبو داودَ، قال: حدَّثنى أبو الوليدِ الطيالسىُّ وحفصُ بنُ عمرَ، قالا :
حدَّثنى شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبى حسانَ، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ وَله
صلَّى الظهرَ بذى الحُلَيفةِ، ثم دعا ببدنةٍ، فَأُشعَرَها فى صفحةِ سَنامِها الأيمنِ،
ثم سلَتَ الدمَ عنها، وقلَّدَها بنعلينِ(١) . وممن استحبَّ الإشعارَ فى الجانبِ الأيمنِ؛
الشافعىُ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ. وكان مالكٌ
يقولُ: تُشعَرُ من الجانبِ الأيسرِ. على ما رواه عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ. وكذلك
رواه عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ . ورواه معمرٌ، عن الزهرىِّ،
عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان يُشعِرُ فى الشِّقِّ الأيمنِ حينَ يريدُ أن يُحرِّمَ ".
القبس
(١) أخرجه أبو نعيم فى تاريخ أصبهان ٣٤٤/٢ من حديث ابن عمر. وينظر نصب الراية ٣/ ٦٢ - ٦٤.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٥٦/١٠.
(٣) تقدم تخريخه ٢٥٥/١٠ .
١٦٦
الموطأ
وقال مجاهدٌ: أشعِرْ من حيثُ شئتَ. وكان أبو حنيفةَ يُنكرُ الإشعارَ ويكرهُه، الاستذكار
ويقولُ : إنما كان ذلك قبلَ النهي عن المُثلةِ. وهذا الحكمُ لا دليلَ عليه إلا
التوهمُ والظنّ، ولا تُتْرَكُ السننُ بالظنونِ .
وأما نحرُه بمِنَّى فهو المنحرُ عندَ الجميعِ فى الحجّ .
وأما تقديمُه النحرَ قبلَ الحلْقِ فهو الأَوْلى عندَ الجميعِ، وسيأتى فى التقديمِ
والتأَخيرِ فيما يُفعلُ يومَ النحرِ من عملِ الحجّ ، وما للعلماءِ فى ذلك من
المذاهبِ ، فِى موضعِه من هذا الكتابِ إن شاء اللهُ .
وأما صَفُّه لبُدْنِهِ فمأخوذٌ من قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَذَّكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا
صَوََّفٌٌّ﴾ [الحج: ٣٦]. وقد تقدَّمَ القولُ فى ذلك.
وأما أكلُه وإطعامُه من الهَدْيِ فِيَدُلُّ على أن ذلك كان هدىَ تَطوُّع قد بلَغ
مَحِلَّه امتثالاً لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ﴾ [الحج: ٣٦]. وهذا
عندَ الجميعِ فى الهدي التطوع إذا بلَغ مَحِلَّه، وفى الضحايا، وسيأتى
القولُ فِيما يؤكّلُ مِن الهدي وما لا يؤكّلُ منه ، ومذاهبٍ العلماءِ فى
ذلك فى موضعِه إن شاء اللهُ .
وأما قولُه عندَ نحرِه : باسم اللهِ واللهُ أكبرُ. فلقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَذَّكُرُواْ
أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. ومن أهلِ العلمِ مَن يستحبُّ التكبيرَ مع التسميةِ كما كان يقولُ
ابنُّ عمرَ، وعساه أن يكونَ امتثَل قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلِتُكَبِرُوا اللَّهَ عَلَى
مَا هَذَلَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ومنهم مَن كان يقولُ: التسميةُ تُجزئُ . ولا
القبس.
١٦٧
الموطأ
٨٦٣ - مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: الهدىُ
ما قُلِّد وأُشعِر، وؤُقِف به بعرفةً .
الاستذكار يزيدُ على: باسم اللهِ. وأُحبُّ إلىَّ أن يقولَ: باسم اللهِ واللهُ أكبرُ. وقد رُوِى ذلك
عن النبيِّ وَلِّ أنه كان يقولُ فى ذبحٍ ضَحيتِه(١) . وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: الهدىُ ما قُلِّد وأُشعِرَ،
٠٠(٢)
ووُقِفَ به بعرفةً(١) .
