Indexed OCR Text
Pages 521-540
الموطأ التمهيد وَلّه لم يَحِلّ يومَ الحدَثِيَّةِ، ولم يَحْلِقْ رأْسَه حتى نحَرَ الهَدْىَ ؛ فدلَّ ذلك على أنَّ من شرطِ إِخلالِ المُحصَرِ بعدۇ ذبح هدي متی وجدہ وقدر علیه ، والكلامُ فى هذه المسألةِ يطولُ ، وفيما ذكرنا كفايةٌ . وأمَّا مَن أُخْصِرَ بغيرِ عدُوٌّ من موانعِ الأمراضِ وشِئْهِها، فحكمُه عندَ أهل الحجازِ فى ذلك ما قد روَى مالكٌ(١) ، عن ابن شهابٍ ، عن سالمٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن ابنِ عمرَ، قال: من محيِسَ دونَ البيتِ بمرضٍ فإنَّه لا يحِلُّ حتى يطوفَ بالبيتٍ ، ويسعَى بينَ الصفا والمروةِ ، فإن اضْطُرَّ إلى شىءٍ من لبسِ القِيابِ التى لا بُدَّ له منها، أو إلى الدواءِ، صنَع ذلك وافتدى . ومالكٌ(٢) ، عن أيوبَ بنِ أبى تميمَةً، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ كان قديمًا، قال: خرجتُ إلى مكةً، حتى إذا كنتُ ببعضِ الطريقِ، كُسِرَتْ فَخِذِى، فأرسلتُ إلى مكّةَ، وبها عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ (١) ، والناسُ، فلم تُرَخِّصْ لى أحدٌّ فى أن أَحِلَّ، فأقمْتُ على ذلك الماءِ سبعةً أشهرٍ، ثم حَلَلْتُ بعمرة . ومالكٌ) ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، أَنَّ ابنَ حُزَابَةً (٥) القبس (١) سيأتى فى الموطأ (٨١٥). (٢) سيأتى فى الموطأ (٨١٧). (٣) فى النسخ: ((الزبير)). والمثبت من مصدر التخريج. (٤) سيأتى فى الموطأ (٨١٩). (٥) فى ن: ((خزامة)). ٥٢١ الموطأ التمهيد المخزُومىَّ صُرِعَ ببعضٍ طريقٍ مكّةً وهو مُحرِمٌ بالحَجّ، فسأل على الماءِ الذى كان عليه، فوجَد عليه عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، وعبدَ اللهِ بنَ الزُّبِيرِ، ومروانَ بنَ الحكم، فذكَّر لهم الذى عرَض له، فكلُّهم أمَره أن يَتَداوَى بما لا بُدَّ له منه، ويفتَدىَ، فإذا صحَّ اعتمَر فحَلَّ من إحرامِه، ثم عليه أن يَحُجَّ قابلًا ويُهدىَ. قال مالكٌ: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا فيمَن ◌ُحُبِسَ بغيرِ عدوًّ. قال مالكٌ: والمحصَرُ الذى أرادَ اللهُ عزَّ وجلَّ بقوله: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. هو المريضُ. قال: وإنما جعَلْنا للمُحصَرِ بالعدوِّ أن يَجِلَّ بالسُّنَّةِ؛ وذلك أنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ حصَره العدوُّ فحلَّ. قال مالكٌ: ولم نجعَلْ له الإحلالَ بالكتابِ ، وإنَّما جعَلناه بالسُّنَّةِ فى ذلك . ذكر ذلك أحمدُ بنُ المُعَذَّلِ عن مالكٍ، وهو قولُ الشافعىِّ. وذكَر مالكٌ(١) ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ قصَّةً أبى أيوبَ إذ فاته الحج . وذكَرٍ (٢) عن نافعٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ قصَّةَ هَبَّرِ بنِ الأسودِ إذْ فاتهُ الحجُ أيضًا، فأمَر (١) عمرُ بنُ الخطابِ كلَّ واحدٍ منهما أن يَحِلَّ بعمَلٍ القبس (١) سيأتى فى الموطأ (٨٧٦). (٢) سيأتى فى الموطأ (٨٧٧). (٣) فى الأصل، ن، م: ((فأمرهما)). ٥٢٢ الموطأ التمهید ◌ُمرةٍ، ثم يحجّ من قابل ويُهدِیَ، فمَن لم يجد صام ثلاثَةً أیامٍ فى الحجّ، وسبعةً إذا رجع . وهذا أمرٌ مجتمَعٌ عليه فيمَن فاتَّه الحجُ بعدَ أن أحرَم به ولم يُدْرِكْ عرفةَ إِلَّا يومَ النحرِ، والمُحصَرُ عن عرفةَ بمرضٍ عندَ مالكِ والشافعيِّ كذلك. وهو قولُ الأوزاعِيٌّ، ذكّره الوليدُ بنُ مَزْيَدٍ عنه؛ قال: مَن أَحصِرَ بمرضٍ فلا يَحِلُّ من شىءٍ حتى يَحِلَّ بالبيتِ . حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعیب ، قال : أخبرنى علىُ بنُ میمون الرَّقِّئُ ، قال : حدثنا سفيان ، عن أيوبَ السَّختيانيّ ، وأيوبَ بنِ موسَى ، وإسماعيلَ بنِ أمیةً، وعبيدِ اللهِ بنِ عمرَ ، عن نافعٍ، قال : خرَج عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، فلمَّا أتَى ذا الحليفةِ ، أهلَّ بالعمرةِ ، فسارَ قليلًا، فخشِى أَن يُصَدَّ عن البيتِ ، فقال: إن صُدِدْتُ صنعتُ كما صنَعَ رسولُ اللَّهِ وَهِ. قال: واللهِ ما سبيلُ الحجُ إِلَّ سبيلُ العمرةِ، أَشهِدُكم أَنِّى قد أَوجَبتُ مع عُمرَتِى حبًّا. فسارَ حتى أتَى قُدَيْدًا ، فاشترَى منها هَدْيًا، ثم قدم مكَّةَ، فطافَ بالبيتِ سَبعًا ، وبينَ الصَّفا والمروةِ ، وقال : هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ (١) وَّ فْعَل(١). وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال: حدَّثنا القبس (١) النسائى (٢٩٣٣)، وفى الكبرى (٣٩١٤). ٥٢٣ الموطأ التمهید أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال : أخبرنا إسحاقُ بنُّ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزَّاقِ ، قال: سمِعتُ عبيدَ اللهِ بنَ عمرَ وعبدَ العزيزِ بنَ أبى رَوَّادٍ يُحَدِّثانِ عن نافعٍ، قال : خرَج ابنُ عمرَ يريدُ الحَّ زَمانَ نزَل الحَجَاجُ بابنِ الزبيرِ، فقيلَ له : إن كان بينَهما قِتالٌ خِفْنا أن نُصَدَّ عن (١) البيتِ. فقال: لقد كان لكم في رسول اللهِ أسوةٌ حسنٌ، إذَنْ أصنعَ كما صنَع رسولُ اللهِ وَرَ، أَشهِدُكم أَنِّى قد أوجبتُ عمرةً، حتى إذا كان بظهرِ البيداءِ قال: ما شأنُ الحج والعمرةِ إلَّ واحدٌ ، أُشهِدُكم آتِّى قد أو جَبتُ حبًّا مع عمرةٍ. وأهدى هديًا اشتراه بقُدَيدِ ، فانطلَق فقدِم مكّةَ ، فطافَ بالبيتٍ وبالصّفا والمروةِ ، ولم یزِدْ على ذلك ؛ لم يَخْلِقْ، ولم يُقصِّر، ولم يَحلِلْ من شىءٍ كان أحرم منه، حتى كان يومُ النَّحرِ فنحَر وحلَق، ورأى أن قد قضَى طوافَه للحَجِّ والعمرةِ بطوافِه الأوَّلِ، وقال: هكذا صنَع رسولُ اللَّهِ ◌ِ(٢). وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةً، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن موسَى بنِ عقبةَ، عن نافع، أنَّ ابنَ عمرَ أرادَ أن يحُجَّ عامَ نزَل الحبَّّاجُ بابنِ الزُّبيرِ، فقيل له : إنَّ الناسَ كائنٌ بينَهم شىءٌ، وإنَّا نخافُ أن يصُدُّونا. فقال: إذَنْ أَصْنَعَ القبس (١) فى م: ((من)). (٢) النسائى فى الكبرى (٣٩١٥). وأخرجه أحمد ٤٤٩/١٠ (٦٣٩١) عن عبد الرزاق به. ٥٢٤ الموطأ التمهيد كما صنَعَ رسولُ اللهِّهِ، أُشهِدُكم أَنِّى قد أوجبتُ حبًّا مع عمرَتّى. قال: فانطلَق يُهِلَّ بهما جميعًا حتى قدم مكّةً، فطاف بالبيتٍ، وبينَ الصَّفا والمروةٍ، ولم يَزِدْ على ذلك، ولم يَنْحَرْ، " ولم يَخْلِقْ، ولم يُقَصِّرْ، ولم يَحِلُّ من شىءٍ حرَّمه اللهُ عليه، حتى كان يومُ النَّحرِ فنخَر وحَلَق، ورأَى أَنَّ قد قضَى طوافَ الحجّ والعمرةِ بطوافِه ذلك الأُولِ. ثم قال: هكذا صنَع رسولُ اللهِ وََّ(٢) . فعلى هذا وعلى ما ذكَرنا عن الصحابةِ فى هذا البابِ من الآثارِ مذهبُ الحجازيّن فى الإحصارِ ، وذكّرنا هلهنا روايةَ السَّختيانِيِّ ، وأيوبَ بنِ موسَى، وإسماعيلَ بنِ أميةً، وعبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، وعبدِ العزيز بن أبى رَوَّادٍ ، وموسى بنِ عقبةً، عن نافع لهذا الحديثِ ؛ لأنَّ فى روايةٍ جميعهم فيه ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أَنَّه طافَ بالبيتٍ ، وسعَى بينَ الصَّفا والمروةِ وهو قارنٌ، ثم قال: مكَذا صنّعِ رسولُ اللهِ وَلَهُ. وليس ذلك فى روايةٍ مالكٍ، عن نافعٍ، وهى زيادةُ قومٍ مُحُفَّاظٍ ثقاتٍ ، وفيها حُجَّةٌ قاطعةٌ لمالكٍ ومَن تابعَه فى القارنِ ؛ أَنَّه لا يَطوفُ إلَّا طوافًا واحدًا، ولا يسعَى إِلَّا سعيًا واحدًا، وسنذكرُ هذه المسألةَ فى مَوضِعِها من هذا الباب إن شاء اللهُ . القبس (١ - ١) سقط من: م. (٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٥١/٢، ١٩٧، والدارقطنى ٢٥٧/٢ من طريق عبد العزيز بن محمد به، وأخرجه البخارى (١٧٠٨)، وابن خزيمة (٢٧٤٦) من طريق موسى بن عقبة به . ٥٢٥ الموطأ ٠ التمهيد وقال أبو حنيفةً: المُحصرُ بالعدوِّ والمرضِ سواءٌ، يذبح هديه فى الحرمِ، ويَحِلُّ قبلَ يومِ النَّخْرِ إِن ساقَ هَديًا، وعليه حجّةٌ وعمرةٌ . وهو قولُ الطبرئِّ . وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: ليس ذلك له، ولا يَتَحَلَّلُ دونَ يومِ النحرِ. وهو قولُ الثورىِّ والحسنِ بنِ صالحٍ. واتّفَق أبو حنيفةَ وأصحابُه فى المُحصَرِ بعمرةٍ ، أَنَّه يَتَحَلَّلُ منها متى شاء، وينحَرُ هَدْيَه، سَواءٌ بقِى الإحصارُ إلى يومِ النحرِ، أو زالَ عنه. هكذا روَى محمدٌ، عن أبى يوسفَ، عن أبى حنيفةً. وروَى زُفَرُ، عن أبى حنيفةً ، أَنَّه إن بقِى الإحصارُ إِلى يومِ النحرِ أجزَأ ذلك عنه، وكان عليه قَضاءُ حَجَّةٍ وعُمرةٍ ، وإن صحَّ قبلَ فوتِ الحجُ لم يُجْزِثْه ذلك، وكان مُحرمًا بالحَجّ على حالِه . قال: ولو صحّ فى العمرةِ بعدَ أن بعَث بالهدي ، فإن قدَر على إدراكِ الهَدي قبلَ أن يُذْبحَ، مضَى حتى يَقْضِىَ عمرتَه، وإن لم يَقْدِرْ، حلَّ إذا نُحِرَ عنه الهدىُ. وقال سفيانُ الثورىُّ: إذا أُحصِرَ المُحرِمُ بالحجِّ، بعَثْ بِهَدي، فتُحِرَ عنه يومَ النحرِ ، وإن نُحِرَ قبلَ ذلك لم يُجزِئْه. وجملةُ قولِ أصحابِ الَّأْيِ أنَّه إذا أُحْصِرَ الرجلُ بعَث بهديِهِ ، وواعَد المبعوثَ معه يومًا يَذْبَحُ فيه ، فإذا كان ذلك الیومُ حَلَقَ ، عند أبی یوسف ، أو قصَّرَ وحلَّ ورجعَ ، فإنْ كان مُھِلًا بحجّ ، قضَی حَجَّةً وعمرةً ؛ لأنَّ إحرامَه بالحجِّ صار عمرةً، وإن كان قارِنًا، قضَى حجَّةً وعُمرتين ، وإن كان مُهِلَّا بعمرةٍ ، قضَى عمرةً، وسواءٍ عندَهم المحصر بالعدوّ والمرضٍ . القبس ٥٢٦ الموطأ وذكَر الجوز جانيُ(١) ، عن محمد بن الحسن، قال: قال أبو حنيفةً، وأبو التمهيد يوسفَ ، ومحمدٌ: مَن أهلَّ بحجٌ فأُحصرَ ، فعليه أن يبعَثَ بثَمَنِ هدي ، فيُشتَرَى له بمگّةً ، فُذبح عنه يوم النحرِ ، ويَحِلُّ ، وعليه عمرةٌ وحجٌّ ، وليس عليه تقصيرٌ فى قولٍ أبى حنيفةً ومحمدٍ ؛ لأنَّ التَّقَصِيرَ نُشْكٌ، وليس عليه من النُّسُكِ شىءٌ. وقال أبو يوسفَ: يُقصِّرُ، وإن لم يفعَلْ فلا شىءَ عليه. وقالوا: إذا بَعَثَ بالهَدْيِ، فإن شاء أقامَ مكانَه، وإن شاء انصرَف، وإن كان مُهِلَّا بعمرةٍ بَعَث فاشتُرِىَ له الهدىُ، ويُواعِدُهم يومًا ، فإذا كان ذلك اليومُ حَلِّ، وكانَت عليه عمرةٌ مكانَها . وقالوا : إذا كان المُحصَرُ قارِنًا ، فإِنَّه يَبعثُ فیُشترى له هَدیان ، فيُنحران ، ويَحِلُّ، وعليه عمرتان وحجّةٌ ، فإن شاء قضَى العمرتين مُتفرّقَتَيْن ، والحَجَّةَ بعدَ ذلك، وإن شاء ضمَّ إحدَى العُمرتَين إلى الحَجَّةِ . وُوى عن ابن مسعودٍ وعلقمةً نحوُ قولِ أبى حنيفةً فیمَن أُحصِرَ بمرضٍ فى الحجّ والعمرةِ سواءً، على اختلافٍ عنهما فى ذلك أيضًا، وهو قولُ الحكم، وحمَّادٍ، وإبراهیم ، وجماعةٍ من الگوفیین(٢) . وقال أبو ثورٍ فیمَن أُحصِرَ بعدوّ مثلَ قولٍ مالك والشافعيِّ سواءً، وقال فى المحصَرِ بالكسرِ، أو المرضِ، أو القبس (١) فى م: ((الجوزانى)). (٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٤٩، ٢٥٠، وسنن البيهقى ٢٢١/٥، والمحلى ٣٠٢/٧، ٣٠٣، ٣٠٥. ٥٢٧ ـة الموطأ العَرَجِ : إِنَّه يَحِلَّ فى الموضِع الذى عَرَضَ له ذلك فيه، ولا هدىَ عليه، وعليه القضاءُ . التمهيد قال أبو عمرَ : من حُجّةٍ من أَوْجَبَ القضاءَ على المُحصَرِ بعدوّ ما أُخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال : حدَّثْنَا التُّفَيْلُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن عمرٍو ابنِ ميمونٍ، قال: سمِعتُ أبا حاضرِ الحميرىَّ(١) يُحَدِّثُ أبى(٢) ميمونَ بنَ مِهرانَ ، قال: خرَجتُ معتَمِرًا عامَ حاصَر أهلُ الشامِ ابنَ الزبيرِ بمكّةً ، وبعث معى رجالٌ من قَومِى بهَدْي ، فلمَّا انتهَيتُ إلى أهلِ الشامِ ، منَعونا أن نَدخُلَ الحرمَ، فتَحَرْتُ الهَدىَ مَكانِى، ثم حَلَلْتُ، ثم رجَعْتُ، فلمَّا كان من العامِ المقبلِ، خَرَجتُ لأقضىَ عمرتِى، فأتيتُ ابنَ عباسٍ فسَألْتُه، فقال: أَبدِلِ الهدىَ، فإنَّ رسولَ اللهِ وَّلَهُ أَمَر أصحابَه أن يُيدلُوا الهدىَ الذى نحَروا عامَ الحديبية فى عمرةٍ (٣) القضاءِ(١) . وأمّا الحُجَّةُ لأبى ثورٍ ومَن