Indexed OCR Text
Pages 401-420
الموطأ
عبدَ اللهِ بنَ أبى عمارٍ أخبرَه ، أنه أقبَل مع معاذٍ بنٍ جبلٍ وكعبِ الأحبارِ فى ناسٍ الاستذكار
مُحرمين، وأن كعبًا أخَذ جرادتَين ونسِى إحرامَه، ثم ذكّر إحرامَه فَأَلْقاهما ،
فدخلوا على عمرَ بنِ الخطابِ ، فقصَّ عليه كعبّ قصةَ الجرادتَين ، فقال عمر:
ومَن بذلك؟ لعلك يا كعبُ؟ قال: نعم. قال (١): إن حمیرَ تحبُّ الجرادَ . قال :
ما جعَلتَ فى نفسِك؟ قال : درهمَين. فقال عمرُ: بَخ ، درهمان خيرٌ مِن مائةٍ
جرادةٍ، اجعَلْ ما جعَلتَ فى نفسِك(٢).
قال أبو عمر : لا یصِث فی الجرادِ أنه مِن صیدِ البحرِ لا عن ابنِ عباسٍ ، ولا
عمَّن يجبُ بقولِه حجةٌ، ولم يعرّج العلماءُ ولا جماعةُ الفقهاءِ على ذلك .
ذكرَ الساجىُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبانٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، قال:
قال ابنُ جریج، عن عطاءٍ : قلتُ لابنِ عباس : ما تقولُ فی صیدِ الجرادِ فی
الحرمِ ؟ قال: لا يصِحُ. قلتُ: إن قومَك واللهِ يأخُذونه. قال: إنهم واللهِ
لا يعلّمون(٣) .
قال الساجئُّ: وحدَّثنا أحمدُ بنُ أبانٍ، قال: حدَّثنی سفيانُ، عن ابنِ
جریج ، عن بکیرٍ ، عن القاسم ، قال : سُئل ابنُ عباسٍ عن رجلٍ أصاب جراداتٍ
القبس
(١) أى عمر ، كما فى مسند الشافعى .
(٢) أخرجه البيهقى ٢٠٦/٥ من طريق الربيع به. وهو فى الأم ١٩٥/٢، ١٩٦، ومسند الشافعى
(٨٤٨) .
(٣) أخرجه الشافعى ١٩٨/٢، وعبد الرزاق (٨٢٤٣)، والبيهقى ٢٠٧/٥ من طريق ابن جريج به .
٤٠١
( موسوعة شروح الموطأ ٢٦/١٠ )
قال يحيى : وسُئِلَ مالكٌ عما يوجَدُ مِن لُحُوم الصيدِ على الطريقِ :
الموطأ
هل يَبْتَاعُه المُخْرِمُ ؟ فقال : أما ما كان مِن ذلك يُعتَرَضُ به الحامُ ، ومِن
أُجْلِهم صِيدَ ، فإنى أكرَهُه وأنهى عنه، فأما أن يكونَ عند رجلٍ لم يُرِدْ به
المحرمِین، فوجَدہ مُخْرِمٌ، فابتاعَه، فلا بأسَ به .
الاستذكار وهو محرمٌ، قال: فيهن قَبْضُ قَبَضاتٍ مِن طعام، وإِنِّى لآخُذُ بقَبضةٍ جراداتٍ (١).
وهو قولُ عطاءٍ والجماعةِ مِن العلماءِ. واختلَفوا فيما يجبُ على المحرمِ فى
الجرادةِ إذا قتَلها ، وسيأتى ذكرُ ذلك فى بابِهِ مِن هذا الكتابِ إن شاء اللهُ . وقال
ابنُّ وهب عنه : فى الجرادةِ قَبْضةٌ ، وفى الجراداتِ أيضًا قَبْضةٌ .
قال أبو عمرَ: كأنه يقولُ : ما دونَ قبضةٍ مِن الطعامِ فلا قدرَ له .
وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ : تمرةٌ خيرٌ مِن جرادةٍ . ورُوِى ذلك
عن عمرَ وابنٍ عباسٍ() .
وفى هذا البابِ ، سُئل مالكٌ عما يوجدُ مِن لحومِ الصيدِ على الطريقِ ، هل
يبتاعُه المحرمُ ؟ فقال: أما ما كان مِن ذلك يُعترضُ به الحاج ، ومِن أجلهم
صِيد، فإنى أكرَهُه وأنهَى عنه، وأما أن يكونَ عندَ رجلٍ لم يُرِدْ به المُحرمِين،
فوجده محرمٌ فابتاعه ، فلا بأسَ به .
القبس
(١) أخرجه الشافعى ١٩٨/٢، وعبد الرزاق (٨٢٤٤)، والبيهقى ٢٠٦/٥ من طريق ابن جريج به
نحوه .
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٢٤٦، ٨٢٥٠، ٨٢٥١).
٤٠٢
قال مالكٌ ، فيمن أحرَم وعنده صيدٌ قد صاده أو ابتاعه : فليس عليه الموطأ
أَن يرسِلَه، ولا بأسَ أن يجْعَلَه عندَ أهلِه .
الاستذکار
قال أبو عمرَ: وقد مضَى ما للعلماءِ فى معنى ما صِيد مِن أجلِ المحرم
مُجملًا، ونزيدُه هنا بيانًا بأقوالهم حتى يتبيَّنَ لك مذاهبهم فى ذلك إن شاء
اللهُ. فمِن ذلك قولُ مالكِ هنا: أما ما كان مِن ذلك يُعترَضُ به الحائجُ ومِن
أجلِهم صِيد، فإنى أكرَهُه وأنهَى عنه . إلى آخرِ قولِه، ولم يَخْتلِفْ قولُه فى
المحرمِ يأكُلُ مِن صيدٍ يعلَمُ أنه قد اصطِيد مِن أجلِه، أن عليه جزاءً ذلك
الصيدِ. وقال أشهبُ: سألتُ مالكًا عما صِيد لرجلٍ بعينه مِن المُحرمِين،
فقال: لا أحبُّ لأحدٍ مِن المُحرمِين ولا مِن المُحلِّين أكلَه. قال: وما صِيد
مِن أجلٍ محرمٍ، أو ذُبِح مِن أجلِهِ مِن الصيدِ، فلا يحِلَّ لمحرم ولا لحلال
أكلُه. قال: وسُئل عما صِيد للمُحرمِين، فقال: ما صِيد قبلَ إحرامِهم فلا
بأسَ به ، وما صِيد بعدَ إحرامِهم فلا يأكُلوه. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه : لا
بأسَ على المحرمِ أن يأكُلَ مِن لحم الصيدِ (١صاده(٢) الحلالُ، وسواءٌ صِيد
من أجلِه، أو من غيرِ أجلِه. وقال الثورىُّ: أحبُّ إلىَّ ألَّا يَأْكُلَ المحرمُ شيئًا
صاده الحلالُ. وقال الشافعىُّ: لحمُ الصيدِ حلالٌ للمحرم ما لم يَصِدْه أو
◌ُصَدْ له. وبه قال أبو ثورٍ .
