Indexed OCR Text

Pages 341-360

الموطأ
منها قولُ عمرَ هذا، ومنها قولُ علىٍّ وطائفةٍ ، قالوا : إتمامُها أن تُحرِمَ بهما مِن الاستذكار
منزلك أو مسكنْك(١) . ومنها قولُ مَن قال: ﴿وَأَيِّقُواْ لَمَْجَّ وَالْعُبْرَةَ﴾: أى: أقيموا
الحجّ والعمرةَ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنى الثورىُّ، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن سليمانَ بنِ
موسى، عن طاوسٍ فى قولِه تعالى: ﴿وَأَيِّقُواْ لَمَْجِّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: إتمامُهما
أن تفردَهما " مؤتنَفّين من أهلِك) .
وقالت طائفةٌ مِن أهلِ العلم : إنما خوطِب بهذه الآيةِ مَن دخَل فى الحجّ أو
العمرة .
ذكّر عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سالمٍ، قال:
سُئل ابنُ عمرَ عن متعةِ الحَجّ فأمَر بها ، فقيل له : إنك تخالفُ أباك . فقال :
إن عمرَ لم يقلِ الذى تقولون(٢)، إنما قال عمرُ: أفرِدوا الحجَّ مِن العمرةِ،
فإِنه أتُّ للحجّ وأتمُّ للعمرةِ. أى: إن العمرةَ لا تَتِمُّ فى شهورِ الحجّ إلا
بهدي، وأراد أن يُزارَ البيتُ فى غيرِ شهورِ الحجّ، فجعَلتموها أنتم حرامًا
وعاقبتُم الناسَ عليها، وقد أحلَّها اللهُ تعالى، وعمِل بها رسولُ اللهِ وَهَ.
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٧٩ .
(٢ - ٢) فى م: ((وتحرم من دويرة أهلك)). واثتنف الشىء: ابتدأه واستقبله. الوسيط (أن ف).
والأثر أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٣٠/٣ من طريق الثورى به .
(٣) فى الأصل: ((تفعلون)).
٣٤١

الموطأ
٧٨٣ - وحدَّثنى عن مالك، أنه بلغه أن عثمانَ بنَ عفان كان إذا
اعتمر ، ربما لم يَحطُطْ عن راحلتِه حتى يَرجِعَ .
الاستذكار فإِذا أكثَروا عليه قال: كتابُ اللهِ أحقُّ أن يُتَبعَ أو عمرُ؟!(١).
قال : وأخبرنا معمرٌ، عن صدقةَ بنِ يسارٍ ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ:
القِرانُ بينَ الحجّ والعمرةِ أحبُّ إلىٍّ مِن المتعةِ(٢).
قال : وأخبرنى ابنُ التيمىٌّ، عن القاسمِ بنِ الفضلِ، قال: سمِعتُ رجلًا
قال لنافع(١): أنَهى عمرُ عن متعةِ الحجّ ؟ قال: لا ، أبعدَ كتابِ اللهِ (٤)؟!
وفى هذا البابِ مالكٌ، أنه بلغه أن عثمانَ بنَ عفانَ كان إذا اعتمر ربما لم
يَخْطُطْ عن راحلتِه حتى يرجعَ(٥).
المعنی فی هذا الخبرِ عن عثمانَ بنِ عفانَ ما کان علیه رضِی اللهُ عنه مِن
الحرصِ على الطاعةِ ، والقُربةِ إلى اللهِ بالانصرافٍ إلى دارِ الهجرةِ التى افتُرِض
عليه المُقامُ فيها ، وألا يظعنَ عنها إلا فيما لابدَّ منه مِن دِينٍ أو دنيا ؛ ظعْنَ سفرٍ لا
ظُعْنَ إِقامةٍ عنها، وكان مِن الفرضِ عليه وعلى كلِّ مَن كان مثلَه ألا يرجعَ
للسكنى والمُقامِ إلى الدارِ التى افتُرِض عليه الهجرةُ منها ، وانصرّف، وأن يجعَلَ
الانصرافَ إلى موضعٍ هجرتِه بمقدارٍ ما يمكِنُه . وإنما أرخص رسولُ اللهِ
وسـ
القبس
(١) أخرجه ابن حزم فى حجة الوداع ص٣٩٨، والبيهقى ٢١/٥ من طريق عبد الرزاق به .
(٢) أخرجه ابن حزم فى حجة الوداع ص ٤٥٠ من طريق عبد الرزاق به .
(٣) ليس فى : الأصل، م . والمثبت من مصدر التخريج .
(٤) أخرجه ابن حزم فى حجة الوداع ص٣٥٧، ٣٥٨ من طريق عبد الرزاق به .
(٥) الموطأ برواية أبى مصعب (١١٢٨).
٣٤٢

