Indexed OCR Text

Pages 541-560

الموطأ
التمهيد
أصبغٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدّثنا أبو بكرٍ بن أبى شيبةً ، قال:
حذَّثنا أبو معاويةً، عن حبّاج، عن أبى الزُّبِيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ◌َّقِرّن بينٌ
الحجّ والعمرة ، وطاف لهما طوافًا واحدًا (١).
ورؤَى رَبائحُ بنُّ أبى معروفٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، أنَّ أصحابَ النبيّ
لم يَزِيدوا على طوافٍ واحدٍ(١) .
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال : حدُّثنا
أحمدُ بنُ شعیبٍ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ منصورٍ ، قال : حدثنا سفيان ، عن
أيوبّ بنِ موسَى ، عن نافعٍ، أنَّ ابنّ عمرَ قرَّن بينَ الحجّ والعمرةٍ ، وطافَ لهما
طوافًا واحدًا، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَه يفعلُ(). وقد تقدَّم فى هذا
البابِ حديثُ ابنِ عمر هذا من طرق(9) .
وروّى الدَّراوردِىُّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنٍ عمرَ، أَنَّ
رسولَ اللهِوَ لَه قال: ((مَن قَرَن بينَ الحج والعمرة، كفاه لهما طوافٌ واحدٌ ،
القبس
(١) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣١٤، ٣١٨، وأخرجه الترمذى (٩٤٧)،
والطحاوى فى شرح المعانى ٢٠٤/٢ من طريق أبى معاوية به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٠٤/٢، والدارقطنى ٢٥٩/٢ من طريق رباح بن أبى
معروف به .
(٣) النسائى (٢٩٣٢)، وفى الكبرى (٣٩١٣). وأخرجه أحمد ٢٠٠/٨ (٤٥٩٥)، وابن خزيمة
(٢٧٤٣)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٩٧/٢ من طريق سفيان به.
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٢٣ - ٥٢٥ .
٥٤١

الموطأ
التمهيد وسعىٌ واحدٌ، ثمَّ لا يَحِلُّ حتى يَحِلَّ منهما جميعًا)(١).
وروی یحتی بن یمان ، عن سفیان ، عن عبيد الله بن عمرَ، عن نافع، عن
ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَِّ مثلَه بمعناه(٢) .
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا الرَّبِيعُ بنُ سليمانَ المؤذِّنُ ، قال: حدَّثنا الشافعىُّ ، عن ابنِ
عيينةَ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، أَنَّ النبيَّ وَلِّ قال لها:
((طَوَافُكِ بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ، يكفِيكِ لحِّكِ وعُمرتِك))(٢) .
قال أبو عمرَ : هذا قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وعائشةً (٢) . وقال
سفيانُ الثوریُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُه، وابنُ أبى ليلى، والحسنُ بنُ حىٍّ،
والأوزاعى: على القارنِ طوافان وسعيان(٥). ومن حُبّتِهم أن قالوا فى حديثٍ
عائشةَ وقولِها فيه: وأما الذين جمعوا الحجّ والعمرةَ، فإِنَّما طافوا لهما طوافًا
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٥٢/٩ (٥٣٥٠)، والترمذى (٩٤٨)، وابن ماجه (٢٩٧٥) من طريق
الدراوردى به .
(٢) أخرجه أحمد ٢٣/٩، ٢٤ (٤٩٦٤)، والطبرانى فى الأوسط (٣٤٣٧)، والدارقطنى ٢٥٧/٢
من طریق یحیی بن یمان به .
(٣) أبو داود (١٨٩٧)، وأخرجه البيهقى ١٠٦/٥ من طريق الربيع بن سليمان به. وهو عند
الشافعى ١٣٤/٢ - ومن طريقه أبو نعيم فى الحلية ١٥٧/٩ - وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى
٢٠٠/٢، والبيهقى ١٧٣/٥ من طريق ابن عيينة به .
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣١٨، ٣١٩، والمحلى ٢٤٧/٧.
(٥) ينظر المحلى ٢٤٩/٧.
٥٤٢

الموطأ
:
واحدًا . قالوا : أرادَتْ جمعَ متعةٍ لا جمعَ قِرانٍ. تعنى أنهم طافوا طوافًا واحدًا التمهيد
بعدَ جمعِهم بينَ الحجّ والعمرةِ التى قد كانوا طافوا لها ؛ لأنَّ حجَّتَهم تلك كانت
مكيّةً ، والحجّةُ المكيّةُ لا يُطافُ لها قبلَ عرفةَ ، وإنما يُطافُ لها بعدَ عرفةَ طوافًا
واحدًا .
واحتجُوا بما ذكره أبو داودَ (١)، قال: حدَّثنا قتيبةُ، قال: حدَّثنا مالكٌ ، عن
ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أصحابَ النبيِّ وَلِّ الذين كانوا معه لم
يُطُوفوا حتى رمَوا الجمرةَ . ودفَعوا حديثَ أبى معاويةً، عن الحجّاجِ بنِ أرطاةً ،
عن أبى الزُّبيرِ، عن جابرٍ، بأنَّ ابنَ مجريجٍ(٢)، والأوزاعيَّ(٣)، وعمرو بنَ دينارٍ(٤)،
وقيسَ بنَ سعدٍ ، رَوَوا عن عطاءٍ، عن جابرٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِ أَمَر أصحابَه
بِفَسْخِ الحجّ فى العمرةِ وهم على الصَّفا فى آخرِ الطَّافِ . فهذا تمتّعٌ لا قِرانٌ ؛
لأَنَّهم حُوا يومَئذٍ بعدَ ذلك، والطوافُ للحجُّ بعدَ ذلك إنما يكونُ طوافًا
واحدًا. ودفَعوه أيضًا بأنَّ جعفرَ بنَ محمدٍ روَى عن أبيه، عن جابرٍ، أَنَّ
القبس
(١) أبو داود (١٨٩٦).
(٢) أخرجه أحمد ٣٠٠/٢٢ (١٤٤٠٩)، والبخارى (٢٥٠٦، ٧٣٦٧)، ومسلم
(١٤١/١٢١٦).
(٣) أخرجه أبو داود (١٧٨٧)، وابن ماجه (٢٩٨٠)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢/ ١٩٢، وابن
حبان (٣٩٢١).
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢/ ١٩١، والطبرانى (٦٥٧٥).
(٥) أخرجه أحمد ١٧٥/٢٣ (١٤٩٠٠)، وأبو داود (١٧٨٨)، والنسائى فى الكبرى (٤١٧١).
٥٤٣