وفى هذا البابٍ ، قال مالكٌ فيمَن أحرَم وعندَه صيدٌ قد صادَه أو ابتاعَه :
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل: ((مادبه)). والمثبت يقتضيه السياق.
٤٠٣
الموطأ
الاستذكار فليس عليه أن يرسِلَه، ولا بأسَ أن يجعَلَه عندَ أهله .
هكذا هذه المسألةُ فى ((الموطأً)) عندَ يحيى وطائفةٍ مِن رواةٍ ((الموطأُ ))،
وزاد فيها ابنُّ وهبٍ وطائفةٌ عنه أيضًا فى ((الموطأُ)): قال مالكٌ: مَن أحرَم وعندَه
شیءٌ مِن الصیدِ قد استأنس ودجن ، فليس عليه أن يرسلَه، ولا شىءَ علیه إن
ترَكه فى أهلِه. قال ابنُ وهبٍ: وسألتُ مالكًا عن الحلالِ يصيدُ الصيدَ أو
يَشْتريه، ثم يُحرمُ وهو معه فى قفصٍ ؛ فقال مالك: يرسلُه بعدَ أن يُحرمَ ، ولا
يُمسِكُه بعد إحرامه .
وقال الأوزاعىُ، وأبو حنيفةً وأصحابُه : إذا أحرم وفى يده أو معه شىءٌ مِن
الصیدِ فعلیہ إرسالُه. قالوا : ولو کان الصیدُ فی بیتِه لم یکنْ علیه إرسالُه کائٌ ما
كان . وقال الشافعىُّ: ليس على مَن ملَك صيدًا قبلَ الإحرامِ ثم أحرم وهو فى يدِه
أن يرسلَه. وبه قال أبو ثورٍ ؛ لأنه فى حكم ما دجَن مِن الصيدِ . والحجةُ لكلِّ
واحدٍ مِن هؤلاء بَيْنَةً(١) لما قدَّمنا مِن الأُصولِ. فتحصيلُ قولِ مالكٍ: إن(٢) كان
عنده الصيدُ فی حین إحرامه أرسله مِن يده، وإن كان لأهله فلا شيء عليه . وهو
قولُ أبى حنيفةً وأصحابِهِ، وبه قال أحمدُ بنُّ حنبلٍ. وقال ابنُ أبي ليلى،
والثورىُّ، والحسنُ بنُ صالح: سواء كان فی یده أو فی بیتِه علیه أن يرسلَه ، فإن
لم يفعَلْ ضمِن. وهو أحدُ قولَّى الشافعىِّ. وللشافعيّ قولٌ آخرُ، أنه لا يرسلُه كان
فى يدِه أو فى أهلِه . وبه قال أبو ثورٍ . وهو قولُ مجاهدٍ وعبدِ اللهِ بنِ الحارثِ.
القبس
(١) فى م: ((بينت)).
(٢) فى الأصل، م: ((أنه)). والمثبت من شرح الزرقانى ٣٧٥/٢ .
٤٠٤
قال مالكٌ فى صيدِ الحيتانِ فى البحرِ والأنهارِ والبِرَكِ وما أشبه الموطأ
ذلك: إنه حلالٌ للمحرِمِ أن يَصْطَادَه.
وقال مالكٌ فى صيدِ الحيتانِ فى البحرِ والأنهارِ والبِرَكِ وما أشبهَ ذلكِ: إنه الاستذكار
حلالٌ للمحرم أن يصطاده .
قال أبو عمرَ: هذا ما لا خلافَ فيه؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ
اَلْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]. والبحرُ كلَّ ماءِ مجتمع من (١) مِلح أو عذبٍ ؛ قال ..
اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَيْغُ شَرَابُهُ، وَهَذَا
مِلْعُ أُجَابٌ﴾ [فاطر: ١٢]. فكلُّ ما كان الأغلبُ من عيشِه فى الماءِ فهو مِن صيدِ
البحرِ. ويأتى هذا البابُ فى كتابٍ الصيدِ(١) ، إن شاء اللهُ.
القبس
(١) فى الأصل، م: ((على)). والمثبت من شرح الزرقانى ٣٧٥/٢ .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٨٤) من الموطأ .
٤٠٥
الموطأ
ما لا يحلُّ للمحرمِ أكلُهُ مِن الصيدِ
٧٩٨ - حدَّثنى يحيى ، عن مالكِ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عبيدِ اللهِ
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، عن الصَّعْبِ بنِ
جَثَّامَةَ الليثىّ، أنه أهدى لرسولِ اللهِ وَ لَه حمارًا وَحْشِيًّا، وهو بالأبواءِ،
أو بوَدَّانَ، فَرَدَّه عليه رسولُ اللهِ وَّةِ. قال: فلما رأى رسولُ اللهِ وَلِّ ما
فى وجهى قال: ((إنا لم نَؤُدَّه عليك إلا أنَّا محُزْمٌ)).
التمهید
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةً بن مسعودٍ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، عن الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ، أَنَّ أَهْدَى لرسولِ اللهِ وَهِ حِمارَ
وَحْشٍ، وهو بالأبواءِ، أو بوَدَّانَ، فرَدَّه عليه رسولُ اللَّهِ وَةِ. قال: فلمَّا رَأَى
رسولُ اللَّهِ فِ لهما فى وَجْهِى قال: ((إِنَّا لم نَرِدَّه عليك إلَّ أَنَّا محُوْمٌ))(١).