قال مالكٌ : العمرةُ سُنَّةٌ ، ولا نعلَمُ أحدًا مِن المسلمین أرخصَ فى
تَوْکِها .
الموطأ
للمهاجرِ أن يُقيمَ بمكةَ بعدَ قضاءٍ نُسُكِه ثلاثًا (١) ، يعنى لقضاء حاجاتِه. فرأى الاستذكار
عثمانُ أنه مُستغنٍ عن الرخصةِ فى ذلك؛ لِما يَلزَمُ مِن القيامِ مِن أمورٍ المسلمین،
فكان يُعجِّلُ الأَوْبةَ إلى دارِ مُقامِه بقيامِه بأمورِ الخاصة والعامةِ مِن المسلمين .
وفى هذا البابِ أيضًا قال مالكٌ: العمرةُ سنةٌ ، ولا نعلَمُ أحدًا مِن المسلمين
رځّص فی تر کها .
قال أبو عمرَ : هذا اللفظُ يدُلُّ ظاهرُه على وجوبِ العمرةِ ، وقد جهِل بعضُ
الناسِ مذهبَ مالكٍ، فظنَّ أنه يوجِبُ العمرةَ فرضًا بقولِه: ولا نعلَمُ أحدًا مِن
المسلمين رخّص فى تركِها. وقال: هذا سبيلُ الفرائضِ. وليس كذلك عندَ
جماعةِ أصحابِهِ ، ولا يختلفون عنه أنها سنةٌ مؤكدةٌ . وقال إبراهيم النخعىُّ: هى
سنةٌ حسنةٌ (٢). وكان الشافعىُ يقولُ ببغدادَ: هى سنةٌ لا فرضٌ. وقال بمصرَ :
هى فرضٌ لازمٌ كالحجّ مرةً فى الدهرِ . وهو قولُ ابنِ عمرَ ، وابنِ عباسٍ ، وعطاءٍ،
وطاوسٍ، ومجاهدٍ ، والحسنِ، وابنٍ سيرينَ، وداودَ، وسعيد بن جبيرٍ (١) . وبه
قال أحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو عبيدٍ ، وأبو ثورٍ على اختلافٍ عنه . وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه: هى تطوعٌ وليست بواجبةٍ. وهو قولُ الشعبىّ()، وبه قال أبو ثور
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٥٣٤/٥، ٥٣٥.
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٣٦/٣ .
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٧٦، وينظر ص ٢٧٩ - ٢٨٣.
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٨١ - ٢٨٣.
٣٤٣

الموطأ
الاستذكار وداودُ. ورُوِى عن ابنٍ مسعودٍ قال: الحجُ فريضةٌ، والعمرةُ تطوع(١). وذكر
الطبرىُّ أن قولَ أبى ثورٍ كقولِ الشافعىِّ المصرىِّ، يوجِبون العمرةَ. وذكره ابنُ
المنذرِ عن أبى حنيفةَ، فأخطأ عليه عندَ جماعةِ أصحابِه . وقال الثورىُّ: الذى
بلَغنا وسمِعنا أنها واجبةٌ . وقال الأوزاعىُ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إنها واجبةٌ
کوجوب الحج() .
قال أبو عمرَ : المعروفُ مِن مذهبٍ الثورىِّ والأوزاعىِّ إيجابُها ، ومِن حجةٍ
مَن لم يوجبِ العمرةَ، أن الله عزَّ وجلَّ لم يوجبٍ العمرةَ بنصّ مجتمعٍ عليه ، ولا
أوجبها رسولُه فى ثابتِ النقلِ عنه، ولا اتفَق المسلمون على إيجابِها، والفروضُ
لا تجبُ إلا مِن هذه الوجوهِ، أو مِن دليلٍ منها لا مدفعَ فيه . وحجةُ مَن أوجبها -
وهم الأكثرُ - قولُه تعالى: ﴿وَأَتِقُواْ لاَلْتَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. ومعنى أتِثُوا عندَ مَن قال
بذلك: أقيموا الحجّ والعمرةَ للهِ. وقالوا: لمَّا كان: ((أقيموا)) فى قولِه تعالى:
• [النساء: ١٠٣]. أى: فأتِثُوا الصلاةَ. كان
﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ
معنى أتِمُوا أَقِيموا .
وروی الثوریّ، عن منصورٍ والأعمش، عن إبراهيم: فی حرف ابنٍ
مسعودٍ : (وَأَقِيمُوا الحجّ والعُمْرَةَ إلى البيتِ). قال: الحجُ المناسكُ كلُّها،
والعمرةُ الطوافُ والسعىُّ(٣).
القبس
(١) تقدم ص ٢٨٣.
(٢) تقدم ص ٢٨٢ .
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٣٤/٣ من طريق آخر بنحوه .
٣٤٤

الموطأ
ذكر ابنُ وهب، عن مالكِ، قال: العمرةُ سنةٌ وليست بواجبةٍ مثلَ الحجّ، الاستذكار
لكلِّ شىءٍ قدرٌ.
وذكر ابنُّ وهب عن مالكِ أيضًا، قال : لا يعتمرُ فى السنةِ إلا مرةً، كما لا
يحجُ إلا مرةً . وقال أحمدُ وإسحاقُ : العمرةُ واجبةٌ وتقضِى منها المتعةُ . وهو
قول جماعةٍ مِن السلف . ورُوِی عن عمر بن الخطاب ، قال : کتَب اللهُ علیکم
الحجّ والعمرةَ . وژُوِى وجوبُ العمرة عن على ، وابن عباسٍ ، وابن عمر . وروى
ابنُّ عيينةً، عن عمرٍو، عن طاوسٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: واللهِ إنها لقرينتُها فى
كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنِعُواْ الَّْ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهَ ﴾(١).
وروَى ابنُّ جريجٍ، وأيوبُ ، وعبيدُ اللهِ ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ ، أنه قال :
ليس أحدٌ إلا وعليه حَّةٌ وعمرةٌ واجبتان إن استطاع إليهما السبيل . .
والآثارُ عمن ذكّرنا كثيرةٌ جدًّا. ورُوِى عن عائشةَ، أنها قالت:
يا رسولَ اللهِ، على النساءِ جهادٌ؟ قال: «نعم». قال: «جھادٌ لا قتالَ فیہ ؛
الحجّ والعمرةُ))(٢).
ومعنى هذه الآيةِ عندَ مَن لم يوجبِ العمرةَ فرضًا، وجوبُ إتمامِها وإتمامٍ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٧٩ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٧٩، ٢٨٠.
(٣) أخرجه أحمد ١٩٨/٤٢ (٢٥٣٢٢)، وابن ماجه (٢٩٠١).
٣٤٥