الموطأ
التمهيد
رسولَ اللهِ بِّهِ أَفْرَد الحجّ(١) . قالوا: فكيفَ يُقبَلُ حديثُ حجاجٍ بنِ أرطاةَ، عن
أبى الزُّبِيرِ، عن جابرٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ قِرَن بينَ الحجّ والعمرةٍ، وطافَ لهما
طوافًا واحدًا . والحجَّاج ضعيفٌ عندَهم، ليس بحجّةٍ؟ ودفعوا أيضًا حديثَ
الحجّاجِ، عن أبى الزُّبيرِ ، عن جابرٍ ، بأن قالوا : رواه ابنُ جريجٍ، عن أبى الزُّبِيرِ،
عن جابرٍ، قال: لم يَطْفِ النبىُّ وَلٍّ ولا أصحابُه بين الصفا والمروةِ إلّ طوافًا
واحدًا(١). قالوا: وإنما معنَى هذا أنَّ السعىَ بينَ الصفا والمروةٍ لا يُصنعُ إلَّ فى
طوافٍ القدومِ خاصَّةً مرةً واحدةً . واعتلُّوا فى حديثِ الدَّراوردىِّ، عن عُبيدِ اللهِ
ابنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنٍ عمرَ، بأن قالوا: أخطَأ فيه الدَّراوردىُّ؛ لأنَّ
الجماعةَ رَوَوه عن عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قولَه. ولم
يرفَعوه(١) . قالوا: وأمَّا قولُ ابنِ عمرَ حينَ طافَ طوافًا واحدًا، وقال: هكذا صنَع
رسولُ اللهِ وَّهِ. فإنَّه أرادَ: هكذا صنعَ رسولُ اللهِ وَ لَه فى حبّتِه طوافًا واحدًا
بعدَ رجوعِه من مِنِّى، ورمي الجمرةِ ؛ لأَنَّه كان فى حجَّتِه مُتمتّعًا عندَ ابنِ عمرَ ،
وقد کان طاف لغُمرته عند الدخول ، وأمر من لم یکُنْ معه هدئٌ أنْ يَحِلَّ ، ولم
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٩٧، وسيأتى فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ .
(٢) أخرجه أحمد ٣٠٦/٢٢ (١٤٤١٤)، ومسلم (١٢١٥)، وأبو داود (١٨٩٥)، والنسائى
(٢٩٨٦) من طريق ابن جريج به .
٠
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع) ص٣١٩ عن ابن نمير ، وأخرجه الطحاوى
فى شرح المعانى ١٩٧/٢ من طريق هشيم كلاهما عن عبيد الله بن عمر به.
٥٤٤

الموطأ
يَحِلَّ هو؛ لأَنَّه ساقَ الهدْىَ. قالوا: فإن كان ابنُ عمرَ جعَل طوافَ القارنِ التمهيد
كطوافٍ المُتمثِّع، فقد خالَفه فى ذلك علىٍّ وابنُ مسعودٍ. وذكروا ما حدَّثناه
عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا
أبى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، عن سفيانَ ، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ أَذَيْنَةَ ، أَنَّه سأل عليًّا عمَّن جمَع بينَ الحجّ والعمرةِ ، فقال : إذا
قدِمتَ مكةَ فَطُفْ طوافين بالبيتٍ ، وطوافين بينَ الصفا والمروةِ ، ولا تَحِلَّ حتى
تنحَرَ. أو قال : حتى يومِ النَّحْرِ (١). وقد ذكرنا خبرَ علىٍّ وابنٍ مسعودٍ من طرقٍ فى
باپ ابنِ شھاپ().
قال أبو عمرَ : أمَّا قولُهم: إنَّ عائشةَ أرادتْ بقولها: وأمَّا الذين جمَعوا الحجّ
مع العمرةِ، فإنَّما طافوا لهما طوافًا واحدًا . أرادتْ جمعَ مُتعةٍ لا جمعَ قِرانٍ .
فَدَعوَى لا بُرهانَ عليها، وظاهرُ حديث عائشةَ وسياقُهُ يَدُلَّ على أنَّها أرادت.
الذين قرَنُوا الحجّ والعمرةَ؛ لأَنَّها فصَلَتْ بالواوٍ بينَ مَن أهلَّ بحجّ(٣)، وبينَ من
أهلَّ بعمرةٍ فتمتَّع بها ، وبينَ من جمَع الحجّ والعمرةَ ، ثم قالت: فأمَّا الذين أهلُوا
بعمرةٍ ، فإنَّهم طافوا بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ ، ثم حلَّوا ، ثم طافوا طوافًا آخرَ
بعد أنْ رجَعوا من منّى بحجّهم ، وأمَّ الذين كانوا أهلُّوا بالحج ، أو جمعوا الحجّ
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٠٥/٢ من طريق الأعمش به.
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ .
(٣) بعده فى الأصل: ((وعمرة)).
٥٤٥
(موسوعة شروح الموطأ ٣٥/١٠)

الموطأ
التمهيد والعمرةَ، فإنَّما طافوا لهما طوافًا واحدًا. ولم تقُلْ: وأمَّا الذين أهلُّوا بعمرةٍ .
تعنِى مَن تمتَّعَ ؛ فدلَّ على أنها أرادتْ مَن قَرَنَ، واللهُ أعلمُ .
وقد رفَع الإشكالَ فى ذلك ما أوردنا من الآثارِ عن نافع ، عن ابنِ عمرَ، أنه
قَن بينَ الحجّ والعمرةِ ، وطافَ لهما طوافًا واحدًا، ولم يزِدْ على ذلك ، وقال :
هكذا صنَع رسولُ اللهِ وَهِ. وليس حملُهم على الدَّراوردِىِّ بشىءٍ؛ لأنَّه قد تابع
الدَّراوردِىَّ يحتِّى بنُ يَمانٍ ، عن الثورىِّ، عن عبيدِ اللهِ ، بمعنَى روايته ، والدليلُ
على صحّةٍ ما روَاه الدَّراوردِىُّ أنَّ أيوبَ الشَّخِيانيَّ، وأيوبَ بنَ موسَى ، وموسَى
ابنَ عقبةً، وإسماعيلَ بنَ أميَّةً، رَوَوْا عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ معنَى ما رواه
الدَّراوردىُّ . وقد ذكَرْنا أحاديثَهم فيما مضى من هذا البابِ (١) . وأما قولُهم أنَّ
عائشةَ وابنَ عمرَ أرادا بقولِهما ذلك جمعَ مُتعةٍ ، لا جمعَ قِرانٍ ، فقد مضَى القولُ
. عن عائشةَ فى ذلك، وكيف يجوزُ أن يتأوَّلوا ذلك فى حديثِ ابنِ عمرَ، وهم
يزعمون أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ كان قارنًا لا مُتَمتِّعًا ، فإن اعتَلَّوا بأنَّ حدیثَ ابنِ عمرَ
فى حَّةِ رسولِ اللهِ وَ لِّ مُختلفٌ؛ قد رُوِى عنه أَنَّ رسولَ اللهِ ◌َالتي تمتّع فى
حَّةِ الوداعِ ، رواه عُقيلٌ، عن ابن شهابٍ، عن سالم، عن أبيه (١) . ورُوِىَ عنه
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٥٢٣ - ٥٢٥، ٥٤١، ٥٤٢ .
(٢) أخرجه أحمد ٣٦٤/١٠، ٣٦٥ (٦٢٤٧)، والبخارى (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧) من طريق
عقیل به .
٠ ٥٤٦

الموطأ
أنَّه أهلَّ هو وأصحابُه بالحجّ، رواه محُميدٌ، عن بكرِ المُزنىّ، عنه١ُ . قيل لهم: التمهيد
لمَّا اضطربت الآثارُ عنه فى ذلك قضَيْنا بروايةِ جابرٍ(١) وعائشةَ(٢)؛ أنَّ رسولَ اللهِ
وَلِّ أفردَ الحَّ، وترَكنا ما سِوَى ذلك. فإن ذكروا أنَّ علىَّ بن أبى طالبٍ
وعبد الله بن مسعودٍ کانا یقولان: القارنُ يطوفُ طوافین، ویسعی سعیین . قيل
لهم : قد خالَفهما ابنُّ عمرَ، وجابرٌ، وابنُ عباسٍ ، وعائشةُ ؛ فوجَب النظرُ . فإنْ
ذكروا ما رواه الحكمُ، عن ابنِ أبى ليلَى، عن علىٍّ، قال: أهلَّ رسولُ اللهِ وَله
بعمرةٍ وحجةٍ، فطافَ بالبيتِ لعمرتِه، ثم عادَ فطافَ لحَبَّتِّه (٤) . قيل لهم:
هذا حديثٌ منكرٌ، إنما رواه الحسنُ بنُ عُمارةَ ، عن الحكم ، فَرَفَعه ، والحسنُ
ابنُ عمارةَ متروكُ الحديثِ ، لا يُحتَجُّ بمثله. ومن جهةِ النظرِ، قد أجمعوا أنَّ
المُحرمَ إذا قتَل الصيدَ فى الحرمِ، لم يَجِبْ عليه إلّ جزاءٌ واحدٌ، وهو قد
اجتمَع عليه محرمتان ؛ مُرمةُ الإحرامِ، وحرمَةُ الحَرَم، فكذلك الطَّوافُ
للقارن . وكذلك أجمعوا أنَّ القارنَ يِلَّ بحلقٍ واحدٍ ، فكذلك الطَّافُ أيضًا
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٣٧/٨ (٤٨٢٢)، والبخارى (٤٣٥٤)، ومسلم (١٢٣٢) من طريق حميد
به .
(٢) تقدم تخريجه ص ١٩٧، وسيأتى فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ.
(٣) تقدم فى الموطأ (٧٥١ - ٧٥٣).
(٤) فى الأصل، م: ((بحجته).
والأثر أخرجه العقيلى ٢٣٨/١، والدار قطنى ٢٦٣/٢ من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم به.
٥٤٧

الموطأ
التمهيد قياسًا. واللهُ أعلمُ(١).
قال أبو عمرَ: أمّا الأحاديثُ عن النبيِّ ◌َآلے فى الحجُ، ففى تهذيبها
وتلخيصها وتمھیدها ما یحتملُ أَنْ يُفرَدَ لھا کتاب کبیرٌ ، لا ◌ُذ گرُ فیه غیرُ ذلك ،
ولا سبيلَ إلى اجتلابِها فى كتابنا هذا، وقد مضى من ذلك فى بابِ ابنِ شهابٍ،
عن عروةً(١) ما فيه هدايةٌ، وإنما الغرضُ فى هذا الكتابِ، أن نذكُرَ ما للعلماءِ فى
معنَى الحديثِ من الأقوالِ والوجوه والأصولِ التى بها نزَعوا، ومنها قالوا ، وأما
الاعتلالُ والإدخالُ والمُدَافعاتُ(٣)، فتطويلٌ وتكثيرٌ، وخروجٌ عن تأليفِنا
القبس
(١) بعده فى ن: ((وفى قوله: ثم نفذ حتى جاء البيت فطاف به طوافا واحدا ورأى أنه مجزئ، دليل
واضح على أن الحاج قارن أو غير قارن ليس عليه إلا طواف واحد يقضى به فرضه فإن شاء جعله عند
الدخول ووصله بالسعى وإن شاء جعله يوم النحر ووصله أيضا بالسعى، وإن الإتيان بالطوافين جميعا
كمال واتباع للسنة لا أن فى الحج طوافين واجبين فرضا ويبين ذلك ما قلت ما قد مضى ذكره فى
هذا الباب فى حديث الدراوردى عن ابن عمر أنه لم يزد على ذلك الطواف وهذا التوجيه يخرج على
مذهب مالك وأكثر أصحابه فيمن لم يطف للإفاضة يوم النحر أو طافه على غير وضوء ثم لم
يذكر حتى بعد جدا أو بلغ بلده أنه يهدى ويجزيه الطواف الأول الموصول بالسعى. وقالت طائفة
من أصحاب مالك وغيرهم من الفقهاء إنه ينصرف إليه من بلاده إلا أن يكون طاف بعد رمى
جمرة العقبة تطوعا أو ودع البيت فإنه إن فعل ذلك أجزأ عنه ويستحبون له مع ذلك الهدى
ويجزئ عندهم من عسل الحج التطوع عن الواجب وفيما ذكرنا فى هذا الباب من حجة العراقيين
والمدنيين ما تقوم به الحجة لكلا الوجهين، وفى سقوط الطواف الواحد عن المكى ما يشهد لما
وجهناه أولا [ .... ] طواف الإفاضة دون غيره وهذه جملة يأتى بسطها والاحتجاج [ .... ] هذا
الموضع إن شاء الله)).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ .
(٣) فى م: ((المرافعات)).
٥٤٨