هذا حديثٌ لم يُخْتَلَفْ فى إسنادِه على مالك ، ولا على ابن شهابٍ ، و کلُّ
مَن فى إِسْنادِه فقد سَمِعه بعضُهم مِن بعضٍ سَماعًا، كذلك فى الآثارِ (١) عن ابنِ
شِهابٍ ، قال: أخبرني عبيدُ اللَّهِ ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ ، قال : أخبرنى
الصَّعْبُ بنُ جَّامَةَ. وقد قُلْنا فى السَّنَدِ المعَنْعَنِ فى أوَّلِ كِتابِنا ما فيه كِفايَةٌ(١).
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٤١)، وبرواية يحيى بن بكير (٧/١٨ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١١٤٦). وأخرجه أحمد ٣٥٥/٢٦ (١٦٤٢٣) ، والبخارى
(٢٥٧٣،١٨٢٥)، ومسلم (٥٠/١١٩٣)، والنسائى (٢٨١٨) من طريق مالك به .
(٢) فى م: ((الإملاء)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٠٧/١ - ٣١٢ .
٤٠٦
الموطأ
التمهید
وممَّن روَاه عن ابنِ شهابٍ كما رواه مالكٌ؛ معمرٌ(١) ، وابنُ جريج ،
وعبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ ، وصالحُ بنُ کَیْسانَ ، وابنُ أخی ابن شهاب ،
واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ(٤)، ويُونُسُ بنُ يزيدَ( ٢)، ومحمدُ بنُ عمرو بن علقمةَ (٢)، كلُّهم
قالوا فيه : أُهْدَيْتُ لرسولِ اللهِ وَ لِّ حِمارَ وَخْشٍ. كما قال مالكٌ. وخالَفَهم ابنُ
عبينةً(٧)، ومحمدُ بنُ إِسحاقَ(٨)، فقالا فيه: أهدَى لرسولِ اللَّهِ وَلِ﴾ لحمَ حِمَارٍ
وَحْشٍ . وقال ابنُ جريجٍ فى حديثه : قلتُ لابنِ شهابٍ : الحِمارُ عَقِيرٌ؟ قال : لا
أدْرِى . فقد بَيَّن ابنُ جريج أنَّ ابنَ شهابٍ شَكَّ، فلم يَدْرِ هل كان عَقِيرًا أم لا؟ إلَّا
أَنَّ فى مسَاقٍ حديثِهِ: أَهْدَيْتُ لرسولِ اللهِ وَلِّ حمارَ وَخْشٍ فَرَدَّه علىَّ.
وروَى حمادُ بنُ زيدِ هذا الحديثَ ، عن صالح بنِ کَیْسانَ، عن عبيدِ اللهِ بن
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٥٧/٢٦ (١٦٤٢٧)، ومسلم (٥١/١١٩٣)، وابن خزيمة (٢٦٣٧) من طريق
معمر به .
(٢) أخرجه أحمد ٣٥٧/٢٦ (١٦٤٢٨)، وابن خزيمة (٢٦٣٧) من طريق ابن جريج به .
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٢٢٨/٢٧ (١٦٦٧٣)، والطبرانى (٧٤٣٩) من
طريق ابن أخى ابن شهاب به .
(٤) أخرجه مسلم (٥١/١١٩٣)، والترمذى (٨٤٩)، وابن ماجه (٣٠٩٠) من طريق الليث بن
سعد به .
(٥) أخرجه الرويانى (١٠٠٠) من طريق يونس به .
(٦) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٢٣٢/٢٧ (١٦٦٨٠)، وابن حبان (٤٧٨٧)،
والطيرانى (٧٤٣٦) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة به .
(٧) أخرجه الحميدى (٧٨٣)، وأحمد ٣٥١/٢٦ (١٦٤٢٢)، ومسلم (٥٢/١١٩٣)، والدارمى
(١٨٧٢) من طريق ابن عيينة به .
(٨) أخرجه الطبرانى (٧٤٤٢) من طريق ابن إسحاق به بلفظ : رجل حمار وحش .
٤٠٧
الموطأ
التمهيد
عبدِ اللهِ بن عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن الصَّغْبِ بنِ جَثَّامةً، أنَّ رسولَ اللّهِ لِهِ
أَقْبَل حتى إذا كان بقُدَيْدٍ أَهْدَى إليه بعضَ حمارٍ، فَرَدَّه عليه وقال: ((إِنَّا محُرُمٌ لا
تَأْكُلُ الصَّيْدَ)). هكذا قال حمادُ بنُّ زيدٍ ، عن صالح بنٍ كَيْسانَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ .
لم يَذْكُرِ ابنَ شهابٍ . وقال : بَعْضَ حِمَارٍ .
ذكّره إسماعيلُ القاضِى ، عن سليمانَ بنِ حربٍ ، عن حَمَّادِ بنِ زَيِّدٍ(١) .
وعندَ حَمَّادِ بنِ زیدٍ فى هذا أيضًا إِسنادٌ آخرُ، عن عمرو بن دينارٍ ، عن ابنِ
عباسٍ، عن الصَّغْبِ بنِ جَثَّمَةً، أنَّه أَتَّى النبىَّ ◌َهِ بِمارِ وَحْشٍ، فَرَدَّه عليه
وقال: ((إِنَّا محُرُمٌ لا نأْكُلُ الصَّيْدَ))(٢). هكذا قال فى هذا الإسنادِ: بحِمارٍ
وخشٍ .
ورَواه إبراهيمُ بنُ سعدٍ ، عن صالحِ بنِ کَیْسانَ ، عن ابنِ شِھابٍ(١)
كما قَدَّمْنا ذكرَه. وهو أولَى بالصَّوابِ عندَ أهلِ العِلْم. فهذا ما فى
حديث ابنٍ شهابٍ .
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ مِن حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ ، ومِقْسَمٍ ، وعطاءٍ ،
القبس
(١) أخرجه الدارمى (١٨٧٠)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٢٢٢/٢٧، ٢٢٩ (١٦٦٦٢،
١٦٦٦٧٥)، والنسائى (٢٨١٩) من طريق حماد بن زيد به بنحوه .
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٢٢٣/٢٧، ٢٣٠ (١٦٦٦٥، ١٦٦٧٦) من طريق
حماد بن زيد به .
(٣) أخرجه مسلم (٥١/١١٩٣)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٢٢٧/٢٧ (١٦٦٧١) من
طريق إبراهيم بن سعد به .