الموطأ
الاستذكار الحجّ على مَن دخَل فيهما . قالوا: ولا يقالُ: أتِمُّوا . إلا لمن دخل فى ذلك
العملِ . واستدلُّوا على صحةٍ هذا التأويلِ بالإجماع على أن مَن دخَل فى حجةٍ أو
عمرةٍ؛ ضرورةً كانت أو غيرَ ضرورةٍ ، متطوعًا كان أو مؤدِّيًا فرضًا ، ثم عرض له
ما يفسدُه عليه - أنه واجبٌ عليه إتمامُ ذلك الحجّ وتلك العمرة ، والتمادِی فيهما
مع فسادِهما حتى يُتُمَّهما، ثم يقضِى بعدُ، بخلافٍ الصلاةِ. وهذا الإجماعُ
أولى بتأويلِ الآيةِ إلى مَن ذهَب إلى إيجابِ العمرةِ ؛ لظاهرٍ قولِه تعالى: ﴿وَأَنِقُوا
اٌلَْجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وفى تأويلِ الآيةِ أيضًا قولان آخران قد مضى ذكرُهما فى هذا
البابِ. ومِن حُجَّةٍ مَن لم يوجبِ العمرةَ حديثُ الحجاج بن أرطاةَ، عن
محمدِ بنِ المنكدرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: سأل رجلٌ النبيَّ وَلِّ عن
العمرةِ: أواجبةٌ هى؟ قال: ((لا، ولأن تعتمرَ خيرٌلك)) (١) . وهذا لا حجةً فيه عندَ
أهلِ العلمِ بالحديثِ ؛ لانفرادٍ الحجاج به، وما انفرَد به فليس بحجةٍ عندَهم .
وقد روی شعبةُ ، عن النعمان بن سالم ، عن عمرو بن أوسٍ ، عن أبى رَزینٍ،
قال : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، إن أبى شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجّ ولا العمرةَ؟ قال:
((فاحجُجْ عن أبيك واعتمِرْ)) (١) . وهذا الحديثُ عندَهم أصُ مِن حديثٍ
الحجاج بن أرطاةً . وقد روَى الثورىُّ، عن معاويةً بنِ إسحاقَ ، عن أبى صالحٍ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٧٦، ٢٧٧ .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤٩٩ .
٣٤٦

الموطأ
الحنفيّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((الحجُ واجبٌ، والعمرةُ تطويٌ)). الاستذكار
وهذا منقطگ لا حبّةً فیه. ومثلُه مما يعارضُه حدیثُ عبدِ اللهِ بنِ أُبی بکرِ بنِ
محمدِ بنِ عمرو بنٍ حزمٍ، أن فى الكتابِ الذى كتبه رسولُ اللهِ وَّيِ لعمرو بنِ
حزمٍ: ((العمرةُ الحجُّ الأصغرُ)) .
وذكرَ عبدُ الرزاقٍ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ ، أنه كان يحدِّثُ أنه لمّا
نزَلْت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنما هى حج وعمرةٌ، فمَن قضاهما فقد قضَى الفريضةَ،
والذى نفسى بيدِه لو قلتُ: كلّ عام. لوجَبت)). قال معمرٌ: قال قتادةُ : العمرةُ
واجبةٌ .
قال: وأخبرنا ابنُ جريجٍ، عن ابن عطاءٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ (١).
قال: وأخبرنا ابنُ عيينةً، عن عمرو بن دينارٍ، عن طاوسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ.
عباسٍ: إنها لقرينتُها فى كتابِ اللهِ. ثم قرأ: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾.
قال : وأخبرنى الثورىُّ، عن سعيدِ الجُريرىِّ وسليمانَ التيمىِّ ، عن حیَّانَ بنِ
عميرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: العمرةُ واجبةٌ(٤).
القبس
(١) أخرجه الشافعى ١٣٢/٢، والبيهقى ٣٤٨/٤ من طريق الثورى به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٨٢ .
(٣) تقدم تخريجه ص٢٧٩.
(٤) تقدم تخريجه ص٢٨٦، ٢٨٧.
٣٤٧

الموطأ
قال : وأخبرنا ابنُ جريج، قال : أخبرنى نافعٌ، أنه سمع عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
الاستذكار
يقولُ : ليس مِن خلقِ اللهِ أحدٌ إلا وعليه حجةٌ وعمرةً واجبتان مَن استطاع إليه
سبيلاً، ومَن زاد بعدَهما شيئًا فهو خيرٌ وتطوع (١) .
قال : وأخبرنى الثورىُّ، ومعمرٌ، عن ابن جريجٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ،
قال : العمرةُ واجبةٌ .
قال: وأخبرنا "عبدُ الملك٢ِ) بنُ أبي سليمانَ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ
عن العمرةِ واجبةٌ هى؟ قال: نعم. فقال له قيسُ(١٢) بنُ رُومانَ: إن الشعبىُّ يقولُ:
ليست واجبةً. قال: كذَب الشعبىُّ، إن الله تعالى يقول: ﴿وَأَيِّقُواْ الْتَجَّ وَالْعُمْرَةَ
(٤)
◌ِئِ﴾(٤) .
قال أبو عمرَ: قولُه: كذَب . ههنا معناه: غلِط. وهو معروفٌ فى اللغةِ،
وقد أتَينا بشواهدِه فى غيرِ هذا الموضعِ .
قال عبدُ الرزاقِ : أخبرنا ابنُ جريج ، عن عطاءٍ ، قال : ليس مِن خلقِ اللهِ أحدٌ
إلا وعليه حجةٌ وعمرةٌ واجبتان لا بدَّ منهما، كما قال اللهُ تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾. حتى أهلُ بَوادِینا» ، إلا أهلَ مكةَ، فإن عليهم حجةً وليست
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٧٩، ٢٨٠.
(٢ - ٢) فى م: ((عبد الله)).
(٣) فى م: ((نسير)).
(٤) تقدم تخريجه ص٢٨٢، ٢٨٣.
(٥) فى النسخ: ((بوادى قائل)). والمثبت من أخبار مكة ٧٢/٣، والدر المنثور ٣٣٢/٢.
٣٤٨

