Indexed OCR Text

Pages 441-460

الموطأ
رسولَ اللهِ وَ انصرَف وعلى جَبهتِهِ وأَنفِه أَثَرَ الماءِ والطّينِ مِن
صُبْحةٍ ليلةٍ إحدَى وعشرينَ.
التمهید
صُبْحِتِها(١) من اعتكافِه، قال: ((من كان اعْتَكَف معى(٢) فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ
الأواخرَ، وقد رأيتُ هذه الليلةَ، ثم أُنْسِيتُها، وقد رَأَيُنى أسجدُ من
صُبْحتها فى ماءٍ وطينٍ، فالْتَمِسُوها فى العَشْرِ الأواخرِ، والْتَمِسُوها فى كلِّ
وثرٍ)). قال أبو سعيدٍ : فَأَمْطِرَتِ السَّماءُ تلك الليلةَ، وكان المسجدُ على
عَرِيشٍ ، فوكَف المسجدُ. قال أبو سعيدٍ: فأبْصَرَتْ عَيْنَاىَ رسولَ اللهِ
﴿ انْصَرَفَ وعلى جبهته وأَنْفِه أثرُ الماءِ والطَّينِ من صَبِيحةٍ إحدى
(٣).
وعشرین(٢).
قال أبو عمرَ: فی هذا الحديث ، وهو من أصحّ حدیثٍ يُروَى فى هذا
البابِ، دليلٌ على أنَّ الاعتكافَ فى رمضانَ سنةٌ مسئونةٌ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَه
كان يعتكفُ فى رمضانَ ويواظبُ على ذلك، وما واظَبَ عليه فهو سنةٌ
مسنونةٌ(٤) لأُمَّتِهِ، والدَّليلُ على أنَّه كان يعتكفُ فى كلِّ رمضانٍ قولُه : كان
رسولُ اللهِ وَِّهِ يعتكفُ العَشْرَ الوُسَطَ من رمضانَ، فَاعْتَكَفَ عامًا . ثم ساق
القبس
(١) فى ف فى هذا الموضع وما سيأتى: ((صبيحتها)).
(٢) سقط من: ف.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٧٨)، وبرواية أبى مصعب (٨٨٣). وأخرجه البخارى
(٢٠٢٧)، وابن حبان (٣٦٧٣)، والبغوى فى شرح السنة (١٨٢٥) من طريق مالك به .
(٤) سقط من: م.
٤٤١

الموطأ
التمهيد القصةَ، وهذا يدُلُّ على أنه كان يعتكفُ كلُّ رمضانٍ، واللهُ أعلمُ . وأجمَع
علماءُ المسلمين على أنَّ الاعتكافَ ليس بواجبٍ ، وأنَّ فاعلَه محمودٌ عليه
مأجورٌ فيه، وهكذا سبيلُ السننِ كلِّها ليست بواجبةٍ فرضًا، ألا ترى إلى
إجماعِهم على قولهم: هذا فرضٌ، وهذا سنةٌ. أى: هذا واجبٌ، وهذا
مندوبٌ إليه. وهذه فريضةٌ، وهذه فضيلةٌ .
وأما قولُه : حتی إذا کان ليلةً إحدى وعشرين، وهی الليلةُ التی يخرُجُ فيها
من صُبْحَتِها من اعتكافِه . فهكذا روايةُ يحيى: من صُبْحَتِها. وتابعه على ذلك
جماعةٌ؛ منهم ابنُ بُكَيْرٍ، والشافعىُّ. وأما القَعْنَبِىُّ(١)، وابنُ وَهْبٍ(٢)، وابنُ
القاسم ، وجماعةٌ أيضًا ، فقالوا فى هذا الحديثِ عن مالك: وهى الليلةُ التى
يخرج فيها من اعتكافِه . لم يقولوا : من صُبْحَتها . وقال يحيى بنُ يحيى ، وابنُ
◌ُگيرٍ، والشافعىُ : من صُبْحَتِها .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ ، قال :
حدَّثنا أبو جعفر الطحاوىُّ، قال: حدَّثنا المزنىُ، قال: حدَّثنا الشافعىُّ ، قال :
أخبرنا مالكُ بنُ أنس ، عن یزیدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الهادی ، عن محمدِ بنِ إبراهيم بنِ
الحارثِ التيمىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبى سعيدِ الخُدْرِىِّ ، قال :
القبس
(١) أخرجه أبو داود (١٣٨٢)، والبيهقى ٣٠٩/٤ من طريق القعنبى به.
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٢٢٤٣) من طريق ابن وهب به، بذكر قوله: ((من صبيحتها)).
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (٣٣٨٧) من طريق ابن القاسم به، بذكر قوله: (( من صبيحتها )).
٤٤٢

الموطأ
:
التمهيد
کان رسول الله گێ یعتکفُ العَشْرَ الوسطَ من رمضانَ، فاعتگفَ عامًا ، حتى
إذا كان ليلةَ إحدى وعشرينَ، وهى الليلةُ التى كان يخرجُ فى(١) صُبْحتِها من
اعتكافه(٢) . وذكر الحديث إلى آخره حرفًا بحرفي کروایة یحیی ، إلا أنَّه قال فی
موضعٍ: (وقد رأيتُ هذه الليلةَ)). وقال: ((أُرِيثُ هذه الليلةَ ثم أُتْسِيتُها)).
وقال: ((رأَتْتُنى أسجُدُ)). فجعَل فى موضعٍ ((وقد)). ((وقال)) فى الموضعين.
وقال(٢): ((أَريتُ)). فى موضع ((رأيتُ)). وقال: فأُمْطرَتِ السماءُ من تلك
الليلةِ . فزاد ((من)) .
وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عیسى، قال: حدَّثنا
يحيى بنُ أيوبَ ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ،
قال: حدَّثنا (٢ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قالا: حدَّثنا يَحْتَى بنُ عبدِ اللهِ بنِ
◌ُكَيْرِ، عن مالك، عن يزيدَ بنِ الهادِى، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ .
التيمىٌّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى سعيدِ الخُدْرِىِّ ، أنه قال: كان
رسولُ اللهِ مَّهِ يعتكفُ العَشْرَ الوُسَطَ من رمضانَ، فاعْتَكَف عامًا، حتى إذا
كان ليلةً إحدى وعشرين، وهى الليلةُ التى يخرجُ من صُبْحتِها من اعتكافِه(٥).
القبس
(١) فى الأصل، م: ((من)).
(٢) السنن المأثورة (٣٥٦).
(٣) فى الأصل، م: ((قد )).
(٤ - ٤) سقط من: ف.
(٥) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/٧ظ - مخطوط). وأخرجه البيهقى ٢٨٥/٢ من طريق ابن
بكير به .
٤٤٣