٤٠٨
الموطأ
وطاوسٍٍ، أَنَّ الصَّغْبَ بنَ جَتَّامَةَ أَهْدَى لرسولِ اللهِ وَلَهَ لَحْمَ حِمَارٍ وَحْشٍ. قال التمهيد
سعیدُ بنُ جبیرٍ فی حديثه : عجز حمارٍ وخشٍ، فرَدَّه يَقْطُُ دَمًّا . رواه شعبةُ ، عن
الحَكَمِ ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ (١) . وقال مِفْسَمٌ فى حديثه : رِجْلَ حِمارٍ وَخْشٍ.
رواه مشیم ، عن يزيد بنِ أبی زیادٍ ، عن مِقْسم. ذكره إسماعيلُ القاضى ، عن
إبراهيمَ الهَرَوِىِّ، عن هُشيم(١) . وقال عطاءٌ فى حديثه : أُهْدَى لهعَضُدَ صَيْدٍ فلم
يَقْبَلْه، وقال: ((إِنَّا حُرُمٌ)). رَوَاه حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن قيسٍ، عن عطاءٍ(). وقال
طاوسٌ فى حديثه: عُضْوًا. مِن لَحْم صَيْدٍ . حدَّثَ به إسماعيلُ ، عن علىِ بنِ
المدينىِّ ، عن يحيى بنٍ سعيدٍ ، عن ابن جريج ، عن الحَسَنِ بنِ مسلمٍ ، عن
طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ . إلّا أنَّ منهم مَن يجْعَلُه عن ابنِ عباسٍ، عن زيدِ بنِ أُرْقَمَ .
أخبرناه عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى ، حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ
محمدٍ الباهِليُ ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى إسرائيلَ ، حدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ
القاضى ، عن ابنٍ جريج ، قال : أخبرنى حسنُ بنُ مسلمٍ، عن طاوسٍ ، عن ابنِ
عباس، قال : قدِم زیدُ بنُ أزقَمَ ، فقال له ابنُ عباسٍ يَشتَذْ کژه : کیف أخبرتنى عن
لَحْمٍ أَهْدِىَ للنبيِّي وَ لَ حَرَامًا؟ قال: نعم، أُهْدَى له رجلٌ عُضْوًا مِن لَخْمٍ، فرَدَّه
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٨٤/٤، ٢٥٣/٥، ٢٨٢ (٢٦٣٠، ٣١٦٨، ٣٢١٨)، ومسلم (٥٤/١١٩٤)
من طريق شعبة به .
(٢) أخرجه أحمد ٣٥٣/٣ (١٨٥٦) عن هشيم به .
(٣) سيأتى تخريجه الصفحة التالية .
٤٠٩
الموطأ
التمهيـ
د عليه، وقال: ((إِنَّا لا تَأْكُلُه، إِنَّا مُحرِّمٌ))(١).
وكذلك رواه أبو عاصِمٍ ، عن ابن جريج بإسنَادِه هذا مثلَه(١).
ورواه حمادُ بنُّ سَلَمَةً، عن قَيْسٍ بنِ سَعْدٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ ، أنَّه
قال لزيدِ بنِ أَرْقَمَ: أَمَا عَلِمْتَ أنَّ رسولَ اللَّهِ فِلهِ أَهْدِىَ له عُضْوٌ مِن صَيْدٍ وهو
مُخرِمٌ فلم يقبله ؟ قال : بلى(٢) .
قال إسماعيلُ : سمِعتُ سليمانَ بنَ حربٍ يَتَأوَّلُ هذا الحديثَ على أنَّه صِيدَ
مِن أجلِ النبيِّ وَّهِ، ولولا ذلك كان أكْلُه جائزًا. قال سليمانُ: وممَّا يَدُلُّ على
أَنَّه صِيد مِن أجْلِه ، قولُهم فى الحديثِ: فَدَّه يَقْطُرُ دَمًا . كأنه صِيدَ فى ذلك
الوَقْتِ . قال إسماعيلُ : وإنَّما تأوَّلَ سليمانُ بنُ حربٍ الحديثَ الذى فيه ، أنَّه
أُهْدِىَ إِلى رسولِ اللهِ وَلّه لَحْمُ حِمَارٍ. وهو مَوْضِعٌ يحتاجُ إلى التأويلِ، وأَمّا
روايَّةُ مالِكِ أنَّ الذى أُهْدِىَ إليه حمارُ وَخْشٍ. فلا يَحْتَاجُ إلى تَأْوِيلٍ؛ لأنَّ المحرِمَ
لا يجوزُ له أن يُمْسِكَ صَيْدًا حَيًّا ولا يُذَكِّيَه، وإنَّما يَحتاجُ إلى التَّأْوِيلِ قولُ مَن
القبس
(١) أخرجه مسلم (١١٩٥)، والنسائى (٢٨٢١)، وابن خزيمة (٢٦٣٩، ٢٦٤٠) من طريق ابن
جریج به .
(٢) أخرجه النسائى (٢٨٢١)، والطيرانى (٤٩٦٤) من طريق أبى عاصم به .
(٣) أخرجه أحمد ٤٩/٣٢، ٦٣ (١٩٣١١،١٩٢٩٤)، وعبد بن حميد (٢٦٩ - منتخب ) ،
وأبو داود (١٨٥٠)، والنسائى (٢٨٢٠) من طريق حماد بن سلمة به ، وعندهم سوى أبى داود :
عضو صيد.
٤١٠
الموطأ
قال : إِنَّ الذى أُهْدِىَ هو بعضُ الحمارِ . قال إسماعيلُ: وعلى تَأْوِيلِ سليمانَ بنِ
حربٍ تكونُ الأحاديثُ كلُّها المرفوعةُ غيرَ مُخْتَلِفَةٍ .
التمهيد
قال أبو عمرَ : الأحاديثُ المرفوعةُ فى هذا البابِ ؛ منها حديثُ عُمَيْرِ بنِ
سلمةً فی قصة التهْزِئِ وحماره العَقِيرِ ، رواه مالِكٌ(١) ، عن يحيى بن سعيد ، عن
محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن عيسى بنِ طلحةً ، عن عُمَيْرٍ . ومنها حديثُ أبى قتادةَ ،
رُوِى مِنْ وُجُوهِ، ومِمَّن روَى قِصَّةً أبى قتادةَ؛ جابرٌ()، وأبو سعيدٍ(٢)، وسنذُر
حديثَ أبى قتادةَ، فى بابٍ (٢أبى النَّضْرِ سالم) مِن كتابنا هذا إن شاء اللَّهُ. ومنها .