قال أبو عمر : قد تقدَّمَ فی الحدیثِ قبلَ هذا عنه أنه کان یسوقُ هدیه حتى
يَقِفَه بِعرفةً مع الناسِ، ثم يَدفعُ به معهم " إذا دفعوا، فإذا قدِم مِنَّى نحره . ووقفُ
الهدى بعرفةً عندَ مالكٍ وأصحابِهِ لمَن اشترى الهدىَ بمكةً ولم يُدخِلْه من الحِلِّ
واجبٌ ، لا يجزئُ عندَهم غيرُ ذلك على قولِ ابنِ عمرَ: الهدىُّ ما قلِّد وأُشعِرَ،
وؤُقِفَ به على عرفةً. قال مالكٌ: من اشترَى هَذْیَه بمكةً أو بمنی ونحره ولم
يُخْرِجْه إلى الحِلِّ فعليه البدلُ ، فإن كان صاحبُ الهدي قد ساقه من الحِلِّ
استُحبَّ له أن یقِفَه بعرفةً ، فإن لم يقفْه فلا شىءً عليه، وحشبه فى الهدي أن
يجمَعَ بين الحِلِّ والحرمِ . وقد كان سعيدُ بنُّ جبيرٍ يقولُ نحوَ قولِ ابنِ عمرَ :
القبس
(١) هو جزء من الحديث المتقدم تخريجه ص ١٦٥ حاشية (٣) .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٠٨)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٢٠٨). وأخرجه ابن وهب فى موطئه (١٧٣)، والبيهقى ٢٣٢/٥ من طريق
مالك به .
(٣ - ٣) فى الأصل: ((يرجع به معتمرًا).
١٦٨
الموطأ
لا يَصلُحُ من الهدى إلا ما عُرِّفَ(١) . وهو قولُ مالكٍ. وأما عائشةُ فكانت تقولُ: الاستذكار
إن شئتَ فعَرّفْ وإن شئتَ فلا تُعرِّفْ (١) . وژُوِی ذلك عن ابن عباسٍ () . وبه قال
الشافعىُّ ، والثورىُّ، وأبو حنيفةَ ، وأبو ثورٍ. وقال الشافعىُّ: وقْفُ الهدىِ بعرفةً
سُنَّةٌ لَمَن شاء إذا لم يَشْفْه من الحِلِّ. وقال أبو حنيفةً: ليس بسنةٍ؛ لأن رسولَ اللهِ
وَّ إنما ساق الهدىَّ من الحِلِّ، لأن مسكنَه كان خارج الحرمِ.
وقولُ مالك والشافعيِّ أولى؛ لأن رسولَ اللهِ وَلِّساقَ هَذْيَه من الحِلِّ. وقد
أجمعوا أن التقليدَ سنةٌ، فكذلك التعريفُ لمن لم يأتِ بهَدْيِهِ من الحِلِّ. وأما
حجةُ مالكِ فى إيجابٍ ذلك فلأن رسولَ اللهِ وَلِّ أَدخلَ هديه من الحِلِّ، وقال:
((خذُوا عنى مناسِكَكم))(٤). والهدىُ إذا وجَب باتفاقٍ فواجبٌ ألا يُجزئَ إلا
بمثلٍ ذلك أو بسنةٍ توجِبُ غيرَ ذلك، والفعلُ منه ◌َ لِّ عندَ المالكيِّين على
الوجوبِ فى مثلِ هذا ، وقد أجمَعوا أن الحاجّ والمعتمرَ يَجمعانِ بينِ الحِلِّ والحرم
فى عملِ الحجّ والعمرةٍ ، فكذلك الهدىُ. قالوا : وإنما سُمِّى الهَدْىُ هَدْيًا؛ لأنه
يُهدَى من الحِلِّ إلى الحرمِ كما يُهدَى من ملكِ مالِكِه(٥) إلى اللهِ عزَّ وجلَّ.
قال أبو عُمرَ : أصحابُ الشافعىِّ ومن تابَعه يقولون : اسمُ الهدي مشتقٌّ
من الهديَّةِ ، فإذا أُهدِى إلى مساكينِ الحرمِ فقد أجزأ من أىِّ موضعٍ جاء.
القبس
(١) ينظر المحلى ٧/ ٢٣٤.
(٢) أخرجه البيهقى ٢٣٢/٥. وينظر المحلى ٢٣٣/٧.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤٢٠، وابن حزم ٢٣٣/٧.
(٤) تقدم تخريجه ص ٨٢، وفى ٩٧/٢، وسيأتى فى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
(٥) فى الأصل، م: ((ملكه)).
١٦٩
٨٦٤ - مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يُجلِّلُ بُدْنَه
: الموطأ
القُباطِئِ، والأنماطَ، والحُللَ ، ثم يبعثُ بها إلى الكعبةِ فيكسوها
إياها .
