Indexed OCR Text

Pages 381-400

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قاسمٌ ، حدَّثنا جعفرُ بنُّ محمدٍ ، حدَّثنا عفانُ ،
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داود ،
قال: حدَّثنا أبو سلمةَ، قالا جميعًا: حدَّثنا حمادُ بنُّ سلمةَ، قال : أخبرنا
قيسُ بنُ سعدٍ ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه قال لزيدٍ بنِ أرْقَمَ : يا زيدُ ، أما
عِلِمْتَ أن رسولَ اللهِ وَلَّهِ أَهْدِى له عَضُدُ صيدٍ - وقال عفانُ : عُضْؤُ صيدٍ - فلم
يَقْبَلْه، وقال: ((إِنَّا حُرُمٌ)). قال: نعم. وقال عفائُ: بلى(١) .
ورُوِى عن علىِّ بن زيدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ نوفلُ ، عن علىٍّ ، عن
النبيِّ وَِّ معناه فى حديثٍ فيه طولٌ، وفيه عن عثمانَ إجازةُ ذلك(١).
وقال آخرون: ما صادَه الحلالُ للمحرم أو مِن أجلِه فلا يجوزُ له أكلُه، وما
لم يُصَدْ له ولا مِن أجلِه فلا بأسَ للمحرمِ بأكلِه . وهو الصحيحُ عن عثمانَ فى هذا
البابٍ(١) . وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُهما(٤)، وأحمدُ وإسحاقُ ، وأبو
ثَوْرٍ ، ورُوِى أيضًا عن عطاءٍ مثلُ ذلك . وحجةُ مَن ذهَب هذا المذهبَ أنه عليه
تَصِحُ الأحاديثُ فى هذا البابِ ، وأنها إذا حُمِلت على ذلك لم تَتَضادّ ، ولا
تَدافَعَت، وعلى هذا يَجِبُ أن تُعْمَلَ السُّنَنُ، ولا يُعارَضُ بعضُها ببعضٍ ما وُجِد
القبس
(١) أبو داود (١٨٥٠). وأخرجه أحمد ٤٩/٣٢، ٦٣ (١٩٢٩٤، ١٩٣١١)، وعبد بن حميد
(٢٦٩)، والنسائى (٢٨٢٠) من طريق عفان به .
(٢) أخرجه أحمد ١٧١/٢، (٧٨٣)، والبزار (٩١٤)، وأبو يعلى (٣٥٦) من طريق على بن زيد به.
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٣٤٥ - ٨٣٤٧)، وتفسير ابن جرير ٧٤٢/٨ - ٧٤٥، وما سيأتى
فى الموطأ (٧٩٩).
(٤) فى ص ١٦: ((أصحابه)).
٣٨١

الموطأ
٠٠٠
التمهيد إلى استعمالها سبيلٌ. هذا وجهُ النظرِ فى ذلك.
وقد ژُوِی عن النبىِّ مَلآر حديثٌ بمثلٍ ذلك.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
ابنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، عن
يعقوبَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عمرٍو مولى المطلبِ أخبرَه، عن المطلبِ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ حَنْطَبٍ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَّه قال: ((لحمُ صَيْدِ البَرَّلكم حلالٌ
وأنتم محُمٌ، ما لم تَصْطَادُوه، أو يُصَدْ() لكم))(٢) .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال : أخبرنا قتيبةُ بُ سعیدٍ ، قال: حدثنا يعقوبُ، عن
عمرٍو، عن المطلبٍ، عن جابرٍ قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ وَلَهيقولُ: ((صَيْدُ البرّ
لكم حلالٌ ما لم تَصيدُوه أو يُصَدْ لكم)) (١). قال حمزةُ: قال لنا أبو
عبد الرحمنِ : عمرُو بنُ أبى عمرٍو ليس بالقوىِّ فى الحديثِ وإن كان مالكٌ قد
روى عنه .
واختُلِف عن مالكٍ وطائفةٍ مِن أهلِ المدينةِ فيما صيد لقومٍ معيَّنين مِن
القبس
(١) فى الأصل، ص ١٧، م: ((يصطد )).
(٢) أخرجه ابن الجارود (٤٣٧)، وابن خزيمة (٢٦٤١)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٧١/٢،
والدارقطنى ٢٩٠/٢ من طريق ابن وهب به.
(٣) النسائى (٢٨٢٧)، وفى الكبرى (٣٨١٠). وأخرجه أحمد ١٧١/٢٣ (١٤٨٩٤) ، وأبو داود
(١٨٥١)، والترمذى (٨٤٦) عن قتيبة به.
٣٨٢

الموطأ
التمهید
المحرمين ؛ هل يجوزُ أكلُه لغيرِهم مِن المحرمين ؟ فقال بعضُهم: لا يجوزُ.
وأجازه بعضُهم على (١) مذهبٍ عثمانَ رضِى اللهُ عنه . وقد أتَيْنا بما للعلماءِ فى
هذه المسألةِ وأخَواتِها مِن التَّنَازُعِ والمذاهبِ فى كتابٍ ((الاستذكارِ)) (١).
والحمدُ للهِ .
قال أبو عمر : وفى حديث أبى قتادة أنه لما استوى على فرسِه سأل أصحابَه
أن يُناوِلوه سَوْطَه أو رُمْحَه فَأَبَوْا . وفى هذا دليلٌ على أن المحرمَ إذا أعان الحلالَ
على الصيدِ بما قلَّ أو كثُر فقد فعَل ما لا يجوزُ له، وهذا إجماعٌ مِن العلماءِ.
واختلفوا فى المحرمِ يَدُلُّ المحرمَ أو الحلالَ على الصيدِ؛ فأما إذا دلَّ المحرمُ
الحلالَ على الصيدِ؛ فقال مالك ، والشافعى، وأصحابُهما : يُگرهُ له ذلك ، ولا
جزاءً عليه . وهو قولُ ابنِ الماجشونِ ، وأنى ثَوْرٍ ، ولا شىءَ عليه . وقال المزنىُّ:
جائزٌ أن يَدُلَّ المحرمُ الحلالَ على الصيدِ . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : عليه
الجزاءُ. قال أبو حنيفةً: ولو دلَّه فى الحَرَمِ لم يكنْ عليه جزاء. وقال زُفَرٍ: عليه
الجزاء، فى الحِلِّ دلَّه عليه أو الحَرَمِ . وبه قال أحمدُ ، وإسحاقُ. وهو قولُ علىّ،
وابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ(١) .
قال أبو عمرَ : القولُ الأولُ أَقْيَسُ وأصَحُّ فى النظرِ .
واختلف العلماءُ أيضًا فيما يَجِبُّ على المحرم يَدُلِّ المحرمَ على الصيد
(١) فى ص ١٦: ((وهو)).
(٢) ينظر الاستذكار ٢٩٨/١١ - ٣٠٤ من النسخة المطبوعة .
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٣٥٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ٦٢/٤، وفتح البارى ٢٩/٤.
٣٨٣
٦
القبس
*

الموطأ
التمهيد
فَيَقْتُلُه ؛ فقال قومٌ: عليهما كفَّارةٌ واحدةٌ. منهم عطاءٌ، وحمادُ بنُ أبى
(١)
سليمانَ(١).
وقال آخرون : على كلِّ واحدٍ منهما كفَّارةٌ. رُوِى ذلك عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، والشعبىٌّ، والحارِثِ العُكْلىّ(٢) . وبه قال أبو حنيفةً وأصحابُه. وعن
سعيدٍ بنٍ جبيرٍ أنه قال: على كلِّ واحدٍ مِن القاتلِ والآمِرِ والمشيرِ والدالُ
جَزاءٌ(١) . وقال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ: لا جزاءَ إلا على القاتلِ وحدَه .
واختلفوا فى الجماعةِ يَشْتَرِكون فى قتلِ الصيدِ ؛ فقال مالكٌ: إِذا قتَل
"جماعةٌ مُخرِمون صيدًا، أو جماعةٌ مُحِلُّون فى الحَرَمِ صيدًا ، فعلى كلِّ واحدٍ
منهم جَزاءٌ كاملٌ. وبه قال الثورىٌّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ. وهو قولُ الحسنِ
البصرىِّ، والنخَعيِّ، " والشعبىُُّ"، وروايةٌ عن عطاءٍ(٥). وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه : إذا قتَل جماعةٌ مُخْرِمون صيدًا، فعلى كلِّ واحدٍ منهم جزاءٌ كاملٌ ،
وإن قتَل جماعةٌ مُحِلُّون صيدًا فى الحرَمِ، فعلى جماعتهم جزاءٌ واحدٌ . وقال
الشافعىُّ: عليهم كلِّهم جزاءٌ واحدٌ، وسواءٌ كانوا مُخْرِمِين أو مُحِلِين فى الحَرَمِ .
وهو قولُ عطاءٍ، والزهرىِّ(٤). وبه قال أحمدُ ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ . ورُوِى عن
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٣٥١، ٨٣٥٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٨/٤.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٣٥٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٨/٤، ٦٢.
f-
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٣٥١).
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل ، م .
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٣٥٣، ٨٣٥٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٧/٤.
(٦) ينظر الأم ٢٠٧/٢، ومصنف عبد الرزاق (٨٣٥٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٧/٤، ١٨.
٣٨٤

الموطأ
التمهيد
عمرَ، وعبد الرحمنِ بنِ عوفٍ ، أنهما حكَما على رجلَيْن أصابا ظَئِيًا بشاةٍ (١).
قال أبو عمرَ : مَن جعَل على كلٌّ واحدٍ منهم جزاء قاسَه على الكفارة فى
قتلِ النفسِ ؛ لأنهم لا يختَلِفون فى وجوبِ الكفارةِ على جميعِ القَتَلةِ خطأً ،
على") كلٌّ واحدٍ منهم كفارةٌ كفارةٌ(١)، ومَن جعَل فيه (٤) جزاءً واحدًا قاسَه على
الدِّيَّةِ ، ولا يختَلِفون أن مَن قتل نفسًا خطأً وإن كانوا جماعةٌ أنما عليهم ديةٌ
واحدةٌ يَشْتَرِكون فيها .
وقد رُوِى عن النبيِّ وَ لهفى حديثٍ أبى قتادةَ هذا ما يَدُلَّ على أن المشيرَ
المحرمَ لا يجوزُ له أكلُ ما أشار بقتلِه على الحلالِ (٥) .
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ ، أخبرنا محمودُ بنُّ غَيْلانَ ، قال: حدَّثنا أبو داود ، قال : أخبرنا
شعبةُ ، قال : أخبرنى عثمانُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مَوْهَبٍ ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ
أبي قتادةَ يُحَدِّثُ، عن أبيه ، أنهم كانوا فى مَسيرٍ لهم ، بعضُهم مُخْرِمٌ ، وبعضُهم
ليس بمحرمٍ. قال: فرأيتُ حمارَ وَحْشٍ، فركِبْتُ فرسى، وأخَذْتُ الرُّمْحَ،
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٩٥٢).
(٢) ليس فى : الأصل، ص ١٦، ص ١٧ .
(٣) سقط من: ص ١٧، ص ٢٧، م .
(٤) فى ص ١٦: ((فيها)).
(٥) فى ص ١٧: ((ما)).
٣٨٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٥/١٠ )

الموطأ
٧٩٢ - وحدَّثنى عن مالك، عن هشام بن عروةً ، عن أبيهِ ، أن
الزبيرَ بنَ العوامِ كان يَزَوَّدُ صَفِيفَ الظَباءِ وهو مُخْرِمٌ .
قال يحيى: قال مالكٌ: والصَّفِيفُ القَدِيدُ.
التمهيد
فاسْتَعَنْتُهم فأبَوْا أن يُعِينونى٢١، فاخْتَلَسْتُ سوطًا مِن بعضِهم وشدَدْتُ على
الحمارِ فأصَبْتُه، فأكلوا منه فأشْفَقوا(٢). قال: فسُئل عن ذلك النبيُّ وَلَه
فقال: ((هل أشَرْتُم أو أَعَنْتُم؟)) قالوا: لا. قال: ((فكُلُوه))(٣) .
الاستذ کار
وعن هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه، أن الزبيرَ بنَ العوامِ كان يتزوَّدُ صَغِيفَ الظَُّاءِ
فى الإحرامِ . فذلك لأنه كان ذلك اللحم الذى جعله صَفِيفًا وتزوَّده قد ملكه
قبلَ الإحرامِ ، فجاز له أكلُه بعدَ (٥) الإحرام. ومذهبه فى ذلك مذهبُ مَن لا يُحرِّمُ
على المحرمٍ مِن الصيدِ إلا(١) ما قتله أو اصطادَه دونَ أكلِه مِن صيدِ الحلال ، وهو
معنى هذا البابٍ، وكذلك أدخَله فيه مالكٌ. والعلماءُ مُجمِعون على أن قتلَ
المحرم للصيدِ حرامٌ وعليه جزاؤه، وأكلُه عليه حرامٌ، وهم مُختلفون فيما صادّه
الحلالُ هل يحِلُّ للمحرم أكلُه؟ على أقوالٍ؛ أحدُها ، أن أكلَ الصيدِ حرام على
القبس
:
(١ - ١) فى ص ١٦: ((فاستعنتهم فلم يعينونى))، وفى ص ١٧: ((فاستغثتهم فأبوا أن يغيثونى)).
(٢) فى ص ١٦: ((فانتفعوا))، وفى ص ٢٧: ((وانتفعوا)).
(٣) النسائى (٢٨٢٦)، وفى الكبرى (٣٨٠٩). وأخرجه أحمد ٢٦٥/٣٧ (٢٢٥٧٤)، والدارمى
(١٨٦٩)، ومسلم (٦١/١١٩٦) من طريق شعبة به.
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٤٦)، وبرواية أبى مصعب (١١٣٨). وأخرجه البيهقى
١٨٩/٥ من طريق مالك به .
(٥) فى الأصل، م: ((قبل)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٦) ليس فى : الأصل، م . والمثبت يستقيم به السياق .
٣٨٦

الموطأ
٧٩٣ - وحدَّثنى عن مالك، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، أن عطاءَ بنَ يَسارٍ أخبرَه
عن أبى قتادةَ، فى الحمارِ الوحشىِّ، مثلَ حديثٍ أبى النَّضرِ ، إلا أنَّ فى
حديثٍ زيدٍ بن أسلمَ: أن رسولَ اللهِ وٍَّ قال: ((هل معكم مِن لَحْمِهِ شىءٌ)).
المحرم بكلِّ حالٍ ، على ظاهرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أُلْبَرِّ مَا الاستذكار
دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. لم يخُصَّ أكلًا مِن قتلِ. والثانى، أن ما صادّه
الحلالُ جاز لمَن كان حلالاً فى حينٍ اصطيادِهِ دونَ مَن كان محرمًا مِن ذلك
الوقتٍ وقتَ اصطيادِه. والثالثُ، أن ما صِيد لمحرمٍ بعينه جاز لغيرِه مِن
المحرمين أكلُه ، ولم يجزْ ذلك له وحده . والرابعُ ، أن ما صِيد لمحرم لم يُزْله
ولا لغيرِهِ مِن المُحرِمين أكلُه . وتأتى هذه المسألةُ فى البابِ بعدَ هذا إن شاء اللهُ .
التمهيد
ــ
مالكٌ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن أبى قتادةَ الأنصارىِّ،
مثلَ حديثٍ أبى النَّضْرِ فى الحمارِ الوحْشِىِّ ، إلَّ أَنَّ فى حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ
قال: ((هل معكم مِن لحمِه شىءٌ؟))(١).
هكذا هو فى ((الموطأ))، وسيَأْتِى حديثُ أبى النَّصْرِ فى بابِه(٢) إن شاء اللهُ.
وفى قولِه وَ له: ((هل معكم من لحمِه شىءٌ؟)) دليلٌ على أنَّ صيدَ البَرّ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٦/١٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١١٣٧). وأخرجه أحمد
٢٥٩/٣٧ (٢٢٥٦٨)، والبخارى عقب الحديث (٢٩١٤)، (٥٤٩١)، ومسلم (٥٨/١١٩٦)،
والترمذى (٨٤٨) من طريق مالك به .
(٢) تقدم فى الموطأ (٧٩١).
٣٨٧

الموطأ
٧٩٤ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن يحيى بن سعيد الأنصارىِّ، أنه
قال: أخبرنى محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيمىُّ، عن عيسى بنِ
طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ، عن عميرٍ بن سلمةَ الضَّمْرىِّ، عن البَهْزِىٌّ، أن
رسولَ اللهِ وَ لَ خرَج يريدُ مكةً وهو مُحرمٌ، حتى إذا كان بالرَّوْحاءِ ، إذا
حِمارٌ وَحْشِيٍّ عَقِيرٌ، فَذُكِر ذلك لرسولِ اللهِ وَالهر، فقال: « دعوه ، فإنه
التمهيد
للمحرم حلالٌ إذا لم يَصِدْه، إِلَّا "أنّه فى١) هذا المعنَى، وفيما يُصادُ من أجلٍ
المحرم، کلام ، وتَعلِیلٌ ، واختلافٌ بین العلماء، یأتی ذلك إن شاءاللهُ فی بابِ
حرف الميمٍ ، عندَ ذكرٍ حديثِ ابنِ شهابٍ ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، وفى
حرفِ السِّينِ، عندَ ذكرِ أحاديثٍ أبى النَّضْرِ سالمٍ مولَى عمرَ بنِ عبيدِ اللهِ ،
وباللهِ العونُ .
واختُلِفَ فی اسم أبى قتادةً صاحبٍ رسول الله پێ، وقد ذگوناه فی کتاب
((الصّحابة))(٤). والحمدُ للهِ کثیرًا.
مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، أنه قال : أخبرنى محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ
الحارثِ التيمىُّ، عن عيسى بنِ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ، عن عميرِ بنِ سلمةَ
الضَّمْرِىِّ، عن البَهْزِئِّ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ خرَج یریدُ مكةً وهو محرمٌ ، حتى إذا
كان بالرَّوْحاءِ، إذا حمارٌ وحشىّ عقيرٌ، فذُكِر ذلك لرسولِ اللهِ وَلِ فقال:
القبس
(١ - ١) فى ص: ((فى أن))، وفى س: ((أن فى)).
(٢) سيأتى ص ٤١٣ - ٤١٦ .
(٣) تقدم ص ٣٧٨ - ٣٨٦ .
(٤) الاستيعاب ١٧٣١/٤ .
٣٨٨