حديثُ الصَّغْبِ بنِ جَثَّامةً المَذْكُورُ فى هذا البابِ مِن حديث ابن عباسٍ، على
تواتُرِ طُرُقِه واخْتِلافٍ ألفاظِهِ . ومنها حديثُ علىٍّ بنِ أبى طالِبٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ
وَ أَهْدِى إليه رجلُ حمارٍ وحشٍ، فأبى أن يأْكُلَهُ(٥) . وحديثُ المطلبِ، عن
جابرٍ يفسُّها(١) ؛ قولُه: ((صيدُ البَرّ لكم حَلَالٌ، ما لم تَصِيدُوه أو
٠
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٧٩٤) .
(٢) تقدم ص ٣٧٦ .
(٣) أخرجه البزار (١١٠١ - كشف)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٧٣/٢، وابن حبان
(٣٩٧٦) .
(٤ - ٤) فى ر: ((النضر بن أنس))، وفى م: ((النضر بن سالم)).
والحديث تقدم فى الموطأ (٧٩١) .
(٥) تقدم تخريجه ص ٣٨١ .
(٦) فى م: ((يفسره)).
٤١١
٦
:
الموطأ
التمهيد يُصَادَ(١) لكم))(٢).
وأجْمَع العلماءُ على أنَّه لا يجوزُ للمُخرِمِ قَبُولُ صَيْدِ ؤُهِب له، ولا يجوزُ له
شِراؤُه ولا اصْطِيادُه، ولا اسْتِحداثُ مِلْكِه بوَجْهٍ مِن الوُجوهِ، لا خِلافَ بينَ
علماءِ المسلمين فى ذلك؛ لعُمُومٍ قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّمَا
دُمْتُمْ حُمَا﴾ [المائدة: ٩٦]. ولحديثِ الصَّغْبِ بنِ جَثَّمَةً فى قِصَّةِ الحِمَارِ.
ولأَهْلِ العِلْمِ قولان فى المحرم يشْتَرِى الصَّيْدَ ؛ أحدُهما، أنَّ الشِّراءَ فاسِدٌ.
والثانى، صحيح ، وعليه أن يُرْسِلَه .
واخْتَلَف العلماءُ فيمن أحْرَم وفى يَدِه صيدٌ ، أو فى بَيْتِهِ عندَ أهْلِه ؛ فقال
مالكٌ: إن كان فى يَدِهِ ، فعليه إرسالُه، وإن كان فى أهلِه، فليس عليه أن يُرْسِلَه .
وهو قولُ أبى حنيفةً ، وأبی يُوسُفَ ، ومحمدٍ ، وأحمد بن حنبلٍ . وقال ابنُ أَبی
لیلی ، والثوریُّ ، والحسنُ بن صالح: سواءٌ کان فی بیته أو فی یَدِه ، علیه أن
يُوسِلَه ، فإن لم يُزسِلْه ، ضَمِن. وهو أحدُ قولي الشافعىِّ . وقال أبو ثورٍ ،
والشافعىُّ فى أحَدِ قَوْلَيْه : سواء كان فی یَدِه أو فی أهْلِه ، ليس عليه أن يُؤْسِلَه .
وعن مجاهدٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ الحَارِثِ، مثلُ ذلك(٢).
القبس
(١) قال السندى: قال السيوطى فى حاشية أبى داود: كذا فى النسخ، والجارى على قوانين العربية
((أو يصد)) لأنه معطوف على مجزوم، وذكر فى حاشية الكتاب نقلا عن الشيخ ولى الدين : هكذا
الرواية بالألف، وهى جائزة على لغة. قلت: والوجه نصب ((يصاد)) على أن ((أو)) بمعنى ((إلا أن))
فلا إشكال . سنن النسائي ٢٠٦/٥ . وينظر صحيح مسلم بشرح النووى ١٠٦/٨.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٨٢ ، وسيأتى ص ٤١٥ .
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع ) ص٤٠٤ .
٤١٢
الموطأ
واخْتَلَفوا أيضًا فيما صِيد للمحرمين، أو مِن أَجْلِهم؛ فقال مالكٌ: لا بَأْسَ أن التمهيد
یأکُلَ المحرمُ الصَّنْدَ إِذا لم يُصَدْله، ولا مِن أجله، فإن صِيدله، أو مِن أجلِه، لم
يَأْكُلْه، فإن أكّل مُخرِمٌ مِن صَيْدٍ صِيد مِن أَجْلِه، فَداه . وهو قولُ الأوزاعِّ،
والحسنِ بنِ حَىٍّ. قال مالكٌ: فأمَّ ما ذَبَحه المحرمُ فهو مَيْنَةٌ ، لا يَحِلَّ لمحرمٍ
ولا لحلال . وقد اختلف قولُه فیما صید لمحرم بعينه؛ کالأمیرٍ وشِئْهِه ، هل لغیرِ
ذلك الذى صِيدَ مِن أجلِه أن يَأْكُلَه (١ هو و١) سائِرُ مَن معه مِن المحرمين؟
والمشهورُ مِن مَذْهَبِهِ عندَ أصْحابِه أنَّ المحرمَ لا يَأْكُلُ ما صِيدَ لمحرمٍ مُعيَّنِ أو غيرِ
مُعَيَّنٍ، ولم يَأْخُذْ بقولِ عثمانَ لأصحابِه حين أَتِى بلَحْم صيدٍ وهو محرمٌ: كُلُوا،
فَلَسْتُم مثلى؛ لأنَّه صِيدَ مِن أجلى(١). وقال أبو حنيفةً: إذا ذَبَحه الحلالُ فلا بَأْسَ
بأكْلِه للمحرمِ وغيرِهِ ، وإِن ذَبَحه مُخْرِمٌ لم يَجُزْ لأحدٍ أُكْلُه . ورُوِى عن الثورىِّ
کراهةُ أکله إذا ذُبِح مِن أجلِ المحرمین. وژُوِی عنه إباحتُه . ورُوِى عنه أيضًا
إباحةُ ما ذبَحه المحرمُ للحلالِ . وللشافعيِّ فيه قَوْلَان؛ أحدُهما ، أنَّه لا يجوزُ
للمحرم أكْلُ ما صِيدَ مِن أَجْلِه، وعليه الجزاءُ إِن أكَلَه ، مثلُ قولِ مالِكِ . وقولٌ
آخَرُ، لا جَزاءَ عليه ، وما ذَبَحه المحرمُ لم يَجُزْ أْلُه لأُحَدٍ ، إلَّا لمن تَحِلُّ له
المَيْتَةُ. ورُوِى عن عليّ بن أبى طالبٍ ، وابنٍ عباسٍ ، وابنٍ عمرَ ، أَنَّه لا يجوزُ
للمحرمِ أكْلُ لَخمٍ صَيْدٍ على حالٍ مِن الأحوالِ، سَواءٌ صِيد مِن أَجْلِه أو لم يُصَدْ؛
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((من)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٧٩٩).