ذهَب مذهبَه فى المُحصَرِ بمرضٍ، يَحِلُّ فی موضعِه، ولا هدىَ عليه، وعليه القضاءُ، فما حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُّ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، القبس (١) فى ن: ((الحميدى)). وينظر التاريخ الكبير ٢١٧/٦، وتهذيب الكمال ٣٤٩/١٩. (٢) فى النسخ: ((أن)). والمثبت من مصدرى التخريج. (٣) أبو داود (١٨٦٤). وأخرجه الحاكم ١/ ٤٨٥، ٤٨٦ من طريق النفيلى به . ٥٢٨ الموطأ قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ ، قالا جميعًا: حدَّثْنا التمهيد مُسَدَّدٌ ، قال : حدّثنا یحتی ، عن حجاج الصّوافِ، قال : حدَّثنی یحتی بنُ أبی كثيرٍ، عن عكرمةً، قال: سمِعتُ الحجاجَ بنَ عمرٍو الأنصارىَّ، قال: قال رسولُ اللهِ مَله: ((مَن كُبِرَ أو عَرِج فقَد حَلَّ، وعليه الحَجُّ من قابلٍ)). قال عكرمةُ : فسألتُ ابنَ عباسٍ وأبا هريرةَ، فقالا: صدَق(١). وأخبرنا أحمدُ بنُّ محمدٍ ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ جريٍ، قال: حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم ، عن الحَجَّاجِ بنِ أبى عثمانَ، قال: حدَّثنى يحيى بنُ أبى كثيرٍ ، قال : حدَّثنى عكرمةُ، قال: حدَّثنى الحجّاجُ بنُ عمرٍو، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لّ يقولُ: ((مَن كُسِرَ أَو عَرِجَ فقَد حلَّ، وعليه حَجَّةٌ أخرى)) . فحدَّثتُ به ابنَ عباسٍ وأبا هريرةَ، فقالا : صدَق(٢). هكذا رواه الحبّاجُ بنُ أبى عثمانَ الصوافُ، ورواه معاويةُ بنُ سلَّام، ومعمرٌ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن عكرمةَ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ رافعٍ مولَى أُمِّ سلمةً: أنا سألتُ الحَّاجَ بنَ عمرٍو عمَّن محُبِس وهو مُحرٌ، فقال: قال القبس (١) أبو داود (١٨٦٢)، وسقط من إسناده ذكر عكرمة، وهو على الصواب فى تحفة الأشراف ١٦/٣ (٣٢٩٤)، وأخرجه الطبرانى (٣٢١٢) من طريق مسدد به، وأخرجه أحمد ٥٠٨/٢٤، ٥٠٩ (١٥٧٣١)، والنسائى (٢٨٦١)، وابن ماجه (٣٠٧٧) من طريق يحيى بن سعيد القطان به ، وأخرجه الترمذى (٩٤٠)، والنسائى (٢٨٦٠) من طريق حجاج الصواف به . (٢) ابن جرير ٣/ ٣٧٥. وأخرجه أحمد ٥٠٨/٢٤، ٥٠٩ (١٥٧٣١)، وابن ماجه (٣٠٧٧) من طريق إسماعيل بن إبراهيم به . ٥٢٩ ( موسوعة شروح الموطأ ٣٤/١٠) الموطأ ٩٠ التمهيد رسولُ اللَّهِ وَالهِ. فذكَر الحدیثَ مثله سواءً. قال: فحدَّثتُ بذلك ابنَ عباسٍ وأبا هريرةَ، فقالا : صدَق(١). ورواه عبدُ الرزّاقِ ، عن معمر ، عن یحتی بن أبی کثیرٍ، عن عكرمةً ، عن عبدِ اللهِ بنِ رافعٍ ()، عن الحجّاجِ بنِ عمرو، عن النبيِّ وَ ◌ِّ مثلَه، بمعناه إلى آخرِهِ، من قولِ ابنِ عباسٍ وأبى هريرةَ : صدَق(٣). فهذه حَّةُ أبى ثورٍ ، ومَن ذهَب مذهبه فى أنَّ المحرِمَ إذا حبسه المرضُ والكسرُ عن البيتِ حَلَّ ولا شىءَ عليه من هدي ولا غيرِه إلى القضاءِ فى العامِ المقبل . ومن الحَّةِ عليه لسائرِ العلماءِ الذين أوجبُوا عليه الهَدىَ ، ولم يُچِیزوا له أن یچلَّ ویحلِقَ حتی ینحَزَ الھدی ، القیاسُ علی حصر العدوِّ؛ لأنَّہ کلَّ مَنے عن الوصولِ إلى البيتِ، لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ وَلَا تَخْلِّقُواْ رُهُوَسَكُمٍ حَتَّ بَلُغَ اَلْهَدْىُ ◌َحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فلمَّا أمَر اللهُ المحصَّرَ بألَّ يَحلِقَ رأْسَه حتى يبلُغَ الهدىُّ محِلَّه عُلِمَ بذلك أنَّه لا يَحِلُّ المحصَّرُ من إحرامِهِ إلَّا إذا حَلَّ له حلقُ رأسِه، ولا يَحِلُّ له ذلك حتى يَنحرَ الهدىَ، واستدلوا بفعلٍ رسولِ اللهِ پټ يومَ الحدثَةِ ؛ أنَّه لم يحلق رأسه حتی نحَر ، ولم القبس (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٤٩/٢، وفى شرح المشكل (٦١٧) من طريق معاوية بن سلام به . (٢) فى م: ((نافع)). (٣) أخرجه أبو داود (١٨٦٣)، والترمذى عقب الحديث (٩٤٠)، وابن ماجه (٣٠٧٨) من طريق عبد الرزاق به . ٥٣٠ الموطأ التمهيد يَحِلَّ حتى نحَر الهدىَ . أخبرنا خَلَفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ بنِ الوردِ ، قال : حدّثنا یحتی بنُ أُّوبَ بنِ بادِی، قال : حدثنا یحتی بنُ عبدِ اللهِ بنِ بُکیرٍ ، قال : حدَّثنى مَيمُونُ بنُ يحتَى ، عن مخزمةً بنِ بُكيرٍ، عن أبيه، قال: سمِعتُ نافعًا مولَى ابنِ عمرَ يقولُ: إذا عرَض للمُحرِمِ عدوٌّ فإنَّه يَحِلُّ حينئذٍ ، وقد فعل ذلك رسولُ اللهِ وَّةِ؛ حِبَسه كُفَّارُ قريشٍ فى عمرَةٍ عن البيتِ ، فنحر هدیَه وحلَق ، وحَلَّ هو وأصحابُه، ثم رجَعوا حتى اعتَمروا من العامِ المقبلِ (١). قالوا: ومعنَى قولِ رسولِ اللهِ وَ له فى حديثِ الحجّاجِ بنِ عمرو: ((مَن كُسِرَ أو عَرِجَ فقد حلَّ)). أى: فقد حلَّ له أن يَحِلَّ بما يَحِلُّ به المُخْصَرُ من النحرِ أو الذبح، لا أنَّه قد حلَّ بذلك من إحرامِه . قالوا: وإنَّما هذا مثلُ قولِهم : قد حلَّت فلانةُ للرجالِ . إذا انقضَتْ عِدَّتُها، والمعنَى فى ذلك أنَّها تَحِلُّ لهم بما يَجِبُ أَن تَحِلَّ به من الصَّداقِ وغيرِه من شروطِ النِّكاحِ . قال أبو عمرَ: لم يختلفِ العلماءُ فيمَن كُسِرَ أو عَرِجَ أَنَّه يَحِلُ، ولكن اختلفوا فيما به يَحِلُّ ؛ فقولُ مالكِ أَنَّه يَحِلُّ بالطوافِ بالبيتِ ، لا يُحِلُّه غيرُه. ومَن خالَف مالكًا فى ذلك من الكوفيين يقولُ : يَحِلُّ بالنِّةِ وفعلِ ما يَتَحَلَّلُ به. على ما وصَفنا عنهم، وأبو ثورٍ يقولُ بظاهرٍ حديثِ الحجّاجِ بنِ عمرٍو، على ما ذكّرنا عنه. ولم يقُلْ أحدٌ أَنَّه بنفسِ الكسرِ يكونُ حلالًا غيرُ القبس (١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٤٩/٢ من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير به. ٥٣١ الموطأ أبى ثورٍ ، وتابَعه داودُ وبعضُ أصحابِهِ . التمهيد قال أبو عمرَ : مَن زعم أنَّ على المُحصَرِ بعمرةٍ قضاءً عمرتِه التى صُدَّ فيها عن البيت، بعدگ کان حضژه أو بغیر عدوًّ، زعم أنَّ اعتمار رسولِ اللهِ لالله وأصحابِه فى العامِ المقبلِ من عامِ الحديثِيَّةِ إنَّما كان قضاءً لتلكَ العمرةِ ، قالوا: ولذلك ما قِيلَ لها: عمرةُ القضاءِ. واستدلُّوا بقولِهِ وَّهِ: (مَن كُسِرَ أُو عَرِجَ فقد حَلَّ، وعليه حجةٌ أُخرى، أو عمرةٌ أُخرَى)). ومَن زعَم أنَّ المُحصَرَ بعدُوِّ يَنْحَرُ هدیه ، وپحلق رأسه ، وقد حلَّ بفعله ذلك من كلِّ شىءٍ، ولا شىءً علیه-احتجّ بأنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ لم يقُلْ لأحدٍ منهم: عليكم قضاءُ هذه العمرة. ولا يُحفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه ، ولا قال فی العام المقبل : إِنَّ ◌ُمرتی هذه قضاءً عن العمرة التى مُصِرْتُ فيها. ولم يقُلْ(١) ذلك عنه أحدٌ. قالوا: والعمرةُ المُسمَّاةُ بعُمرةٍ القضاءِ، هى عمرةُ القضيةِ عندَنا . قالوا : وعمرةُ القضاءِ وعمرةُ القضيّةِ سواءٌ، وإنما قِيل ذلك لأنَّ رسولَ اللهِ وَه قاضَى قُريشًا وصالحَهم فى ذلك العامِ على الرجوعِ عن البيتِ، وقصدِه من قابلٍ إن شاء، فشُمِّيَتْ بذلك عمرةَ القَضِيَّةِ . قال أبو عمرَ: كلُّ ما ذكّرنا قد قِيلَ فيما وصَفْنا، وقد اختلف العلماء فى وجوبِ القضاءِ على المُحصَرِ بعدُوٌّ على حسَبٍ ما قدَّمنا فى هذا البابِ القبس (١) فى ن، م: ((ينقل)). (٢) فى م: ((عن)). ٥٣٢ الموطأ والجْتَلَبْنا، ومن جهةِ النظرِ إيجابُ القضاءِ إِيجابُ فرضٍ، والفروضُ لا تَجِبُ أن التمهيد تَثْبُتَ إلا بدليلٍ لا معارضَ له . وبالله التوفيقُ . أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا النُّغيلىُّ وقتيبةُ ، قالا: حدَّثنا داودُ بنُ عبدِ الرحمنِ العطارُ، عن عمرو بن دينارٍ ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ ، قال: اعتمر رسولُ اللهِ أربعَ عُمَرٍ ؛ عمرةُ الحديبيةِ ، والثانيةُ حيثُ تواطَئُوا على عمرةٍ قابلٍ ، والثالثةُ من الجِغْرانةِ، والرابعةُ التى قرَن مع حجَّتِه (١) . قال أبو عمرَ : ليس فى قولِه : حيثُ تواطَئوا على عمرةٍ قابلٍ . دليلٌ على