قال يحيى: قال مالك: ولا أرى لأحدٍ أن يَعتَمِرَ فى السنةِ مرارًا. الموطأ
الاستذكار
عليهم عمرةٌ ؛ مِن أجلٍ أنهم أهلُ البيتِ يطوفون به، وإنما العمرةُ مِن أجلٍ
(١)
الطواف(١) .
قال أبو عمرَ: قولُ عطاءٍ هذا بعيدٌ مِن النظرِ، ولو كانت العمرةُ ساقطةً عن
أهلِ مكةً لسقَطت عن الآفاقى . واللهُ أعلمُ .
وأما قولُ مالكِ فى هذا البابِ : لا أرى لأحدٍ أن يعتمرَ فى السنةِ مرارًا . فقد
قاله غيرُه . وإن كان جمهورُ العلماءِ على إباحةِ العمرةِ فى كلِّ السنةِ ؛ لأنها ليس
لها عندَ الجميعِ وقتٍّ معلومٌ ولا وقتّ ممنوعٌ لأن تقامَ فيه، إلا مِن بعدٍ طوافٍ
الحاجّ بالبيتٍ أو أخذِه فى الطوافِ، أعنى طوافَ القُدومِ ، إلى أن يُمّ حبّه، وما
عدا هذا الوقتَ فجائزٌ عملُ العمرةِ فيه العامَ كلَّه. إلا أن مِن أهلِ العلمِ مَن
استحبَّ ألا يزيدَ فى الشهرٍ على عمرةٍ، ومنهم مَن استحبَّ ألا يعتمرَ المعتمرُ فى
السنةِ إلا مرةً واحدةً كما قال مالكٌ؛ لأن رسولَ اللهِ وَلِ﴿ لم يجمَعْ عمرتين فى
عامٍ . والجمهورُ على جوازِ الاستكثارِ منها فى اليوم والليلةٍ؛ لأنه عملُ برِّ وخيرٍ ،
فلا يجبُ الامتناعُ منه إلا بدليلٍ ، ولا دليلَ يمنَعُ(١) منه، بل الدليلُ بدُلَّ عليه بقولِ
اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]. وقال رسولُ اللهِ وَّةٍ:
(«العمرةُ إلى العمرة كفارةٌ لِما بينَهما، والحجُ المبرور ليس له جزاء إلا
الجنةُ))(٢). وأما الاستحبابُ فغيرُ لازمٍ، ولا يضيقُ لصاحبِه.
القبس
(١) تقدم ص ٢٨٠.
(٢) فى الأصل، م: ((أمنع)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) تقدم فى الموطأ (٧٨٠) .
٣٤٩

الموطأ
ذكَر عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنى الثورىُّ ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ ، قال:
الاستذ کار
كانوا لا يعتمِرون فى السنةِ إلا مرةً واحدةً(١).
قال : وأخبرنا جعفر، عن هشام، عن الحسن، أنه كان يكرهُ عمرتین فی
سنةٍ . وقال ابنُ سيرينَ : تُكرهُ العمرةُ فى السنةِ مرتین .
وأما الذين أجازوا العمرةَ فى السنةِ مرارًا ؛ فمنهم علىّ ، وابنُ عباسٍ، وابنُ
عمرَ، وعائشةُ، وأنسٌ، والقاسمُ بنُ محمدٍ ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ المسئَّبِ .
ذكَر عبدُ الرزاقٍ ، عن ابنٍ عيينةً، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ ، قال: اعتمَرتْ عائشةُ فى سنةٍ ثلاثَ مراتٍ ؛ مرةً مِن الُحفةِ ، ومرةً
مِن التنعيمِ، ومرةً مِن ذى الخليفةِ .
قال: وأخبرنا عبيدُ اللهِ وعبدُ اللهِ ابنا عمرَ، عن نافع، أن ابنَ عمرَ اعتمر
فى "السّنةِ مرتين).
قال: وأخبرنا معمرٌ و("الثورىُّ، عن صدقةً، عن القاسم، قال: فرَّطَت
عائشةُ فى الحجُّ ، فاعتمرت تلك السنةَ مرارًا ثلاثًا . قال صدقةٌ : قلتُ للقاسم :
أنكَر عليها أحدٌ ؟ قال: سبحانَ اللهِ ! على أمّ المؤمنين ؟!
وذكّر الطبرىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٢٨٥ .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((السنتين عمرتين))، وفى م: ((عام القتال عمرتين)). والمثبت مما تقدم ص ٢٨٤.
(٣) فى الأصل، م: ((عن)). والمثبت مما تقدم ص٢٨٤.
٣٥٠

قال مالكٌ فى المُعتَمِرِ يقَعُ بأهلِه: إن عليه فى ذلك الهدىَ، وعمرةً الموطأ
أخرى يَتَدِئُ بها بعدَ إتمامِه التى أفسد ، ويُحرِمُ مِن حیثُ أحرمَ بعمرتِه
جعفرٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبى عروبةَ ، عن قتادةَ ، عن معاذةَ ، عن عائشةَ، قالت: الاستذكار
العمرةُ فى السنةِ كلِّها إلا أربعةً أيامٍ ؛ هى يومُ عرفةَ، ويومُ النحرِ ، وأيامُ التشريقِ .
قال أبو عمرَ : هذا قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ ، قالوا : العمرةُ جائزةٌ فى السنةِ
كلِّها إلا يومَ عرفةً، ويومَ النحرِ، وأيام التشريقِ ؛ فإنها مكروهةٌ فيها . وكان
القاسمُ يكرهُ عمرتَين (١ فى شهرٍ واحدٍ)، ويقولُ: فى كلِّ شهرٍ عمرةٌ. وكذلك
قال طاوسٌ: فى كلِّ شهرٍ عمرةٌ. وعن علىٍّ رضِى اللهُ عنه: فى كلِّ شهرٍ
عمرةً(٢) . وقال عكرمةُ: يعتمرُ متى شاءُ(١) . وقال عطاء: إن شاء اعتمَر فى كلِّ
شهرٍ مرتين " . وعن طاوسٍ : إذا ذهَبَتْ أيام التشريقِ فاعتمِرْ ما شئتَ(٢) . وقال
الثورىُّ: السَّنَةُ كلَّها وقتُ العمرةِ يعتمرُ فيها مَن شاء متى شاء. وهو قولُ أبى
حنيفةً، والشافعىِّ، وسائرِ الفقهاءِ، إلا ما ذكرنا مِن تخصيصٍ أيام التشريقِ . وقد
يحتمِلُ قولُ الثورىِّ أن يجوِّزَ العمرةَ لكلِّ مَن طاف طواف الإفاضةِ ؛ لأنه قد
دخَل الحِلَّ كلَّه، وليست العمرةُ بواجبةٍ مِن أيام التشريق .
قال مالكٌ فى المعتمرِ يقعُ بأهلِه : إن عليه فى ذلك الهدىَ وعمرةً أخرى
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((فيها)). والمثبت مما تقدم ص ٢٨٥ .
(٢) أخرجه الشافعى ١٣٥/٢، وابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٨٦ .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ص٨٦ (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٨٦ بنحوه .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ص٨٧ (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٨٧ بنحوه .
٣٥١