يوشكُ أنْ يأْتِىَ صاحبُه)). فجاء البَهْزِىُّ، وهو صاحبُه، إلى النبيِّ الموطأ
وَله، فقال: يا رسولَ اللهِ، شَأنَكم بهذا الحمارِ. فَأَمَر رسولُ اللهِ وَاله
أبا بكر، فقسمه بین الرّفاقِ ، ثُم مضی، حتى إذا كان بالأثايةِ ، بین
الرُّوَيْثَةِ والعَرْجِ، إذا ظَبْىٌّ حاقِفٌ فى ظِلِّ فيه سهمٌ، فزعَم أن رسولَ اللهِ
نَّ أَمَر رجلًا أن يَقِفَ عنده، لا يَرِيئُه أحدٌ مِن الناسِ، حتى يُجاوزَه.
التمهید
« دعوه، فإنه يوشك أن يأتى صاحبه)). فجاء البهزئُّ، وهو صاحبه، إلى
رسولِ اللهِ وَّلَه فقال: يا رسولَ اللهِ، شأنَكم بهذا الحمارِ. فأمَر رسولُ اللهِ
وَلِ﴿ أبا بكرٍ فقسمه بين الرفاقِ، ثم مضَى حتى إذا كان بالأَثَايَةِ بين الرُّوَيْثَةِ
والعَرْجِ، إذا ظبىٌ حاقفٌ فى ظلِّ شجرةٍ وفيه سهمٌ، فزعَم أن رسولَ اللهِ وَ لِّهِ أَمَر
رجلًا أن يقفَ عنده لا يريئه أحدٌ من الناسِ حتى يُجاوزَه (١) .
لم يُختلفْ علی مالك فى إسنادٍ هذا الحديث ، واختلف أصحابُ یحیی بنِ
سعيدٍ فيه على يحيى بن سعيدٍ ، فرواه جماعةٌ كما رواه مالكٌ، ورواه حمادُ بنُّ
زيدٍ، وهشيمٌ، ويزيدُ بنُ هارونَ، وعلىُ بنُ مُسهِرٍ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ،
عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن عيسى بن طلحةً، عن عميرِ بنِ سلمةً، عن النبيِّ
صَ لىالله
وعلا .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٦/١٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١١٣٩). وأخرجه
عبد الرزاق (٨٣٣٩)، والنسائى (٢٨١٧)، وابن حبان (٥١١١) من طريق مالك به .
(٢) أخرجه أحمد ١٨٦/٢٤ (١٥٤٥٠)، والدارقطنى فى العلل (١١٧/٤ - مخطوط) من طريق
هشیم به.
(٣) أخرجه الدارقطنى فى العلل (٤/ق ١١٧، ١١٨ - مخطوط)، وأبو نعيم فى المعرفة (٥٢٧٥)
من طريق على بن مسهر به .
٣٨٩

الموطأ
التمهید
قرأتُ على سعيدٍ بنٍ نصرٍ، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال : حدثنا
عبدُ اللهِ بنُ روحِ المدائنُّ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال : أخبرنا يحبى بنُ
سعيدٍ ، أن محمدَ بنَ إبراهيمَ أخبره، عن عيسى بن طلحةً، عن عميرِ بنِ سلمةً
الضَّمْرِىِّ، وأخبرنا قاسمُ بنُ محمدٍ ، واللفظُ لحديثِه، قال: حدثنا خالدُ بنُّ
سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال :
حدثنا عارمٌ، قال: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال حدثنى يحيى، عن محمدِ بنِ
إبراهيم بنِ الحارثِ التيمىٌّ، عن عيسى بنِ طلحةً، عن عميرِ بنِ سلمةً
الضمرىِّ، أن رسولَ اللهِ وَ لَّهِ أَقبَل، أو خرَج ، وهم مُحرِمون، حتى إذا كانوا
بالرَّوْحاءِ، فإذا فى بعضٍ أفنائِها حمارُ وحشٍ عَقِيرٌ، فقيل: يا رسولَ اللهِ ، هذا
حمارٌ عقيرٌ. فقال: ((دَعُوه حتى يأتىَ طالبُه)) . قال : فجاء رجلٌ من بَهْزٍ فقال :
يا رسولَ اللهِ، أصبتُ هذا بالأمس، فشأنَكم به. فأمَر رسولُ اللهِ وَ ليل أبا بكر أن
يقسِمَ لحمَه بين الرفاقِ. قال: ثم سار حتى إذا كان بالأثَايَةِ بين العَرْجِ والرُّوَيْثَةِ ،
إذا ظبىٌّ حاقفٌ فى ظِلُّ فيه سهمٌ ، فقيل : يا رسولَ اللهِ ، هذا ظبىٌ حاقفٌ فى ظلّ
فيه سهمٌ. قال: ((لا يُعرَّضْ له حتى يَمُرَّ آخرُ الناسِ)). فأمَر رجلًا أن يقيمَ عنده
حتى يمرَّ آخِرُ الناسِ(١) .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٠/٢٥ (١٥٧٤٤)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (١٣٨٢)، والطحاوى
فى شرح المعانى ١٧٢/٢، والطبرانى (٥٢٨٣)، والبيهقى ١٨٨/٥ من طريق يزيد بن هارون به ،
وعندهم جميعًا: ((عن عمير بن سلمة الضمرى، عن رجل من بهز، عن النبى بَّر)). وينظر علل
الدارقطنى (٤/ق ١١٧ - مخطوط)، وأخرجه الدارقطنى فى العلل (٤/ق ١١٦ - مخطوط)،
والخطيب فى غوامض الأسماء ص٤١٨ من طريق حماد به .
٣٩٠

