Indexed OCR Text
Pages 401-420
الموطأ
قال يحيى: وقال مالكٌ: يَدْخُلُ المُعتَكِفُ المكانَ الذى يُريدُ أن
یعتکِفَ فیه قبل غروپِ الشمسِ مِن اللیلةِ التی یُريدُ أُن یعتکِفَ فيها ،
حتى يَسْتَقبِلَ باعتِكافه أوَّلَ اللیلة التى يُريدُ أن يعتكِفَ فيها ، والمعتکِفُ
مُشتغِلٌ باعتكافِهِ، لا يعرِضُ لغيرِهِ ممَّا يشتَغِلُ به مِن التِّجاراتِ أو
غيرِها .
قال مالكٌ: ولا بأسَ بأن يأمُرَ المعتَكِفُ بضيعَتِه ، ومصلَحَةِ أهلِهِ ،
وبیع ماله ، أو بشىءٍ لا يشغَلُه فى نفسِه ، فلا بأسَ بذلك إذا كان خفيفًا ،
أن يأمُرَ بذلك من یکفیه إياه .
قال یحتی : قال مالٌ : ولم اسمع أحدًا مِن أهلِ العلمِ یذْكُرُ فى
وذكر ابنُ عبدِ الحكم عن مالكٍ ، قال: لا يعتكفُ أحدٌ إلا فى المسجدِ الاستذكار
الجامعِ، أو فى رحابٍ المسجدِ التى (١) تجوزُ فيها الصلاةُ . واختلفوا فى مكانٍ
اعتكافٍ النساءِ؛ فقال الشافعىُّ ما قدَّمنا عنه. وقال مالكٌ: تعتكفُ المرأةُ فى
مسجدِ الجماعةِ. ولا يعجبه اعتكافُها فى مسجدٍ بيتِها . وقال الكوفيون : لا
تعتکفُ المرأةُ إلا فى مسجدٍ بيتها ، ولا تعتكفُ فى مسجدِ الجماعةِ . وسنزيدُ
هذا بيانًا فى بابٍ قضاءِ الاعتكافِ إن شاء اللهُ، وهناك ذكَر مالكٌ هذه المسألةً .
وأما قولُ مالكٍ: لم أسمع أحدًا مِن أهلِ العلم يذكُّرُ فى الاعتكافِ شرطًا ،
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل: ((الذى ).
٤٠١
( موسوعة شروح الموطأ ٢٦/٩)
الموطأ
الاعتكافٍ شرطًا، وإنما الاعتكافُ عملٌ مِن الأعمالِ، مِثلُ الصلاةِ
والصيام والحجّ وما أشبه ذلك مِن الأعمالِ ، ما كان مِن ذلك فريضةٌ أو
نافلةً ، فمَن دخَل فى شىءٍ مِن ذلك فإنما يعمَلُ بما مضَى مِن الشُّنَّةِ ،
وليس له أن يُحدِثَ فى ذلك غيرَ ما مضَى عليه المسلمونَ ، لا مِن شرطٍ
يشتَرِطُه ولا يبتدِعُه، وقد اعتَكَف رسولُ اللهِ وَّهِ، وعَرَف المُسلمون
سُنَّةَ الاعتكافِ .
قال يحيى: قال مالكٌ: والاعتكافُ والجِوارُ سواءٌ، والاعتكافُ
للقَرَوِىِّ والبَدَوِىِّ سواءٌ.
الاستذكار وإنما الاعتكافُ عملٌ مِن الأعمالِ، مثلُ الصلاةِ والصيامِ والحجّ. إلى آخرٍ
كلامِه فى هذا البابِ مِن («الموطأً)). ومعناه أن الشرطَ فيه لا يُطِلُ شيئًا مِن
سنتِه ، ولا يجزُه إلا على سنتِه، كسائرٍ ما ذكّر معه مِن أعمالِ البرِّ - فهو قولُ
جماعةٍ مِن العلماءِ؛ منهم أبو سلمةً بنُ عبدِ الرحمْنِ ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ ، قالا:
على المعتكفِ الصومُ وإن نوَى ألا يصومَ . وبه قال ابنُ شهابٍ الزهرىُّ(١) ، وأبو
عمرو الأوزاعىُّ .
قال أبو عمرَ : أما الصلاةُ والصيامُ فأجمعوا أن لا مدخلَ للشرطِ فيهما ، وأما
الحجّ فإنهم اختلفوا فيه؛ فمَن أجاز فيه الاشتراطَ احتجّ بحديثٍ ضُباعةً بنتِ
الزبيرِ بنِ عبدِ المطلبٍ، أن رسولَ اللهِ وَّةٍ قال لها: «أهِلِّی بالحجّ، واشترطِی
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٠٣٨).
٤٠٢
٠
الموطأ
أن محِلِّى حيثُ حبَستَنِى)) (١). وسنذكرُ هذه المسألةَ فى موضعِها مِن كتاب الاستذكار
الحجّ مما فيها للعلماءِ من المذاهبِ (١)، إن شاء اللهُ. وأما الاعتكافُ، فالشرطُ
فيه أنه متى عرَّضه ما يقطعُه عليه أن يبنىَ إن شاء ولا يبتدىّ؛ فأكثرُ أهلِ العلمِ على
ما قال مالكٌ، أنه إذا أتَى ما يقطعُ اعتكافَه ابتدَأ ولم ينفعه شرطُه، وعليه قضاءُ
اعتكافه .
ومنهم من أجاز له شرطَه إذا اشترطه فى حينٍ دخوله فى اعتكافِه .
ذكَر عبدُ الرزاقِ(١) عن شيوخِه بالأسانيدِ، أن قتادةَ، وعطاءً، وإبراهيم ،
أجازوا الشرطَ للمعتكفِ فى البيعِ والشراءِ، وعيادةِ المريضِ، واتباع الجنازةِ،
والجمعةِ ، وأن يأتىَ الخلاءَ فى بيته، ونحوِ ذلك. وزاد عطاءً: إن اشترَط أن
یعتکفَ النهار دون اللیل وأن یأتی بیته ليلًا فذلك له.