الموطأ
التمهيد وساق الحديثَ كروايةٍ يَحْتَى حرفًا بحرفٍ إلى آخرِه. هكذا قال ابنُ بُكَيْرٍ :
يخرجُ من صُبْحتِها. وقال يحيى: يخرجُ فيها من صُبْحتها. وقال الشافعىُّ:
يخرجُ فى صُبْحتِها. وقال القَعْتَبِىُّ وابنُ القاسمِ وطائفةٌ : يخرُجُ فيها. ولم
يقولوا: من صُبْحِها . ولا : من صُبْحتِها . وروَى ابنُ وهبٍ وابنُ عبدِ الحكمِ،
عن مالكٍ، قال: ولا بأسَ بالاعتكافِ فى أوَّلِ الشهرِ ووسَطِه وآخرِه، فمن
اعْتَكَف فى أوَّلِه أو وَسَطِه فلْيَخرُجْ إذا غابتِ الشَّمسُ من آخرِ يومٍ من اعتكافِهِ،
وإن اعْتَكَفَ فى آخرِ الشهرِ " فلا يَنْصَرِفْ) إلى بيتِه حتى يشهدَ العيد مع
المسلمين ، ويَبيتُ ليلةَ الفطرِ فى مُعْتَكَفِه، ويرجِعُ من المصلَّى إلى أهلِه . قال:
وكذلك بلَغنى عن النبيِّ وَّه. وقال ابنُّ القاسم: فإن خرَج ليلةَ الفطرِ فلا قضاءً
عليه. وقال ابنُ الماجِشُونِ وسُحْنُونٌ: يَفْسُدُ اعتكافُه؛ لأن السُّنةَ المجتمَعَ
علیھا أنه یبیتُ فی مُغتگفِه حتی یُضبعَ .
قال أبو عمرَ : لم يقلْ بقولِهما أحدٌ من أهلِ العلم فيما علِمتُ ، ولا وجه له
فى القياسِ؛ لأَنَّ ليلةَ الفطرِ ليست بموضعِ اعتكافٍ ولا صيامٍ ولا من شهرِ
رمضانَ، ولا يصِحُ فيها عن النبيِّ وَِّ شىءٌ . وقد روَى ابنُ القاسم عن مالك فى
((المُسْتَخْرَجةِ)) فى المعتكِفِ يخرجُ ليلةَ الفطرِ من اعتكافِه: لا إِعادةً عليه .
وقال مالكٌ فى ((الموطأُ)) أنه رأى أهلَ الفضلِ إذا اعتكَفُوا العَشْرَ الأواخرَ من
رمضانَ، لا يرجعون إلى أهلِيهم حتى يشهدوا العيدَ مع الناس . وقال الشافعىُّ:
إذا أراد أن يعتكفَ العَشْرَ الأواخرَ دخَل قبلَ الغروبِ ، فإذا أهلَّ هلالُ شؤَّالٍ فقد
القبس
(١ - ١) فى م: ((فلينصرف)).
٤٤٤

الموطأ
التمهيد
أتمَّ العَشْرَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ .
قال أبو عمرَ: قد أَجْمَعوا فى المعتكِفِ العَشْرَ الأُوَّلَ أو الوُسَطَ من
رمضان أنه يخرج إذا غابت الشمسُ من آخرِ یوم من اعتكافِه، وفی إجماعِھم
على ذلك ما يُوهنُ روايةً مَنْ رَوَى: يخرجُ من صُبْحتِها أو فى صُبْحتِها .
واختلفوا فى العَشْرِ الأُواخرِ، وما أجمعوا عليه يَقْضِى على ما اخْتَلَفوا فيه من
ذلك، ويدُلَّ، واللهُ أعلم، على تصويبٍ روايةٍ مَن روَى: يخرجُ فيها من
اعتكافِه. يعنى بعدَ الغروبِ، واللهُ أعلم. والصحيحُ فى تحصيلٍ مذهبٍ
مالكٍ أن مُقامَ المعتكفِ ليلةَ الفطرِ فى مُعْتَكَفِه وخروجه منه إلى العيد
استحبابٌ وفضلٌ لا إيجابٌ ، وليس مع مَن أوجب ذلك محبّةٌ من جهةِ النظرِ
ولا صحيحِ الأثرِ، وبالله التوفيقُ.
واختلف العلماءُ أيضًا فى المُعْتَكِفِ؛ متى يدخُلُ المسجدَ الذى يريدُ
الاعتكافَ فيه؟ فقال مالكٌ ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم : إذا أَوْجبَ
على نفسِه اعتكافَ شهرٍ، دَخَلَ المسجدَ قبلَ غروبِ الشمسِ. قال مالكٌ:
وكذلك مَن أراد أن يعتكفَ يومًا أو أكثرَ، دخَل مُعْتَكَفَه قبلَ غروبِ الشمسِ من
ليلةِ ذلك اليوم . وقال الشافعىُّ: إذا قال: للهِ علىَّ اعتكافُ يومٍ. دَخَل قَبْلَ طلوعِ
الفجرِ، وخرَجَ بعدَ غروبِ الشمسِ. خلافَ قولِه فى الشهرِ. وقال زُفَرُ والليثُ
ابنُّ سعدٍ: يدخُلُ فى الشهرِ وفى اليومٍ قبلَ طلوعِ الفجرِ . وهو قولُ أبى يُوسُفَ ؛
لم يفرِّقوا بينَ الشهرِ واليومِ .
قال أبو عمرَ: ذَهَب هؤلاء إلى أَنَّ الليلَ لا مدخلَ له فى الاعتكافِ إلا أن
القبس
٤٤٥