٤١٣
. الموطأ
التمهید
لهُمُومٍ قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَُِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمً﴾(١). وقال
ابنُ عباسٍ: هى مُّبْهَمَةٌ . وبهذا القولِ قال طاوسٌ ، وجابرُ بنُ زيدٍ أبو
الشَّعْثَاءِ . ورُوِىَ ذلك عن الثورىِّ. وبه قال إسحاقُ بنُ رَاهُويَه . وكان عمرُ بنُّ
الخطابٍ، وأبو هريرةَ، والزبيرُ بنُّ العوامِ ، ومجاهدٌ، وعطاءٌ، وسعیدُ بنُ جبیرٍ ،
يَرَوْن للمحرمِ أَكْلَ الصَّيْدِ على كلِّ حالٍ إذا اصْطاده الحَلالُ ، سَواءٌ صِید مِن
أجْلِه أو لم يُصَدْ(١) . وبه قال أبو حنيفةَ وأَصْحابُه؛ لظاهِرٍ قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَا
نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. فحَرَّم صَيْدَه وقَتْلَه على المحرمين دونَ ما صاد
غيرُهم . وذهَب مالكٌ، والشافعىُ، وأحمدُ بنُ حنبل ، وأبو ثورٍ ، إلى أنَّ ما صِيد
مِن أجلِ المحرم لم يَجُزْ أكْلُه، وما لم يُصَدْمِن أجلِه جاز له أكْلُه . ورُوِى هذا
القولُ عن عثمانَ بنِ عفانَ (٤) . وبه قال عطاءٌ فى رِوايَةٍ ، وإسحاقُ فى رِوايَةٍ . وقد
رُوِىَ عن عطاءٍ، وعن ابنِ عباسٍ أيضًا، أنَّهما قالا: ما ذُبح وأنت مُخْرِمٌ لم يَجُزُ(٥)
لك أكْلُه، وهو عليك(١) حَرامٌ، وما ذُبِح مِن الصَّيْدِ قبلَ أنْ تُحْرِمَ ، فلا شىءَ
(٧عليك فی أکْلِه» .
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٣٨٠.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٨٠ .
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٧٩ .
(٤) ينظر ما تقدم ص ٣٨١، وأثر عثمان سيأتى فى الموطأ (٧٩٩).
(٥) فى ر، م: ((يحل)).
(٦) فى الأصل: (( عنده)).
(٧ - ٧) فى ر: ((عليك))، وفى م: ((فى أكله)).
وينظر مصنف عبد الرزاق (٨٣٠٤)، وتفسير ابن جرير ٧٤٥/٨، ٧٤٦ .
٤١٤
الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: مَن أجاز أكلَ لَحْمِ الصيدِ للمحرمِ إذا اصْطاده الحلالُ ،
فحُجَّتُهم حديثُ البَهْزِىِّ، عن النبيِّ ◌َّ فى حمارِ الوَحْشِ العَقِيرِ، أَنَّه أمَر به أبا
بکړ فقسمه بینَ الرِّفاقِ ، مِن حديث مالك وغيره، وسیأتی ذِكْرُه فى بابٍ
يحيى بن سعيدٍ إن شاء اللهُ)، وحديثُ أبى قتَادةَ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((إنَّما
هى طُعْمَةٌ أَطِعَمَكموها اللَّهُ)). من حديثِ مالكِ وغيرِه (١) . وحُجّةٌ مَن لم يُجِزْه
حديثُ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ المذكورُ فى هذا البابِ ، مِن حدیثِ ابنِ عَبَّاسٍ .
وحُجَّةُ مالِكِ ، والشافعىِّ ، حديثُ المطُلِبِ ، عن جابرٍ .
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ ، قال: حدَّثْنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال :
حدّثنا أحمدُ بنُ شعیب ، قال : أخبرنا قُتِبُ بنُ سعیدٍ ، قال : حدثنا يعقوب ، عن
عمرٍو، عن المطَّلِبِ، عن جابرٍ قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ وَ لَه يقولُ: ((صيدُ البرّ
لکم خلالٌ ، ما لم تَصِیدُوه أو يُصادَ لكم))(٢).
وقد روَى عبدُ اللَّهِ بنُ إدريسَ الأودِىُّ الكوفىُ، وهو إمامٌ فى الحديثِ، ثِقَةٌ
جليلٌ، عن مالِكِ بهذا الإسْنادِ أحاديثَ فى نَسَقٍ واحِدٍ .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، حدَّثنا الحسنُ بنُ الخضرِ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
شعیبٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ، أُخبرنا ابنُ إدریس ، عن مالك ، عن الزهرىٌّ،
عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن ابنِ عباسٍ، عن الصعبِ بنِ ◌َّامَةَ ، أَنَّه سمِع
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٧٩٤) .
(٢) تقدم فى الموطأ (٧٩١).
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٨٢ .
٤١٥
الموطأ
٧٩٩ - وحدَّثنى عن مالك، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، عن عبدِ اللهِ
ابنٍ عامٍ بن ربيعةً ، قال: رأيتُ عثمانَ بنَ عفانَ بالعَرْج، وهو محرمٌ فى
يوم صائفٍ ، قد غَطّی وجھَه بقَطِفَةٍ أُزْمجوانٍ ، ثُم أُتی پِلَخمٍ صیدٍ ، فقال
لأصحابِه: كلُوا. فقالوا: أَوَلا تأكلُ أنت؟ فقال: إنى لست
کھیئتِكم ، إنما صِيد مِن أجلِى .