الموطأ التى أفسد، إلا أن يكونَ أُحرم من مكانٍ اُبعَدَ مِن میقاته ، فليس عليه أن
يُحرِمَ إلا مِن میقاتِه .
الاستذكار يبتدِثُها بعدَ إتمامِه التى أفسَد، ويُحرمُ مِن حيثُ أُحرَّم بعمرتِه التى أفسد، إلا أن
يكونَ أحرّم مِن مكانٍ أَبعدَ مِن ميقاتِه، فليس عليه أن يُحرمَ إلا مِن ميقاتِه .
قال أبو عمرَ: لا يختلفُ العلماءُ فى أن كلَّ مَن أفسد عمرتَه بوطءِ أهلِه أن
علیه إتمامها ثم قضاءها ، إلا شیء جاءعن الحسن البصرىِّ سنذ گُه فى بابٍ مَن
وطِئ فى حجّه ، لم يتابعه عليه أحدٌ ، فإنهم مُجمِعون - غيرَ الرواية التى جاءت
عن الحسنِ - على التمادِى فى الحجّ والعمرةِ حتى يُتُمَّ ذلك، ثم القضاءُ بعدُ ،
والهدىُ للإفسادِ . إلا أنهم اختلفوا فى الوقتِ الذى إذا جامَع فيه المعتمر
أفسَد عمرتَه ؛ فمذهبُ مالكِ والشافعيّ أن المعتمرَ إذا وطِئَ بعدَ إحرامِه
بالعمرةِ إلى أن يُكمِلَ السعىَ بعدَ الطوافِ فعليه عمرتُه، وعليه المضِىُّ فيها
حتى يُّمَّ، والهدىُ لإفسادِها، ثم قضاؤها، وإن جامَع قبلَ الحِلاقِ وبعدَ
السعي فعليه دمّ. وهو قولُ الشافعيّ؛ قال الشافعيُّ: إن جامَع المعتمرُ فيما
بِينَ الإحرامِ وبينَ أن يفرغَ من الطوافِ والسعىِ أَفْسَد (١) عمرتَه. وقال أبو
حنيفةً: إن طاف ثلاثةَ أشواطٍ ثم جامع فقد أفسَد عمرتَه، وإن طاف أربعةً
أشواط ثم جامع فعليه دمّ، ولم يكنْ عليه قضاءُ عمرتِه، ويتمادَى ويجزِئُه،
وعليه دم يجزِئُه منه شاةٌ .
قال أبو عمرَ : الصوابُ فى هذه المسألةِ ما قاله مالكٌ والشافعىُّ، وأما قولُ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((أفرد)). وهو تصحيف، والمثبت هو الصواب.
٣٥٢

قال يحيى : قال مالك: ومن دخَل مكةً بعمرةٍ ، فطاف بالبيتٍ وسعى الموطأ
بينَ الصفا والمروةِ وهو مُنُبٌ أو على غير وضوءٍ، ثم وقَع بأهلِه ، ثم ذكر .
قال : يَغْتَسِلُ أو يتوضأُ ثم يعودُ فِيَطوفُ بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ ، ويعتَمِرُ
عمرةً أخرى، ويُهدِى، وعلى المرأةِ إذا أصابَها زوجها وهى مُحرِمَةٌ ، مثلُ
ذلك .
الكوفيين فلا وجه له إلا خطأُ الرأيِ ، والإغراقُ فى القياسِ الفاسدِ على غيرِ أصل، الاستذكار
وقال الشافعىُّ: أحبُّ لمَن أفسَد عمرتَه أن يعجّلَ الهدىَ، وله أن يؤخِّرَه إلى
القضاءِ . وأما مالكٌ فاستحبَّ تأخيرَه إلى القضاءِ. وكلُّهم يرى أن يقضىّ العمرةَ
مَن أفسَدِها مِن ميقاتِه الذى أحرَم منه بها ، إلا أن مالكًا قال : إن كان أحرَم بها مِن
أبعدَ مِن ميقاتِه أجزأه الإحرامُ بها مِن الميقاتِ .
وقال مالكٌ: مَن دخَل مكةَ بعمرةٍ ، فطاف بالبيتٍ وسعَى بينَ الصفا والمروةِ
وهو جنبٌ أو على غيرِ وضوءٍ، ثم وقَع بأهلهِ ، ثم ذكَّر ، قال : يغتسلُ ويتوضأُ ،
ثم يعودُ يطوفُ بالبيتِ، ويسعَى بينَ الصفا والمروةِ ، ويعتمرُ عمرةً أخرى
ويُهدى، وعلى المرأةِ إذا أصابها زوجها وهى محرمةٌ مثلُ ذلك .
قال أبو عمرَ : إنما أمره بإعادةٍ الطوافٍ ؛ لأن طوافَه كان كَلا طوافٍ ، إِذ
طاقَه على غيرٍ طهارةٍ ، ولمّا كان على المفسدِ عمرتَه التمادِى فيها حتى يتِمَّها ،
أُمِر بالكفارةِ للطوافٍ ؛ لأنه كالصلاةِ لا يُعملُ منه شىءٌ إلا بالطهارةِ . وهو قولُ
الشافعىِّ. ويلزَمُ أبا حنيفةَ وأصحابَه أن يأمُروه بالطهارةِ؛ لأنه بمكةً لم يرجع إلى
بلدِه إن كان وطؤُّه قبلَ أن يُكمِلَ أربعةً أشواطٍ .
القبس
٣٥٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٣/١٠)