الموطأ
التمهيد يتقدَّمَه ويتصلَ به اعتكافُ نهارٍ ، وذَهَب أولئك إلى أنَّ الليلةَ(١) تَبَعَّ لليوم فى كلِّ
أصلٍ، فَوَجَب اعتبارُ ذلك. وروّى يَحْتَى بنُّ سعيدٍ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ ، أن
النبيَّ وَالتّ كان إذا أراد أن يعتكفَ صلَّى الصبح ثم دخل المكان الذى يعتكفُ
(٢)
فيه (٢) .
قال أبو عمرَ : قد ذكرنا معانىَ الاعتكافِ وأصولَ مسائلِه وأمهاتِ أحكامِه
فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عُزْوَةً(١) من هذا الكتابِ، وأجمع العلماءُ على أنَّ
رمضانَ كلَّه موضعٌ للاعتكافِ، وأنَّ الدهرَ كلَّه موضعٌ للاعتكافِ إلا الأيام التى
لا یجوزُ صیامُھا ، وقد ذكرنا ما لھم من التّنازعِ فی الاعتكافِ بغیرِ صومٍ فی بابِ
ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، وذكَوْنا اختلافَهم فى صيامِ أيامِ التشريقِ فى غيرِ موضعٍ
مِنْ هذا الكتابِ(٤) . والحمدُ للهِ .
وأما قولُه فى ليلة القدرِ : ((إنى رأيتُها ثم أَنْسِيتُها، ورأيتُنى أسجُدُ مِن
صُبْحَتّها فى ماءٍ وطينٍ، فالْتَمِسُوها فى العشرِ الأواخرِ ، والتمِسُوها فى كلِّ
وِتْرٍ )). فعلى هذا أكثرُ العلماءِ؛ أنها عندَهم فى الوِثْرِ من العَشْرِ الأواخرِ ، وقد
ذَگونا ما فی لیلة القدر من المذاهب والآثارِ والاعتبارِ والاختیارِ فی بابٍ حُميد
الطويل من كتابِنا هذا، فلا معنَى لتكريرِ ذلك هلهنا . وقد رُوِىَ مِن حديثٍ
القبس
(١) فى ف: ((الليل)).
(٢) تقدم تخريجه ص٤١٧ - ٤١٩ .
(٣) تقدم ص٣٨٧ - ٣٩٣.
(٤) سيأتى فى شرح الحديث (٨٥٠، ٨٥١، ٨٥٣) من الموطأ .
(٥) سيأتى ص٤٧٤ - ٤٩١ .
٤٤٦

الموطأ
التمهيد
جابرٍ بِنِ سَمُرَةَ أَن رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((التمسُوا ليلةَ القدرِ فى العشرِ الأواخرِ من
رمضانَ ، فإنى قد رأيتُها ونُسّيتُها، وهى ليلةُ مطرٍ وريح)). وهذا نحوُ معنى
حديث أبى سعيد الخدرىِّ فی هذا الباب .
أخبَرنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ بنِ حبيبٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ عمرٍو البزارُ، قال :
حدّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ (١) ، قال : حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شريك ، عن أبيه ، عن
سماكِ بنِ حربٍ، عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: (( التمسوا ليلةً
القدرِ فى العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، فإنى قد رأيتُها فتُسِّيتُها، وهى ليلةُ مطرٍ
وريح)). أو قال: ((قطرٍ وريح)) (١). قال البزارُ: ولا نعلَمُ أحدًا روَى هذا
الحديثَ بهذا اللفظِ إلا عبد الرحمنِ بنَ شريك .
وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ، قال:
حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو، حدَّثنا محمدُ
ابنُّ إسماعيلَ البخارىُّ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شريك، عن أبيه، عن
سِماكٍ، عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، عن النبيِّ بَّهِ فى ليلة القدرِ أَنَّها ليلةٌ
ريحٍ ومطر .
القبس
(١) فى م: ((منظور)).
(٢) البزار (٤٢٦٦). وأخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٤٧٣/٣٤ (٢٠٩٣٠) من طريق
عبد الرحمن بن شريك به .
(٣) البزار (٤٢٦٥).
٤٤٧