وعن علىٍّ بنِ أبى طالبٍ وعبدِ اللهِ : له نيتُه(4) .
وقال الشافعىُّ: لا بأسَ أن يشرُطَ : إن عرَض لى أمرٌ خرجتُ . وممن أجاز
الشرطَ للمعتكفِ أحمدُ بنُ حنبلٍ ، وإسحاقُ بنُ راهُويَه ، إلا أن أحمدَ اختلَف
قولُه فيه ؛ فمرةً قال: أرجو أنه لا بأسَ به . ومرةً منَع منه . وقال إسحاقُ: أما
الاعتكافُ الواجبُ فلا أَرَى أن يعودَ فيه مريضًا، ولا يشهدَ جِنازةً ، وأما
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٨١٤) من الموطأ .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٨١٤) من الموطأ .
(٣) عبد الرزاق (٨٠٤٢، ٨٠٤٣، ٨٠٤٥ - ٨٠٤٧).
(٤) عبد الرزاق (٨٠٤٤).
٤٠٣
الموطأ
الاستذكار التطوعُ، فإنه يشرُطُ فيه حينَ يبتدئُّ شهودَ الجِنازةِ، وعِيادةَ المرضى .
واختلفوا فى المعتكفِ يمرضُ؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ :
يخرجُ، فإذا صحَّ رجَع فأتمَّ ما بقِى عليه مِن اعتكافِه إذا كان نذْرًا واجبًا عليه .
وقال الثوریُ : یبتدئُ.
قال أبو عمرَ: هذا إذا كان مرضُه لا يمنعُه معه المُقامَ .
واختلفوا فى المعتكفةِ تُطلَّقُ، أو يموتُ عنها زوجها ؛ فقال مالكٌ : تمضِى
فى اعتكافِها حتى تفرُغَ منه، وتُتِمُ بقيةً عدتِها فى بيتٍ زوجها . وقال الشافعىُّ :
تخرج، فإذا انقضَت عدتُها رجعت .
واختلفوا فى المعتكفِ يدخلُ بيتًا؛ فقال ابنُ عمرَ، وعطاءٌ، وإبراهيمُ : لا
يدخلُ تحتَ سقفٍ(٢) . وبه قال إسحاقُ. وقال الثورىُّ: إن دخَل بيتًا غيرَ
مسجدِه بطَل اعتكافُه. ورخَّص فيه ابنُّ شهابٍ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو
حنيفةً، وأصحابُهم .
وكان الشافعىُّ لا يكرهُ للمعتكفِ أن يصعدَ المنارةَ. وهو قولُ أبى حنيفةً ،
وبه قال أبو ثورٍ، وكرِه ذلك مالكٌ ولم يرخِّصْ فيه. واختلفوا فى المعتكفِ
يصعَدُ المِئذنةَ ليؤذِّنَ ؛ فكرِه ذلك مالكٌ ، والليثُ ، وقالا : لا يصعدُ على ظهرٍ
المسجدِ . وقال الحسنُ بنُ حىٍّ : لا بأسَ بذلك كلِّه. قال أبو حنيفةً: إن فعلَ لم
القبس
(١) سقط من : م .
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٠٨٩، ٨٠٩٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣/ ٩٠.
٤٠٤
الموطأ
يضرّه شىء، ولا يفسدُ اعتكافُه ولو كانت خارجَ المسجدِ. وهو قولُ الشافعيّ. الاستذكار
وقال مالكٌ : لا يشتغلُ المعتكفُ فى مجالسٍ أهلِ العلمِ ، ولا يكتبُ العلمَ.
وقال عطاءُ بنُّ أبى رباحٍ، والأوزاعىُ، وسعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، والليثُ بنُ
سعدٍ، والشافعىُّ: لا بأسَ أن يأتىَ المعتكفُ مجالسَ العلماءِ فى المسجدِ الذى
یعتکفُ فيه .
قال أبو عمرَ: مَن كرِه ذلك كما كرِهه مالكٌ ؛ فلأن مجالسَ العلم شاغلٌ له
عما جعَل على نفسِه وقصَده مِن الاعتكافٍ، وإذا لم يشهدِ الجِنازةَ، ويعُدِ
المريضَ، ذلك دليلٌ على أنه لا يتعدَّى اعتكافَه إلى شىءٍ مِن أعمالِ البرّ إلا
اعتكافَه. وكما لا يقطعُ صلاةَ التطوع ولا غيرَها لعملٍ برِّ سِواها؛ مِن إصلاحٍ بينَ
الناسِ أو (١) غيرِ ذلك، فكذلك لا يَدَعُ اعتكافَه لِما يشغَلُه عنه مِن أعمالِ البرّ .
ومَن رَخَّص فى مشاهدتِه مجالسَ العلم فى المسجدِ ؛ فلأنه عملُ بِّ(١) لا يُنافِى
اعتكافَه، وإنما يُكرهُ له ما ينافِى اعتكافَه مِن اللهوِ والباطلِ والحرامِ.
قال أبو عمرَ: مالكٌ أسعدُ بأصلِه مِن هؤلاء؛ لأنهم (يجامعونه فى " أن
المعتكفَ لا يشهدُ جِنازةً، ولا يعودُ مريضًا إن شاء الله تعالى.
القبس
(١) فى م: (( و)).
(٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) فى م: ((ذهبوا إلى)).
٤٠٥
الموطأ
ما لا يجوزُ الاعتكافُ إلا به
٧٠٢ - مالكٌ، أنه بلَغَه أن القاسِمَ بنَ محمدٍ ونافعًا مَولَى عبدِ اللهِ
ابنِ عمرَ قالا : لا اعتكافَ إلا بصيامٍ . لقولِ اللهِ تباركَ وتعالى فى كتابه :
﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اُلْأَسْوَدِ مِنَ
اٌلْفَجْرِّ ثُمَّ أَيِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ
فِي الْمَسَجِدِ﴾. [البقرة: ١٨٧]. فإنما ذكر اللهُ عزَّ وجلّ الاعتكافَ مع
الصيامِ .