قال مالك: فأما العمرةُ من التَّنعيم، فإنه من شاء أن يخرُجَ مِن الحرم
الموطأ
ثم يُحرِمَ ، فإن ذلك مُجْزِئٌّ عنه إن شاءَ اللهُ، ولكنِ الفضلُ أن يُهِلَّ مِن
الميقاتِ الذى وَقَّت رسولُ اللهِ وَلِّ أو ما هو أبعدُ من التنعيمِ .
الاستذكار
قال مالك: فأما العمرةُ مِن التنعيم، فإنه مَن شاء أن يخرُجَ مِن الحرم ثم
يُحرِمَ ، فإن ذلك يجزئُ عنه إن شاء، ولكن الأفضلَ أن يُهِلُّ مِن الميقاتِ الذى
وقَّت رسولُ اللهِ وَّهِ أو ما هو أبعدُ مِن التنعيمِ .
قال أبو عمرَ : لا مدخلَ للقولٍ فى هذا، وإنما اختار مالكٌ رحِمه اللهُ أن
يُحرِمَ المعتمرُ بالعمرةِ مِن الميقاتِ؛ لأن رسولَ اللهِ وَلّهِ وَقَّت المواقيتَ للحاج
منهم، والمعتمرُ بالعمرةِ مِن ميقاتِ رسولِ اللهِ وَلَّ أفضلُ، والتنعيمُ أقربُ
الجِلِّ، وشأنُ العمرةِ أن يجمعَ فيها بينَ الحِلِّ والحرم ؛ لأن العمرةَ معناها
اللُّغوىُّ الزيارةُ ، وفى الشرعىِّ القصدُ من الحِلِّ إلى الطواف بالبيتِ والسعي.
هذا ما لا خلافَ فيه، ولا تصِحُ العمرةُ عندَ الجميع إلا مِن الحلِّ لمكيّ
وغيرِ مكىٌّ ، فما بَعُد كان أكثرَ عملًا وأفضلَ ، ويجزئُ أقلُّ الحِلِّ وهو التنعيمُ؛
وذلك أن يُحرِمَ بها مِن الحِلِّ، فأقصاه المواقيتُ وأدناه التنعيمُ .
واختلف العلماءُ فيمَن أحرَم بعمرةٍ مِن الحرم ؛ فقال مالكٌ: ما رأيتُ أحدًا
فَعَل ذلك، ولا يُحرِمُ أحدٌ مِن مكةَ بعمرةٍ . وقال أبو حنيفةً وصاحباه : مَن أحرَم
بمكةً أو مِن الحرمِ بعمرةٍ ؛ فإن خرَج محرمًا إلى الحِلِّ، ثم عمِل عمرتَه، فلا شىءَ
عليه، وإن لم يفعلْ حتى حلَّ فعليه دمٌ لتركِه الميقاتَ، وكذلك لو طاف بها
شوطًا أو شوطَين لزِمه الدمُ ولا يُسقطُه عنه خروجُه إلى الميقاتِ.
القبس
(١ - ١) سقط من : م .
٣٥٤

نكاح المحرم
الموطأ
٧٨٤ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن ربيعةً بن أبى
عبد الرحمنِ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن رسولَ اللهِ وَ لَه بعَث أبا رافع
مولاه، ورجلاً مِن الأنصارِ فزوَّجاه ميمُونةَ بنتَ الحارثِ ورسولُ اللهِ
وَّر بالمدينة ، قبلَ أن يَخرُجَ .
قال أبو عمرَ: قياسُ قولٍ مالكٍ عندى فيمَن أحرَم بعمرةٍ مِن الحرم ، أنه الاستذكار
يلزَمُه الدمُ ولا ينفعُه خروجُه إلى الحِلِّ بعدَ إحرامِه بالعمرةِ مِن مكةً. والثانی، إن
خرَج ملًّا يلِّى بالعمرةِ وخارجًا مِن الحرم يدخُلُ، ثم يدخلُ فيطوفُ بالبيتِ
ويسعى ، أنه لا شىءَ عليه(١) .
مالكٌ، عن ربيعةً بن أبى عبد الرحمنِ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ ، أنَّ
رسولَ اللهِ نَّهِ بعَث أبا رافع مولاه ورجلاً مِن الأنصارِ، فزوَّجاه ميمونةَ ابنةً
الحارثِ، ورسولُ اللهِ وَ لِّ بالمدينةِ قبلَ أنْ يَخرُجَ(١).
التمهيد
هذا الحديثُ قد رِوَاهِ مَطَرّ الورَّاقُ، عن ربيعةً، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ ، عن
أبى رافعٍ. وذلك عندى غَلَطْ مِن مَطَرٍ ؛ لأَنَّ سليمانَ بنَ يسارٍ وُلِد سنةً أُربعٍ
القبس
(١) كذا فى ك١، م، والعبارة فى سياقها اضطراب، ولعل الصواب: إن خرج ملبيا يلبى بالعمرة
خارجا من الحرم إلى الحل ، يدخل ثم يطوف بالبيت .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢٣/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١١٧٦، ١٥٣٦).
وأخرجه ابن سعد ١٣٣/٨، والشافعى ٧٨/٥، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٧٠/٢، وشرح المشكل
(٥٨٠١)، والبيهقى فى المعرفة (٢٨٨٨، ٤٢٤٣) من طريق مالك به .
٣٥٥