الموطأ
قال أبو عمرَ: هذا معناه فى ذلك العام ١١) وذلك الوقتِ ، واللهُ أعلمُ .
التمھید
وأمّا قولُه: وكان المسجدُ على عريشٍ. فإنه أراد أن سَفْفَه كان مُعَرَّشًا
بالجَرِيدِ من غيرِ طِينٍ. فَوَكَفَ المسجدُ . يعنى : هطَلَ ، فصار من ذلك فى
المسجدِ ماءٌ وطينٌ، فانصَرَف رسولُ اللهِ وَّهِ وعلى جبهتِه وأَنْفِه أثرُ الماءِ
والطينٍ من سجودِه على ذلك، قال الشاعرُ فى معنى ((وَكَف))(١):
نورٌ يُضَاحِثُ دَمْعَ الواکِفِ الهِلِ
كأنَّ أَسْطارَها فى بَطْنِ مُهْرَقِها
وقد اختلف قولُ مالكِ فى الصلاةِ فى الطينِ؛ فمرةً قال: لا يُجزُه
إلا أن ينزِلَ بِالأرضِ ويسجُدَ عليها على قدرٍ ما يُمكنُه. ومرةً قال:
يجزُه أن يومئَ إيماءً ويجعَلَ سجودَه أخفضَ من ركوعه إذا كان الماءُ
قد أحاط به .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بنِ عبدِ المؤمن ، قال : حدّثنا محمدُ بنُ عمر بنِ
يحيى، قال: حدَّثنا علىُ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً ، عن عمرو بنِ
دينارٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ ، أنه أَوْمَأً فى ماءٍ وطينٍ (١.
قال عمرو : وما رأيتُ أعلمَ من جابرِ بنِ زيدٍ. قال عمرو: وأخْبَرَنِى عطاءٌ أنه
سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ : لو نزَل أهلُ البصرةِ عندَ قولٍ جابرٍ بنِ زيدٍ لأوسعهم علمًا
القبس
(١) فى م: ((العلم)).
(٢) البيت فى العقد الفريد ٢٠٣/٤ منسوبًا لابن أبى طاهر، وفيه: ((الخضل)). بدلا من: ((الهطل)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٤٥١٣)، وابن أبى شيبة ٨٩/٢ عن ابن عيينة عن عمرو قال: أخبرنى من
رأی جابر بن زید یومئ فى ماء وطين .
٤٤٨

الموطأ
التمهيد
عما فى كتابِ اللهِ. وبه عن سفيانَ، عن أبى بكرِ الهُذَلىِّ ، قال: ذكَرتُ
لقتادةَ الحسنَ ونفرًا من نحوه. قال: ما ذكّرتَ أحدًا إلا والحسنُ أفقهُ منه إلا
جابرَ بنَ زيدٍ .
أخبرنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ وسعيدُ بنُ عثمانَ ، قالا: حدَّثنا أبو عمرَ
أحمدُ بنُ دُحيمٍ بنِ خليل ، قال : حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبد العزیزِ البغوىُّ،
قال: حدَّثنا داودُ بنُ عمرٍو الضَّبِىُّ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ الرَّمَّاح قاضى بَلْخَ،
قال: أخبرنى كَثِيرُ بنُ زيادٍ أبو سَهْلٍ، عن عمرو بنِ عثمانَ بنِ يَعْلَى، عن أبيه،
عن جدِّه، قال: كان النبيُّ وَلِّ فِى سَفَرٍ، فَأصابَتْنا السماءُ، فكانت البِلَّةُ من
تحتِنا والسماءُ من فوقِنا، وكان فى مَضِيقٍ، فحضَرتِ الصَّلاةُ، فَأَمَرِ رسولُ اللهِ
وَإِّ بلالاً فأذَّن وأقام، ثم تقدَّم رسولُ اللهِ وَلِّ فصلّى على راحلته والقومُ علی
رواحلِهم يومئُ إيماءً؛ يجعَلُ السجودَ أخفضَ من الركوعِ().
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ،
قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانِىٌّ الأَثْرِمُ ،
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ١٧٩/٧، ١٨٠، والبخارى فى تاريخه ٢/ ٢٠٤، وابن أبى حاتم فى الجرح
والتعديل ٢٩٤/٢ من طريق عمرو به .
(٢) فى النسخ: ((عمرو)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥١٠.
(٣) أخرجه الطبرانى ٢٥٦/٢٢ (٦٦٣) من طريق داود به، وأخرجه الترمذى (٤١١)، والدارقطنى
٣٨٠/١، والبيهقى ٧/٢، والخطيب فى تاريخه ١٨٢/١١، ١٨٣ من طريق عمر بن الرماح به.
وقد اختلف فى صحابى هذا الحديث؛ فعند الترمذى أنه يعلى بن مرة ، وعند الطبرانى والدارقطنى أنه
يعلى بن أمية، وعند الباقين غير منسوب كرواية المصنف. وقد صوب ابن حجر فى الإصابة ٢٥٤/١
أنه يعلى بن مرة. وينظر عارضة الأحوذى ٢٠١/٢، ٢٠٢، والرواية التالية .
٤٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٢٩/٩)

الموطأ
التمهيد قال: حدَّثنا سُرِيجُ بنُ النعمانِ، قال: حدَّثنا ابنُ الرَّمَّاحِ، عن أبى سهلٍ
كَثِيرٍ بنِ زيادٍ البصرىِّ، عن عمرو بن عثمانَ بنِ يَعْلَی بنِ أميّةً، عن أبيه، عن
جدِّه، أن رسولَ اللهِ وَالّ انتهى إلى مَضِيقٍ ومعه أصحابه، والسماءُ من فوقِهم
والبِلَّةُ مِن أسفلَ منهم، وحضَرتِ الصلاةُ، فأمَرَ رسولُ اللهِ وَّهِ المؤذِّنَ فأذَّن أو
أقام، فتقدَّمهم رسولُ اللهِ وَلِّ فصلَّى بهم على راحلته، وهم على رواحلهم،
يوميُ إيماءً؛ يجعَلُ السجودَ أخفضَ من الركوع. أو قال: يجعَلُ سجودَه
أخفضَ من ركوعه(٢).
قال: وحدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبانٌ، قال : حدَّثنا أنسُ بنُ
سيرينَ، قال: أقبلتُ مع أنسٍ بنِ مالكٍ من الشامِ حتى أَتَيْنَا سَوَابيطَ (٢)،
وحضَرتِ الصلاةُ والأرضُ كلُّها غَدِيرٌ، فصلَّى على حمارٍ (٤) يُومئُ إيماءٌ(٢).
قال: وحدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ ، عن قتادةَ ، عن
جابرِ بنِ زيدٍ فى الذى تحضُرُه الصلاةُ وهو فى ماءٍ وطينٍ، قال: يومىُّ إيماءً(١).
القبس
(١) فى ف، م: ((شريح)). وينظر تهذيب الكمال ٢١٨/١٠، ٥١٠/٢١.
(٢) أخرجه أحمد ١١٢/٢٩ (١٧٥٧٣) عن سريج به. وعنده: ((عمرو بن عثمان بن يعلى بن
مرة)). وينظر التعليق على الرواية السابقة .
(٣) فى ف: ((سرايط))، وفى م: ((سواء بيط)). وفى مصادر التخريج: ((عين التمر)).
والسوابيط : جمع ساباط، وهو سقيفة بين حائطين تحتها طريق نافذ. التاج (س ب ط).
(٤) فى الأصل: ((ماء )).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٩٠، وأحمد ٣٧٩/٢٠ (١٣١١٣)، والبخارى (١١٠٠)، ومسلم
(٤١/٧٠٢) من طريق أنس بن سيرين به بنحوه.
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٨٩/٢ من طريق قتادة به .
٤٥٠