الموطأ
التمهید
هكذا قال حمادُ بنُ زيدٍ فى هذا الحديثِ : عن عميرِ بنِ سلمةً، عن النبيِّ
وَّه، وعميرُ بنُ سلمةَ من كبارِ الصحابةِ، وقد ذكرناه فى كتابٍ ((الصحابةِ)) (١)
بما يغنى عن ذكرِه هلهنا، فالحديثُ لعميرٍ بنِ سلمةً، عن النبيِّ وََّ فيما قال
حمادُ بنُ زيدٍ، وتابعه على ذلك جماعةٌ ؛ منهم هُشيمٌ، وعلىُّ بنُ مُسهرٍ ،
ويزيدُ بنُ هارونَ. وجعَله مالكٌ عن عميرٍ، عن البَهْزِيِّ، عن النبيِّ وَّرِ. ومما
يدُلُّك على صحةٍ روايةٍ حمادٍ بنِ زيدٍ ومَن تابَعه عن يحيى بنِ سعيدٍ على ما
ذكّرنا، أن يزيدَ بنَ الهادى وعبدَ ربِّه بنَ سعيدٍ ١، رَوَيا هذا الحديثَ، عن
محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن عيسى بنِ طلحةً، عَن عميرِ بنِ سلمةَ الصَّغْرِىِّ قال :
خرجنا مع رسول الله آلے . وفی حدیث یزید بن الهادی : بينما نحن مع رسول
اللهِ وَلّه - رواه الليثُ بنُّ سعدٍ، هكذا عن يزيدَ بنِ الهادى(١) . وقال موسى بنُ
هارونَ: والصحيحُ عندنا أن هذا الحديثَ رواه عميرُ بنُ سلمةً، عن النبيِّ وَّل
لیس بینه وبین النبى ٹے فیہ احدٌ. قال: وذلك بێّٹ فى رواية یزید بنِ الهادى
وعبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ . قال موسى بنُ هارونَ: ولم يأتِ ذلك من مالكٍ؛ لأن
جماعةٌ روَوه عن يحيى بن سعيدٍ كما رواه مالكٌ، ولكن إنما جاء ذلك من
يحيى بن سعيدٍ، كان يرويه أحيانًا فيقولُ فيه: عن البهزئِّ. وأحيانًا لا يقولُ فيه:
عن البهزئِّ. وأظنُّ المشيخةَ الأولى كان ذلك جائزًا عندهم، وليس هو روايةٌ
= ..
القبس
(١) الاستيعاب ١٢١٧/٣.
(٢) أخرجه الدارقطنى فى العلل (٤/ق ١٢٠ - مخطوط) من طريق عبد ربه بن سعيد به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٧٢/٢ من طريق الليث به .
٩
٣٩١

الموطأ
التمهيد عن فلانٍ ، وإنما هو عن قصةٍ فلانٍ. هذا كلَّه كلامُ موسى بنٍ هارونَ .
قال أبو عمرَ: البهزىُّ اسمُه زيدُ بنُ كعبٍ، وقد ذكرناه فى
((الصحابة)) (١) .
قال أبو عمرَ: الرَّوْحَاءُ والأُثَايَةُ والعَرْجُ (٢ والرّوينةُ(٢) مواضعُ ومناهلُ بين مكةً
والمدينة ، وإلى العَرْجِ نُسِب العَرْجِىُّ الشاعرُ، وقيل: بل نُسِب العرجىُّ الشاعرُ
إلى موضعٍ آخرَ يُدْعَى أيضًا العَرْجَ قُرْبَ الطائف ، كان نزله ، لأنه كان له به مالٌ .
واسمُ العرجىٌّ الشاعرِ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ عمرو بن عثمانَ بنِ عفانَ، وهو أشعرُ
بنى أميةً .
وفى هذا الحديث من الفقهِ ، أن كلَّ ما صاد الحلالُ جائزٌ للمُخرِمِ أكلُه .
وهذا موضعٌ اختلف العلماءُ فيه قديمًا وحديثًا ، واختلَفت الآثارُ فيه أيضًا ، وقد
یێا ذلك وأوضحناه فی باپ ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبدِ الله ، وفی باپ
أبى النضرِ(٤) أيضًا من هذا الكتاب. والحمدُ للهِ.
وفيه أيضًا دليلٌ على أن المحرمَ لا يجوزُ له أن ينفِّرَ الصيدَ ولا يُعينَ عليه، ألا
تَرى أن رسولَ اللهِ وَلَّهِ أَمَر رجلًا أن يقف عند الظبي الحاقفِ حتى يُجاوزَه
القبس
(١) الاستيعاب ٥٥٨/٢ .
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م، وفى ف: ((الروتية)).
(٣) سيأتى ص ٤١٣ - ٤١٦.
(٤) تقدم ص ٣٧٨ - ٣٨٦ .
٣٩٢

الموطأ
التمهيد
الناسُ، لا تَرِيثِه أحدٌ، أى: لا يمسّه أحدٌ ولا يُحركُه، ولا يَهِيجُه أحدٌ.
والحاقِفُ الواقفُ المنثَنِى والمنحَنِى، وكلُّ منحنٍ فهو مُحْقَوقِفٌ، وإذا
صار رأسُ الظبي بين يدَيْه إلى رجلَيْهِ ومَيَّل رأسَه، فهو حاقفٌ ومُحْقَوْقِفٌ . هذا
قولُ الأخفشِ . وقال غيرُه من أهلِ اللغةِ: الحاقفُ الذى قد لجأ إلى حِقْفٍ، وهو
ما انعطَف(١) من الرَّمْلِ. وقال العَجَاجُ(٢):
سَمَاوَةَ الهلالِ حتى احْقَوْقَفَا
یعنی : انعطف ، وسماوتُه شَخْصُه . وقال أبو عبيد (١) : حاقفٌ ، يعنى: قد
انحنَى وتثنَّى فى نومِه، ويقالُ للرجلِ إذا انحتَى: حقَف. فهو حاقفٌ . قال :
وأما الأحقافُ فجمعُ حِقْفٍ، ومن ذلك قُولِ اللهِ عز وجل: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ
◌ِاَلْأَحْفَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]. قال أبو عبيدٍ: إنما سُمِّيت منازلُهم بالأحقافِ؛
لأنها كانت بالرمالِ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا من الفقهِ، أن الصائدَ إذا أثبت الصيدَ برمحِه أُو نَبْلِه ،
فقد ملكه بذلك ، إذا كان الصيدُ لا يمتنعُ من أجلِ ذلك الفعلِ ؛ لقولِ رسولِ اللهِ
اله : «يُوشِكُ أن یأتی صاحبُه)).
القبس
(١) بعده فى ف: ((عليه)).
(٢) ديوانه ص ٤٩٦ .
(٣) غريب الحديث لأبى عبيد ١٨٨/٢ .
٣٩٣