الموطأ
التمهيد
وشرطِنا لو تعرَّضنا له، وباللهِ التوفيقُ والعصمةُ والرشادُ .
وأمَّا قولُه فى حديثنا المذكورِ فى هذا البابِ: وأهدَى . فإِنَّ أَهلَ العلم
اختلفوا فيما على القارنِ من الهدى والصِّيامِ ؛ فرُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّ القارنَ
والمُتمتّعَ على كلٍّ واحدٍ منهما هدى بَدَنةٍ أو بقرةٍ ، و کان يقول : ما استیسرَ من
الهدي بدنةٌ أو بقرةً(١). وقد رُوِىَ عن عمرَ (١)، وعلىٍّ(٢)، وابنٍ عباسٍ(٤)، فى
قوله: ﴿فَ أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. شاةٌ. وعليه جمهورُ العلماءِ
وجماعةُ الفقهاءِ، وكان مالكٌ يقولُ فى القارنِ : فإن لم يجدّ صامَ ثلاثةَ أيامٍ فى
الحجِّ، وسبعةً إذا رجَع، هو والمُتَمتِّعُ فى ذلك سواءٌ . وكذلك قال الشافعيّ
وأبو ثورٍ ؛ قال الشافعىُّ: يُجزِىُّ القارِنَ شاةٌ قياسًا على المُتمتّع. قال: وهو أخفُّ
شأنًا من المُتمتّع. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: تجزِئُه شاةً ، والبقرةُ
أفضلُ. ولا يُجْزِئُ عندَهم إلَّ الدَّمُ عن المُعسِرِ وغيرِه، ولا مدخلَ عندَهم
للصيامِ فى هذا الموضع، قياسًا على مَن جاوَز الميقاتَ غيرَ مُحرمٍ، أو ترَك رغْىَ
الجمارِ حتى مضَتْ أَيَّامُها .
قال أبو عمرَ : هذا بعيدٌ من القياسِ، والقِرانُ بالَّمتُّعِ أشبَهُ وأولَى أَن يُقاسَ بعضُها
على بعضٍ ، وقد نصَّ اللهُ فى المُتمتّعِ الصيامَ ثلاثةَ أيامٍ فى الحجّ، وسبعةٌ إذا رجع ، إِنْ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٨٨٣).
(٢) تقدم تخريجه ص ٥١٣.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٨٨١).
(٤) سيأتى فى الموطأ (٨٨٢).
٥٤٩

الموطأ
ما جاء فيمن أُحصِر بغيرِ عدوٌ
٨١٥ - مالك، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه قال: المُحصَرُ بمرضٍ لا يَحِلَّ حتى يطوفَ
بالبيتٍ ويسعَى بينَ الصفا والمروةِ ، فإن اضطُرَّ إلى لُبسٍ شىءٍ مِن الثيابِ
لم يَجِدْ هديًا. والقارنُ مثلُه، وله حكمُه قياسًا ونظرًا. وباللهِ التوفيقُ.
التمهيد
وقال مالكٌ: مَن حصَره العدُوُّ بمكّةَ تحلَّلَ بعمل عمرةٍ ، إلَّا أنْ يكونَ مكيًّا ،
فيخرُجَ إلى الحِلِّ، ثم يتحلَّلَ بعمرةٍ . وقال الشافعىُّ: الإحصارُ بمكةً وغيرِها
سواءٌ. وقال أبو حنيفةً: إذا أتى مكةَ مُحرِمًا بالحجِّ، فلا يكونُ مُحصرًا . وقال
مالكٌ: من وقَف بعرفةً ، فليس بمُحصَرٍ ، ويُقيمُ على إحرامِه حتى يطوف بالبيتِ
ويُهدِىَ. ونحوُ ذلك قولُ أبى حنيفةَ ، وهو أحدُ قولى الشافعىّ ، وله قولٌ آخرُ،
أنَّه يكونُ مُحصَرًا. وهو قولُ الحسنِ، وقد تكرّر هذا المعنَى، ومضَى كثيرٌ من
معانِى هذا البابِ فى بابِ ابنِ شهابٍ (). والحمدُ للهِ .
الاستذكار
باب ما جاء فيمن أُحصِر بغيرِ عدوٌ
مالكٌ ، عن ابن شهاب ، عن سالمٍ بنِ عبدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمر ، أنه
قال: المُخْصَرُ بمرضٍ لا يَحِلُّ حتى يَطوفَ بالبيتِ ويَسعى بين الصفا
والمروةِ، فإن اضطُرَّ إلى لُبسٍ شىءٍ مِن الثيابِ التى لا بدَّ له منها، أو الدواءِ،
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ .
٥٥٠