الموطأ
التمهيد
قال: وحدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ لَهِيعَةً، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةً (١)
فى الرجلِ تُدركُه الصلاةُ وهو فى ماءٍ وطينٍ ، قال: يصلّى قائمًا متوجّهَا إلى القبلةِ
يومئُ برأسِه.
قال: وحدَّثنا مِنْجابُ بنُ الحارِثِ، قال أخبرنا شَريكٌ ، عن ليثٍ، عن
طاوسٍ، قال: إذا كان رَدٌَّ (٢) أو مطرٌ فَصَلِّ على الدابةِ.
قال : وسمِعتُ أبا عبدِ اللهِ أحمدَ بنَ حنبلِ يُسألُ عن الصلاةِ المكتوبةِ على
الراحلةِ ، فقال: لا يُصلَّى على الراحلةِ فى الأمنِ إلا فى موضعين؛ إما فى طينٍ،
وإما تطوع. قال : وصلاةٍ الخوفِ .
وذكر أبو عبدِ اللهِ حديثَ يَعْلَى بن أميةً الذى ذكرناه فى هذا البابٍ(٣) .
وسُئِلَ أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ حنبلِ مرةً أخرى " عن الصلاةِ على الراحلةِ، فقال:
أُمَّا فى الطين٤ِ) فنعم. يعنى المكتوبةَ.
قال أبو عمرَ : من أَتَى (٥) من الصلاةِ على الراحلةِ أو على قدمَيْه بالإيماءِ من
أجلِ الطينِ والماءِ، احْتَجَّ بحديثِ هذا البابِ عن أبى سعيد الخدرىِّ ؛ قولِه :
فأبصرتْ عيناى رسولَ اللهِ وَلِّ انْصرَف وعلى جبهتِه وأنفِه - ويُروى: على
جبينه وأنفِه - أثرُ الماءِ والطينٍ. قالوا: فلو جاز الإيماءُ فى ذلك ما كان
القبس
(١) فى ف: ((غازية)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥٨/٢١.
(٢) الرَّدَمُ: طين ووحل كثير. ينظر النهاية ٢١٥/٢.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٤٩، ٤٥٠.
(٤ - ٤) سقط من: ف.
(٥) فى م: (( أتى)).
٤٥١

الموطأ
رسولُ اللهِ﴾ ليضعَ أَنفَه وجبهته فى الطينِ. قالوا (١): وهذا حديثٌ صحيح،
التمهيد
وحديثُ يَغْلَى بن أميةً ليس إسنادُه بشىءٍ .
قال أبو عمرَ : أما إذا كان الطينُ والماءُ مما يمكنُ السجودُ عليه ، وليس فيه
كبيرُ تلويثٍ وفسادٍ للثيابِ، وجاز تمكينُ الجبهةِ والأُنفِ من الأرضِ، فهذا
موضعٌ لا تجوزُ فيه الصلاةُ على الراحلةِ ولا على الأقدامِ بالإيماءِ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ
وجلُّ قد افْتَرَض الركوع والسجود على كلِّ مَن قدر على ذلك كيفما قدَر، وأما
إذا كان الطينُ والوحَلُ والماءُ الكثيرُ قد أحاط بالمسجونِ أو المسافرِ الذى لا
يرجو الانفكاك منه ولا الخروج عنه قبلَ خروج الوقتِ، وكان ماءٌ مَعِينًا غَرِقًا
وطينًا قبيحًا وَحِلًا، فجائزٌ لمن كان فى هذه الحالِ أن يصلّىّ بالإيماءٍ على ما جاء
فى ذلك عن العلماءِ من الصحابة والتابعين ، فالله أعلمُ بالعذرِ ، وليس باللهِ حاجةٌ
إلى تلويثٍ وجهِه وثيابه ، وليس فى ذلك طاعةٌ ، إنما الطاعةُ الخشيةُ والعملُ بما
فى الطاقةِ .
(٢
وفى هذا الحديثِ أيضًا ما يدُلُّ على أنَّ السجودَ على الأنفِ والجبهةِ
جميعًا، والمجتمع العلماءُ على أنه إن ستجد على جبهته وأنفِه فقد أدَّى فرضَ اللهِ
فى سجودِه، واختلفُوا فيمن ستجد على أنفِه دونَ جبهتِهِ ، أو جبهته دونَ أَنفِه ؛
فقال مالكٌ: يسجُدُ على جبهتِه وأنفِه، فإنْ سجَد على أنفِه دونَ جبهته لم
يُجْزِئُه ، وإنْ ستجد على جبهِه دون أنفِه كُرِه ذلك وأجْزاً عنه . وقال الشافعى: لا
يجزُه حتى يستجدً على أنفِه وجبهته . وهو قولُ الحسن بنٍ حَىِّ" .
القبس
(١) سقط من: م.
(٢ - ٢) سقط من: ف .
٤٥٢