قال مالكٌ: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا، أنه لا اعتكافَ إلا بصيامٍ .
الاستذكار
بابُ ما لا يجوزُ الاعتكافُ إلا به
ذكَر فيه مالكٌ ، أنه بلغه أن القاسمَ بنَ محمدٍ ونافعًا مولى ابنِ عمرَ قالا : لا
اعتكافَ إلا بصوم (١) لقولِ اللهِ تبارك وتعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَيُِّوْ اُلْضِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا
تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِىِ الْمَسِدِّ﴾. فإنما ذكَرَ اللهُ الاعتكافَ مع الصيامِ.
قال مالكٌ: وعلى هذا الأمر عندَنا، أن لا اعتكافَ إلا بصومٍ .
قال أبو عمرَ: قولُ مالكٍ: وعلى هذا الأمرُ عندَنا ، أن لا اعتكافَ . فى هذا
الباب ، هو قولُ ابنِ عباسٍ على اختلافٍ عنه، وهو قولُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ،
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٨٧٣)، وأخرجه البيهقى فى المعرفة (٢٦٤٠) من طريق مالك به.
٤٠٦
الموطأ
الاستذكار
وعائشةَ، رضِى اللهُ عنهم .
ذكَر ابنُ وهبٍ وعبدُ الرزاقِ (١) ، قالا: أخبرنا ابنُ جريج، عن عطاءٍ، عن
ابنِ عباسٍ وابنٍ عمرَ، قالا : لا اعتكافَ إلا بصومٍ .
وبه قال عروةُ بنُّ الزبيرِ ، وعامرٌ الشعبىُّ ، وابنُ شهابِ الزهرىُّ(٢) ، وسفيانُ
الثورىُّ، والأوزاعىُّ، والحسنُ بنُ حىٍّ، وأبو حنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ .
وقال الشافعىُّ : الاعتكافُ جائزٌ بغيرِ صيامٍ. وهو قولُ علىّ بن أبى طالبٍ
وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضِى اللهُ عنهما ، كلاهما قال: المعتكفُ إن شاء صام،
وإن شاء لم يَصُمُْ) . وعن ابن مسعودٍ ، أنه قال: ليس على المعتكفِ صومٌ إلا أن
يجعلَه على نفسِه. وبه قال الحسنُ البصريُّ، وعطاءُ بنُّ أبى رباحٍ، وعمرُ بنُ
عبدِ العزيزِ (١) . وبه قال أحمدُ بنُ حنبل ، وإسحاقُ ، وابنُ عُلَيَّةً، وداودُ . واختُلِف
فى هذه المسألةِ عن ابنِ عباسٍ ؛ وروى عنه طاوسٌ : ليس على المعتكفِ صومٌ
إلا أن یجعله علی نفسه . رواه أبو سھیل نافئُ بنُ مالك ، عن طاوسٍ " . وروَی
عنه عطاءٌ، ومِقْسمٌ ، وأبو فاختةً: لا اعتكافَ إلا بصوم ) . وكذلك روَى ليثٌ،
عن طاوسِ. واختُلِف فى هذه المسألةِ عن إبراهيمَ النخَعيِّ؛ فرُوِى عنه القولان
القبس
(١) عبد الرزاق (٨٠٣٣). وأخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ٣٤٦/١٠، وابن حزم ٢٦٨/٥ من
طريق ابن وهب به .
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٠٣٩، ٨٠٤١)، ومصنف ابن أبى شيبة ٨٧/٣.
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٨٧/٣، والمحلى ٢٦٧/٥، ٢٦٨، ومعرفة السنن للبيهقى ٤٦١/٣.
(٤) سيأتى فى الصفحة التالية .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٨٠٣٣ - ٨٠٣٦)، وابن أبى شيبة ٨٧/٣.
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٨٧/٣ من طريق ليث به .
٤٠٧
الموطأ
الاستذكار جميعًاً). وكذلك اختُلِف فيها عن أحمد وإسحاقَ. وأما أبو ثورٍ فقولُه فيها
كقولِ الشافعىِّ، وهو اختيارُ المُزنىّ، واحتجّ لمذهبِه ومذهب الشافعىِّ كذلك
بحجَجٍ؛ منها أن عمرَ بنَ الخطابِ رضى اللهُ عنه نذَر أن يعتكفَ ليلةً ، فأمَره
رسولُ اللهِ وَلِّ أن يوفِىَ بنذْرِه (١). وليس الليلُ موضعَ صيامٍ. ومنها ، أن صيامَ
رمضانَ لا ينوِى به أحدٌ رمضانَ وغيرَه معًا ، لا واجبًا مِن الصيامِ ولا غيرَ واجبٍ،
ومعلومٌ أن اعتكافَ رسولِ اللهِ وَ لّ كان فى رمضانَ. ومنها، أن ليلَ المعتكفِ
ونهارَه سواءٌ، وليس الليلُ بموضعِ الصيامِ .
وذكَر الحميدىُّ(١) ، عن الدَّرَاوردىِّ، قال : أخبرنى أبو سهيلٍ بنُ مالكِ،
قال : اجتمعتُ أنا وابنُ شهابٍ عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فكان على امرأتی
اعتكافُ ثلاثةِ أيامٍ فى المسجد الحرامِ ، فقال ابنُّ شهابٍ: لا يكونُ الاعتكافُ
إلا بصيامٍ. فقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: أَمِن رسولِ اللهِ وَ لَ؟ قال: لا. قال: فمِن
أبى بكرٍ؟ قال: لا. قال: فمِن عمرَ؟ قال: لا. قال: فمِن عثمانَ؟ قال :
لا . "قال: فلا) . قال أبو سهيل: فانصرفتُ فوجدتُ طاوسًا وعطاءً،
فسألتُهما عن ذلك ، فقال طاوس : کان ابنُ عباسٍ لا یری على المعتكفِ صيامًا
إلا أن يجعلَه على نفسِه. قال عطاء: وذلك رأيى .