الاستذكار
وروَى معمرّ، عن أيوبَ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ قال: إنما الهدىُ ما قُلِّد
وأُشعِرَ ووقِفَ به بعرفةً، وأما ما اشْتُرِى بمنَى فهو جَزورٌ(١).
وعن ابن جريج، عن عطاءٍ قال: عرّف رسولُ اللهِ وَهِ بالبُدْنِ(٣) .
وكان ابنُّ سيرينَ يَكرهُ شراءَ البدنةِ إذا لم توقَفْ بعرفةً .
وروی الثوریُّ وابنُ عیینةً ، عن منصورٍ، عن إبراهیم ، عن الأسودِ ، عن
عائشةَ قالت: ما استطعتم فعَرّفوا به، وما لم تستطيعوا فاحبسوه
واعقلوه بمنّی .
مالكٌ، عن نافع، أن ابنَ عمرَ كان يُجلِّلُ بُدْنَه القُبَاطِئَّ(٢)، والأنماطَ(٤)،
والخُلَلَ، ثم يبعثُ بها إلى الكعبةِ فيَكسوها إياها(٥).
القبس
(١) أخرجه ابن حزم ٤٢٨/٧ من طريق أيوب به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٤١٩ من طريق حجاج عن عطاء.
(٣) القباطِى جمع قُبطِية: وهى الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء، وكأنه منسوب إلى القبط ، وهم أهل
مصر. وضَهُم القاف من تغيير النَّسَب. وهذا فى الثياب ، فأما فى الناس فقبطِئٌّ بالكسر . النهاية ٦/٤ .
(٤) الأنماط : ضرب من البشط له خَمْل رقيق، واحدها: تَمَط . النهاية ١١٩/٥ .
(٥) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٠٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤ و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٢١٠). وأخرجه البيهقى ٢٣٣/٥ من طريق مالك به.
١٧٨
٨٦٥ - مالكٌ، أنه سأل عبدَ اللهِ بنَ دينارٍ: ما كان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ الموطأ
يصنعُ بجِلالِ بُدْنِه حينَ كُسِيت الكعبةُ هذه الكِسوةَ؟ فقال: كان
یتصدّقُ بها .
٨٦٦ - مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: فی
الضحايا والبُذْنِ التَّنُ فما فوقّه .
٨٦٧ - مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان لا يشُقُّ جِلالَ
بُدنِه ولا يُجلَّلُها حتى يغدوَ من منّى إلى عرفةَ.
مالكٌ، أنه سأل عبدَ اللهِ بنَ دينارٍ: ما كان عبدُ اللهِ بنُّ عمرَ يصنعُ بجِلالِ الاستذكار
بُدْنِه حينَ كُسيتِ الكعبةُ هذه الكِسوةَ؟ فقال: كان يتصدَّقُ بها(١).
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان لا يشُقُّ جِلالَ بُدْنِه ولا يُجَلِّلُها
حتى يغدوَ من منّى إلى عرفةً(٢).
قال أبو عمر: کانتِ الکعبُ تُكْسی من زمنٍ ثُع. ویقالُ : إِن أولَ من کَسا
الكعبةَ تُجُّعّ الحميرىُّ. وكسوتُها من الفضائلِ المتقرَّبِ بها إلى اللهِ عزَّ وجلَّ،
ومن كرائمِ الصدقاتِ؛ فلهذا كان ابنُ عمرَ يكسو بُدْنَهُ(٢) القُباطئَّ والحُلَلَ،
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٠٧)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤و، ١٥ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٢١١). وأخرجه البيهقى ٢٣٣/٥ من طريق مالك به.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٠٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٢١٣). وأخرجه البيهقى ٢٣٣/٥ من طريق مالك به.
(٣) بعده فى الأصل: ((الحلل و))، وبعده فى م: ((الجلل و)).
١٧١
الموطأ
الاستذكار فيُجَمِّلُ بذلك بُدْنَه؛ لأن ما كان للهِ تعالى فتعظيمُه وتجميلُه من تعظيم شعائرِ اللهِ
تعالى، ثم يكسوها الكعبةَ، فيحصُلُ على فضلينٍ وعملين من أعمالِ البرّ
رفيعين ، فلما كسا الأمراءُ الكعبةَ، وحالوا بينَ الناسِ وكِسوتِها ، تصدَّقَ ابنُ عمرَ
حينئذٍ بِلالِ بُدْنِه ؛ لأنه شىءٌ أخرجه للهِ تعالى من مالِه، وما خرَج للهِ تعالى فلا
عودةَ فيه . وأما تركُه تجليلَ بُدْنِه إلى يوم التروية فى حينٍ رواحِه إلى عرفةً فذلك،
واللهُ أعلمُ ، لأنه شی ءٌ قُصِد به التزيينُ والجمالُ کما یُزيّنُ باللباسِ فى العیدین،
وینحُ البذْنَ فی مجتمع الناس، وذلك ليقتدى به الناسُ .