الموطأ
التمهيد
" وقد روَى حمادُ بنُ سلمةَ، عن عاصم الأحولِ، عن عكرمةَ، أنَّ رسولَ
اللهِ وَ﴿ه قال: ((مَن لم يضَغْ أَنفَه بالأرضِ فَلا صلاةَ له))(٢) .
وقال أبو حنيفةً : إذا سجد على جبهته أو ذَقَيِه أو أنفِه أجزأه . وحجتُه حديثُ
ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ◌َّ: ((أَمرتُ أن أسبجدَ على سبعةٍ آرابٍ(٢)). ذكّر منها
الوجه ، قال: فأىُّ شىءٍ وُضِع من الوجهِ أجزأه . وهذا ليس بشىءٍ؛ لأن هذا
الحديثَ قد ذكَر فيه جماعةٌ الأنفَ والجبهةً(١) .
وأما قولُه : وذلك صبيحةُ ليلةٍ إحدى وعشرين. فذلك يدُلَّ على أن تلك
الليلةَ كانت ليلةَ القدرِ لا محالةَ، واللهُ أعلمُ؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((إنى
رأيتُها (٤) ثم أَنسيتُها، ورأيتنى أستجدُ من صُبْحَتِها فى ماءٍ وطينٍ)). فكان كما
رأى فى نومِهِ وَله، ومعلوم أن ليلةَ القدرِ جائزٌ أن تكونَ ليلةً إحدى وعشرين،
وفى كلِّ وترٍ من العَشْرِ الأواخرِ أيضًا، وقد قيل فى غيرِ الوترٍ ، وفى غيرِ العشرِ
الأواخر أيضًا إذا كان فى شهر رمضان، وقد قدّمنا ذکر ذلك كلُّه فى بابٍ
لمحميد الطويلِ(١١) من هذا الكتابِ. وقد ذهَب جماعةٌ من أهلِ العلمِ إلى أن ليلةً
القبس
(١ - ١) سقط من : ف .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٩٨٢)، وابن أبى شيبة ٢٦٢/١، وأبو داود فى المراسيل ص ٨٨،
والترمذى فى العلل (١٠١) من طريق عاصم به.
(٣) فى م: ((أرادب)). والآراب: أعضاء، واحدها إرب بالكسر والسكون. النهاية ٣٦/١.
والحديث أخرجه أحمد ٤٠٣/٣ (١٩٢٧)، والبخارى (٨١٥)، ومسلم (٤٩٠)، وأبو داود
(٨٨٩)، والترمذى (٢٧٣)، وابن ماجه (٨٨٣)، والنسائى (١٠٩٥).
(٤) فى ف: (( أريتها)).
(٥) سيأتى ص٤٧٤ - ٤٩١ .
٤٥٣

الموطأ
التمهيد القدرِ فى كلِّ رمضانٍ ليلةُ إحدى وعشرين، وذهَب آخرون إلى أنَّها ليلةُ ثلاثٍ
وعشرين فى كلِّ رمضانٍ ، وذهَب آخرون إلى أنها ليلةُ سبع وعشرين فى كلِّ
رمضانٍ، وذهَب آخرون إلى أنَّها تَنتقلُ فى كلِّ وتر من العشرِ الأواخرِ ، وهذا
عندنا هو الصحیح إن شاء اللهُ. وقد ذكرنا القائلین بهذه الأقاويل وما ژُوِی فی
ذلك گلّه من الأثرِ فی باپٍ حميد الطويل ، والحمدُ للهِ. وذگونا فی باپٍ أُبِی
النَّضْرِ (١) من هذا الكتابِ ما قيل فى ليلةٍ ثلاثٍ وعشرين، ومَن قطَع بأنها ليلةٌ
ثلاث وعشرين أبدًا، وهى عندَنا تَنْقِلُ، وبهذا يصِحُ استعمالُ الآثارِ المرفوعةِ
وغيرِها ، وباللهِ التوفيقُ .
ذكَر عبدُ الرزاقٍ (١)، عن الأسلمىِّ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه، أُنَّ عليًّا
کان یتحدّی لیلة القدر لیلةً تسعَ عشرةَ ، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين .
وعن الثورىٌّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، قال : قال عبدُ اللهِ
ابنُ مسعودٍ: تحرَّوا ليلةَ القدرِ ليلةً(١) سَبْعَ عشْرةَ صَباحةً بدرٍ، أو إحدى
وعشرين ، أو ثلاثٍ وعشرين(٤).
وعن الأسلمىِّ ، عن داودَ بنِ الخُصينِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
ليلةُ القدرِ فى كلِّ رمضانٍ تأتى(٥).
القبس
(١) سيأتى ص ٤٦١ - ٤٧٠ .
(٢) عبد الرزاق (٧٦٩٦).
(٣) سقط من النسخ . والمثبت من مصدر التخريج ، وينظر ما سيأتى ص٤٧٩ .
(٤) عبد الرزاق (٧٦٩٧).
(٥) عبد الرزاق (٧٧٠٨).
٤٥٤