أنَّها على جهةِ القضاءِ، وحسبك أنَّه قد جعَل عمرة الحديبية ، وهی التی ◌ُصِرَ عنها رسولُ اللهِ وِهِ، عمرةٌ من عُمَرِهِ، وقد أجمعوا على أن تلك عمرةٌ من عُمَرِهِ، وإنما اختلفوا فى العمرةِ الرابعةِ؛ فمَن زعم أنَّ رسولَ اللهِ وَليهِ كان مفرِدًا يقولُ: لم يعتَمِرْ رسولُ اللهِ نٍَّ إلَّا ثلاثَ عُمَرٍ ؛ عُمرةُ الحديبيةِ، والعمرةُ من قابلٍ، وعمرةُ الجِعْرانةِ . وهو مذهبُ مالكِ، وعروةَ بنِ الزبيرٍ، وجماعةٍ، وسنذ کرُ الآثارَ فى ذلك فى بابٍ هشامِ بنِ عروةً(٢)، وفى بابٍ بلاغٍ مالكٍ(٢) إن شاء اللهُ. .. القبس (١) أبو داود (١٩٩٣). وأخرجه الترمذى (٨١٦) عن قتيبة به، وأخرجه أحمد ٨٧/٤، ١١١/٥ (٢٢١١، ٢٩٥٤)، وابن ماجه (٣٠٠٣) من طريق داود بن عبد الرحمن به. وعندهم جميعًا عدا أبى داود بلفظ: (( والثانية عمرة القضاء ... )). (٢) تقدم ص ٢٧٠ - ٢٧٣ . (٣) تقدم ص ٢٦٧ - ٢٦٩. ٥٣٣ الموطأ ومَن زعَم أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّلِ تَمَنَّعَ فى حجّةٍ الوداع بالعمرة إلی الحجّ، أو قرَن التمهيد الحجّ مع العمرةٍ، زعَمْ أَنَّ عُمَرَه كانت أربعًا وَلِّ. وقد ذكرنا ما اعتلَّ به من جهةٍ الأثرِ مَن قال: إنه كان مُفرِدًا. وما اعتلَّ به مَن قال: إنَّه تمتَّعَ. ومَن قال: إنَّه قرَّن. كلَّ ذلك فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عروةً (١) من كتابِنا هذا . والحمدُ للهِ . واختلف الفقهاءُ فى المحصَرِ بعدوٍّ، أينَ ينحَرُ هديَه ؟ فقال مالكٌ : يَنْخَرُ هديَه حيثُ محُصِرَ فى الحرمِ وغيرِهِ . وبذلك قال الشافعىُّ . وقال أبو حنيفةً : لا يَنْحَرُّه إلَّا فى الحَرَمِ. وقد ذكّرنا هذه المسألةَ مُجَوَّدَةً فى بابٍ أبى الزُّبِيرِ (٢) . و كذلك اختلفوا فى ۇُجوپ الحلاقِ على المحصرِ، وسنذ گژ ذلك فى الباب الذى بعدَ هذا(٢) . وأمَّ قولُ ابنٍ عمرَ فى حديثِ هذا البابِ: ما أمرُهما إِلَّ واحدٌ، أَشهِدُكم أَنِّى قد أوجَبْتُ الحجّ مع العمرةِ . ففيه دليلٌ على أنَّ الحجّ ينعقِدُ بالنِّةِ، وأنَّ العبارةَ عن تلك النّئة تكونُ بالتلبية وبغير التَّلپیةِ . وقد تقدَّم هذا المعنى مجوّدًا فی حدیثِ نافعٍ ). والحمدُ للهِ . وفيه إدخالُ الحج على العمرة ، وذلك بيِّنٌ عنه فى الأحاديثِ المذكورة فى القبس (١) سيأتى فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ . (٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٥٩) من الموطأ . (٣) سيأتى فى شرح الحديث (٩٠٥) من الموطأ . (٤) تقدم ص ١٥٢ - ١٥٤. ٥٣٤ الموطأ التمهید هذا الباب ، من رواية مالك وغيره ، عن نافعٍ، عنه . ولا خلاف بين العلماءِ فی أن للمحرم بالعمرةِ إدخالَ الحجّ على العمرةِ ما لم يَتَدِئِّ الطوافَ بالبيتِ لعمرَتِهِ ، هذا إذا كان ذلك فى أشهُرِ الحجّ، على أنَّ جماعةً منهم، وهم أكثرُ أهلِ الحجازِ، يَسْتَحِبُّون أَلَّا يُدخِلَ المُحرِمُ الحَّ على العمرةِ حتى يفرغَ من عملها ، ويفصِلَ بينها وبينَ العمرةِ ، ولهذا استحبُّوا العمرةَ فى غيرِ أشهرِ الحجّ . وروَى مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال : افصِلُوا بِينَ حَّتِكم وعُمْرتِكم ، فإنَّ ذلك أتمُ لحجٌّ أحدِ كم ، وأتمُّ لعُمْرتِه ؛ أن یعتمِرَ فی غیرٍ أُشهر الحجّ(١). قال أبو عمرَ : هذا إفراطٌ من عمرَ رحِمه اللهُ فى استحبابِ الإفرادِ فی الحجّ، ولذلك قال هذا القولَ ، واللهُ أعلمُ ، لئلّاَ يتَمَتَّعَ أحدٌ بالعمرةِ إلى الحجّ، ولا يَجمعَ بينَهما، ويُفرِدُ كلَّ واحدٍ منهما ؛ فإنَّ ذلك أتمُ لهما عندَه ، ولا نعلَمُ أحدًا من أهلِ العلم کړه العمرةً فی اُشھرِ الحُ غیرَ عمر رضى اللهُ عنه، وقد ثبت أَنَّ النبىَّ وَّهِ لم تَكُنْ عُمَرُه كلُّها إلَّا فى شوالٍ، وقيلَ: فى ذى القَعْدَةِ. وهما جميعًا من أشهُرِ الحجّ، وستأْتِى الآثارُ فى عُمَرِهِ وَّهِ فِى بابِ هشامٍ بنِ عروةً(١) إن شاء الله . قال أبو عمرَ: العلماءُ مجمعون على أنَّه إذا أدخَل الحجّ على العمرَةِ فى القبس (١) تقدم فى