وبالله التوفيقُ، وهو حسبنا ونعم الوكيلُ .
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٨٧/٨، والمحلى ٢٦٨/٥.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٧٥ .
(٣) أخرجه ابن حزم ٢٦٧/٥، ٢٦٨ من طريق الحميدى به.
(٤ - ٤) سقط من: م.
٤٠٨
الموطأ
خروجُ المعتكفِ إلى العيدِ
٧٠٣ - قال یحیی بن یحتی: حدّثنی زیادُ بنُ عبد الرحمنِ ، عن
مالك، عن سُمَىٍّ مولَى أَبى بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، أن أبا بكرٍ بنَ
عبدِ الرحمنِ اعتكفَ، فكان يذهَبُ لِحاجَتِه تحتَ سقِيفةٍ فى حجرةٍ
مُغلقةٍ فى دارٍ خالدِ بنِ الوليدِ ، ثم لا يرجِعُ حتى يشهَدَ العيدَ مع المسلمين .
الاستذكار
:
بابُ خروج المعتكِفِ للعيدِ
هذا البابُ والبابان اللذان بعدہ إلی آخر کتاب الاعتكافِ ، لم يسمع ذلك
یحیی عن مالكِ ؛ فرواه عن زيادٍ بنِ عبدِ الرحمنِ عن مالكِ، وقيل: سمِع
((الموطأُ)) مِن زيادٍ عن مالكِ، ثم رحَلُ(١) إلى مالكِ فلم يُمَّ ((الموطأ))، فاتّه منه
علیه لمرضِه وحضور أجله هذه الأبوابُ ، "فتحملها عن" زیادٍ عنه ؛ لما فاتهعن
مالكِ أتَى زيادًا فرواها عنه عن مالكِ .
ذكَر فيه مالكٌ، عن سُمَيٍّ مولى أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أن أبا بكرٍ
اعتگف ، فكان يذهب لحاجته تحت سقيفة فى حجرة مُعَلّقةٍ فی دارٍ خالدِ بنِ
الوليدِ ، ثم لا يرجعُ حتى يشهدَ العيدَ مع المسلمين ".
القبس
(١) فى الأصل، م: ((دخل)). والمثبت مما سيأتى ص ٤١٦ .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((فجملتها على)).
(٣) فى م: ((مغلقة)). قال الزرقانى ٢٧٩/٢: مغلقة بغين معجمة ساكنة. أى: مقفلة. وفى نسخة
بعين مهملة مفتوحة وشد اللام. أى: عالية .
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٨٧٤). وأخرجه =
٤٠٩
وحدَّثنى يحيى، عن زيادٍ ، عن مالكِ ، أنه رأى بعضَ أهلِ العلمِ إذا
الموطأ
اعتكفوا العَشْرَ الأُواخِرَ مِن رمضانَ، لا يرجِعُون إلى أهلِیهم حتى
يشهدوا الفِطرَ مع الناسٍ .
قال يحتِى: قال زيادٌ: قال مالكٌ: وبلَغنى ذلك عن أهلِ الفضلِ
الذين مضوا .
قال يحيى : قال زيادٌ: قال مالكٌ: وهذا أحبُّ ما سمِعتُ إِلىَّ فى ذلك.
الاستذ کار
قال أبو عمرَ : أما مشى أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ تحتَ سقيفةِ حجرة خالدٍ
ابنِ الوليدِ، فقد مضّى القولُ فيمَن أجاز ذلك ومَن كرِهه فى البابِ الذى قبلَ
هذا. والأصلُ فى الأشياءِ الإباحةُ، حتى يَقرَعَ السمعَ ما يوجبُ الحظرَ، ولم
يمنعِ اللهُ مِن ذلك ولا رسولُه، ولا اتفَق الجميعُ على المنع منه، ولا تقومُ الحجةُ
إلا مِن هذه الوجوه ، أو ما كان فى معناها .
وأما قولُ مالكِ أنه رأى أهلَ العلمِ إذا اعتكفوا فى العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ
لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا الفطرَ مع المسلمين.
قال مالكٌ: وبلَغنى ذلك عن أهلِ الفضلِ الذين مضَوا، وهو أحبُّ ما
سمِعتُ إلىّ فى ذلك .
قال أبو عمرَ : هذا مِن قولِهِ يدُلُّ على أنه سمِع الاختلافَ فى هذه المسألةِ ،
وقد اختلف قولُه فيها؛ فالأكثرُ عنه ما فى ((موطئِه)) ، أنه لا يخرجُ مِن معتكفِه مَن
القبس
= البيهقى فى المعرفة ٤٦٤/٣ من طريق مالك به .
٤١٠
الموطأ
اعتكف العشر الأواخرَ إلا إلى المُصلَّى، وإن خرَج فلا شىءَ عليه . رواه ابنُ
القاسم، عن مالكِ فى ((العُتْبِيَّةِ))). وهو قولُ ابنِ القاسم . وقال ابنُ الماجشونِ
وسحنونٌ : يعيدُ اعتكافَه. قال سحنونٌ: لأن السنة المجتمع علیها أن یبیتَ فی
معتگّفِه حتی یصبح .
الاستذكار
قال أبو عمرَ: لم يَقُلْ بقولِهما أحدٌ مِن أهلِ العلم فيما علِمتُ ، إلا روايةً
جاءت عن مالكٍ، ذكّرها إسماعيلُ فى ((المبسوطِ)) لا وجهَ لها فى القياسِ ؛ لِما
وصَفنا، والصحيحُ عن مالكِ فيها ما ذكرنا ، ولم يجتمع على ما ذكَّر سحنونٌ
أنها سنةٌ مجتمعٌ عليها، والخلافُ موجودٌ فيها، والخلافُ لا حجةً فيه .