الموطأ
التمهید
(١ وقد استدلَّ قومٌ بهذا الحديثِ أيضًا على جوازِ هبةِ المشاعِ؛ لقولِ البهزئِّ
للجماعةِ: شأنكم بهذا الحمارِ. ثم قسمه أبو بكرٍ بينهم بأمرٍ من رسولِ اللهِ وَله .
وفيه من الفقهِ ، جوازُ أكلِ الصيدِ إذا غاب عنه صاحبُه أو بات عنه(٢) ، وإذا
عرَف أنها رميتُه، وليس فى حديثِ مالكِ ما يدُلَّ على أن ذلك الظبىَ كان قد
غاب عن صاحبِه ليلةً ، وذلك فى حديثِ حمادِ بنِ زيدٍ ؛ لقولِه فيه : أصبتُ هذا
بالأمسِ . وقد اختلف الفقهاءُ فى هذا المعنى ؛ فقال مالكٌ: إذا أدرَ كه الصائِدُ
من یومِه أكله، فی الکلبِ والسهم جميعًا ، وإن كان میًّا، إذا كان فيه أثر
جرحِه ، وإن كان قد بات عنه لم يأكُلُه. وقال الثورىُّ: إذا غاب عنه يومًا وليلةً
كرِهتُ أكلَه. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : إذا توارَى عنه الصيدُ وهو فى طَلَبِه
فوجَده وقد قَتَله، جاز أكلُه ، فإن ترَك الطلبَ واشتغل بعملٍ غيرِه ثم ذهَب فى
طلبِه فوجَده مقتولاً والكلبُ عندَه، كرِهنا أكلَه. وقال الأوزاعىُّ : إذا وجده من
الغدِ ميًّا ووجَد فيه سهمًا أو أثرًا فليأكُلْه. وقال الشافعىُ: القياسُ ألا يأكلَه إذا
غاب عنه . ورُوِى عن ابنِ عباسٍ: كُلْ ما أَصْمَيْتَ(٢)، ودَعْ ما أنميتَ (٤) . يريدُ:
گُلْ ما عاینتَ صیده وموته من سلاحك أو كلبك، ودَغْ ما غاب عنك . وفى
حديثٍ أبى رَزِينِ، عن النبيِّ وَلَّ أنه كَرِهِ أَكْلَ ما غاب عنك مصرعُه من الصيدِ ".
القبس
(١ - ١) سقط من : ص .
(٢) فى ك، م: ((تحته)). والمثبت من الاستذكار ٢٨٥/١١ من النسخة المطبوعة.
(٣) فى م: (( أصبت )).
(٤) سيأتى تخريجه عقب شرح الحديث (١٠٧٧) من الموطأ .
٣٩٤

٧٩٥ - وحدَّثنى عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه سمِع سعيدَ الموطأ
ابنَ المسيَّبِ يُحدِّثُ عن أبى هريرةَ ، أنه أقبلَ مِن البحرَيْنِ ، حتى إذا كان
بالرَّبَذَةِ ، وجَد رَكْبًا مِن أهلِ العراقِ مُحْرِمِين، فسَألوه عن لحم صيدٍ
وهو حديثٌ مرسَلٌ؛ لأنه ليس بأبى رَزِينِ العُقَّتِىِّ ، وإنما هو أبو رَزِينٍ مولى أبى التمهيد
وائلٍ . رواه عنه موسی بنُ أبی عائشةً ، من حديث الثوریِّ وغيره(١) . وروى أبو
ثعلبةَ الخُشَنِئُ عن النبيِّ ◌َّهِ فى الذى يُدرِكُ صيده بعدَ ثلاثٍ: «یأكُلُه ما لم
يُثْتِنْ))(١). وفى حديثِ عدىٍّ بنِ حاتم أنه سأل رسولَ اللهِ وَليل عن الصيدِ یغیبُ
عن صاحبِه الليلةَ والليلتين، فقال: ((إذا وجَدتَ فيه سهمَك، ولم تجدْ أثرَ سَبُعٍ،
وعلِمتَ أن سهمَك قتله، فكُلْه))(٢).
وفى حديثٍ هذا البابِ ردٌّ لقولٍ أبى حنيفةَ وأصحابِه فى اشتراطِهم التراخىَ
فى الطَّلَبِ؛ لأن رسولَ اللهِ وَلَّه لم يقُلْ للبهزىِّ: هل تراخَيْتَ فى طَلَبِهِ. وأباح
أكلَه لأصحابِهِ المحرِمين، ولم يسأله عن ذلك.
-
وأما قولُ عمرَ ففى ((الموطأ))، ذكَره عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ الاستذكار
المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أنه أفتَى الركبَ المُحرمِين بأكلٍ صيدٍ وجَدوه
بِالرَّبَذَةِ ، ثم قدِم المدينةَ، فذكّره لعمرَ، فقال له: لو أفتيتَهم بغيرِ ذلك لفعَلتُ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٩/٥، وأبو داود فى المراسيل (٣٨٣)، والبيهقى ٢٤١/٩ من طريق جرير،
عن موسى بن أبى عائشة، عن أبى رزين، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٠/٥، والطبرانى ٢١٤/١٩ (٤٧٨)،
والبیهقی ٢٤١/٩ من طریق الثوری ، عن موسى بن أبی عائشة ، عن عبد الله بن أبی رزین، عن أبى رزین.
وينظر نصب الراية ٣١٤/٤، والتاريخ الكبير ٩١/٥.
(٢) سيأتى تخريجه عقب شرح الحديث (١٠٧٧) من الموطأ .
٣٩٥
٤