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: فى الضحايا والبُدْنِ
الشَِّئُ(١) فما فوقَهُ(١).
قال أبو عمر : اختلف العلماءُ فیما لا يجوزُ من أسنانِ الضحایا والهدايا
بعدَ إجماعِهم أنها لا تكونُ إلا من الأزواج الثمانيةِ. وأجمعوا أن الثَّنيَّ فما فوقَه
يجزئُ منها كلِّها. وأجمعوا أنه لا يُجزىُّ الجَذَعُ) من المعزِ فى الهدايا ولا
القبس
(١) الثَنِيّة: من الغنم ما دخل فى السنة الثالثة، ومن البقر كذلك، ومن الإبل فى السادسة، والذكر ثنىّ،
وعلى مذهب أحمد بن حنبل: ما دخل من المجز فى الثانية ، ومن البقر فى الثالثة . النهاية ٢٢٦/١ .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٢٩)، وبرواية أبى مصعب (١٢١٢). وأخرجه ابن وهب فى
موطئه (١٧٤)، والبيهقى ٢٢٩/٥ من طريق مالك به .
(٣) الجذع من أسنان الدواب هو ما كان منها شابا فتيا ، وهو من الإبل ما دخل فى السنة الخامسة ،
ومن البقر والمعز ما دخل فى السنة الثانية ، وقيل : البقر فى الثالثة . ومن الضأن ماتمت له سنة ،
وقيل: أقل منها. ومنهم من يخالف بعض هذا فى التقدير. ينظر النهاية ٢٥٠/١.
١٧٢
٨٦٨ - مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أنه كان يقولُ الموطأ
لبنیه : یا بنئَّ ، لا يُهدیَنَّ أحدُ کم للهِ من البُدنِ شيئًا يستحِی أن يُهدیَه
الكريمِه ؛ فإن اللهَ أكرمُ الكرماءِ وأحقُّ من اختِيرَ له .
فى الضحايا؛ لقولِه عليه السلامُ لأبى بُردةَ: ((لن تُجزِئَ عن أحدٍ بعدَك)). الاستذكار
واختلَفوا فى الجذع من الضأنِ ؛ فَأكثرُ أهلِ العلمِ يقولون : يُجزئُ الجذعُ
من الضأنِ هديًا وضَحِيَّةً . وهو قولُ مالكٍ ، والليثِ ، والثورىِّ، وأبى حنيفةً ،
والشافعىِّ ، وأحمدَ ، وأبى ثورٍ. وكان ابنُ عمرَ يقولُ : لا یجزئُ فی الهدي إلا
الشئُ من كلِّ شيءٍ(٢) . وقال عطاء: الجذعُ من الإبلِ يجزئُّ عن سبعةٍ. ورُوِى
عن أنسٍ والحسنِ البصرىِّ أنَّ الجذعَ يُجزئُ عن ثلاثيةٍ(١) .
مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أنه كان يقولُ لبنیه : يا بنىٌّ ، لا يُهدِیَنَّ
أحدُكم للَّهِ من البُذْنِ شيئًا يَسْتَحْيِى أن يُهديَه لكريمِه(4)؛ فإن الله تعالى أكرم
الكرماءِ وأحقُّ مَن اختيرَ له(٥) .
قال أبو عمرَ: لما قال رسولُ اللهِ وَّ لهـ حينَ سُئل: أيُّ الرّقابِ أفضلُ؟ -:
((أغلاها ثمنًا، وأنفسُها عندَ أهلها)) (١) . كان ذلك ندبًا إلى اختيارِ ما يُهدَى إلى
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٠٥٤) من الموطأ .
(٢) ينظر المدونة ٣٨٧/١، والمغنى ٤٦٠/٥ .
(٣) أخرجه ابن حزم ٢٧/٨ .
(٤) يقال: فلان كريم قومِه . إذا كان أشرفهم ، ومنه قول النبى عليه السلام: ((إذا أتاكم كريم قوم
فأكرموه)) . الاقتضاب ٣٦/٢.
(٥) الموطأ برواية أبى مصعب (١٢١٤). وأخرجه البيهقى فى الشعب (٣٤٥٣) من طريق مالك به.
(٦) سيأتى فى الموطأ (١٥٥٣).
١٧٣
الموطأ
العملُ فى الهَديِ إذا عطِب أو ضلّ
٨٦٩ - مالك، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن صاحب هدي
رسولِ اللهِ وَّ قال: يا رسولَ اللهِ، كيف أصنَعُ بما عطِب مِن
الهَديِ؟ فقال له رسولُ اللهِ وَهِ: ((كلُّ بَدَنةٍ عطِيت من الهَدي
فانحَرْها ، ثم ألقٍ قلائدَها فى دمِها ، ثم خلِّ بينَها وبينَ الناسِ يأكلونها)).
الاستذكار اللهِ عزَّ وجلَّ ويُتغَى به مرضاتُه إن شاء اللهُ . وباللهِ التوفيقُ.
التمهید
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أنَّ صاحبَ هَدْيِ رسولِ اللهِ وَله
قال: يا رسولَ اللهِ، كيف أصنعُ بما عطِب مِن الهَدي؟ فقال رسولُ اللهِ وَالتِ :
((كلُّ بَدَنةٍ عطِبت مِن الهدي فانحَرْها، ثم ألقٍ قَلائدَها فى دمِها، ثم خَلِّ بينَ
الناس وبیتها يأكلونها))(١).
هذا حديثٌ مرسلٌ فى ((الموط)، وهو فى غيرِ ((الموطأ) مسندٌ؛ لأن جماعةٌ
مِن الحفاظ رووه عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن ناجيةً الأسلمى صاحبٍ بُدنِ
رسولِ اللهِ وَله. وغيرُ نكيرٍ أن يسمَعَ منه عروةُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً بن
عبد الرحمنِ ، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ الحبابِ القاضى بالبصرةِ أبو خليفةً ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٠٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٢١٥). وأخرجه ابن وهب فى موطئه (١٧٦)، والشافعى فى السنن المأثورة (٤٣٨)،
والطحاوى فى شرح المشكل (١٣٢١)، والبيهقى فى المعرفة (٣٢٩٧) من طريق مالك به.
١٧٤
الموطأ
أبيه، عن ناجيةَ الأُسلمىِّ، أنَّ النبيَّ وَلّهِ بعَث معه بهدي، قال: ((إن عطِب التمهيد
فانحَرْه، ثم اصبُغْ نعلَه فى دمِه، ثم خَلٌّ بينَه وبينَ الناسِ)) (١) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا
الطحاوىُّ، قال: حدَّثنا المُزَنُ، قال: حدَّثنا الشافعىُّ ، قال : أخبرنا سفيانُ بنُ
عيينةَ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن ناجيةً صاحبٍ بُدْنِ رسولِ اللهِ وَلّهه
أنه قال : یا رسولَ اللهِ ، کیف أصنئُ بما عطِب مِن الهدي ؟ قال: «انحره، ثم
اغمِسْ قلائدَه فى دمِه ، ثم اضرِبْ بها صفحةً عنقِه ، ثم خَلِّ بينَه وبينَ الناسِ))(٢).
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وهيبُ(١) بنُ
خالدٍ ، قال : حدّثنا هشامُ بنُ عروة، عن أبيه ، عن ناجيةً صاحبٍ هدي رسول
اللهِ وَ، أنه سأل رسولَ اللهِ وَلّكيف يصنَعُ بما عطِب مِن الهدي ، فأمره أن
ينحَرَ كلَّ بدنةٍ عطِبت، ثم يُلقِىَ حَبْلَها فى دمِها، ويخلّىَ بينَها وبينَ الناسِ
يأكلونها(٤). كذا وقَع عندَه: حثْلَها فى دمِها. وإنما هو: نعلَها فى دمِها .
القبس
(١) أخرجه أبو داود (١٧٦٢) من طريق محمد بن كثير به، وأخرجه أحمد ٢٧٣/٣١
(١٨٩٤٣)، والدارمى (١٩٥٠، ١٩٥١)، وابن ماجه (٣١٠٦)، والترمذى (٩١٠)، والنسائى
فى الكبرى (٤١٣٧)، وابن خزيمة (٢٥٧٧) من طريق هشام به .