وذكر ابنُ وهب ، عن اللیثِ ، أن ◌ُقیلا حدَّثه، عن ابن شهاب ، أنه كان لا
يرى بأسًا أن ينصرفَ المعتكِفُ إلى أهلِه ليلةَ الفطرِ . وبه قال الليثُ بنُ سعدٍ .
قال أبو عمرَ: هى مسألةُ استحبابٍ؛ ليصلَ المعتكفُ اعتكافَه بصلاةٍ
العيدِ، فيكونَ قد وصَل نسكًا بنسكِ، واللهُ أعلم؛ لأن ذلك لا(١) واجبٌ ، ولا
لازمٌ، ولا سنةٌ مؤكدةٌ ؛ لأن الأصلَ ليلة العيدِ ویوم العیدِ لیس بموضع اعتكافٍ ،
لا سيَّما عندَ مَن لا يراه إلا بصيام، ومع هذا فإن الذى ذكره مالكٌ معلومٌ بالمدينةِ
وبالكوفةِ .
القبس
(١) فى الأصل: ((الغربية))، وفى م: ((المدونة)). والمثبت هو الصواب. وكتاب العتبية - ويعرف أيضًا
بالمستخرجة - لفقيه الأندلس أبى عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة العتبى . ينظر
الأنساب ١٤٩/٤، وسير أعلام النبلاء ٣٣٥/١٢، وما سيأتى ص٤٤٤ .
(٢) ليس فى : الأصل.
٤١١
الموطأ
ذكَر ابنُّ أبى شيبةً( ١١، عن وكيع، عن سفيانَ، عن مغيرةً ، عن أبى معشرٍ،
الاستذكار
عن إبراهيمَ ، قال: كانوا يستحبُّون للمعتكِفِ أن يبيتَ ليلةَ الفطرِ فى المسجدِ ،
حتی یکونَ غُدُُّه منه إلى العيدِ .
وعن وكبعٍ (١)، عن عمرانَ بنِ مُحدَيرٍ، عن أبى مِجلَزٍ، قال: يبيتُ ليلةً الفطرِ
فى المسجد الذی اعتگف فيه، حتی یکون خروجه منه إلى مُصلَّاه .
وعن إسماعيلَ ابنِ عُلَيَّةً(١)، عن أيوبَ، عن أبى قلابةَ ، أنه فعَل مثلَ ذلك.
فهؤلاء مِن أهلِ الكوفة والبصرةِ أعلامٌ ، إلى ما حكاه مالكٌ عن طائفةٍ مِن
فضلاءِ أهلِ المدينةِ وعلمائهم . ومذهبُ أحمدَ بن حنبلٍ فى ذلك على ما اختاره
مالكٌ واستحبّه. وكان الشافعىُّ والأوزاعىُّ يقولان: يخرجُ مِن اعتكافِه إذا
غربت الشمسُ مِن آخرٍ أیامِه .
قال الشافعىُّ: إذا أراد أن يعتكفَ العشْرَ الأواخرَ دخَل قبلَ
الغروبِ، فإذا أُهلَّ هلالُ شوالٍ فقد أتمّ العشْرَ. وهو قولُ أبى حنيفةً
وأصحابه .
قال أبو عمرَ: قد أجمعوا فى المعتكِفِ العَشْرَ الأَوَّلَ أو الوُسَطَ مِن رمضانَ
أنه يخرج إذا غابت الشمسُ مِن آخرِ یوم مِن اعتكافِه . وفی إجماعِهم على ذلك
ما يُوهِنُ روايةَ مَن روَى: يخرُجُ مِن صُبحتِها(١). أو: فى صُبحتِها (٢).
-
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣/ ٩٢.
(٢) فى م: ((صبيحتها)). وينظر سيأتى ص ٤٤٢ - ٤٤٥.
٤١٢
الموطأ
قضاء الاعتكافٍ
٧٠٤ - يحيى، عن زيادٍ، عن مالكِ، عن ابن شهابٍ ، عن عمْرَةَ
بنتِ عبدِ الرحمنِ، أن رسولَ اللهِ وَّ لَهِ أَراد أن يعتكِفَ، فلمَّا انصرَف
إلى المكانِ الذى أراد أن يعتكِفَ فيه وجَد أَخْبِيَةً؛ خِباءً عائشةَ، وخِباء
حفصةً، وخِباءَ زينب ، فلمّا رآها سأل عنها، فقيل له: هذا خِباءُ
عائشةً، وحفصةً، وزينب. فقال رسولُ اللهِ وَله: ((آلْبِرَّ تقولون
بهن؟ ) . ثم انصرف فلم يعتكِفْ ، حتى اعتكف عشْرًا مِن شؤَّالٍ .
الاستذكار
وإجماعُهم على ذلك (يقضى على١) ما اختلفوا فيه من الخروج لمن اعتكف
العَشْرَ الأواخرّ، ويدُلَّ على تصويبٍ روايةٍ مّن روّى : يخرج فيها مِن اعتكافِه(١).
يعنى بعدَ الغروبِ، واللهُ أعلمُ. والصحيح فى تحصيلٍ مذهبٍ مالكِ أن مُقامَ
المعتكِفِ ليلةً الفطرِ فى معتكَفِه وخروجه منه إلى العيدِ استحبابٌ وفضلٌ لا
إيجابٌ، وهو الذى ذكّر فيه قولّه فى ((موطئِه))، بل قد نصَّ عليه. وبالله التوفيقُ.
مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ، عن عَثْرَةً بنتِ عبدِ الرحمنِ(١) ، أنَّ رسولَ اللهِ
التمهيد
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((يقضى))، وفى م: ((نقيض)). والمثبت مما سيأتى ص ٤٤٥.
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٤٤٢ - ٤٤٤.
(٣) قال أبو عمر: ((ابن شهاب عن عمرة حديث واحد مرسل فى الموطأ ليحيى وحده ، وهو غلط
منه، وهى عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارى)). تهذيب الكمال ٢٤١/٣٥.
٤١٣
الموطأ.