التمهید
رسولَ اللَّهِ مَ له يقولُ: ((لا حِمَى إلَّا للَّهِ ولرسوله)». وسُئل عن القومِ يُثُونَ
فيُصِيبُونَ الولْدَانَ، قال: ((هم منهم)). وأَهْدِى إلى رسولِ اللَّهِ وَّهِ بالأبواءِ
چِمَارُ وحشٍ(١) فرَدَّه(٢) .
أُمَّا قِصَّةُ الحِمارِ بالأبواءِ، ففى ((الموطأُ))، وأمَّا حدِيثُ التَّبيتِ وقولُه: ((لَا
حِمَّى)). فصَحِيحٌ عن ابنٍ شهابٍ ، غريبٌ عن مالكِ.
الاستذ کار
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ ، عن ("عبدِ اللهِ) بن عامرِ بنِ ربيعةً، قال :
رأيتُ عثمانَ بنَ عفانَ بالعَرْجِ وهو محرمٌ فى يومٍ صائفٍ ، قد غطى وجهَه بقطيفةٍ
أُربجوانٍ ، ثم أُتِى بلحم صيدٍ ، فقال لأصحابِهِ: كلُوا. فقالوا : ولا تأكلُ أنت ؟
فقال : إنى لستُ كهيئتكم، إنما صِيد مِن أجلِى(4).
القبس
(١) ليس فى : الأصل ، م .
(٢) النسائى فى الكبرى (٥٧٧٥، ٨٦٢٤) دون قصة إهداء الحمار.
(٣ - ٣) فى م: ((عبد الرحمن)). وينظر تهذيب الكمال ١٤٠/١٥.
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤١٧)، وبرواية أبى مصعب (١١٤٧). وأخرجه الشافعى ٢٤١/٧،
والبيهقى ١٩١/٥ من طريق مالك به .
٤١٦
الموطأ
٨٠٠ - وحدثنى عن مالك، عن هشام بن عروةً، عن أبيه ، عن
عائشةَ أمُّ المؤمنين ، أنها قالت له : يا بنَ أختِى ، إنما هى عشْرُ ليالٍ،
فإن تَخَلَّج فى نفسِك شىءٌ، فدعْه. تَغْنى أكلَ لحمِ الصيدِ .
قال مالكٌ فى الرجلِ المُخْرمِ يُصادُ مِن أجلِه صيدٌ ، فيُصنعُ له ذلك
الصيدُ ، فيَأْكلُ منه، وهو يعلمُ أنه مِن أجلِه صِيد، فإن عليه جزاءَ ذلك
الصيدِ كلِّه.
ومالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً أمّ المؤمنين ، أنها قالت الاستذكار
له : یابن اختی ، إنما هی عشر لیالٍ ، فإن تخلَّج() فى نفسك شىءٌ فلغه . تعنی
أكلَ لحمِ الصيدِ() .
قال مالكٌ فى الرجلِ المحرم يُصطادُ من أجله صيدٌ ، فيُصنعُ له ذلك الصيدُ ،
فيأكُلُ منه وهو يعلمُ أنه مِن أجلِهِ صِيد، فإن عليه جزاءً ذلك الصيدِ كلِّه.
قال أبو عمرَ : أما حديثُ عثمانَ ففيه مِن الفقهِ ، أنه لا بأسَ على المحرمِ فى
اليومِ الشديدِ الحرّ أن يغطّىَ وجهَه، فإن الله تعالى غنىٌ عن تعذيبِ المؤمنِ
نفسَه . وقد تأوَّل قومٌ فى ذلك على عثمانَ ، أنه (١) كان مذهبه أن إحرامَ المحرمِ
فى رأسِه دونَ وجهِه . وقد ذهب إلى ذلك قوم، وقد تقدَّم ذكر هذه المسألةِ فى
القبس
(١) تخلج: أى تحرك فى نفسك شىء من الريبة والشك. النهاية ٦٠/٢.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١١٤٨). وأخرجه البيهقى ١٩٤/٥ من طريق مالك به .
(٣) بعده فى الأصل، م: ((قال)). والمثبت يقتضيه السياق.
٤١٧
٠
( موسوعة شروح الموطأ ٢٧/١٠)
الموطأ
الاستذكار بابِها مِن هذا الكتاب (١). وقد يحتمِلُ أن يكونَ عثمانُ قد اقتدى بفعله ذلك على
مذهبٍ ابنِ عمرَ: ما فوقَ الذَّقَنِ مِن الرأسِ فلا يُخِّرُه المحرمُ(١). ولكن الظاهرَ
مِن مذهبِه أن إحرامَ المحرمِ فى رأسِه دون وجهِه .
وفيه أن مَن وسَّع اللهُ عليه وسَّع على نفسِه فى الملبسِ وغيرِه ؛ فإن الله عزَّ
وجلَّ يحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده إذا أنعم بها عليه، وهذا ثابتُ المعنى عن
النبيِّ وَُّ(١) . وقد يحتمِلُ أن يكونَ لباسُه الأَرْبجوانَ لأنه صوفٌ، والأُرجوانُ:
الشديدُ الحمرةِ . قال أبو عبيدٍ: ولا يقالُ لغيرِ الحمرةِ أُرجوانٌ . وقد رُوِى عن
النبيِّ وَِّ أنه قال: ((لا نلبَسُ الأرْمجوانَ))(٤). وعن علىّ، أن رسولَ اللهِ وَل
نهاه عن لُبْسِه(٥) . وقد ذكرنا الأحاديثَ بذلك فى موضعِها مِن هذا الكتاب،
وذكَّرنا ما يعارضُها، واختلافَ العلماءِ فى معناها هناك، والحمدُ للهِ .
وأما قولُه لأصحابِه فى لحم الصيدِ : كلُوا فإنى لستُ كهيئتكم ؛ إنه صِيد
مِن أجلِى . فقد مضَى هذا المعنى . وقال أشهبُ عن مالكٍ ، أنه سُئل عن معنى
قولٍ عثمانَ: إنما صِيد مِن أجلِى. فقال: إنما ذلك مِن أجلِ(١) أنه صِيد له بعدَ أن
أحرَم، فأما ما صِيد مِن أجلٍ مُحرمٍ أو مُحرمِين، وذُبح قبلَ الإحرامِ ، فلا بأسَ به ،
إنما مَثَلُ ذلك مَثَلُ رجلٍ صادَ هلهنا صيدًا ، فذبَحه وحمَل لحمَه معه ، ثم أحرَم .