(٢) الشافعى فى السنن المأثورة (٤٣٩)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٣٢٠). وأخرجه الحميدى
(٨٨٠)، وابن قانع فى معجم الصحابة ٣/ ١٦١، وابن بشكوال فى غوامض الأسماء ٩١/١ من
طريق سفيان بن عيينة به .
(٣) فى م، وبعض نسخ الاستيعاب ((وهب)). وينظر تهذيب الكمال ١٦٤/٣١.
(٤) أخرجه المصنف فى الاستيعاب ١٥٢٣/٤. وأخرجه البخارى فى تاريخه ١٠٦/٨، ١٠٧ من
طريق وهيب بن خالد به .
١٧٥
الموطأ
وناجیة هذا هو ناجیةُ بنُ مُدُپ الأسلمى ، وقد ذكرناه ورفعنا نسبه فى
کتابٍ ((الصحابةِ))(١).
التمهيد
وروَى ابنُ عباسٍٍ هذا الحديثَ عن النبيِّ وََّ، وزاد فيه: ((ولا تأكُّلْ منها
أنت ولا أحدٌ مِن "أهلِ رُفقتِك))). وسنذكُرُه هلهنا إن شاء اللهُ.
وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ أن الهدىَ يُقَلَّدُ ، وأن التقليدَ مِن شأنِه وسُتَّتِه،
والتقليدُ أن يُعلَّقَ فى (١) عنقِ البَدَنةِ نعلٌ علامةً؛ ليُعرَفَ أنها هدىً. وروى أن
رسولَ اللَّهِ وَلَ قَلَّد هديَه نعلَين(٤)، وكذلك كان ابنُ عمرَ يفعلُ(٥)، وبه قال
الشافعىُّ واستحسَنه. والنعلُ عندى تجزئُ ، وهو قولُ مالكِ، والزهرىِّ،
وجماعةِ العلماءِ؛ كلُّهم لا يختلفون فى تقليدِ الهدي، ويجزئُ عندَ جميعهم
نعلٌ واحدةٌ . والذى أجمَعوا عليه مِن تقليدِ الهدىِ الإبلُ والبقرُ، واختلَفوا فى
تقليدِ الغنم ؛ فكان مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهم ينكرون تقليدَ الغنَمِ، وأجاز
تقليدَها الشافعىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ؛ لقولٍ عائشةَ: كنتُ أُقْلِّدُ
الغنمَ لرسولِ اللهِ وَ﴾(١). وهو قولُ عطاءٍ وجماعةٍ.
القبس
(١) الاستيعاب ١٥٢٢/٤، ١٥٢٣.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((أهل رقيقك))، وفى م: ((رفقتك)). والمثبت مما سيأتى ص ١٧٩.
(٣) فى الأصل: ((من)).
(٤) تقدم فى ٢٥٥/١٠.
(٥) تقدم فى الموطأ (٨٦١).
(٦) تقدم تخريجه فى ٢٥٣/١٠، ٢٥٤.
١٧٦
الموطأ
وقد مضَى فى هذا الكتاب فى بابٍ عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ القولُ فى تقليدِ التمهيد
الهَدْيِ ؛ هل يُوجِبُ على صاحبه أن يكونَ محرمًا لذلك أم لا(١)؟ والصحيحُ فى
ذلك حديثُ عائشةً على ما ذكرناه هناك، ومن أحسنٍ طُرُقِهِ ما أخبرَنا عبدُ اللهِ
ابنُّ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا
يزيدُ بنُّ خالدٍ وقتيبةُ بنُ سعيدٍ ، أن الليثَ حدَّثهم، عن ابن شهابٍ ، عن عروةً
وعمرةً بنتِ عبد الرحمن، أن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ پے ◌ُهدی مِن
المدينةِ، فأفتْلُ قلائدَ هديِهِ، ثم لا يجتنبُ شيئًا مما يجتنبُه المحرمُ(١).
وأما قولُه: كيف أصنعُ بما عطِب مِن الهدي؟ فجاوَبه رسولُ اللهِ وَلِّ بما
ذَكَر فى حديثٍ هشام هذا، فإن هذا مَحْمَلُه عندَ العلماءِ على الهديِ التطوعِ،
وكذلك كان هدىُ رسولِ اللهِ وَ له تطوعًا؛ لأنه كان فى حَبَّتِّه مفرِدًا عندَ
مالكٍ وطائفةٍ . والله أعلمُ. وقد ذكرنا الاختلافَ عنه فى ذلك فی بابِ ابنِ
شهابٍ وغيرِهُ ) . والهدىُ التطوعُ لا يجوزُ لأحدٍ ساقَه أكلُ شىءٍ منه إذا عطِب
قبلَ أن يبلُغَ مِلَّه؛ لئلا يكونَ ذلك ذريعةً إلى أكلِ الهدى قبلَ محِلُّه مِن أجلِ أنه
تطوعٌ، فينصرِفُ مِن الناسِ مَن لم تصحَّ نيتُه فيما أخرَجوه للهِ ، ويعتَلُّون بأنه
عطِبَ .