الموطأ
التى لا بدَّ له منها، أو الدواءِ، صنَع ذلك وافتدَى .
٨١٦ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه بلَغه عن عائشةً زوج
النبيِّ وَّةٍ، أنها كانت تقولُ: المحرمُ لا يُحِلُّه إلا البيتُ.
٨١٧ - مالكٌ، عن أيوبَ بن أبى تَميمةَ السَّخْتیانيٌّ ، عن رجلٍ من
أهل البصرةِ ، كان قديمًا ، أنه قال: خرجتُ إلى مكةً، حتى إذا كنتُ
ببعضِ الطريقِ كُسِرت فخذِى، فأرسَلتُ إلى مكةً ، وبها عبدُ اللهِ بنُ
عباسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، والناسُ، فلم تُرِّصْ لى أحدٌ أن أَحِلَّ،
فأقمتُ على ذلك الماءِ سبعةً أشهرِ حتى أحلَلتُ بعمرةٍ .
صنَع ذلك وافتدَى(١) .
الاستذكار
وعن يحيى بن سعيدٍ، أنه بلَغه عن عائشةَ زوج النبيِّ وَلّر، أنها كانت
تقولُ: المحرمُ لا يُحِلُّه إلا البيتُ(٢).
وعن أيوبَ بنِ أبى تَمِيمةً ، عن رجلٍ من أهلِ البصرة ، كان قديمًا ، أنه قال :
خرجتُ إلى مكةَ ، حتى إذا كنتُ ببعضِ الطريقِ كُسرتْ فَخِذى، فَأُرسلتُ إلى
مكةً ، وبها عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ ، والناسُ ، فلم يُرِّصْ لى أحدٌ
القبس
٠
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٠٨)، وبرواية يحيى بن بكير (٢٤/٤ و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١١٦٢). وأخرجه الشافعى ١٦٣/٢، ١٦٤، وابن جرير فى تفسيره ٣٧٢/٣،
والطحاوى فى شرح الطحاوى ٢٥١/٢، ٢٥٢، والبيهقى ٢١٩/٥ من طريق مالك به.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٤/٤ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١١٦٣) . وأخرجه
الشافعى ١٦٤/٢، والبيهقى فى المعرفة (٣٢٥٧).
٥٥١

٨١٨ - مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ، عن
الموطأ
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أنه قال: من حُبِس دونَ البيتِ بمرضٍ، فإنه لا يَحِلُّ
حتى يطوفَ بالبيتِ ، وبينَ الصفا والمروةِ .
الاستذكار أن أُحِلَّ، فأقمتُ على ذلك الماءِ سبعة أشهرِ حتى أحللتُ بعمرةٍ (١).
قال أبو عمرَ : هذا الرجلُ الذى ذكَر مالكٌ فى حديثه أنه من أهلِ البصرةِ هو
أبو قلابةَ عبدُ اللهِ بنُ زيدِ الجَرمىُّ(١) شيخُ أيوبَ السَّختيانيٌّ ومُعلِّمُه.
روَى هذا الحديثَ حمادُ بنُّ زيدٍ عن أيوبَ ، عن أبى قِلابةَ ، قال : خرجتُ
مُعتمِرًّا ، حتى إذا كنتُ ببعضِ المياهِ وقعتُ "عن راحلتى٣) فَكْسِرْتُ، فأرسلتُ
إلى ابنِ عمرَ وابنٍ عباسٍ ، فسُئلا ، فقالا : العمرةُ ليس لها وقتٌّ كوقتِ الحجّ،
يكونُ على إحرامِه حتى يَصِلَ إلى البيتِ . قال: فبقيتُ على ذلك الماءِ ستةَ أشهرٍ
أو سبعةً مُحرِمًا حتى وصلتُ إلى البيتِ(٤) .
مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن سالم، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه قال :
مَن مُحُبِس دونَ البيتِ بمرضٍ، فإنه لا يَحِلَّ حتى يطوفَ بالبيتٍ، وبينَ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٤/٤ و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١١٦٤). وأخرجه
الشافعى ١٦٤/٢، وابن جرير فى تفسيره ٣/ ٣٧٤، والبيهقى ٢١٩/٥ من طريق مالك به.
(٢) فى الأصل: ((الجثمى)). وينظر تهذيب الكمال ٥٤٢/١٤.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((على راحلتى))، وفى م: ((على رجلى)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) أخرجه الفسوى فى المعرفة ٨٣/٢، ٨٤، والبيهقى ٥/ ٢٢٠، وابن بشكوال فى غوامض الأسماء
٢٦٥/١ من طريق حماد بن زيد به، وعندهم: (( أبا العلاء بن الشخير)). وينظر فتح البارى ٥/٤.
٥٥٢

٨١٩ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن الموطأ
سعيدَ بنَ حُزابةَ المخزومىَّ صُرِع ببعضٍ طريقٍ مكةً وهو محرمٌ ، فسأل
على الماءِ الذى كان عليه، فوجَد عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، وعبدَ اللهِ بنَ
الزبيرِ ، ومروانَ بنَ الحكم، فذكر لهم الذى عرّض له ، فكلّهم أمَره أن
يتداوَی بما لا بدَّله منه ویفتدیَ ، فإذا صحَّ اعتمرَ ، فحلّ من إحرامِه ، ثم
علیه حج قابل ، ويُهدِی ما استیسَر مِن الهدي .
قال مالكٌ: وعلى هذا الأمرُ عندَنا فيمَن أُحصِر بغيرِ عدوٍّ.
الصفا والمروةٍ(١) .
الاستذكار
وعن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن سعيدَ بنَ مُزابةً(١)
المخزومىَّ صُرِع ببعضٍ طريقٍ مكةً وهو مُحرٌِ، فسأل على الماءِ الذى كان
علیه، فوجد عبدَ اللهِ بنَ عمر ، وعبد الله بن الزبيرِ ، ومروان بن الحكم، فذكر
لهم الذى عرَض له ، فكلُّهم أمَره أن يتداوَى بما لا بدَّ له منه ويَفتدىَ ، فإذا صَحّ
اعتمَر ، فحلَّ من إحرامِه ، ثم عليه حجةُ قابلٍ ، ويُهدِى ما استيسر من الهَدْيِ (١).
" قال مالكٌ: وعلى هذا الأمرُ عندَنا فيمن أَحصِر بغيرِ عدوٍّ .
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١١٦٥). وتقدم تخريجه ص٥٥٠، ٥٥١.
(٢) فى الأصل: ((حزامة)). وينظر شرح الزرقانى ٣٩٥/٢.
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٤/٤ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١١٦٦). وأخرجه
الشافعى ١٦٤/٢، وابن جرير فى تفسيره ٣٦١/٣، والبيهقى ٢٢٠/٥ من طريق مالك به.
٥٥٣