قال يحيى: قال زيادٌ: وسُئِل مالكٌ عن رجل دخَل المسجدَ
لِعُكوفٍ فى العَشْرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ ، فأقام يومًا أو يومين ثم مرض ،
فخرج من المسجدِ ، أیچِبُ عليه أن يعتكِفَ ما بقى مِن العَشْرِ إِذا صحَّ ،
أم لا يجِبُ ذلك عليه، وفى أىِّ شهرٍ يعتكِفُ إن وجَب عليه ذلك ؟
فقال مالكٌ: يَقضِى ما وجب عليه مِن ◌ُكوفٍ إذا صحَّ فى رمضانَ أو
غيرِه .
التمهيد
وَّ أراد أن يعتَكِفَ، فلمَّا انصَرَف إلى المكانِ الذى أراد أن يعتكِفَ فيه
وجَدَ أُخْبِيَةً؛ خِباءَ عائشةَ، وخِباءَ حفصَةً، وخِباءَ زينبَ، فلمَّا رآها سألَ
عنها، فقيل له: هذا خِباءُ عائشةً، وحفصَةَ، وزينبَ. قال رسولُ اللهِ
وَله: ((آلبِرَّ تقولونَ بهنَّ؟)). ثم انصرَفَ فلم يعتَكِفْ، حتى اعتَكَف
عشْرًا مِن شؤالٍ .
هكذا هذا الحديثُ ليحيى فى ((الموطّأُ))، عن مالكِ، عن ابنٍ
شهابٍ. وهو غلطٌ وخطَأْ مُفْرِطْ، لم يُتابعه أحدٌ مِن رواةِ ((الموطَّأُ)) فيه
عن ابن شهابٍ، وإنَّما هو فى ((الموطَّأَ)) لمالكِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ .
إِلَّ أنَّ رُواةَ ((الموطّأُ)) اختَلَفوا فى قَطْعِه وإسنادِه؛ فمنهم مَن يَزْويه عن
مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَله. لا يذكُرُ عَمْرَةَ.
ومنهم مَن يَزْوِيه عن مالكِ، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرَةَ. لا یذكُر
القبس
٤١٤
الموطأ
عائشةً . ومنهم مَنْ يرويه عن مالكِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرَةَ، التمهيد
عن عائشةً(٢) . يَصِلُه (" ويُشْيِدُه » .
وأمّا روايةُ يحيى، عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ. فلم يُتابعه أحدٌ على
ذلك، وإنما هذا الحديثُ لمالكِ، عن يحيى بن سعيد الأنصارىِّ، عن
عَمْرَةً. لا عن ابنِ شهابٍ، عن عَمْرَةَ. كذلك رَوَاه مالكٌ وغيرُهُ(٤) جماعةٌ
عنه. ولا يُعرَفُ هذا الحديثُ لابنٍ شهابٍ، لا مِن حديثٍ مالكِ، ولا مِن
حدیث غيره من أصحاب ابن شهاب، وهو مِن حدیث یحیی بنِ سعيد
محفوظٌ صحيحٌ مُسْتَدّ(٥).
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٨٧٦). وأخرجه أبو
نعيم فى مستخرجه - كما فى فتح البارى ٢٧٧/٤ - والبيهقى ٣٢٣/٤، وفى المعرفة (٢٦٤٦) من
طريق مالك به .
(٢) سيأتي تخريجه الصفحة التالية .
(٣ - ٣) فى النسخ: ((بسنده)). والمثبت من تنوير الحوالك ٢٣٢/١ نقلًا عن المصنف.
(٤) بعده فى النسخ: ((و).
(٥) فى م: ((سنده).
وقال المصنف فى آخر باب يحيى بن سعيد: «هذا ما ليحيى بن سعيد عن عمرة، وله عن عمرة
حدیث الاعتكاف قد ذكرناه فى باب ابن شهاب برواية يحيى له عن مالك عن ابن شهاب، وهو مما
رواه عن زياد عن مالك، وذلك خطأ، وإنما الحديث ليحيى بن سعيد عند جماعة الرواة ، ليس لابن
شهاب ، والله الموفق للصواب، وهو حديث مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن،
أن رسول الله * أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذى أراد أن يعتكف فيه رأى أخبية؛
خباء عائشة وخباء حفصة وخباء زينب، فقال رسول الله وَاله: ((آلبر تقولون بهن؟)). ثم انصرف
فلم يعتكف ، حتى اعتكف عشرًا من شوال. هكذا هو فى الموطأ مرسلًا، وقد وصله الوليد بن مسلم =
٤١٥
الموطأ
: التمهيد
وهذا الحديثُ مِمَّا فات يحيى سماعُه عن مالكِ فى ((الموطّاً))، فرَوَاه عن
زيادٍ بنِ عبدِ الرحمنِ المعروفِ بشَبْطونٍ ، وكان ثقةً، عن مالكٍ . وكان يحيى
ابنُّ يحيى قد سمِعَ ((الموطَّأَ)) منه بالأندلُسِ ومالكٌ يومَئذٍ حىٍّ، ثم رحَل فسَمِعَه
مِن مالكٍ حَاشَا ورقةً فى الاعْتِكافِ لم يسمَعها ، أو شكَّ فى سماعِها مِن مالكٍ،
فرواها عن زيادٍ ، عن مالكٍ، وفيها هذا الحديثُ، فلا أدرِى مِمَّن جاء هذا الغَلَطُ
فی هذا الحديث ، أمِن یحیی أُم مِن زیادٍ ؟ ومِن أيُّهما كان ذلك فلم يُتابعه أحدٌ
علیه، وهو حديثٌ مسندٌ ثابتٌ مِن حديثٍ يحيى بن سعيدٍ .
ذگره البخارى(١)، عن عبد الله بن یوسف ، عن مالك، عن يحيى بنِ
سعيدٍ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ مُسنَدًا .