٠٠٠٠٠
٠
الموطأ
التمهيد
ومن حديثٍ أبى ذَرَّ أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَ قال: ((هى فى كلِّ رمضانٍ))(١).
وعن مَعْمٍ، عن أيوبَ، عن أبى قِلابةَ، قال: ليلةُ القدرِ تنتقلُ فى العشرِ
الأواخرِ فى كلِّ وتٍ(٢).
قال أبو عمرَ: هذا أصحُ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ روَى عن رسولِ اللهِ وَلَّهِ أَنه
قال: ((التمِسوها فى العَشْرِ الأواخرِ فى كلِّ وترٍ))(٣)، و((فى(٤) التسعِ
الأواخرِ ))(١). و((فى السبع الأواخرِ فى كلٌّ وترٍ )) ١٢. وقد رُوِى ذلك من
حديثٍ عمرَ عن النبيِّ وَلِهِ.
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بن يحيى ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ عبدِ الخالقِ ، قال :
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إِبراهيم بنٍ کثیرٍ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ إدریس ، عن عاصم بنِ
كُلِيبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ، عن عمرَ، أنَّ النبيَّ وَّهِ ذِكَر ليلةَ القدرِ فقال:
((التمشوها فى العشر الأواخرِ فی وترٍ منها))(١) . وژُوِی مثلُ ذلك من حديث أبى
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٧٠٩).
(٢) عبد الرزاق (٧٦٩٩).
(٣) أخرجه مسلم (٢١١/١١٦٥).
(٤) فى م: ((هى)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (٧١٠، ٧١٣) بمعناه.
(٦) البزار (٢١٠). وأخرجه أبو يعلى (١٦٨)، وابن خزيمة (٢١٧٣)، والحاكم ٤٣٧/١، ٤٣٨
من طريق عبد الله بن إدريس به، وأخرجه أحمد ٢٤٦/١، ٢٤٧ (٨٥)، وابن خزيمة (٢١٧٢)،
والطحاوى فى شرح المعانى ٩١/٣ من طريق عاصم به.
٤٥٥

الموطأ
التمهيد سعيدِ الخُدرِى وغيرِهِ عن النبيِّ وَلَه. وقد روَى الدراوَزْدىُّ حديثَ أبى سعيدٍ،
عن يزيدَ بنِ الهادِى بإسنادِهِ، وساقَه سياقةً حسنةً، وذكر فيه أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّل
كان ينصرِفُ إِذا اعْتَكَف العشرَ الوُسَطَ (١) ليلةَ إحدى وعشرين. وهذا يدُلُّ على
أنَّ ذلك کان لیلاً ، وهذا یرُدُّ روایةً مَن روَى عن مالك فی هذا الحدیثِ : وهی
اللیلةُ التی کان یخرج من صُبْحتها من اعتكافِه . ويُصحُّځ روايةً من روی : وهى
الليلةُ التى كان يخرجُ فيها من اعتكافِه .
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قراءةٌ مِنِّى عليه، أن الميمونَ بنَ حمزةَ
الحسينىّ(١) حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفرِ الطحاوىُّ، قال: حدّثنا المزنىُّ،
قال: حدَّثنا الشافعىُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ
ابنِ الهادِى، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى
سعيد الخدرىِّ، قال: كان رسولُ اللهِ وَ لَه يجاورُ فى رمضانَ العشرَ التى وسَطَ
الشهرِ، فإذا كان يُمسى من عشرين ليلةٌ تَمضى ويَستقبلُ إحدى وعشرين
پرچمُ إلی مسکنِه ، وپرچمُ مَن کان یجاورُ معه ، ثم أقام فی شھرٍ جاور فيه تلك
الليلةَ التى كان يرجِعُ فيها، فخطَب الناسَ، وأمَرهم بما شاء اللهُ عزَّ وجلَّ،
فقال: ((إنى كنتُ أجاورُ هذه العشْرَ، ثم بدالى أن أجاورَ هذه العشر الأواخرَ،
فمَن كان اعْتكَف معى، فليثْبُتْ(١) فى معتكفِه، وقد رأيتُ هذه الليلةَ ثم
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الأوسط)).
(٢) فى م: ((الحسنى)).
(٣) فى ف: ((فليلبث)).
٤٥٦

الموطأ
٧٠٩ - مالكٌ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ وَلافهم
قال: ((تَحَرَّوا ليلةَ القدرِ فى العَشْرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ)).
التمهید
أُنسيتُها، فابتغُوها(١) فى العشرِ الأواخرِ، وابتغُوها(٢) فى كلِّ وترٍ، وقد رأيتُى
صَبِيحَتَها أسجُدُ فى طينٍ وماءٍ)). قال أبو سعيدٍ: فاستَهلَّتِ (١) السماءُ فى تلك
الليلةِ فأمْطَرتْ، فَوَكَفَ المسجدُ فى مصلَّى رسولِ اللهِ مَلِ ليلةً إحدى
وعشرين، بصُّرَ عينى، نظَرتُ إليه انْصَرَفَ من صلاةِ الصبح وجبينُه ممتلئُّ
(٤)
طينًا وماءَ(٤).
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه قال: «تَحَرَّوا ليلةً
القدرِ فى العَشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ)»(٥).
لم يُختلف عن مالك فیما علِمتُ فى إرسال هذا الحديث ، وقد رواه أنسُ
ابنُ عياضٍ أبو ضَعْرةَ، عن هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً (١) . وهذا
القبس
(١) فى ف: ((فاتبعوها)).
(٢) فى ف: «اتبعوها)).
(٣) فى الأصل، م: (( فاشتملت)).
(٤) السنن المأثورة (٣٦٠، ٣٦١). وأخرجه البخارى (٢٠١٨)، ومسلم (٢١٤/١١٦٧) من
طریق الدراوردى به .
(٥) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٧٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١١/٧ظ، ١٢و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٨٨٤).
(٦) أخرجه البيهقى ٣٠٧/٤ من طريق أنس به .
٤٥٧