قال مالكٌ: وقد أمَر عمرُ بنُ الخطابِ أبا أيوب الأنصارىَّ وهبَّارَ بنَ
الموطأ
٠
الأسودِ ، حينَ فاتهما الحج وأتيا يوم النحرِ ، أن يَحِلّ بعمرةٍ ، ثم يرجعا
حلالاً، ثم يحُجَّان عامًا قابلًا ويُهديان ، فمن لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ
فی الحج وسبعة إذا رجع إلى أهلِه .
قال يحيى : قال مالكٌ: وكلَّ مَن حُبِس عن الحجّ بعدَما يُحرمُ ؛ إِما
بمرضٍ أو بغيرِهِ، أو بخطأً من العددِ ، أو خفِى عليه الهلالُ، فهو
مُحصَرٌّ، عليه ما على المُحصّرِ .
قال يحيى : وسُئِل مالكٌ عمن أهلَّ من أهلِ مكةً بالحجِّ ، ثم أصابه
الاستذ کار
وقال مالكٌ: وقد أمَر عمرُ بنُ الخطابِ أبا أيوب الأنصارىَّ وهبَّارَ بنَ
الأسودِ، حينَ فاتهما الحجُّ وأتيا يومَ النحرِ، أن يَحِلَّا بعمرةٍ، ثم (١) يَرجِعا
حلالينٍ ، ثم يَحُجَّانِ عامًا قابلًا وُهْدِيان ، فمن لم يَجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ فى الحجّ
وسبعةٍ إذا رجَع إلى أهلِه(٢) .
قال مالكٌ: وكلُّ مَن حُبس عن الحجّ بعدما يُحرِمُ ؛ إما بمرضٍ أو بغيرِهِ ، أو
بخطأً من العددٍ ، أو خَفِىَ عليه الهلالُ، فهو مُخْصَرٌ، عليه ما على المُخْصَرِ .
وسئل مالكٌ عمن أَهَلَّ مِن أهلِ مكةَ بالحجّ، ثم أصابَه كسرٌ، أو بطنٌّ
القبس
(١) فى الأصل: ((حين)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٨٧٦، ٨٧٧).
٥٥٤

كسرٌ، أو بطنٌّ مُنخرِقٌ، أو امرأةٌ تُطْلَقُ. قال: مَن أصابه هذا منهم فهو الموطأ
مُحصَرٌّ، يكونُ عليه مثلُ ما على أهلِ الآفاقِ إذا هم أُحصِروا .
قال مالكٌ فى رجلٍ قدِم مُعتمرًا فى أشهرِ الحجّ ، حتى إذا قضَى
عمرتَه أهلَّ بالحجّ من مكةً، ثم كُسِر، أو أصابه أمرٌ لا يقدِرُ على أن
يحضُرَ مع الناس الموقف ، قال : أرى أن يُقیم ، حتى إذا برِئ خرَج إلى
الحِلِّ، ثم يرجعُ إلى مكةً فيطوفُ بالبيتٍ ، ويسعَى بينَ الصفا والمروةِ ،
ثم يَحِلُّ، ثم علیه حُ قابل والهدئُ .
قال يحيى : قال مالكٌ فيمَن أهلَّ بالحجِّ من مكةً، ثم طاف بالبيتِ
مُنْخَرِقٌ، أو امرأةٌ تُطْلَقُ. قال: من أصابه هذا فهو محصَرٌ، يكونُ (١) عليه مثلُ ما الاستذكار
على أهلِ الآفاقِ إذا هم أُحصِروا .
قال مالكٌ فى رجلٍ قَدِم معتمِرًا فى أشهرِ الحجِّ، حتى إذا قضَى عمرتَه أهَلَّ
بالحجِّ من مكةً، ثم كُسِر، أو أصابه أمرٌ لا يَقدِرُ على أن يَحضُّرَ مع الناسٍ
الموقفَ، فقال: أرى أن يُقيمَ ، حتى إذا برَأُ خرَج إلى الحِلِّ، ثم يَرجِعُ إلى مكةً
فیطوفُ بالبيتٍ ، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يَحِلّ، ثم علیه حُّ قابلٍ
والهدئ .
قال مالكٌ فيمن أهلَّ بالحجِّ من مكةً، ثم طاف بالبيتٍ وسعَى بين الصفا
القبس
(١) فى الأصل: ((لا يكون)).
٥٥٥

الموطأُ وسعَى بينَ الصفا والمروةِ، ثم مرِض فلم يستطع أن يحضُّرَ مع الناس
٠
الموقفَ ، قال: إذا فاته الحجُ، فإنه إن استطاع خرَج إلى الحِلِّ،
فدخَل بعمرةٍ، فطاف بالبيتِ، وسعَى بينَ الصفا والمروةِ ؛ لأن
الطوافَ الأُولَ لم يكنْ نواه للعمرةِ، فلذلك يعملُ بهذا، وعليه
حُ قابلٍ والهدئُ .
قال يحتى : قال مالك: وإنْ كان من غير أهل مكةً ، فأصابه مرضٌ
حال بينَه وبينَ الحجّ، فطاف بالبيتٍ وسعَى بينَ الصفا والمروةِ ، حلّ
بعمرةٍ وطاف بالبيتِ طوافًا آخرَ، وسعَى بينَ الصفا والمروةِ ؛ لأن طوافَه
الأُولَ وسعيَه إنما كان نواه للحجّ، وعليه حجّ قابل والهدئُ.
الاستذكار والمروةٍ، ثم مرِض فلم يَستطع أن يحضُرَ مع الناسِ الموقفَ، قال: إِذا فاته
الحجّ ، فإنه إن استطاعَ خرج إلى الحِلِّ ، فدخل بعمرةٍ ، فطاف بالبيتِ ، وسعى
بينَ الصفا والمروةِ ؛ لأن الطوافَ الأولَ لم يكن نواه للعمرةِ ، فلذلك يعملُ
بهذا، وعليه حُّ قابلٍ والهَدْئُ .
قال مالكٌ: وإن كان من غيرِ أهلِ مكةَ، فأصابه مرضٌ حالَ بينَه وبينَ
الوقفةِ، فطاف بالبيتٍ وسعَى بينَ الصفا والمروةِ ، حلّ بعمرةٍ وطاف بالبيتِ
طوافًا آخرَ، وسعَى بينَ الصفا والمروةِ ؛ لأن طَوافَه الأولَ وسعيَه إنما كان نواه
للحجّ، وعليه حُ قابلٍ والهَدْئُ.
قال أبو عمرَ : أما قولُ ابنِ عمرَ فى المحصَرِ بمرضٍ ، أنه لا يُحِلُّه إلا الطوافُ
القبس
٥٥٦