القبس
(١) تقدم فى ٢٤٥/١٠ - ٢٥٢.
(٢) أبو داود (١٧٥٨).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) ينظر ما سيأتى ص ٤٧٤ - ٤٨٥.
١٧٧
( موسوعة شروح الموطأ ١٢/١١ )
:
الموطأ
التمهید
ذكَر أبو ثابتٍ ، وأسدٌ ، وسُحنونٌ، وابنُ أبى الغَمْرِ، عن ابنِ القاسمِ : قلتُ
لا بن القاسم: أرأيتَ هدى التطوع إذا عَطِبَ ، کیف یَصنَعُ به صاحبه فى قولِ
مالك؟ قال : قال مالك : یرمی بقلائدِه فى دمِه إذا نحره، وُخلِی بینَ الناسِ
وبينَه ، ولا يأمُرُ أحدًا أن يأْكُلَ منه فقيرًا ولا غنيًّا، فإن أكَل هو ، أو أمَر أحدًا مِن
الناسِ بأكلِه، أو حزَّ شيئًا مِن لحمِه، كان عليه البدلُ. قال ابنُ القاسمِ: وقال
مالكٌ: كلُّ هدي مضمونٍ إذا عطِب فلْيأكلْ منه صاحبه، ولْيُطعِمْ منه الأغنياءَ
والفقراءَ ومَن أحبَّ ، ولا بيع مِن لحمِه، ولا مِن جلدِه، ولا مِن قلائدِه شيئًا .
قال مالكٌ: ومِن الهدي المضمونِ ما إن عطِب قبلَ أن يبلُغَ مِلَّه جاز له أن يأكُلَ
منه ، وهو إن بلَغ محِلَّه لم يأكُلْ منه؛ وهو جزاء الصيدِ ، وفدیةُ الأذى، ونذرُ
المساكينِ، فهذا إن عطِب قبلَ محِلِّه جاز له أن يأكُلَ منه؛ لأن عليه بدلَه ، وإذا
بلَغ محلَّ أجزأه عن الذى ساقَه، ولا يجزُه ((إِن أُكَل١) منه . قال إسماعيلُ بُ
إسحاقَ : لأن الهدىّ المضمونَ إذا عطِب قبلَ أن يبلُغَ محلَّه كان عليه بَدَلُه(٢)،
وبذلك جاز له أن يأكُلَ منه " ويُطْعِمَ، وإذا عطِب الهدىُ التطوعُ قبلَ أن يبلُغَ
مجِلَّه لم يجُزْ له أن يأْكُلَ منه ) ولا يُطعمَ ؛ لأنه لما لم يكنْ عليه بدلُه خيفَ أن
يُفعلَ ذلك بالهدى، ويُحرَ مِن غيرٍ أن يعطَبَ ، فاخْتِيط على الناسِ، وبذلك
مضَى العملُ فى هدي التطوعِ؛ إذا عطِب فى الطريقِ نخَره صاحبُه وخلَّى بينَه
القبس
(١ - ١) فى م: ((أن يأكل)).
(٢) فى النسخ: ((بدنة)). والمثبت موافق للسياق قبله وبعده.
(٣ - ٣) سقط من: م.
١٧٨
الموطأ
وبينَ الناسِ. وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ حديثَ هشام هذا، عن أبيه، عن التمهيد
ناجيةً، وحديثَ ابنِ عباسٍ عن ذؤيبِ الخزاعىِّ .
قال أبو عمرَ : أما حديثُ ناجيةَ فقد تقدَّم ذكرُه، وأما حديثُ ابنِ عباسٍ
فاختُلِف فيه عنه؛ فطائفةٌ روَت عنه ما يدُلُّ على أن ناجيةَ الأُسلمىَّ حدَّثه،
وطائفةٌ روَت عنه أن ذؤيبًا الخزاعىَّ حدَّثه. وذؤيبٌ هذا هو والدُ قَبيصةً بنِ
ذؤيبٍ، وربما بعَث رسولُ اللهِ وَلِّ أيضًا معه هديًا ، فسأله كما سأَلَه ناجيةٌ.