الموطأ
التمهيد وثلاثين، وقيل: سنةً سبعٍ وعشرين. ومات أبو رافعٍ بالمدينةِ بعدَ قتلٍ عثمانَ
بیسیرٍ ، و کان قتلُ عثمانَ رضِى اللهُ عنه فی ذِی الحجّةِ سنةً خمسٍ وثلاثین ،
وغیر جائٍ ولا مُمکِنٍ أن یسمَعَ سلیمانُ بنُ یسارٍ مِن أبی رافعٍ، وممکنٌ صحيحٌ
أن يسمعَ سليمانُ بنُ يسارٍ مِن ميمونةَ؛ لما ذكرنا مِن مولدِه ، ولأَنَّ ميمونةَ مولاتُه
ومولاةُ إخوتِه، أعتقَتْهم، وولاؤهم لها، وتُؤُفِّيَتْ ميمونةُ سنةَ سِتِّ وستِّين،
وصلَّى عليها ابنُ عباسٍٍ، فغيرُ نَكِيرٍ أن يَسمَعَ منها ، ويَستَحِيلُ أن يَخْفَى عليه
أمرُها، وهو مولاها، ومَوضِعُه مِن الفِقْهِ مَوضِعُه. وقصَّةُ ميمونةَ هذه أصلُ هذا
البابِ عندَ أهلِ العلمِ، وغيرُ مُمكِنٍ سَماعُه مِن أبى رافعٍ، فلا معنَى لروايةِ مَطَرٍ،
وما رَواه مالكٌ أولَى . وبالله التوفيقُ.
أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ یحیی ، قال: حدَّثنا عبدُ الحمیدِ بنُ
أحمدَ الورّاقُ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ محمدِ بنِ
هانى أبو بكرِ الأثرمُ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ
زيدٍ، عن مَطَرِ الورّاقِ، عن ربيعةً، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن أبى رافعٍ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَ لِ تَزَوَّجَ مَيمونةَ وهو حلالٌ، وبنَى بها وهو حلالٌ، وكنتُ الرّسولَ
(١)
بينَهما(١).
وحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قراءةً مِنِّى عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ١٣٤/٨، والبيهقى فى المعرفة (٢٨٨٩) من طريق سليمان به ، وأخرجه أحمد
١٧٣/٤٥، ١٧٤ (٢٧١٩٧)، والدارمى (١٨٦٦)، والترمذى (٨٤١)، والنسائى فى الكبرى
(٥٤٠٢) من طريق حماد به .
٣٥٦

الموطأ
التمهيد
حدَّثهم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا
حمادُ بنُ زيدٍ، عن مَطَرٍ، قال: حدَّثنى ربيعةُ بنُ أبى عبدِ الرحمنِ، عن
سلیمانَ بنِ یسارٍ ، عن أبی رافع، اُنَّ رسولَ اللهِ پټ تزوَّچ میمونةً حلالًا ، وبنی
بها حلالاً، وكنتُ الرسولَ بينَهما (١).
قال أبو عمرَ : فى روايةِ مالكِ لهذا الحديثِ دليلٌ على جوازِ الوَكالةٍ فى
النِّكاحِ، وهذا أمرٌ لا أعلمُ فيه خِلافًا. والرّوايةُ أنَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ تزوَّجَ ميمونةَ
وهو حلالٌ مُتواترةٌ عن ميمونةَ بعينها، وعن أبى رافع مولَى النبيِّ وَّه، وعن
سليمانَ بنِ يَسارٍ مولاها، وعن يزيدَ بنِ الأصمّ ؛ وهو ابنُ أُختِها . وهو قولُ
سعيدِ بنِ المسيَّبِ، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وأبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وابنٍ
شهابٍ، وجمهورِ علماءِ المدينةِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ ليه لم يَنكِخ ميمونةَ إلا وهو
حلالٌ قبلَ أن يُخْرِمَ. وما أعلمُ أحدًا مِن الصحابةِ روَى أنَّ رسولَ اللهِ وَلِ نَكَحِ
ميمونةً وهو مُحرِمٌ ، إلا عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ ، وروايةُ مَن ذكَرْنا مُعارِضٌ لروايتِه ،
والقلبُ إلى روايةِ الجماعةِ أميَلُ؛ لأَنَّ الواحِدَ أقربُ إلى الغَلَطِ، وأكبرُ(٢) أحوالٍ
حديثٍ ابنِ عباسٍ أن يُجعَلَ مُتعارِضًا مع روايةٍ مَن ذكَرنا، فإذا كان كذلك(٣)
سقَط الاحتجاجُ بجميعِها ، ووجَب طلبُ الدليلِ على هذه المسألةِ مِن غيرِها ،
القبس
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٦٤/٣، والطبرانى (٩١٥)، والبيهقى ٢١١/٧ من طريق مسدد به.
(٢) فى ك١، م: ((أكثر)).
(٣) فى س: ((ذلك)).
٣٥٧