الموطأ (٧٨٢). (٢) تقدم ص ٢٧٠ - ٢٧٣ . ٥٣٥ الموطأ التمهيد أشهرِ الحجّ، على ما وصَفْنا قبلَ الطَّوافِ بالبيتِ ، أَنَّه جائزٌ له ذلك ، ويكونُ قارِنًا بذلك(١) ، يلزَمُه ما يَلزَمُ الذى أَنشَأُ الحجّ والعمرةَ معًا. وقالت طائفةٌ من أصحاب مالكٍ : إنَّ له أن يُدخِلَ الحجّ على العُمرةِ، وإن كان قد طاف ، ما لم يركَعْ ركعتَى الطوافٍ. وقال بعضُهم: ذلك له بعدَ الطوافِ ما لم يُكْمِلِ السَّعىَ بينَ الصَّفا والمروةٍ(١) . وقال أشهبُ: من(٢) طافَ لعمرتِه ولو شوطًا واحدًا ، لم يكُنْ له إدخالُ الحجّ عليها. وهذا هو الصَّوابُ إن شاء اللهُ، فإن فعل وأدخَل الحُّ على العمرةِ بعدَ ذلك، فقد اختلفوا فيما يَلزَمُ من ذلك ؛ فقال مالكٌ: مَن أدخَل الحجّ على العمرةٍ بعدَ أن يَفتَتِحَ الطَّوافَ، لزِمه ذلك وصار قارِئًا . ورُوىَ مثلُ ذلك عن أبى حنيفةً، والمشهورُ عنه أَنَّه لا يَجُوزُ إلا قبلَ الأخذِ فى الطوافِ، على ما قدَّمْنا . وقال الشافعىُ : لا یکونُ قارنًا . وذكر أنَّ ذلك قولُ عطاءٍ ، وبه قال أبو ثور وغیرُه . واختلفوا فى إدخالِ العمرةِ على الحجّ ؛ فقال مالكٌ : يُضافُ الحج إلى العمرةِ ، ولا تُضافُ العمرةُ إلى الحجّ؛ فإن أهلَّ أحدٌ بالحَجّ ، ثم أضافَ العمرةَ إليه، فليستِ العُمرةُ بشىءٍ، ولا يلزَمُه شىءٌ. وهو أحدُ قولَي الشافعىِّ، وهو المشهورُ عنه ، قالَه بمصرَ ؛ قال: مَن أهلَّ بالحجّ ، لم يُدخِلِ العُمرةَ على الحجّ حتى يُكمِلَ عملَ الحجِّ، وهو آخرُ أيامِ التشريقِ إِن أقام إلى آخرِها ، وإن نفَر النفْرَ القبس (١) فى ن: ((ولذلك)). (٢) بعده فى م: ((وهذا كله شذوذ عند أهل العلم)). (٣) فى ق، ن: ((متى)). ٥٣٦ الموطأ ٢٠٠ التمهید الأوَّلَ، واعتمَر يومَئذٍ ، لزِمَتْه العُمرةُ ؛ لأَنَّه لم يبقَ عليه للحجُ عملٌ. قال : ولو أخَّرَه كان أحبَّ إلىّ. قال: ولو أهَلَّ بعُمْرةٍ من يوم النَّفْرِ الأُولِ، كان إهلالُه باطلًا؛ لأَنَّه معكوفٌ على عملٍ من الحجّ، ولا يخرجُ منه إلّا پا کمالِه والخروجِ منه . وقال ببغدادَ : إذا بدَأ فأهَلَّ بالحجُ ، فقد قال بعضُ أصحابِنا : لا يُدخِلُ العمرةَ على الحجّ. قال: والقياسُ أنَّ أحدَهما إذا جازَ أن يدخُلَ على الآخرِ، فهما سواءٌ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: مَن أهلَّ بحَجةٍ ، ثم أضافَ إلى الحجّ عُمرةً ، فهو قارنٌ، ويكونُ عليه ما على القارِنِ . قالوا: ولو طاف لحَجَّتِه شوطًا ، ثم أهلَّ بعمرةٍ ، لم يكُنْ قارنًا (١)؛ لأنَّه قد عمِل فى الحَجِّ . قالوا: فإن كان إهلالُه بعمرةٍ ، فطافَ لها شوطًا، ثم أهلَّ بحَّةٍ لَزِمَتْه، وكان قارنًا إِذا طافَ العُمرِه فى أشهرِ الحجّ . قالوا : والفرقُ بينَهما أنَّ الحجَّ يَدخُلُ على العمرةِ ، ولا تدخُلُ العمرةُ على الحجّ. قالوا: وإن أهلَّ بعمرةٍ وقد طافَ للحجّ ؛ فإنَّه يَرفُضُها(١) ، وعليه لرفضِها دمٌ وعمرةٌ مكانَها. وقال الأوزاعىُّ: لا بأسَ أن يُضِيفَ العمرةَ إلى الحجّ بعدَما يُهِلُّ بالحجِّ. وقال أبو ثورٍ : إذا أحرَم بحجّةٍ ، فليس له أن يُضِيفَ إليها عمرةً، ولا يُدخِلُ إِحرامًا على إحرامٍ، كما لا يُدخِلُ صلاةً على صلاةٍ . قال أبو عمرَ: قولُ أبى ثورٍ: لا يُدخِلُ إِحرامًا على إحرامٍ، كما لا يُدخِلُ صلاةً على صلاةٍ . يَنْفِى دخولَ الحجّ على العمرةِ ، وهذا شُذوذٌ ، وفِعلُ ابنِ عمرٌ القبس (١) بعده فى م: ((ولم يلزمه)). (٢) رفَض: ترك. المصباح المنير (رف ض). ٥٣٧ الموطأ التمهيد فی إدخاله الحج على العمرة ، ومعه على ذلك جمهور العلماءِ ، خيرٌ من قولِ أبی ثورٍ الذى لا أصلَ له إلَّ القياسُ الفاسدُ فى هذا الموضِعِ. واللهُ المستعانُ. ومن هذا البابِ اختلافُهم فيمَن أهلَّ بحجّتين أو بعمرتين، أو أدخَل حَجَّةً على حَجةٍ ، أو عمرةً على عمرةٍ ؛ فقال مالكٌ: الإحرامُ بحجّتين أو عُمرتين لا يجوزُ، ولا يلزَمُه إِلَّ واحدةٌ. وبذلك قال الشافعىُّ ومحمدُ بنُّ الحسنِ ؛ قال الشافعُ: و کذلك لو أحرم بحجّ ، ثم أدخل علیه حًُّا آخر قبلَ أن يُکمِلَ ، فهو مُهِلِّ بحجّ واحدٍ ، ولا شيء عليه فى الثانى من فديةٍ ، ولا قضاءٍ، ولا غيرِه . وقال أبو حنيفةً : تَلزَمُه الحجّتانِ ، ويَصيرُ رافضًا لإحداهما حین یتوجّهُ إلى مكَّةً . وقال أبو يوسف : تلزمُه الحجّتان ، ویصیرُ رافضًا ساعتئذٍ . وذكَر الجُوزْ جانُ (١)، عن محمدٍ ، قال: وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ: مَن أهلَّ بحجّتين معًا، أو أكثرَ، فإنَّه إذا تَوجّهَ إلى مكّةً وأخَذ فى العملِ، فهو رافضّ لها كلِّها إلّ واحدةً، وعليه لكلِّ حجّةٍ رفَضها دمٌ وحبَّةٌ وعمرةٌ . وأمَّا قولُه فى حديثِ ابنِ عمرَ: ثم نفَذ حتى جاءَ البيتَ ، فطافَ به طوافًا واحدًا ، ورأى أنَّ ذلك مُجْزِئٌ عنه، وأهدَى. ففيه حجّةٌ لمالكٍ فى قولِهِ أَنَّ القبس (١) فى م: ((الجوزانى)). ٥٣٨ الموطأ طوافَ الدخولِ إذا وُصِلَ بالسَّغْيِ يُجْزِئُ عن طوافِ الإفاضةِ لمَن ترَكه جاهلاً، التمهيد أو نَسِيَه، ولم يذكُرْه حتى رجَع إلى بلدِهِ، وعليه الهدىُ. ولا أعلمُ أحدًا قالَه غيرَه وغيرَ أصحابِه . واللهُ أعلمُ . وفى رواية موسى بن عقبةً وعبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، فی حدیثِ هذا البابِ عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قولُه: ما أمرُهما إلَّ واحدٌ. وانطلَق يُهِلَّ بهما جميعًا حتى قدم مكَّةَ، فطاف بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ ، ولم يزِدْ على ذلك ، ولم يَحلِقْ، ولم يُقَصِّرْ، ولم يَحِلَّ حتى كان يومُ النحرِ ، فنحَر وحلَق ، ورأى أن قد قَضَنی طوافَ الحجّ والعمرةِ بطوافِه ذلك الأوَّلِ. فهذا يُبَيِّنُ لك أنَّ الطوافَ فى الحجّ واحدٌ ، واجبٌ للقارنِ وغيرِهِ ، وأَنَّ مَن اقتصَر عليه لم يُشْقِطْ فرضًا، ولمَّا أجمَعوا أُنَّ مَن لم يَطُفْ للدخول، وطاف للإفاضةِ وسعى ، أنّه يُجِئُه الدم، كان بذلك مع فعلِ ابنِ عمرَ هذا معلومًا أنَّ فرضَ الحجّ طوافٌ واحدٌ ، ويُعتبرُ هذا بالمَكِّئَّ ؛ أنَّه ليس عليه إلَّ طوافٌ واحدٌ، وينوبُ أيضًا عندَ مالكٍ وأصحابِه فى الحجّ الطوافُ التطويعُ عن الواجبٍ ؛ لأَنَّه عملٌ بعملٍ(١) فى زمنٍ واحدٍ ، وأمّا سائرُ الفقهاءِ، فطوافُ الإفاضةِ يومَ النحرِ واجبٌ عندَهم فرضًا ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَّهُمْ وَلْيُوفُواْ تُذُورَهُمْ وَلْيَّوَّفُواْ يِاَلْبَيْتِ القبس (١) فى ن، م: ((يعمل)). ٥٣٩ الموطأ التمهيد الْعَنِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. فلم يُوجبِ الطَّوافَ إلّا بعدَ قضاءِ التَفَثِ، وذلك إِنَّما يَتُِّ برَمي جمرة العقبةِ. وقد قال فى الشعائرِ: ﴿ثُمَّ مَجِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. [الحج: ٣٣]. فجعَله بعدَها . قالوا: وأمَّا طوافُ الدخولِ، فسُنَّةٌ ساقطةٌ عن المكىّ والمُراهقٍ، كسقوطِ طوافٍ الوداعِ عنِ الحائضِ. وفى هذا الحديثِ أيضًا حُجَّةٌ لمالكٍ ومَن قال بقوله فى القارنِ ؛ أنَّه يُجزِتُه طوافٌ واحدٌ لحجّه وعمرتِه. وهذا موضعّ اختلف فيه العلماءُ قديمًا وحديثًا، وقد ذكرناه فى بابٍ ابنِ شهابٍ، عن عروةً (١) ، ونعيدُ منه ههُنا طرَفًا كافيًا بعَونِ اللهِ . قال مالك: مَن أهلَّ بحجّةٍ وعمرةٍ ، أو أدخل الحجّ على العمرة ، طافَ لهما طوافًا واحدًا بالبيتٍ ، وسعى لهما بينَ الصَّفا والمروةِ سعيًا واحدًا. وهو قولُ الشافعىِّ، وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ . والحجّةُ لمَن ذهَب هذا المذهبَ حديثُ مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةً، عن عائشةً . الحديثَ. قالت: وأمَّا الذين أهلُّوا بالحجُّ، أو جمعوا الحجّ والعمرةَ، فإنَّما طاقُوا طوافًا واحدًا (١) . وقد ذكّرنا هذا الخبرَ فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عروةَ . والحمدُ للهِ . وما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ القبس (١) سيأتى فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ . ٥٤٠