الموطأ
بالبيتِ والسعىُ بينَ الصفا والمروةِ ، فهو الذى عليه جمهورُ أهلِ الحجازِ، وهو الاستذكار
قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ، وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأحمدُ ،
وإسحاقُ، وما أعلمُ لابنِ عمرَ مخالفًا مِن الصحابةِ فى هذه المسألةِ إلا ابنَ
مسعودٍ ؛ فإنه قال فى المحصَرِ بمرضٍ إذا بعَث بهدي وواعد صاحبَه ثَمّ يومَ
ينحَرُه، جاز له أن يَحِلّ وهو بموضعِه قبلَ أن يصِلَ إلى البيتِ (١) . وقد رُوِى مثلُ
ذلك عن زيدِ بنِ ثابتٍ من طريقٍ منقطعٍ لا يُحتجُّ به (١) - وهو قولُ جمهورٍ
العلماء() - وهو قولُ عطاء(٤)، وبه قال أبو ثورٍ فى روايةٍ عنه .
وشدَّتْ طائفةٌ، قالت: من أُحصِر بمرضٍ أو كَشْرٍ أو عرَجِ فقد حلَّ
بالموضعِ الذى عرَض له هذا فيه، ولا هَدْىَ عليه، وعليه القضاءُ. وممن قال
بهذا أبو ثورٍ وداودُ ؛ وحجتُهم حديثُ الحجاج بنِ عمرٍو الأنصارىِّ، قال :
سمعتُ رسولَ اللهِ وَلّهِ: ((من كُسِر أو عَرِج فقد حلَّ، وعليه حَّةٌ أُخرى)).
رواہ الحجاج بنُ أبی عثمان ، قال : حدثنی یحیی بنُ أبی کثیر، قال : حدثی
عكرمةُ ، قال: حدثنى الحجاج بنُ عمرٍو. فذكره . قال عكرمةُ : فحدَّثتُ به ابنَ
عباسٍ وأبا هريرةَ فقالا: صدَق . هكذا رواه إسماعيلُ ابنُ عُليَّةً ويحيى بن سعيد
القطانُ ، عن الحجاج بن أبى عثمانَ الصوافِ پاسنادِه المذ کورِ . ورواه معمرُ بنُ
القبس
(١) ينظر ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٣٥، وتفسير ابن جرير ٣٦٤/٣ -
٣٦٦، وشرح المعانى ٢٥١/٢.
(٢) ينظر علل أحمد ٢٩١/٢ (٢٠٧٨).
(٣) قول جمهور العلماء لاحق لقول ابن عمر فى المحصر. ينظر المغنى ٢٠٣/٥.
(٤) ينظر تفسير مجاهد ص ٢٢٦، ٢٢٧، وتفسير ابن جرير ٣٦٧/٣.
٥٥٧

الموطأ
الاستذكار راشدٍ ومعاويةُ بنُ سلَّام، عن يحيى بنٍ أبى كثيرٍ، عن عكرمةَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
رافعٍ مولى أمّ سلمةَ، عن الحجاجِ بنِ عمرٍو، عن النبيِّ بَّهِ، فَأدخَلُوا بين
عكرمةَ وبين الحجاجِ بنِ عمرٍو عبدَ اللهِ بنَ رافعٍ، وقد ذكرنا الأسانيدَ عنهم
بذلك فى ((التمهيدِ)) (١). وهذا يَحتملُ عندَ العلماءِ معنى قوله: ((فقد حلَّ)).
أى: فقد حلَّ له أن يَحلَّ بما يَحِلُّ به المحصَرُ مِن النحرِ أو الذَّبح، لا أنه قد حلَّ
بما نزَل به من إحرامِه . قالوا : وإنما ذلك مثلُ قولِهم: قد حلَّت فلانةُ للرجالِ .
إذا انقضتْ عِدَّتُها . يريدون بذلك: حلَّ للرجالِ أن يَخطُبوها ويتَزوَّجوها بما
تَحِلُّ به الفروجُ فى النكاحِ من الصداقِ وغيرِهِ. هذا تأؤُلُ مَن ذهَب مذهبَ
الكوفيّين، وتأوَّل مَن ذهَب مذهبَ الحجازيِّين: أى: فقد حلِّ إذا وصَل إلى
البيتِ حِلَّا كاملًا، وحلَّ له بنفسِ الكسرِ والعرَج أن يفعلَ ما شاء ؛ من إلقاءٍ
التَفَتِ ، ويَقتدى . وليس الصحيحُ أن يفعلَ ذلك، وقد تقدَّم قولُ مالك فى هذا
البابِ، وتبيَّن فيه مذهبُه، وهو مذهبُ الشافعىِّ والحجازيِّين. وأما أهلُ العراقِ
فتذكرُ نصوصَ أقوالِهم، ليوقَفَ كذلك على مذاهبهم ؛ قولُ سفيان الثورىِّ : إذا
أُحصِر المحرمُ بالحجّ بعَث بهدي فنُحِر عنه يومَ النحرِ ، وإِن نُحِر قبلَ ذلك لم
يُجزِتْه. وجملةُ قولٍ أبى حنيفةً وأصحابِهِ ، أنه إذا أَحصِر الرجلُ بعَث به وواعَد
المبعوثَ معه يومًا يذبحُه فيه ، فإذا كان ذلك اليومُ حلَق - عندَ أبى يوسفَ - أو
قصَّر وحلَّ ورجَع، فإن كان مُهِلَّاً بحجٌ قضَى حَّةٌ وعمرةً ؛ لأن إحرامَه بالحجّ
صار عمرةً، وإن كان قارِنًا قضى حَجةً وعمرتينٍ، وإن كان مُهِلَّا بعمرةٍ قضَى
القبس
(١) تقدم ص ٥٢٨ - ٥٣٠ .
٥٥٨