فاللهُ أعلمُ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ ، قال:
حدَّثنا الطحاوىُّ، قال: حدَّثنا المُزَنُ، قال: حدَّثنا الشافعى ، قال : أخبرنا
إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ - يعنى ابنَ عُلَيَّةَ - قال: حدَّثنا أبو التَُّاحِ، عن موسى بنِ
سلمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ فَ لِّ بِعَث بثمانَ عشْرةَ بَدَنةً مع رجلٍ،
فأمَره فيها بأمرٍه ، فانطلَق ثم رجَع إليه، فقال: أرأيتَ إن عطِب منه شىءٌ؟ قال:
((فانحَرْها، ثم اصبُغْ نعلَها فى دمِها ، ثم اجعَلْها على صفحتِها ، ولا تأكُّلْ منها
أنت ولا أحدٌ مِن أهلِ رُفْقتِك))(١).
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا إسماعيلُ
ابنُإسحاقَ ، قال : حدثنا سلیمانُ بنُ حرب ، قال : حدثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، قال :
القبس
(١) الشافعى فى السنن المأثورة (٤٤٠). وأخرجه أحمد ٣٦٢/٣، ٣٦٣ (١٨٦٩)، ومسلم
(١٣٢٥)، والنسائى فى الكبرى (٤١٣٦) من طريق إسماعيل ابن علية به .
١٧٩
الموطأ
التمهيد
حدَّثنا أبو التَّاحِ، عن موسى بن سلمةً قال: خرَجتُ أنا وسِنانُ بنُ سلمةَ ومعنا
بِدَنَتَانِ، فَأَزْحَفتا(١) علينا بالطريقِ، فلما قدِمنا مكةَ أَتَينا ابنَ عباسٍ فسألناه،
فقال: على الخبيرِ سقطتَ، بعَث رسولُ اللهِ وَِّ فلانًا الأسلميَّ، وبعَث معه
بثمانَ عشْرةَ بدنةً، فقال: يا رسولَ اللهِ ، أرأيتَ إن أزحَف علىَّ منها شىءٌ
بالطريقِ؟ قال : ((تنحرُها وتصبُغُ نعلَها - أو قال: تغمِسُ نعلَها - فى دمِها ،
فتضرِبُ بها على صفحتِها، ولا تأكُلْ منها أنت ولا أحدٌ مِن أهلِ رُفْقتِك))(١).
وروَی شعبةُ وسعیدُ بنُ أَبی عَروبةً ، عن قتادةً ، عن سنانِ بنِ سلمةً ، عن ابنِ
عباس ، أن ذژیًا الُزاعَّ حدّثه، أن رسولَ اللهِ پٹے کان یبعَثُ معه بالبُدْنِ ثم
يقولُ : ((إذا عطِب شىءٌ منها فخشِيتَ عليه موتًا، فانحَرْه، ثم اغمِسْ نعلَه فى
دمِه، ثم اضرِبْ صفحتَه، ولا تَطْعَمْ منها ولا أحدٌ مِن أهلِ رُفْقَتِك)) (١).
قال أبو عمرَ: قولُه: ((ولا أحدٌ مِن أهلِ رُفْقَتِك)). لا يوجدُ إلا فى حديثٍ
ابنِ عباس هذا بهذا الإسناد عن موسی بن سلمةً وسنانٍ بن سلمةً ، ولیس ذلك فی
القبس
(١) أزحفت: أعيت ووقفت، يقال: أزحف البعير، فهو مزحف. إذا وقف من الإعياء، وأزحف
الرجل. إذا أعيت دابته، كأن أمرها أفضى إلى الزخف ، وقال الخطابى : صوابه : أزحفت عليه ، غير
مسمى الفاعل، يقال: زُحف البعيرُ. إذا قام من الإعياء، وأزحفه السفر، وزحَف الرجل، إذا
انسحب على استه. النهاية ٢٩٨/٢.
(٢) أخرجه أحمد ٧٢/٤ (٢١٨٩)، وأبو داود (١٧٦٣) من طريق حماد بن زيد به.
(٣) أخرجه أحمد ٤٨٨/٢٩ (١٧٩٧٤)، ومسلم (١٣٢٦)، وابن ماجه (٣١٠٥)، وابن خزيمة
(٢٥٧٨) من طريق سعيد بن أبى عروبة به.
١٨٠