قال البخارىُ(٢): وأخبرنا أبو (٣) الثَّعمانِ، حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا
القبس
= عن مالك، وكذلك رواه الجماعة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة مسندًا، وقد ذكرنا
ذلك وذكرنا ما فى هذا الحديث من المعانى ، وما للعلماء فيها من المذاهب فى باب ابن شهاب عن عمرة،
وإن كان ذلك خطأ لا شك فيه، ولكن لما رواه يحيى بن يحيى عن مالك كذلك على ما وصفنا وبالله
توفیقنا. حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا ابن ملاس حدثنا أبو عامر المری حدثنا
الوليد بن مسلم حدثنا أبو عمرو الأوزاعى ومالك بن أنس عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ذکرت
أن رسول اللـه * أراد أن يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها ، وسألته
حفصة أن يأذن لها ففعل ، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء لها . قالت : فكان رسول الله
و* إذا صلى الصبح انصرف إلى بنائه فأبصر الأبنية فقال: ((ما هذا؟)). قالوا: عائشة وحفصة وزينب.
فقال رسول الله #: ((ما أنا بمعتكف)). فرجع فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوال)).
(١) البخارى (٢٠٣٤).
(٢) البخارى (٢٠٣٣).
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٨٧/٢٦.
٤١٦
الموطأ
یحیی بن سعيد، عن عَمْرَةً، عن عائشةً قالت: كان النبىُ ێ یعتکِفُ فى
العشرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ ، وكنتُ أضرِبُ له خِبَاءً ، فيُصلِّى الصبح ثم يدخُلُه ،
فاستأذَنَتْ حفصةُ عائشةَ أَنْ تضرِبَ خِبَاءً فأذِنَتْ لها ، فضرَبَتْ خباءً، فلمَّا رأته
زينبُ بنتُ جَخْشٍ ضرَبتْ خباءً آخَرَ، فلمَّا أصبَح رسولُ اللهِ وَِّ رِأى الأُخْبِيَة،
فقال: ((ما هذا؟)). فأَخْبِرَ، فقال: ((آلْبِرَّ تُردْنَ بهنَّ؟)). فترك الاعتكافَ ذلك
الشهر، ثم اعتگفَ عشرًا مِن شؤَالٍ .
التمهيد
أخبرنا عبدُ اللهِ بن محمد بن عبدِ المؤمن ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکرِ بن
داسَةً ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدّثنا أبو
معاویةً ویعلی بنُ عُبيدٍ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن عَمْرَةً ، عن عائشةً قالت : كان
رسولُ اللهِ نَّه إذا أراد أنْ يعتَكِفَ صلَّى الفجْرَ ثم دخَل مُعتَكَفَه. قالت: وإِنَّهُ(١)
أراد مرةً أن يعتَكِفَ فى العشرِ الأواخِرٍ مِن رمضانَ. قالتْ(١) : فأمَرَ ببنائِه
فضُرِبَ ، فلمَّا رأيتُ ذلك أمرْتُ بينَائِى فضُرِبَ. قالت: وأمَر غيرى مِن أزواج
النبيِِّ لَّه بينائِها فضُرِبَ، فلمَّا صلَّى الفجرَ نظَرَ إلى الأبنيةِ، فقال: ((ما هذا؟
آلِرَّ تُرِدْنَ؟)). قالت: فأمَرَ ببنائِه فَقُوّضَ، وأَمَرَ أزواجه بأنِيَتِهنَّ فَقُوَّضَتْ، ثم
أخَّرَ الاعتِكَافَ إلى العشرِ الأُوَلِ مِن شؤَالٍ(٣).
القبس
(١) فى النسخ: ((فإنه)).
(٢) فى النسخ: ((قال)).
(٣) أخرجه البيهقى فى المعرفة (٢٦٤٧) من طريق محمد بن بكر بن داسة به . وهو عند أبى داود
(٢٤٦٤). وأخرجه ابن حبان (٣٦٦٦) من طريق عثمان بن أبى شيبة به، وأخرجه مسلم (٦/١١٧٣)،
والترمذى (٧٩١) من طريق أبى معاوية - وحده - به .
٤١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢٧/٩)
الموطأ
ورَوَاه الأُوزاعِىُّ(١) ومحمدُ بنُ إسحاقَ(١)، عن يحيى بن سعيدٍ مثلَه .
التمهيد
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُ إسماعيلَ الترمِذىُّ، قال: حدَّثنا الحميدِىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينَةً ،
قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يُحدِّثُ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ قالت : أراد
رسولُ اللهِ وَلِّ أن يعتكِفَ العشرَ الأُواخِرَ مِن رمضانَ، فسمِعْتُ بذلك،
فاستَأْذَنْتُه فأذِنَ لى ، ثم استأذَنَتْه حفْصَةُ فأذِنَ لها ، ثم استأذَنَتْه زينبُ فأذِنَ لها .
قالت: وكان رسولُ اللهِ وَّ إذا أراد أن يَغتَكِفَ صلَّى الصبحَ ثم دخَل مُعتَكَفَه ،
فلمَّا صلَّى الصبحَ رأى فى المسجدِ أربعةً أبنيَّةٍ، فقال: ((لمَن هذه؟)). قالوا:
لعائشةَ، وحفصةً، وزينبَ. فقال النبيُّ وَلّهِ: ((آلْبِرَّ تُرِدْنَ بهذا؟)). فلم يعتَكِفْ
رسولُ اللهِ لَِّ تلك العَشَرَةَ، واعتكَفَ عشْرًا مِن شؤَّالٍ(٢). وربّما قال سفيانُ
فى هذا الحديثِ: ((آلبِرَّ تقولون بهنَّ)). قال الحميدىُّ: بناء النبيِّ ◌َێ هو
لرابع.
وذگر عبد الرزاقِ (٤) ، عن ابنٍ عیینةً ، عن يحيى بن سعيد ، عن عَمْرَةً، عن
عائشةَ مِثْلَه سواءً إلى قولِه: فلمَّا صلَّى إذا هو بأربعةِ أَبْنِيَةٍ ، فقال: ((ما هذا؟)).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٩٢/٤١ (٢٤٥٤٤)، والبخارى (٢٠٤٥)، والنسائى فى الكبرى (٣٣٤٥) من
طريق الأوزاعى به .