وجدوه عند أهلِ الرَّبَذَةِ ، فأمرهم بأکله، قال: ثم إنى شككْتُ فيما
الموطأ
أمرْتُهم به ، فلمَّا قَدِمْتُ المدينةَ ذكَرْتُ ذلك لعمرَ بنِ الخطابِ ، فقال
عمرُ : ماذا أمْتَهم به؟ فقال : أمرْتُهم بأكلِه . فقال عمرُ بنُ الخطابِ : لو
أمرتَهم بغيرِ ذلك لفعلْتُ بك . يَتَوَاعَدُه .
٧٩٦ - وحدَّثنى عن مالك، عن ابنٍ شهابٍ، عن سالم بنٍ
عبدِ اللهِ ، أنه سمِع أبا هريرةَ يحدِّثُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، أنه مرَّ به قومٌ
مُحْرِمونَ بالَّبَذَةِ ، فاستَقْتَوْه فى لحم صيدٍ وجَدوا ناسًا أحلَّةً يأكلُونه ،
فأفتاهم بأكلِه ، قال : ثم قَدِمْتُ المدينةَ على عمرَ بنِ الخطابِ ، فسألتُه
عن ذلك ، فقال: بم أفتيتَهُمْ؟ قال: فقلتُ : أَقْتَيْتُهُمْ بأكلِه ، قال: فقال
عمرُ: لو أَقْتَيْتَهُمْ بغيرِ ذلك لأُوْجَعْتُك .
الاستذكار بك. يتَوعَّدُه (١).
وهذا مِن عمرَ لا يكونُ إلا عن بصيرةٍ قويةٍ عندَه فى جوازٍ أُكلٍ لحم الصيد
للمحرمِ(٢) إذا صادَهِ الحلالُ.
ومثلُ هذا حديثُ مالكِ ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم، عن أبى هريرةَ بمعنَى
ما تقدَّم سواءً(١) .
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١١٤٠). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٧٤/٢ من طريق
مالك به .
(٢) فى الأصل، م: ((المحرم)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٤٢)، ويرواية أبى مصعب (١١٤١). وأخرجه الطحاوى فى
شرح المعانى ١٧٤/٢، والبيهقى ١٨٩/٥ من طريق مالك به .
٣٩٦

٧٩٧ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ الموطأ
يسارٍ، أن كعبَ الأحبارِ أقبلَ مِن الشامِ فِى رَكْبٍ مُخرِمينَ،
حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقٍ، وَجَدوا لحمَ صيدٍ، فأقْتَاهُم كعبٌ
بأْلِه، قال: فلمَّا قدِموا على عمرَ بنِ الخطابِ بالمدينةِ، ذكروا
ذلك له، فقال: مَن أفتاكم بهذا؟ قالوا: كعبّ. قال: فإنى قد
أمَّوْتُه عليكم حتى تَرجعوا. ثم لما كانوا ببعضٍ طريقٍ مكةً،
مَرَّتْ بهم رِجْلٌ مِن ◌َرادٍ، فأقْتاهم كعبٌ أن يأْخُذُوه فيأكُلوه،
فلما قدموا على عمرَ بنِ الخطابٍ ذكروا ذلك له، فقال : ما
حملَك على أن تُفْتِيَهم بهذا؟ قال: هو مِن صيدِ البحرِ. قال :
وما يُدريك؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، والذى نفْسِى بيدِه، إن هى
إِلا نَثْرَةُ حُوتٍ يَنْثُرُه فى كلِّ عامٍ مرتين.
وأما قولُه فى حديثٍ مالكٍ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ: ثم لما الاستذكار
كانوا ببعضِ طريقٍ مكةً مرّت بهم رِجْلٌ مِن جَرَادٍ (١)، وأَقْتاهم كعبٌ أن يأخُذوه
ويأكُلوه ، فلما قدموا على عمرَ بنِ الخطابِ ذكروا ذلك له ، فقال له : ما حمَلك
القبس
(١) الرّجل: الطائفة من الشىء. وخصه بعضهم بالقطعة العظيمة من الجراد . اللسان
(ر ج ل) .
٣٩٧
٠

الموطأ
الاستذكار على أن تُفتِيَهم بهذا؟ قال: هو صيدٌ مِن صيد البحرِ . قال : وما يُدریك؟ قال : يا
أميرَ المؤمنين، والذى نفسى بيدِه إن هى إلا نَثْرةُ حوتٍ يَنْتُوُه فى كلِّ عام
(١)
مرتین
.
قال أبو عمرَ: أما صيدُ البحرِ(٢) فحلالٌ للمحرم والحلالِ بنصِّ الکتاب
والسنة وإجماع الأمةِ ، وإنما اختلفوا فيما ◌ُچِد فيه طافيًا ، و كذلك اختلفوا فى
غيرِ السمكِ منه . وسيأتى القولُ بما للعلماءِ فى ذلك مِن المذاهبِ فى كتابٍ
الصيدِ إن شاء اللهُ .
فإن كان الجرادُ نَثْرَةَ حوتٍ - كما ذكَر كعبٌ - فحلالٌ للمحرمِ وغيرِ
المحرم أكلُه . وما ذكره كعبٌ لم يُوقَفْ على صحته، ولم یکذِّبه فى ذلك
عمُ، ولا ردًّ علیه قوله ، ولا صدَّقه فیه ؛ لأنه خشِی أن يكون عنده فيه علمٌ مِن
التوراةِ، وهى السنةُ فيما حدَّث به أهلُ الكتابِ عن كتابِهم ، ألا يُصدَّقوا ولا
يُكذَّبوا؛ لئلا يُكذَّبوا فى حقِّ جاءوا به، أو يُصدَّقوا فى باطلِ "اختلقه أوائلُهم)؛
لأن عندَهم الحقَّ فى التوراةِ وعندَهم الباطلَ فيما حرَّفوه عن مواضعِه وكتبوه
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٤٤)، وبرواية أبى مصعب (١١٤٢). وأخرجه عبد الرزاق
(٨٣٥٠)، والبيهقى ١٨٩/٥ من طريق مالك به .
(٢) فى الأصل، م: ((المحرم)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((اختلفوا أوائلهم))، وفى م: ((اختلفوا فى دليلهم)). والمثبت يقتضيه
السياق. وينظر شرح الزرقانى ٣٧٤/٢ .
٣٩٨