الموطأ
عمرةً . وسواءٍ عندَهم المحصَرُ بعدوٍّ أو بمرضٍ. وذكّر الجوز جاني، قال: قال الاستذكار
أبو حنيفةً ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: مَن أهَلَّ بحجّ فأُحصِر ، فعليه أن يبعثَ بقَمنِ
هدي، فيُشتَرَى له بمكةَ، فيُذْبَحَ عنه يومَ النحرِ، ويَحِلُّ، وعليه حَجةٌ وعمرةً ،
وليس عليه تقصيرٌ فى قولٍ أبى حنيفةً ومحمدٍ ؛ لأن التقصيرَ نُسكٌ ، وليس عليه.
من النُّسكِ شىءٍ . وقال أبو يوسفَ: يُقصِّرُ، فإن لم يفعلْ فلا شىءَ عليه . وقالوا :
إن بعَث بالهدي ؛ فإن شاء أقام مكانه، وإن شاء انصرَف . وإن كان مُهِلَّ بعمرةٍ
بعَث فاشتری له الهدئُ، ویواعدُهم يومًا ، فإذا كان ذلك الیومُ حلَّ و کان عليه
عمرة مكانها . قالوا : وإذا كان المحصّئُ قارنًا ، فإنه ببعث فيُشترى له هدیان
فيُنحران عنه، ويَحلُّ، وعليه عمرتان وحجةٌ ؛ فإن شاء قضَى العمرتين متفرقتين
والحجةَ بعد ذلك ، وإن شاء ضمَّ إحدى (١) العمرتينٍ إلى الحجة . وهكذا عندهم
المحصر بأىِّ (٢) كان ؛ بعدڑ أُحصِر أو بمرض ، يذبح هديه فى الحرمِ، ويَحِلّ
قبلَ يومِ النحرِ إن ساق هديًا، وعليه حجةٌ وعمرةٌ . هذا قولُ أبى حنيفةَ، وهو قولُ
الطبرىِّ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: ليس له ذلك، ولا يتحلَّلُ دونَ يومِ النحرِ إن
کان حاجًا . وهو قول الثوریِّ والحسن بن صالح. ورُوِی مثلُ ذلك عن أبی
يوسفَ، عن أبى حنيفةً فى المحصَرِ بعمرةٍ ( أنه يتحلَّلُ منها" متى شاء، وينحرُ
هديه، سواءٌ بَقِىَ الإحصارُ إلى يومِ النحرِ أو زال. وروَى زُفَرُ، عن أبى حنيفةَ ، أنه
إِن بَقِىَ الإحصائ إلى يوم النحرِ جزَى ذلك عنه، وكان عليه قضاء حجة وعمرةٍ ،
القبس
(١) ليس فى الأصل، م. والمثبت مما تقدم ص٥٢٧ .
(٢) فى الأصل: ((فعة)).
(٣ - ٣) سقط من: الأصل، م. والمثبت مما تقدم ص ٥٢٦ .
٥٥٩

الموطأ
الاستذكار وإن صحَّ قبل فوتِ الحجّ لم يَجزِه وكان محرِمًا بالحجِّ على حالِه . قال: ولو صحَّ
فى العمرةِ بعد أن بعَث بالهدىِ نظر ؛ فإن قدَر على إدراكِ الهدي قبلَ أن يُذبحَ
مضَى حتى يَقضِىَ عمرتَه، وإن لم يقدرْ حلَّ إذا نُحِر عنه الهدىُ .
٠٠٠
قال أبو عمرَ : أما قولُ الكوفتين ففيه ضعفٌ وتناقضٌ ؛ لأنهم لا يُجيزون
لمحصَرٍ بعدوٍّ ولا بمرضٍ أن يَحِلَّ حتى يُحرَ هديُّه فى الحرمِ، وإن أجازوا
للمحصَرِ بمرضٍ أن يَبعثَ بهدي ويواعدَ حاملَه يومَ ينحرُه فيه فيَحلِقَ ويَحلَّ،
فقد أجازوا له أن يَحلّ على غيرِ يقينٍ من نحرِ الهدي وبلوغِه، وحمَلوه على
الإحلالِ بالظنونِ، والعلماءُ متفقون على أنه لا يجوزُ لمن لزِمه شىءٌ من فرائضِه
أن يَخرِجَ منه بالظنِّ ، والدليلُ على أن ذلك ظنٍّ قولُهم : لو عطِب ذلك الهدىُ أو
ضلَّ أو سُرِق فحلَّ مرسلُه وأصاب النساءَ وصاد ، أنه يعودُ حرامًا ، وعليه جزاء ما
صاد . فأباحواله فسادَ الحجّ بالجماعِ ، وألزموه ما يلزمُ مَن لم يَحِلُّ من إحرامِه .
وهذا ما لا خفاءَ به من التناقضِ وضعفِ المذهبِ ، وإنما بنَوا مذهبهم هذا كلّه
على قولِ ابنٍ مسعودٍ ، ولم ينظروا فى خلافٍ غيرِه له . وأما قولُ عائشةَ فى هذا
البابِ : المحرمُ لا يُحلَّه إلا البيتُ. فمعناه: المحرِمُ يمرضُ لا يَقدرُ أن يصلَ إلى
البيتِ ، فإنه يبقى على حالِه ، فإن احتاج إلى شىءٍ يتداوَى به وافتَدى، فإذا برَأْ أَتّى
البيتَ فطاف به وسعَى ، ولا يَحلَّ بشىءٍ غيرِ ذلك. وهو كقولِ ابنِ عمرَ سواءً،
ومثلُه قول ابنِ عباس . والناسُ فی حدیثِ مالك عن أيوب، وحديثه عن ابنٍ
شهاب، عن سالم، عن ابنِ عمرَ مثلُه أيضًا . وأما حديثُه عن يحيى بنِ سعیدٍ ،
عن سليمانَ بنِ يسارٍ أن سعيدَ بنَ مُزابةَ صُرِع بطريقٍ مكةً وهو محرمٌ ، فسأل
القبس
٥٦٠