القبس
(١) تقدم ص٤٤ - ٤٦.
(٢) تقدم فى الموطأ (٧٣٠) .
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٥٣) من الموطأ .
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٤٤/٤، ٢٤٥. بلفظ: ((لا أركب الأرجوان)).
(٥) تقدم تخريجه فى ٢٣٥/٤. وفيه أنه وَ لفي نهاه عن الميثرة الحمراء .
(٦) فى الأصل: ((رثى)).
٤١٨
الموطأ
قال يحتى: وسُئِل مالكٌ، عن الرجلِ يُضطرُّ إلى أكلِ المَيتةِ وهو
وأما قولُ عائشةَ لعروةَ: إنما هى عشرُ ليالٍ. تعنى أيامَ الحجّ ، فإنها خاطَبت الاستذكار
بهذا مَن كان إحرامُه قبلَ يومٍ الترويةِ أن يَكُفَّ عن أكلٍ لحم الصيدِ جملةً ، مما
صادَه الحلالُ مِن أجلِه أو مِن أجلٍ غيرِه ؛ ليَدَ ما يَربئُه لِما لا تَرِيئُه، ويتركَ ما
شكَّ فیه وحَكَّ فی صدرِه .
وأما قولُ مالكٍ : إن على المحرم إذا أكل مِن صيدٍ صِيد مِن أجلِه جزاءَه
كلَّه . فإن للعلماءِ فى ذلك مذاهبَ؛ منها ما قاله مالكٌ أنه يجزئُ الصيدَ كلَّه إذا
أكّل مِنه . ومنه أنه لا يجزئُ منه إلا مقدارَ ما أُكَل . وقولٌ ثالثٌ ، أنه ليس عليه
جزاؤُه ؛ لأنه أكَل صيدًا حلالٌ أكلُه لصائدِه، وإنما حرَّم اللهُ على المحرمِ قتلَ
الصيدٍ لا أكلَه. هذا على مذهبٍ عمرَ بنِ الخطابِ، وأبى هريرةَ، والزبيرِ،
وكعبٍ، ومَن تابَعهم على ذلك على ما ذكرناه عنهم (١). واختلف قولُ الشافعيّ
فى ذلك ؛ فمرة قال : من أكّل مِن صيدٍ صادَه حلالٌ مِن أجله ، أنه يَقْدِى ما أكّل
منه . ومرةً قال : لا شىء عليه . وهو قولُ أبى ثورٍ . وهو الذى ذكره المُزنئُ عن
الشافعى فى المحرم یأكُلُ مِن صیدٍ صِید مِن أجلِه مما قد ذبحه حلالٌ أو صادَه،
أنه لا جزاءَ عليه فيما أكل منه؛ لأن الله تعالى إنما جعَل الجزاءَ على مَن قتَل
الصيدَ، وهذا لم يقتله، وليس مَن أكَل محرَّمًا يكونُ عليه جزاءٌ.
ولم يختلِفْ قولُه أن المحرِمَ ممنوعٌ مِن أكلِ ما صِيد مِن أجلِه، واختَلف
القبس
(١) تقدم ص٣٧٩ .
٤١٩
الموطأ محرِمٌ ، أَيَصِيدُ الصيدَ فيأكلُه ؟ أم يأكلُ المَيتةَ؟ فقال: بل يأكلُ الميتةَ، ..
وذلك أن الله تبارك وتعالى لم يُرخِّصْ للمُحرمِ فى أكلِ الصيدِ ، ولا فى
أخذِهِ، على حالٍ مِن الأحوالِ، وقد أرخَص فى المَيتةِ على حالٍ
الضرورةِ . قال : وقال مالكٌ: وأما ما قتَل المحرمُ أو ذبَح مِن الصيدِ ، فلا
يَجِلُّ أكلُه لخَلالٍ ولا لمحرمٍ، لأَنَّه ليس بذكىٌّ، كان خطأ أو عمدًا ،
فأكلُّه لا يَحِلُّ. وقال مالكٌ: وقد سمعتُ ذلك من غيرٍ واحدٍ .
الاستذكار قولُه فى وجوپ الجزاء علیه إن أگّل منه .
وفى هذا البابِ: وسُئل مالكٌ عن الرجلِ يُضطرّ إلى أكلِ الميتةِ وهو محرمٌ،
أيصيدُ الصيدَ فيأكُلُه أم يأْكُلُ الميتةَ؟ فقال: بل يأكُلُ الميتةَ ، وذلك أن الله تبارك
وتعالى لم يُرخّصْ للمُحرمِ فى أكلِ الصيدِ ولا فى أخذِه على حالٍ مِنِ الأحوالِ ،
وقد أرخَص فى الميتةِ على حالِ الضرورةِ. قال مالكٌ: فما قتَل المحرمُ أو ذبَح
مِن الصيدِ، فلا يحِلُّ أكلُه لحلالٍ ولا لمحرم؛ لأنه ليس بذَكِيٍّ ، خطأً كان قَتْلُه
أو عمدًا. قال مالك: وقد سمِعتُ ذلك مِن غيرٍ واحدٍ .
زاد أشهبُ : فمَن كنتُ أقتدِى به ويُعلمُ منه، كلُّهم يقولون : لا يؤكلُ ؛
لأنه ليس بذكىٌّ. فقيل له: أرأيتَ مَن أكّله مِن المحرمِين، عليهم جزاؤُه ؟
فقال: أما مَن ليس بمحرمٍ فلا أرى عليه جزاءَه، وأما المُحرِمون ففيه نظرّ. وقال
أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ: إذا رمَى المحرمُ الصيدَ وسمَّى فقتله فعليه
جزاؤُه ، فإن أكَل منه حلالٌ فلا شىءَ عليه، وإن أكَل منه المحرمُ الذى قتله بعدما
جزَاه ، فعليه قيمةُ ما أُكَل فى قولٍ أبى حنيفةً . وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ : لا جزاءً
القبس
٤٢٠