(٢) أخرجه مسلم (١١٧٣) عقب الحديث (٦) من طريق محمد بن إسحاق به.
(٣) الحميدى (٢/١٩٥). وأخرجه مسلم (١١٧٣) عقب الحديث (٦)، والنسائى فى الكبرى
(٣٣٤٧) من طريق سفيان بن عيينة به .
(٤) عبد الرزاق (٨٠٣١).
٤١٨
الموطأ
التمهيد
قالوا: عائشةً، وحفصَةً، وزينبَ . قال: ((البِرّ تقولونَ بهذا؟)). فرفَعَ بناءَه .
قالت : فلم يعتَكِفِ العشرَ الأواخِرَ مِن رمضانَ ، واعتَكَفَ عشْرًا مِن شوالٍ .
وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُّ عمرو بنِ منصورٍ ، وأخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ وعُبيدُ بنُ محمدٍ ، قالا :
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسرورٍ (١) ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ، قالا جميعًا:
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سَنْجَرَ الجُرْجانِىُ، قال: حدَّثنا يعلى بنُ عُبيدٍ(٢)،
قال: أنبأنا يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ وَاتِ
إذا أراد أن یعتگِفَ صلَّى الصبح ثم دخَلَ المكان الذی ◌ُريدُ أن يعتکِفَ فيه ، فأراد
أن يعتَكِفَ العشرَ الأَواخِرَ مِن رمضانَ، فضُرِبَ له خِباءٌ ، وأَمَرَتْ عائشةُ فضُرِب
لها خباءٌ، وأمَرَتْ حفصَةُ فضُرِب لها خباءٌ، فلمَّا رأتْ زينبُ خِباءَهما أمَرَتْ
فَضُرِبَ لها خباءٌ، فلمَّا رَأَى رسولُ اللهِ وَِّ ذلك قال: ((آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟)). فلم
يعتَكِفْ فى رمضانَ، واعتَكَف عشْرًا فى شؤَالٍ(٢).
هذا الحديثُ أدخله مالكٌ وغیرُه مِن العلماءِ فى بابٍ قضاء الاعتكاف ، وهو
أعظَمُ ما يعْتَمِدُ عليه مَن فَقِهَه، ومعنَى ذلك عندِى، واللهُ أعلمُ، أَنَّ رسولَ اللهِ
القبس
(١) فى م: ((مسروق)).
(٢) بعده فى النسخ: ((قال: حدثنا يحيى بن عبيد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٣/٣١،
٣٨٩/٣٢.
(٣) أخرجه أحمد ٧٣/٤٣ (٢٥٨٩٧)، وابن ماجه (١٧٧١)، والنسائى (٧٠٨)، وابن خزيمة
(٢٢١٧) من طريق يعلى بن عبيد به .
٤١٩
الموطأ
التمهيد
﴾﴾﴾ كان قد نَوَی اْتِکاف العشر الأواخر من رمضانَ، فلمَّا رأی ما گرِهَه مِن
تَنَافُسِ زينبَ وحفصةً وعائشةً فى ذلك ، وخَشِىَ عليهنَّ أَنْ تدخُلَ نِيَتَهُنَّ دَاخِلَةٌ ،
وما اللهُ أعلمُ به، فانصرَفَ، ثم وفَّى الله بما نوَاهِ مِن فعلِ البِرّ، فاعتَكَف عشْرًامِن
شؤالٍ ، وفى ذلك جوازُ الاعتكافِ فى غيرِ رمضانَ .
وأمَّا قولُه فى حديثٍ مالكِ: ((آلبرَّ تقولونَ بهنَّ)). فيحتَمِلُ: أْ: أيظُنُونَ
بهنَّ البِرّ، فأنا أُخشَى عليهنَّ أَنْ تُرِدْنَ الكونَ معى ، ولا يُرِدْنَ البِرّ خالصًا . فَكَرِهِ
لهنَّ ذلك. وعلى هذا يُخرَّجُ قولُه فى غيرِ حديثِ مالكِ: ((آلْبِرَّ يُرِدْنَ)). أو:
(تُردْنَ)). كأنَّه تقرير وتوبيخٌ بلَفظِ الاستفهامِ، أى: ما أظُنُّهنَّ يُرِدْنَ البِرَّ. أو:
ليس يُرِدْنَ البِرَّ. واللهُ أعلمُ. وقد يجوزُ أن يكونَ رسولُ اللهِ وَلَّه كَرِه لأزواجِه
الاعتكافَ لشدَّةِ مُؤْنَتِه؛ لأنَّ ليله ونهارَه سواءٌ. قال مالكٌ رحِمه اللهُ : لم يبلُغْنِى
أنَّ أبا بكرٍ ، ولا عمرَ، ولا عثمانَ، ولا ابنَ المسيَّبِ، ولا أحدًا مِن سَلَفِ هذه
الأُمَّةِ اعْتَكَف، إلَّا أبا بكرٍ بنَ عبد الرحمنِ. وذلك، واللهُ أعلمُ، لشدَّةٍ
الاعتكافٍ . ولو ذهَب ذاهبٌ إلى أنَّ الاعتكافَ للنّساءِ مكروة بهذا الحديث ،
لكان(١) مذهبًا، ولولا أنَّ ابنَ عُبينةً ذكَر فيه أنَّهنَّ استأْذَنَّه فى الاعتكافِ ، لقَطَعتُ
بأنَّ الاعتكافَ للنّساءِ فى المساجدِ غيرُ جائزٍ. وما أظُرُّ اسْتَقْذانَهُنَّ محفوظًا ،
واللهُ أعلمُ، ولکنُّ ابنَ عیینةً حافظً ، وقد قال فى هذا الحديث : سمِعتُ يحيى
ابنَ سعيدٍ .
القبس
(١) فى م: ((كان)).
٤٢٠