الموطأ
التمهيد فوجَدنا عثمانَ بنَ عفانَ رضِىَ اللهُ عنه قد روَى عن النبيِّ وَّ أَنَّه نهَى عن نكاح
المحرمٍ، وقال: ((لا يَنكِحُ المحرمُ، ولا يُنكِحُ)). فوجَب المصيرُ إلى هذه
الرّوايةِ التى لا مُعارِضَ لها ؛ لأنَّه يَستحيلُ أن يَنْهَى عن شىءٍ وَيَفْعَلَه، مع عملٍ
الخلفاءِ الرَّاشدين لها؛ وهم عمرُ، وعثمانُ، وعلىٍّ، رضِى اللهُ عنهم. وهو قولُ
ابن عمر، وأكثر أهل المدينة. وسنذ کرُ حدیثَ عثمانَ فی موضعِه مِن کتابِنا
هذا؟ إن شاء اللهُ .
وذكَر مالكٌ(١)، عن داودَ بنِ الحصينِ، عن أبى غَطَفَانَ بنِ طريفٍ المرِّىِّ
قال: تزوَّجَ أبى وهو مُحرمٌ، ففرَّقَ بينَهما عمرُ بنُ الخطّابِ.
وروَى قتادةُ، عن الحسنِ، سَمِعه يُحدِّثُ، عن علىِّ بن أبى طالبٍ(١) ،
قال : أيُّما رجلٍ نكَح وهو محرمٌ فَقْنَا بينَه وبينَ امْرأتِه(٤) .
وروَى الثورىُّ، عن قدامةَ بن موسى ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسئَّبِ عن
مُحرِمٍ نكَح ، قال : يُفرَّقُ بينَهما(٥).
فهؤلاء يَفسَخُون نِكاحَ المحرم، وهم جِلَّةُ العلماءِ مِن الصحابة والتابعين،
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٧٨٥) .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٧٨٦).
(٣) بعده فى س: ((أن رسول الله اَلِيمٍ)).
(٤) أخرجه البيهقى ٦٦/٥، ٢١٣/٧ من طريق الحسن به بنحوه .
(٥) أخرجه الدارقطنى ٢٦٠/٣، والبيهقى ٦٦/٥ من طريق سفيان به.
٣٥٨

الموطأ
التمهيد
والتَّفريقُ لا يكونُ إلا عن بصيرةٍ مُستَحْكِمَةٍ ، وأنَّ ذلك لا يكونُ عندَهم ، واللهُ
أعلمُ، كذلك إلا لصِحَّتِه عندَهم عن رسولِ اللهِ وَلآه .
وذکرَ عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن ابنٍ
عمرَ قال: لا يَتَرَوَّجُ المحرمُ، ولا يَخطُّبُ على غيرِه.
وروَى مالكٌ(١)، وأيوبُ، وعبيدُ اللهِ بنُّ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، أنَّه
قال : لا ینکُ المحرمُ، ولا ◌ُنكِحُ، ولا يَخطُبُ .
قال عبد الرزاقٍ : وأخبرنى معمر، عن عبد الکریم الجَزَرِىِّ ، عن میمونِ بنِ
مهرانَ قال: سأَلْتُ صَفِيَّةً ابنةَ شيبةَ: أتزوَّجَ رسولُ اللهِ وَ لِّ مَيمونةَ وهو محرمٌ؟
فقالت : بل تَزوَّجَها وهو حلالٌ(٢).
قال: وأخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ وجعفرٍ بنٍ بَرقانَ، قالا: كتَب عمرُ بنُّ
عبدِ العزيزِ إلى ميمون بن مهرانَ أَنْ يسألَ يزيدَ بنَ الأصمِّ كيف تَوَّجَ رسولُ اللهِ
وَلَّه ميمونةَ، أحلالًا أم حرامًا؟ فسألَه، فقال: بل تزوَّجَها حلالًا. وكتب
(٣)
بذلك إليه(٣) .
فهذا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَقْتَعُ فى ذلك بيزيدَ بنِ الأصمِّ ؛ لعِلْمِه باتِّصالِه بها ،
وهى خالتُه، ولثقتِه به .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٧٨٧).
(٢) أخرجه الطبرانى ٢١/٢٤ (٤٦)، والبيهقى ٢١١/٧ من طريق عبد الرزاق به .
(٣) أخرجه ابن سعد ١٣٤/٨ من طريق أيوب وجعفر به .
٣٥٩

الموطأ
قال عبدُ الرزاقٍ : وأخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، قال: أخبرنى يزيدُ بنُ
الأصمِّ، أنَّ النبيَّ وَلَّهِ تزوَّجَ ميمونةَ حلالًا(١).
التمهید
ورؤَی حمادُ بنُ سَلَمَةً ، عن حبیبٍ بنِ الشَّهیدِ ، عن ميمون بن مهران، عن
يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ميمونةَ قالت: تزوَّجنى رسولُ اللهِ وَ لَّهِ بِسَرِفٍ، وهما
حلالانٍ بعدَما رجع من مكةً(٢) .
وقرأْتُ على سعيدِ بنِ نَصرٍ ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم ، قال : أخبرنا ابنُ
وضَّاحِ، قال: أخبرنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال: أخبرنا يحيى بنُ آدمَ ، قال :
أخبرنا جريرُ بنُ حازمٍ ، قال: حدَّثنا أبو فَزَارَةَ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ قال: حدَّثتنى
ميمونةُ بنتُ الحارثِ، عن رسولِ اللهِ وَلَّ، أَنَّه تزوَّجها وهو حلالٌ. قال:
وكانت خالتى وخالةً ابنِ عبَّاسٍ" .
واختلف فقهاءُ الأمصارِ فى نكاح المحرِمِ ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه،
والليثُ ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ، ( وأحمدُ بنُّ حنبلٍ": لا يَنكِحُ المُخْرِمُ، ولا
يُنكِخُ. وقال أبو حنيفةً، وأصحابُه، والثَّورِىُّ: لا بأسَ أنْ يَنكِحَ المحرمُ ، وأنْ
◌ُنکِخْ .
القبس
(١) أخرجه الطبرانى ٢١/٢٤ (٤٦) من طريق عبد الرزاق به .
(٢) أخرجه أحمد ٣٩٧/٤٤، ٤١٩ (٢٦٨١٥، ٢٦٨٤١)، والدارمى (١٨٦٥)، وأبو داود
(١٨٤٣) من طريق حماد به .
(٣) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١١٩ - وعنه مسلم (١٤١١)، وابن ماجه
(١٩٦٤) - وأخرجه أحمد ٤١١/٤٤ (٢٦٨٢٨)، والترمذى (٨٤٥) من طريق جرير به .
(٤ - ٤) سقط من : ك١، س .
٣٦٠