الموطأ
التمهيد المعنى يتصلُ أيضًا مِن حديثٍ نافع (١) وعبدِ اللهِ بنِ دينارٍ (١، عن ابنِ عمرَ. وين
حديث الزهرىِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، أن رجلًا أتَى النبىَّ نَّه فقال: إنى
رأيتُ ليلةَ القدرِ ليلةَ كذا وكذا. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أرَى رُؤياكم قد
تواطَأْت ، فالتمِسوها فى العشرِ الأواخرِ فى الوترِ منها)) ). وعروةُ قد أدرَك ابنَ
عمرَ .
وقد رُوِى هذا المعنى أيضًا مِن حديثِ الفَلَتانِ الجَزْمئِّ وأبى سعيدٍ
الخدرىٌّ، عن النبيِّ نَّهِ. رواه الجُرَيرىُّ، عن أبى نضرةَ، عن أبى سعيد
الخدرىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((يأيُّها الناسُ، إنى أَبِينت لى ليلةُ القدرِ ،
فخرجتُ أُحدِّثُكم بها، فجاء رجلان يَخْتصِمان ومعهما الشيطانُ فتُسّيتُها ،
فالتمِسوها فى العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ ؛ التمِسوها فى التاسعةِ ، والتمِسوها فى
السابعةِ، والتمِسوها فى الخامسةِ » .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن الجُرَيرىِّ،
عن أبى نضرةَ، عن أبى سعيد الخدرىٌّ، عن النبيِّ وَلَه بمعناه مختصَرًا".
القبس
(١) أخرجه البخارى (١١٥٨) من طريق نافع به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٥١١، ٧٧/٣، والطحاوى فى شرح المعانى ٨٧/٣ من طريق عبد الله
ابن دینار به .
(٣) أخرجه أحمد ١٤٨/٨ (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٠٧/١١٦٥) من طريق الزهرى به.
(٤) أخرجه ابن حبان (٣٦٨٧) من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد ١٣٢/١٧ (١١٠٧٦)، ومسلم
(٢١٧/١١٦٧)، وأبو داود (١٣٨٣)، والنسائى فى الكبرى (٣٤٠٥)، وابن خزيمة (٢١٧٦) من
طريق الجریری به .
٤٥٨

الموطأ
التمهيد
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ
علىٍّ، عن زائدةً، عن عاصم بنِ كُليبٍ، عن أبيه، عن الفَلَتانِ ، أن رسولَ اللهِ
وَّ قال: ((مَن كان منكم ملتمِسًا ليلةَ القدرِ فليَلْتِمِسْها فى العشرِ الأواخرِ))(١).
قال أبو عمرَ : الفَلَتانُ هذا هو الفلتانُ بنُ عاصم الجزمُ ، خالُ کلیبٍ، وهو
راویته، وقد مضی القولُ فی معنی هذا الحدیثِ مبسوطًا مُمهّدًا فى بابٍ حُميد
الطويلِ(٢) . والحمدُ للهِ .
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ
الجوهرىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أعْيَنَ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ الجَعْدِ ،
قال: حدَّثنا المسعودىُّ، عن محاربٍ بنِ دِثارٍ، عن ابنِ عمرَ، أن النبيَّ وَله
قال: ((التمِسوا ليلةَ القدرِ فى العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ)). قال: فقال رجلٌ
المحاربٍ بنِ دِثارٍ ، إن هذا الحديثَ ثَبَتْ . قال : وما يمنَعُه أن يكونَ ثبتًا وهو عن
ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَلَر؟!(٣).
القبس
(١) ابن أبى شيبة فى مسنده كما فى المطالب (١١٨٣). وأخرجه الطيرانى ٣٣٥/١٨ (٨٥٨) من
طريق زائدة به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٥١٤، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثاني (١٠٤٠،
٢٥٩٤)، والبزار (٣٦٩٨) من طريق عاصم به .
(٢) سيأتى ص ٤٧٤ - ٤٩١ .
(٣) أخرجه القزوينى فى أخبار قزوين ١٨١/٤ من طريق على بن الجعد به، وأخرجه الطيالسى
(٢٠٤٧) من طريق المسعودى به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٥١١، ومسلم (٢١١/١١٦٥) من
طریق محارب به .
٤٥٩

٧١٠ - مالك، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أن
الموطأ
رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((تَحَرَّوا ليلةَ القدرِ فى الشَّبْعِ الأواخِرِ)).
٧١١ - مالكٌ، عن أبى النَّضرِ مَولَى عمرَ بنِ عُبيدِ اللهِ، أن عبدَ اللهِ
التمهيد
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ ، قال :
حدَّثنا علىُّ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً، عن أبى يَعْفورٍ ، عن مسلمٍ،
عن مسروقٍ قال: سمِعتُ عائشةَ تقولُ: كان رسولُ اللهِ وَلَه إذا دخَلتِ العشرُ
الأواخرُ مِن رمضانَ شدَّ المئزرَ، وأحيًا الليلَ، وأَيقَظ أهلَه(١) .
مالكُ، عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ
قال: ((تَحَرَّوا ليلةَ القَدرِ فى الشَّبعِ الأواخرِ ))(٢) .
هكذا رواه جماعةُ الرواةِ عن مالكِ لم يُختَلِفوا فيه .
ورواه شعبة، عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ وَهل
قال: ((تَحَرَّوها ) ليلة سبع وعشرين)). يَعنِى ليلةَ القدرِ.
هكذا حدَّثَ به عن شعبةً وهبُ بنُ جريٍ() .
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٥٩/٤٠ (٢٤١٣١)، والبخارى (٢٠٢٤)، ومسلم (٧/١١٧٤)، وأبو داود
(١٣٧٦)، وابن ماجه (١٧٦٨)، والنسائى (١٦٣٨) من طريق سفيان به.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٧٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٢/٧و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٨٨٨). وأخرجه أحمد ١٥٧/١٠ (٥٩٣٢)، ومسلم (٢٠٦/١١٦٥)، وأبو داود
(١٣٨٥)، والنسائى فى الكبرى (٣٤٠٠) من طريق مالك به.
(٣) فی ق، ف: «تحروا)).
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٩١/٣ من طريق وهب به.
٤٦٠