الموطأ
بأيدِيهم، وقالوا: هو مِن عندِ اللهِ . وما هو مِن عندِ اللهِ . وقد أَفَرَدنا لهذا المعنى الاستذكار
بابًا كافيًا فى كتابٍ ((العلم)) (١). والحمدُ للهِ.
وفى إنكارٍ عمرَ على كعبٍ ما أفتَى به المُحرمِين مِن أكلِ الجرادِ ، ثم كفِّه
عنه إذ أعلَمه بما أعلَمه به - مما جرَى فى هذا البابِ ذكرُه - دليلٌ على أن العالم
لا یجبُّ له نفئُ شیء ولا إثباتُه إلا بعلم صحیح قد وقَف علیه من كتاب أو سنة أو
ما كان فى معناهما. وقد رُوِى عن النبيِّ بَّهمِن وجهٍ لا يُحتجُّ به، أن الجرادَ مِن
صيدِ البحرِ . رواه حمادُ بنُ زيدٍ ، عن ميمونِ بنِ جَابانَ ، عن أبى رافعٍ، عن أبى
هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّهِ: ((الجرادُ مِن صيدِ البحرِ)) (١). وقد اختُلف
فى هذا الحديثِ على حمادِ بنِ زيدٍ ، ومِن رواتِهُ(١) مَن جعَله مِن قولٍ أبى هريرةَ ،
وهو أشبهُ بالصوابِ. وقد رُوِى عن علىٍّ مِن وجهٍ ضعيفٍ أيضًا ، أنه سُئل عن
الجرادِ فقال: هو مِن صيدِ البحرِ(١) . ورُوِى عن عروةَ بنِ الزبيرِ فى هذا المعنى
نحوُ ما رُوِى عن كعبٍ ؛ رواه حمادُ بنُ زيدٍ ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ ، عن
أبيه ، أنه قال فى الجراد : نَثْرُ حوتٍ . ذكره الساجئُ ، عن يحيى بن حبيبٍ بنِ
عَرَبىٍّ، عن حمادٍ بنِ زيدٍ. وما أدرى ما معنى رواية مالكٍ فى ((الموطأً))، عن
كعب فى قولِه فى الجرادِ : والذى نفسى بيدِه إن هى إلا نَثْرُ حوتٍ يَنْتُرُه فى كلِّ
القبس
(١) جامع بيان العلم وفضله ٧٩٩/٢ .
(٢) أخرجه أبو داود (١٨٥٣) - ومن طريقه البيهقى ٢٠٧/٥ - من طريق حماد به.
(٣) فى الأصل، م: ((رواية)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٧٦٠) بلفظ : الجراد مثل صيد البحر .
(٥) فى م: ((عدى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٦٢/٣١.
٣٩٩

الموطأ
الاستذكار عامٍ مرّتين. لأنه قد جاء عن كعبٍ فى ذلك ما هو أشبهُ بما فى أيدى أهلِ العلمِ .
ذكرَ الساجىُّ، قال: حدَّثنا بُندارٌ، قال: حدَّثنى يحيى - يعنى القطانَ -
قال: حدّثنا سالمُ بنُ هلالٍ ، قال : حدثنا أبو الصدِّيقِ الناجئُ ، انه حجّ مع أبی
سعيد الخدرىِّ هو وكعبٌ، فجاء رجلٌ بجرادةٍ) ، فجعَل كعبٌ يضربُها
بسوطه، فقلتُ : يا أبا إسحاق ، ألستَ محرمًا ؟ قال : بلى ، ولكنه مِن صيد
البحرِ ، خرَج أولُه مِن مَنْخَرِ حوتٍ(٢).
قال أبو عمر : ففی هذا الخبرِ ان أول خلقِ الجرادِ کان مِن مَنْخٍَ حوتٍ ، لا
أنه اليومَ مخلوقٌ مِن نَثْرةِ حوتٍ ؛ لأن المشاهدةَ تدفعُ ذلك . ويعضُدُ هذا عن
کعب ما ذگره مالك عن یحیی بن سعیدٍ ، أن عمرَ إذ حگم کعبًا فى الجرادِ
حكَم فيها بدرهم ، فقال له عمرُ : إنك لتجِدُ الدراهمَ ! لتمرةٌ خيرٌ مِن جرادةٍ (١).
ولو کان عنده مِن صیدِ البحرِ ما حگم فیه بشىءٍ .
وجاء عن كعبٍ ، أنه رأى فى الجرادِ الفديةً؛ درهم فى الجرادةِ ، مِن غیرِ
هذا الوجهِ أيضًا، ذكَره الساجىُّ، قال: حدَّثنا الربيعُ، قال: حدَّثنا الشافعىُّ،
قال: أخبرنا سعيدُ بنُ سالمٍ، عن ابن جريجٍ، عن يوسفَ بنِ ماهَكَ، أن
القبس
(١ - ١) كذا فى الأصل، وفى م: ((رجل جرادة))، وفى مصدر التخريج: ((جراد)). ولعل
الصواب: «رجلُ جراد)» .
(٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١٣٠٠) من طريق سالم بن هلال عن أبى الصديق الناجى أن أبا
سعید حدثهم أنه حج وكعب فجاء جراد . فذكره .
(٣) سيأتى فى الموطأ (٩٥٦).
٤٠٠